مذكرات الهروب من «حضن الوطن»

الحدود السوريّة- التركية عند تل أبيض. The Guardianالحدود السوريّة- التركية عند تل أبيض. The Guardian
image_pdfimage_print

المنفى، مع دخول الثورة السورية عامها الخامس، يشكل أبرز عناوين السوريين. لا يستطيع السوري، اليوم، أن يفكر بنفسه دون منفى. لكل منا قصة وحكاية: البعض لم يغادر، إلا أنه يعيش منفاه في الداخل؛ والبعض غادر ولم يقبل المنفى؛ وآخرون قبلوا المنفى ولكنه لم يقبلهم. أصدقاؤنا وعائلاتنا تتوزع في جهات الأرض الأربع. يختلط الخارج والداخل والهوية والغربة والشرق والغرب والشمال والجنوب في قصص لا تني تكبر كل يوم. 

المنفى عنوان من لا عنوان له.

للمنفى وجوه متعددة ومعانٍ مختلفة، ولكننا سنركّز على الشخصي والخاص. لم تحقق الثورة أهدافها بعد، إلا أنها فتحت باب الكلام الذي كان موصداً في مملكة الصمت. نريد أن يسمع السوريون بعضهم بعضاً، وأن يتفكروا في أحوالهم وأشجانهم وآمالهم ومخاوفهم. 

الكلام يخفف عبء المنفى ويروّضه.

على مدى ثلاثة أشهر، ستنشر «الجمهورية»، ضمن ملف من إعداد عُدي الزعبي، مقالاً أسبوعياً يتضمن قصصاً شخصية وتأملات عن المنفى والغربة واللجوء والحنين. نُشر منها إلى الآن « ليس أقل من الموت بميليمتر واحد» لـ نائلة منصور

نود أن نعرف المنفى عن قرب، علّ المعرفة تنفي المنفى، أو، على الأقل، تخلخله.

*****

الرقة، 10/5/2015، الرابعة صباحاً حسب توقيت دولة الخلافة

كنا تسعة أشخاص: ابن خالي أمجد ذو الخمسة عشر عاماً، ورجلان، وامرأتان، وثلاثة أطفال، أصغرهم لا يتعدى الأشهر الثلاثة، وأكبرهم بحدود السنوات السبع، وأنا. انطلقت بنا الحافلة الصغيرة من مدينة الرقة حوالي الساعة الرابعة صباحاً إلى مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي. لا نعرف بعضنا البعض ، لكن هدفنا مشترك: الوصول إلى مكان نأمن فيه على حياتنا.

نبهنا السائق قبل وصولنا إلى حاجز الدولة الإسلامية عند «الجسر الجديد»، الذي يسيطر على مدخل مدينة الرقة، أن نقول أننا ذاهبون إلى مدينة الطبقة، وليس إلى تركيا. وفي الطبقة يجب أن نقول أننا ذاهبون إلى منبج، وهكذا في كل محطة من محطات الرحلة. طلبت من أمجد، ابن خالي، أن يحفظ الدرس، وهو الفتى الذي أراد والده تهريبه خارج الرقة مخافةً من سياسة تجنيد الأطفال التي يتبعها تنظيم الدولة الإسلامية، وكذلك طلب الرجلان الآخران من امرأتيهما أن تحفظا هذا الكلام، أما الأطفال فقد كانوا نياماً منذ أن تحركت الحافلة.

أين أنتم ذاهبون؟ قالها الشاب الملتحي على الحاجز الذي تتحكم به «كتيبة التماسيح»، وهو يتثاءب نعساً.

– إلى الطبْقة، جاوبه السائق.

– يا شيخ، ولماذا تسافرون وقت الصلاة؟

– يا شيخ نحن في نية سفر. أجبته.

من منكم يدخن؟ تدخل شاب آخر من عناصر الحاجز، فاتحاً باب السيارة. رددنا بصوت واحد بأن لا أحد فينا مدخّن. قال: النساء هؤلاء مع مين؟ رد الرجلان: معنا. فطلب منهم تأكيداً بأوراق تثبت أنهن زوجاتهم. أبرز كل منهم أوراقه التي استحصلها من «الحسبة»، فسمحوا لنا بمتابعة الطريق.

