أسد النمل والقطّة الشاميّة

20121031201043_hamra-long
image_pdfimage_print

المنفى، مع دخول الثورة السورية عامها الخامس، يشكل أبرز عناوين السوريين. لا يستطيع السوري، اليوم، أن يفكر بنفسه دون منفى. لكل منا قصة وحكاية: البعض لم يغادر، إلا أنه يعيش منفاه في الداخل؛ والبعض غادر ولم يقبل المنفى؛ وآخرون قبلوا المنفى ولكنه لم يقبلهم. أصدقاؤنا وعائلاتنا تتوزع في جهات الأرض الأربع. يختلط الخارج والداخل والهوية والغربة والشرق والغرب والشمال والجنوب في قصص لا تني تكبر كل يوم. 

المنفى عنوان من لا عنوان له.

للمنفى وجوه متعددة ومعانٍ مختلفة، ولكننا سنركّز على الشخصي والخاص. لم تحقق الثورة أهدافها بعد، إلا أنها فتحت باب الكلام الذي كان موصداً في مملكة الصمت. نريد أن يسمع السوريون بعضهم بعضاً، وأن يتفكروا في أحوالهم وأشجانهم وآمالهم ومخاوفهم. 

الكلام يخفف عبء المنفى ويروّضه.

على مدى ثلاثة أشهر، ستنشر «الجمهورية»، ضمن ملف من إعداد عُدي الزعبي، مقالاً أسبوعياً يتضمن قصصاً شخصية وتأملات عن المنفى والغربة واللجوء والحنين. نُشر منها إلى الآن « ليس أقل من الموت بميليمتر واحد» لـ نائلة منصور؛ و«مذكرات الهروب من حضن الوطن» لـ أحمد إبراهيم؛ و«المنفى كحاجة لتأسيس الوطن/الفكرة» لـ سليم البيك؛ و« في الغربة والاغتراب» لـ رولا الركبي.

نود أن نعرف المنفى عن قرب، علّ المعرفة تنفي المنفى، أو، على الأقل، تخلخله.

*****

 