عند مدخل مدينة الطبقة من جهة الرقة تكرر ما حصل عند مدخل الرقة، وتابعنا إلى مسكنة، ومنها إلى مدينة الباب، ومنها باتجاه أعزاز. الطريق يتلوى كأفعى كواها حرّ القيظ، والسيارة تراوغ الحفر والمطبات بفعل قلة الصيانة.

هذا آخر حاجز لتنظيم الدولة، جاءنا صوت السائق مبلّغاً. مددت يدي متحسساً هويتي وجهاز الموبايل استعداداً للامتحان الأخير. أنزلونا من السيارة، فتشوها بحثاً عن الدخان، والحقيقة أنني استغربت أين تمكن السائق من إخفاء العلب الخاصة بنا وبه، دققوا هوياتنا بسجلات هي عبارة عن مجموعة ورقات مخروزة مع بعضها، متسخة ومهترئة من جهة طيهاـ ثم بدأت حفلة تفتيش الموبايلات: ليش كلكم ماعندكم رسائل على الواتس أب أو الفايبر؟ أكيد مسحتوها! تدخل هنا رجل ملتحي كاشف الوجه أشقر اللحية، وتحدث إلينا بلغة عربية ركيكة: «ليمازا تتركون أرد الجيهاد؟ أرد الشام الشاريفة، وتزهبون الى أرد الكفارين؟ ليمازا تأخزون نيساء الموسلمين إلى الكوفار؟».

لم ينتظر منا جواباً.

أدار ظهره مبتعداً مع انتهاء حفلة التفتيش عن الدخان، وبدأت مرحلة التدقيق على اللباس والذقن. أمسكني أحدهم من لحيتي التي حلقتها بالأمس، وسألني: أسمعت حديث رسول الله: «أرخوا اللحى وحفوا الشوارب؟».

– أي شيخي، سمعت به ولكن عندي حساسية بس تطول ذقني.

– لعنكم الله! قال لي. تتشبهون بالكفار. بلعت الإهانة مبتسماً ولاعناً إياه في داخلي.

بعد ذلك جاء دور محاضرة الإزار، وهو طول الثوب أو البنطال وقصره، وكذلك اللباس الشرعي للنساء. وعند تأكدهم من مطابقتنا للمواصفات القياسية بلباسنا، سمحوا لنا بالمرور، وهنا نطق أكبر الأطفال سناً: هذول دواعش بابا؟! كانت أُذن الملتحي أسرع من كف الأُم الذي سدت به فم طفلها. أوقف الملتحي المقنع السيارة، كان الطفل ماداً نصف جسمه خارج السيارة. جرته أُمه إلا أن المقنع قرفص مواجهاً وجه الطفل، ليخاطبه: نحن الدولة الإسلامية يا شبل الخلافة! وأعطاه علبة مشروب طاقة كان يشرب منها. عمو، اللي يقولوا عنّا داعش هم الكفار والمرتدين، قال كلماته وأمرنا بالمتابعة. ألقى الطفل بالعلبة بقرف. تنفس الأب الصعداء، وبدأ يلوم زوجته على مابدر من الولد. بعد حوالي كيلومترين أوقف السائق السيارة جانب الطريق، ورفع غطاء المحرك ومن مخبأ سري هناك أخرج علب الدخان.

دخّنت سيجارتي ونفثت دخانها بزفرة طويلة محاولاً تركيز كل نيكوتينها في جوفي، وكذلك فعل الجميع عدا أمجد والأطفال وإحدى النساء. النساء تخلّصن من الدرع والعباءة.

قبل وصولنا أعزاز بقليل لاحت لنا رايه سوداء أُخرى، وراية بيضاء. كان الحاجز الأول لجبهة النصرة، والثاني للجبهة الإسلامية.

– منين الشباب؟

– من حلب يا شيخ.

– وين رايحين؟

– على أعزاز.

– الله معكم.

– منين الشباب؟ المقاتل نفسه سألنا. ولكوني من اتجاه وقوفه، فقد جاوبته: من الرقة يا شيخ!

-صف عاليمين ونزِّل الركاب! لا أعرف إن كانت سياسته تقضي بتفتيش سيارات وترك غيرها تمر دون تفتيش، لكن المؤكد أنه تم تفتيشنا بهذه الطريقة لأننا من الرقة.

-وين رايحين؟ جاوبه السائق: عالتيل. والمقصود بالتيل سياج من شبك حديدي، يمثل الحد الفاصل بين سورية وتركيا.

-التيل مسكر، وما رح يفتح لنهاية الشهر السادس. الأتراك عندهم انتخابات، والبوابة الحدودية  كمان مسكرة.

– بس يا شيخ شفنا سيارات شحن طالعة من البوابة.

– إي هي مفتوحة بس للتجارة من تركيا لسوريا وبس.

 

 حوار كلس، 10/5/3015، الثالثة عصراً حسب توقيت مناطق التهريب

 أشجار كثيفة تغطي جانبي الطريق المؤدي الى التيل، تتحلق العائلات حول الأشجار متوسدة الحقائب أو جاعلة منها كراسي، والأطفال يتسلقون على الأشجار، ونظرات الجميع شاخصة باتجاه التيل.

هنا سوق لكل شيء، من قناني الماء وصندويشات الفلافل، إلى جوازات السفر المزورة، إلى الشهادات الجامعية المضروبة، والدخان المهرب وعلب الشاي، إلى السيارات الأوروبية المستعملة، إلى أوراق ممهورة بأسماء مستشفيات ومنظمات طبية تثبت أن حاملها بحاجة إلى العلاج بتركيا تحايلاً على الحالة الإنسانية طبعاً، وربما كسباً لتعاطف من يمسك الأمور. هي أوراق غير ذات قيمة للدخول، ولكن أغلب الذين يشترونها يتعلقون بقشة الأمل بالدخول، أو أنهم لا يعرفون. وهناك من يبيع صور أشعة، وصور رنين مغناطيسي للغاية السابقة نفسها، وآخرون يبيعون أدوية ولوحات سيارات وشهادات سواقة، وكلها «مضروبة».

بعد عدة جولات ضمن مجاميع العائلات والأشخاص المتواجدين، الذين قدّرت عددهم بأكثر من ألفي شخص، جلُّهم من الرقة ودير الزور، أيقنّا أننا لن ندخل.

كان سائقو الحافلات يطلقون بين الناس شائعات بأن هناك معبر تهريب مفتوح في قرية خربة الجوز في ريف إدلب الشمالي الغربي، والأتراك يسمحون للجميع بالدخول هناك. سرعان ما امتلأت الحافلات بمن يملكون المال من حوار كلس، وهو اسم منطقة التهريب التي انطلقنا منها إلى سجو شمال أعزاز، ومنها إلى أعزاز ثم إلى عفرين، المدينة ذات الأغلبيه الكردية. كانت هناك ثلاثة حواجز في هذه المسافة. قبل مدخل عفرين لاحت لنا راية جديدة هذه المرة، لا سوداء ولا بيضاء، صفراء مثلثة الشكل تتوسطها نجمة حمراء. قبل الحاجز بحوالي 100 متر لافتة كبيرة بشكل طولي على يمين الطريق كتب عليه باللغة العربية «انتبه… قوات الحماية الشعبية YPG، ومن بعدها تعليمات متتابعة: قف… أطفئ المحرك… أطفئ الأنوار… ترجل… إمش باتجاه الحاجز بخطوات سريعة»!