إلى هيفا راضي

مفكراً بالذهاب أولاً إلى بائع الجرائد الأبيض، وهذا اسمه في قلبي لأني لا أعرف اسمه، الواقف في محله الصغير صموتاً ونزقاً قرب سينما دمشق التي حوّلها التحديث إلى سينما سيتي، أنتظر التاكسي في المكان الخطأ، وهذه عادتي في مثل هذه الانتظارات، واقفاً عند ناصية شارع التجارة، أنا المتأخر قليلاً في معظم الأحوال، أرى الذين يسبقونني إلى فتح الأبواب وصفقها مسرعين والمرور أمامي، وخلفي، على مبعدةِ بضعة شوارع لا أكثر، مكتبُ مختار حي التجارة، مكتب ككشك مسبق الصنع أو خيمةٍ إسمنتية في معسكر لطلائع البعث، استجُوِبت فيه صباح أمس، أمسي الأخير في دمشق، ومعي كيسٌ أحمر حشرتُ فيه كتابين ثقيلين أتيتُ بهما من مكتبة بيسان في بيروت، لم أخرجْ أياً منهما لأتصفحه أثناء انتظاري وصول المحقق، عاقداً ذراعي أمام صدري في صباحٍ عذب البرودة أنظر، عبر النافذة الشرقية لكشك المختار، إلى ضوء تشرين في حديقة التجارة والنوافير التي يتقزّح رذاذها، وبقيت في جلوسي حريصاً على ألا أظهر أياً من علامات القلق المعهودة في العينين واهتزاز الركبتين وطقطقة الأصابع، واصطنعتُ تثاؤباً إمعاناً في التمثيل، من دون أن أعرف سبب هذا الاستدعاء الذي لبّيته مشياً إلى هذا المكتب، مكتب مختارٍ كهل أتاه أثناء جلوسي اتصالٌ من السويد لبيع منزل أرمنيّ في مزاد علني، ربما ارتبك لما نحن فيه تحت أنظار الصورة الملمَّعة لبشار الأسد وابتسامته الخفيفة، فحيّا المحققَ عند قدومه بإصبعين مشدودتين مرفوعتين إلى طرف الحاجب، تحية محترمة ولا بد، بينما المحقق أو بالأحرى العنصر المتأخر عن موعده يروز رواية «الجبل السحري» التي ظنها لضخامتها قاموساً، ويجلس قبالتي، شاباً حنطي البشرة في منتصف العشرينيات، قائلاً بعد تعريفي بنفسي: «والنِّعم، أنا كمان من الجولان»، والورقة التي قرأ منها أسئلة حول أهلي ومهنتي ونشاطاتي وتضمنت «الوضع السياسي: حيادي» كان عليّ أن أوقعها توقيعاً لا يثبت على شكلٍ أو حال، مرتجفاً كأنه إمضاء عجوز في رعاشه الشيخيّ، من دون أن أعرف ما يعنيه مثل هذا الاستجواب الذي تكرر، ولا أعرف مدى جديته ولا الغاية منه، وهل سيتعمّم اسمي بسببه على منافذ الحدود والمحطات والكراجات، مثلما تُعمَّم أسماء المتخلّفين عن الالتحاق بالجيش، وأنا أحدهم، لتنتظرهم تلك الأسماء، أسماؤهم، عند الحواجز أو سرايا التأديب، كعفريت العلبة المفخخة، وتتأكد لهم وساطاتهم إذا وُجدت، عبر الهجرة والجوازات، من دون ضمانات طبعاً، هل أغفلتهم قائمة المطلوبين أو الممنوعين من السفر أم لا؛ غادرتُ كشك المختار إلى شارع بغداد، مشياً صباحَ أمس، أمسي الأخير في دمشق، وبرودةُ الظلال على ذراعي والشاورما لا تزال نيئة في أول دورانها أمام لهبٍ يكاد لا يُرى، لأعود صديقة أعزيها بوفاة أبيها سألتني عن مهدّئات تسميها مهدّدات، ومعي علبتا لكسوتان من أجلها، تدبّرتهما من دون وصفةٍ طبية، وكتابان أوصاني بإحضارهما من بيروت صديقٌ التقيته عندها، لا ألتقيه إلا في المناسبات، ربما لا يزال مقيماً في القابون، في الغرفة نفسها التي قرأ فيها الأبله وراسل غادة السمّان وقتل بضعة جرذان ضلّت الطريق في الزقاق لتفتح بابه المخلخل برؤوسها، ذكّرني، ونحن نشمّ قهوة العزاء التي تُعدّها صديقتنا، بتطيّره ممن امتدحوا نضارة وجهه، حدثني عن اتحاد الكتاب العرب، عن شاعر استقال من منصبه احتجاجاً، وكيف أن لهذا الرجل عادة مزعجة، فحين تأخذه حرارة الأحاديث يضع راحته على كتف الجليس المجاور أو يفرك ركبته أو مرفقه، وبسبب هذه العادة التي لا يصارحه بها أحد تنشأ حول كرسيه دائرة فارغة بقطر ذراعه إذا مدّها، ويذكّر ندماءه في نادي الصحفيين بأن كاتباً حزبياً لم يكتفِ بسلخِ التقارير وتفكيك زلات اللسان وتصيد المواقف المعارضة، بل اقترح أيضاً نوع العقوبات المسلكية التي يجب إنزالها ببعض الكتّاب المخالفين، وما كانت لدي طاقة للاستماع إلى المزيد الذي سمعته كالنائم حتى غادرت، ومررتُ مشياً بهذه الناصية نفسها التي أنتظر عندها الآن تاكسي خالياً، وبوادر الصداع تبدأ بالصعود من عنقي إلى صدغيّ فأكزّ أسناني، إلى