 

عفرين، 10/5/2015، السابعة والنصف مساءً حسب توقيت قوات الحماية الشعبية YPG

نفذنا ما هو مكتوب من تعليمات، تم تفتيش الرجال عن طريق اللمس بالأيدي، وتابعنا مع النساء مشياً إلى غرفة في آخر الحاجز مقسومة إلى قسمين: قسم للنساء تتولاه فتاتان من قوات الحماية الشعبية الكردية، وقسم للرجال فيه خمسة مقاتلين أكراد طلب منا أن يُنزل كل واحد حقائبه ويتقدم حاملاً هويته باتجاه القسم المخصص. كان أكثر ما يؤخر هو تفتيش جهاز الكمبيوتر وذاكرة الكاميرا وأيضا جهاز الموبايل، حيث يجب أن تفتح برنامج الرسائل والواتس أب والفايبر، والسؤال عن كل ذي لحية بالجوال أو الصور أو أي شيء عسكري. المدن تتشابه، والطرق تتشابه، والحواجز تتشابه، والمقاتلين يتشابهون، كلهم يتشابهون في أمر واحد وهو إذلالنا والنظر إلينا بعين الريبة والشك. بعد ذلك سمح لنا بمتابعة الطريق خمسة حواجز لقوات الحماية، حتى خروجنا من عفرين، جميعها أوقفتنا وجميعها طلب هوياتنا، وجميعها عندها لوائح مطلوبين مهترئة.

من عفرين إلى سرمدا قصة أُخرى. هنا السيطرة لأحرار الشام، براية جديدة بيضاء وكتابة خضراء، وبهذه الحواجز الستة بين عفرين وسرمدا قوائم لا أحد يعتقد أنها يمكن أن تحوي اسماً لمطلوب يمر عبرها، وأيضا كلها تطلب الهويات، ومقاتلوها من شباب ورجال بعضهم حليقي اللحى وأكثرهم يرخونها مع حف الشوارب، وبعضهم يلبس لباساً عسكرياً وكثيرون يلبسون اللباس الأفغاني.

 

سرمدا، 11/5/2015

في سرمدا هناك مئات مكاتب السيارات التي تبيع السيارات الأوروبية والسيارات السورية النظامية و«المجوّلة» (المُصادرة بقوّة السلاح)، وأيضاً السيارات التركية المسروقة، ربما هناك عشرات الآف السيارات.

من سرمدا إلى حارم، 13 كيلومتراً.

 

 حارم، 11/5/2015، العاشرة مساءً حسب توقيت الأمل بدخول تركيا

هنا يعطون تهريب البشر صفة نظامية: مكاتب تعطي للشخص المراد تهريبه إيصالاً مطبوعاً بقيمة 5000 ليرة سورية، يقر به صاحب المكتب باستلامه للمبلغ لقاء إدخال الشخص تهريباً إلى تركيا، وإيصال أخر بقيمة 2500 ليرة للشخص التركي في الجهة المقابلة، وعليه بصمتان للمهرِّب والمُهرَّب، ويؤكد لك إنه مكفول من جبهة النصرة، وفي حال لم تدخل تسترجع نقودك. لكل مكتب عشرات المهربين على الجانبين، مهمتهم إيجاد الثغرات التي لا يغطيها الجيش التركي، وأحياناً إحداث حالات تهريب وهمية في أماكن أخرى لإلهاء الجيش عن مكان التهريب الحقيقي، وأيضاً إيجاد تفاهمات مع بعض عناصر الجيش.

بانتظار المساء يتم تجميع كل دفعة من عشرة أشخاص وما فوق، ويجري نقلهم إلى مكان التجمع للدخول.

 

مدخل قرية خربة الجوز، 11/5/2015، الحادية عشرة ليلاً حسب توقيت… أوزبكستان!

كتيبة من الأُزوبكيين قبل قرية خربة الجوز بحوالي 200 متر، لا يتكلمون العربية ولا يفتشون إلا على السلاح والدخان. من خلال ذلك تتكون عندنا قناعة أنهم ليسوا أوزبك، رغم أنهم يشبهون الوافدين من أوزبكستان إلى الرقة. (هل هم مخابرات تركية؟)

نزلنا إلى مكان التهريب. كانت الساعة العاشرة ليلاً. كانت سوريا كلها هناك: من الجولان، من اللاذقية، من الرقة، بل وكان هناك بعض العائلات العراقية. أكثرية الموجودين من النساء والأطفال.

جاءت إشارة الإنطلاق لمجموعتنا التي تتكون من ثلاثين شخصاً: تسع نساء، أربعة عشرَ طفلاً، وسبعة رجال. صعدنا جبلاً ونزلناه من الجهة الأُخرى.

 

تركيا، 12/5/2015، الواحدة صباحاً حسب توقيت التيل!

عبرنا التيل ثم صعدنا جبلاً آخراً، وفي النزول ظهر طريق الإسفلت والسيارات التي تنتظرنا، كان نزول الجبل حاداً، ورغبتنا وخوفنا كذلك، وصوت المهرب يحثنا على الإسراع بالحقائب والأطفال. بدأت المأساة وبدأ التدحرج.

الأُم تتدحرج بعيداً عن طفلها الرضيع، والسيدة العجوز فقدت عكازها وكسرت رجلها، وصغار آخرون ضاعوا من أُمهاتهم، وفجأة ومن تحت الأرض ظهر الجيش التركي. صراخ الأطفال وبكاء النساء وصيحات الجنود الأتراك وأزيز الرصاص في الهواء ونباح كلاب الجيش التركي في هجومها علينا خلق حالة شديدة من الفوضى. تم تجميعنا وطلب منا الجلوس على الأرض وأيدينا مرفوعة في الهواء. تبكي السيدة التي أضاعت رضيعها، ولكن الجندي ينهرها ويطلب منها الجلوس. غير بعيد عنا، جاء جنديان برجل من مجموعتنا يحمل رضيعاً يبكي. لم تأبه الأم لزخة الرصاص التي أطلقها الجندي المكلف بحرستنا في الهواء.. ركضت باتجاه الرجل وضمت الطفل.

لم يكن طفلها.

أكثر من ساعة حتى تم لمُّ مجموعتنا كلها. كان واحد من الجنود الأتراك قد وجد الرضيع المفقود أثناء تمشيط مكان نزولنا. كذلك جمعنا حقائبنا وكنا كاملين، وخسائرنا كسر رجل السيدة العجوز وفقدانها لنظارتها، وكسر يد طفل عمره خمس سنوات. صعدوا بنا الجبل ونزلناه بحراستهم وكلابهم، وعند التيل جلسنا على الأسفلت على شكل دائرة. كان البرد لا يحتمل، وخاصة على الأطفال، فبدأنا نفتح حقائبنا ونوزع اللباس على الأطفال والنساء بانتظار الشاحنات العسكرية التي ستقلنا، لا نعرف إلى أين. وعلى ضوء السيارات الصغيره صدحت موسيقا عالية، وبدأ الجنود بالدبكة وطلبوا ممن يريد أو يعرف منا، فليدبك! كانت الموسيقا هي الموسيقا نفسها التي ندبك عليها في الرقة، بل إن كثيراً من الجنود الأتراك لا يجيدون الدبكة عليها.

مع وصول الشاحنه العسكرية تبدلت النوبة: تم ترحيل النساء والأطفال إلى المخفر التركي، الواقع غير بعيد على قمة جبل، ثم الرجال والحقائب.

المخفر عبارة عن مستطيل بحجم ملعب كرة قدم فيه أربعة أبراج حراسة على زواياه، وأربعة مهاجع متلاصقة، ومبنى قيادة، وملعب لكرة السلة يحيط به شبك حديدي بارتفاع أربعة أمتار تقريباً، تم إيقافنا في الملعب الذي كان قد سبقنا إليه قطيع من البقر يبدو أنه تمت مصادرته من المهربين.

 في الصباح جاء رجل تركي وعلا صياحه مع الحرس، فالتمت مجموعة منهم، ثم جاء ضابط وسمح للرجل بأخذ البقرات وإدخالهم إلى تركيا كون الوضع غير آمن للبقر في سورية.

جاؤوا بشاحنتين، وتم نقلنا جميعا إلى المكان ذاته الذي عبرنا منه التيل.. لم تنفع كل التوسلات.

بشار عندو «بمبة»! بشار قاتل! داعش إيشيد تذبحنا!
غيت ..غيت.. غيت!

 

حارم، 13/5/2015، العاشرة صباحاً حسب توقيت جبهة النصرة

 إنه «تراب الوطن» مرة أخرى.

وفي حارم لم تكفل جبهة النصرة إيصالات مكتب التهريب.

 تدور إشاعة هنا أنه يوجد في أطمة معبر مفتوح على التيل: خيو يقلك بي مهرب أخو أختو، مشتري المكان، ومزبط الجيش، مضمون مليون بالمية!

أطمة، 13/5/ 2015، الثانية عشرة صباحاً، حسب توقيت مخيم اللاجئين

 وصلنا 19 شخصاً إلى أطمة

– 3000 ليرة سوري لأيدو للمهرب، و5000 ليرة سوري للتركي.

– تمام موافقين. وكما كل مرة الأكثرية نساء وأطفال، منهم عائلة من ثلاثة أطفال والأب والأم يحملون تذاكر طيران إلى السعودية، ويجب أن يكونوا في المطار غداً العاشرة صباحاً.

كنا على بعد أمتار قليلة عن التيل عندما رن تلفون المهرب. صمت الجميع وأنصتوا. صرخ المهرب: لا! فعرفنا القصة: يا شباب بي جماعة «قجقجية» مهربين دخان وسلاح، والجيش التركي مسكر المنطقة.

انفضضنا من حوله وجلسنا متباعدين على الصخور ننكش بأعواد على الأرض جنوداً وحدوداً ودولاً.

ربما انقضت أكثر من ساعة. انجذبنا إلى صوت التلفون من جديد: يالله، عالسريع كل واحد مصاريو، العراقي 100 دولار، السوري 5000 ليرة سورية.

 

تركيا، 13/5/2015، الثالثة والنصف صباحاً بتوقيت التيل

 عبرنا التيل بسرعة البرق. كان الشخص التركي الذي يرفع السياج يأخذ من كل واحد منا 3000 ليرة، ويرشدنا إلى مكان وقوف السيارات التركية. تنفست الصعداء عندما جلست في السيارة، وتحركت بنا. لكن أقل من 100 متر، ووسط إطلاق نار كثيف بالهواء كما في المرة السابقة، وكلاب كأنها وحوش، خرج علينا الجيش التركي من تحت الأرض!

ومرة أخرى، وفي مخفر آخر هو طبق الأصل عن سابقه، تم تجميعنا. كان هناك أشخاص قبلنا، ولكن الجيش أمرنا بالابتعاد عنهم وعدم الإختلاط بهم. لم نعرف لماذا إلا عندما جاء الضابط الذي عذبهم بطريقة فظيعة، ونتيجة هلع النساء والأطفال من تعذيب هؤلاء الأشخاص، جاء أحد العساكر وشرح لنا بالعربية أن هؤلاء «قجقجية»، أي مهربين، فلذلك يتم تعذيبهم. أما أنتم فلاجئون، ولن يؤذيكم أحد.

في العاشرة صباحاً تم تحميلنا في سيارة عسكرية، وأرجعونا إلى «حضن الوطن».

 

أطمة، 14/5/ 2015، الحادية عشرة صباحاً حسب توقيت مخيم اللاجئين

 ذهبنا إلى النقطة الطبية التابعة لمخيم أطمه على أمل أن يدخلونا، ولكنهم لايدخلون إلا الجرحى. من بقي بلا نقود حاول أن يدخل إلى المخيم، ولكنه منع لأنه لا مكان لوافد جديد.

أحدهم قال: في سلقين، طريق الحلة مفتوح، ويالله ياشباب، مين يروح؟

الحلّة. (الهيئة العامة للثورة السورية).

الحلّة. (الهيئة العامة للثورة السورية).

 

بتيا، 14/5/2015، الثالثة عصراً حسب توقيت الحلة

 وصلنا سلقين، ومنها إلى قرية بتيا السورية. بقينا أربعة عشر شخصاً. وقفنا على طرف نهر العاصي ننتظر صاحب الحلة. والحلة وعاء معدني كبير يُستخدم لسلق الحنطة في الصيف لصنع البرغل منها، ولكنه تحول هنا إلى سفينة نوح للعائلات الهاربة من أتون جحيم كيماوي وبراميل بشار وسكاكين داعش.

جاء صاحب الحلة: كل شخص 2500 هون و2500 هونيك. وأشار بيده إلى قرية حجي باشا في الجانب التركي، بس الدفع كلو هون. ركبنا أربعة عشر شخصاً في الحلة وكان هناك حبل مربوط ما بين ضفتي النهر، يمر عبر حلقتين في محيط الحلة.  كثير من القصص والحكايا، كل الأحلام، الأمان، العمل، اللجوء إلى أوربا… على بعد أقل من ثلاثين متراً.

تحركت الحلة. عبر شد الحبل نظرت خلفي مودعاً. قال أحدهم مازحاً: والله أحلى من التايتانك! أزعج هذا الكلام قبطان الحلة: اللي ماعجبو يرمي حالو بالعاصي! رشقة رصاص واحدة بالماء من حولنا كانت كافية لقتل حلمنا، ومن دون أي صوت أو نقاش، ومن منتصف نهر العاصي عادت التايتانك إلى «حضن الوطن» مرة أخرى.

قررت الأكثرية العودة إلى مدنهم. بقيت أنا وأمجد والعائلة التي تريد السفر إلى السعودية. اتفقنا أن نرجع إلى حوار كِلِّس بجانب أعزاز مع صاحب الحافلة، ومشينا من سلقين إلى حارم، ومنها إلى الدانا إلى دارة عزة إلى حريتان، ثم تل رفعت إلى أعزاز، ومنها إلى حوار كلس، مكان التهريب. مرة أخرى، كانت سوريا كلها هناك.

 

حوار كلس، 14/5/3015، السابعة والنصف مساءً حسب توقيت مناطق التهريب

ذهبنا إلى مسؤول جبهة النصرة برجاء بطاقات الطائرة ومستعطفين بالأطفال وأقدام أمجد المتورمة. ولكنه قال: الأتراك لا يردّون علينا، يعتبروننا تنظيماً إرهابياً! هم يردّون فقط على الجبهة الإسلامية!

لم نستفد شيئاً أيضاً من مسؤول الجبهة الإسلامية.

غربت الشمس وبدأ سائقو الحافلات ينشرون دعاياتهم بأن طريق خربة الجوز مفتوح، مستغلين قدوم الليل. قررنا العودة إلى الرقة، ولكن حواجز تنظيم الدولة لا تسمح لأحد بالدخول ليلاً إلى الرقة. هنا ظهر ولد بحدود الرابعة عشرة من العمر، كالجنّي. خاطبنا: أنا أُدخلكم إلى تركيا، 2500 ليرة سوري لي و2500 ليرة سوري للتركي، وما أدخل أطفال ولا نساء! نظرتُ إلى الرجل وعائلته ونظر إلي وبنظرته أعفاني من إحراجي، وقال: دبر حالك، لنا رب يدبرنا!

وعلى مبدأ أن «الرجال مخابر لا مناظر»، قررت وأمجد أن نثق بهذا الولد. فعلاً، وعبر طرق ماتت الأعشاب فيها من آثار الأقدام، دخلنا ودليلنا الجنّي أمامنا.

 

تركيا، 14/5/2015، الحادية عشرة والنصف ليلاً حسب توقيت الجنّي والزيتون

 في نهاية حقل زيتون، طلب منا أن نتسلق شجرات الزيتون ونختبئ فوقها إلى حين عودته. غاب أقل من ساعة، وجاء بثلاثة شبانٍ آخرين. أجرى إتصالاً، وجاءت سيارة نقلتنا إلى كراج مدينة كِلِّس التركية. كان الوحل يغطي ثيابنا وحقائبنا.

في الكراج كان هناك طبل وزمر وحلقة دبكة، بالتأكيد لم يكن احتفالاً بوصولنا، ولم يكن عرساً ضمن الكراج، بل كانت حفلة توديع لشاب تركي يريد أن يذهب لتأدية الخدمة العسكرية. يقيمون عرساً لمن يريد أن يذهب إلى الجيش هنا!!!

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

أحمد إبراهيم

كاتب سوري من تلّ أبيض.

آخر مقالات أحمد إبراهيم (استعراض الكل)