أن تتهادى أمامي سيارة كيا خارجة للتو من المغسلة، كما يبدو، والسائق خافضاً رأسه يشير بيده مستعجلاً مستفسراً، فأصيح «جسر فكتوريا»، ويرتفع الغبار بإسراعي إلى الجلوس إلى جواره، متوجساً من توبيخٍ في عينيه كأنني عنّفتُ الباب وأوشكت أخلعه، ولا أدري من أين أتى هذا الغبار أو الهباء الطافي حولنا في شمس تشرين الغاربة وضوؤها البرتقالي يغمرنا ويزمّ عيني ويرفعُ كحمّى طفيفةٍ حرارتي، هذا الضوءُ الساخن الذي يفصد عرق الحزانى في ساعة البطء هذه، حقيبة أمتعتي الخفيفة في حضني تعتليها حقيبة الكمبيوتر الحمراء الأثقل منها، وإذاعة شام إف. إم تبثّ «فيروزيات المسا»، أو ما أحسبه شبيه هذا البرنامج، فأطلب من السائق إطفاء الراديو، فيطفئه ولا يقول شيئاً، ولا أقول شيئاً عن العدّاد المطفأ لأنني لن أحتمل مثل هذا الجدل الآن، كما لن ألبث أن أنزل قبل مفرق ساروجة، لأمشي حاملاً حقيبتيّ، تحت الحقائب المعلَّقة في سوق الخجا، مذكّراً نفسي بوجوب التمهّل، محتاراً مرة أخرى في تخفيف هذا القلق الذي يسبق كل سفر، واقتلعني من عمق النوم ليلة أمس ليفجّر القلاعَ في باطن شفتي، أتحسس بلساني ألمَ تلك الفقاقيع الصغيرة، وسط تلاطم المسرعين في شارع الثورة، عاجزاً عن الاتصال بأي رقم من الأرقام في لائحة أسماء الهاتف، أفكّر بالرجوع إلى البيت والنوم أو الذهاب إلى حديقة السبكي، فالندمُ آتٍ، وأفتقد مكاناً لم أغادره بعد ولم يقبَلْ بي، أفتقده وأنا فيه، وأتمنى، غالباً ما أتمنى قبيل أية رحلة، لو تُلغى الرحلة بأية ذريعة، وأفكر، وحدي في هذا المغيب، إن المشي هو الحل الأمثل، المشي ومواصلة المشي حتى حلول المساء، مسائي الأخير في دمشق، لأستقل عندئذ تاكسي، قديماً هذه المرة، من البحصة إلى كراج السومرية، والسائق الأربعيني حافي القدمين يشرب الشاي في سيارة سابا لا يملكها، وإلى زجاجها الأمامي ألصقت صورة صغيرة لبشار الأسد وهو يقود، دون أن ينسى حزام الأمان، سيارة سابا رمادية إيرانية الصنع- سيارة المستقبل؛ أمامنا أوتوستراد المزّة يتّسع عبر زجاج الواجهة المصاب، الثقب المضمَّد أمامي متشعّع في شقوق عنكبوتية مثل شعار الأمم المتحدة التي تقع مكاتبها، في مكانٍ ما على جنبات هذا الأوتوستراد، وتوهّمتُ ذات يوم، إثر مقابلاتٍ خلّبية، إنني سأعمل في مؤسساتها، والجميع مسرِعون، وأنا خائف قليلاً، وصوتي يتحشرج لطول الصمت ولا يشبهني، فيخرج السائق، كأنه مخمّن ما يشتتني مِن خوف، سجائر حمرا طويلة قديمة من جيب قميصه، ويناولني إحداها فآخذها، ولأستمدّ شيئاً من الشجاعة والثقة بالنفس أبلّلها بلساني وباطن شفتي مثلما تعلّمتُ من صديقي، ويرطّب السائق سيجارته على بخار كأس شايه الذي اشتراه من دراجة بائع في كراجات العباسيين، وأقول «أدخن الحمرا مثلك، المخالفة عليّ وعليك إذا خالفوك ضرطة المرور»، ويفرح السائق بزلة لساني عن الشرطة المتخفّين بكاميرات المراقبة بين الأشجار أو على جسور المشاة، وأشعل له، هو ابن درعا البلد كما يسمي نفسه، السيجارة بقداحة أهدتني إياها أختي، فيحدثني عن الحمرا والدخان ينفث من منخريه الكبيرين، منتشياً بسيجارة المخمخة والحشاشين، ويبدأ بتعداد مزاياها وأنا أنظر إلى أصابع يده اليمنى تنفرد واحدةً بعد الأخرى: «رخيصة، تعبىء الرأس، متعة السهر عند لعب الورق وشرب الشاي، وأحَنّ من السيدارز اللبنانية…»، فيبدو وقع «أحنّ» غريباً وصحيحاً، وأبدأ معه بتوسيع هذا التعداد الذي يبدو لي مثل أي تعداد مفتوحاً وناقصاً، ثم أتوقف لأنني أفهم المزاح جدياً للوهلة الأولى دون أن أنتبه، ويكدّرني هذا الطبع الذي يقلقني ويحيّر غيري ويجمّد الأحاديث، ثم يعلّق السائق «ومعفنة مثل الروث الناشف، وقريباً مفقودة»؛ أتوقف عند الأكشاك والمحلات والبسطات الصغيرة التي تحتلّ الأرصفة قبل مدخل الكراج (و«تحتلّ» كلمة مناسبة في الواقع، كما قد تكلّلها أيدي ما نحسبهم مخبرين، في أوقاتٍ أخرى، بالسلال السوداء للفستق الحلبي، وترصّعها بتنكات الحبق والريحان حول عربات الصبّار)، محلات صغيرة رقيقة الجدران مثل صناديق شاي خشبية كبيرة مقلوبة على فراغها، لا تصمد –إذا اشتدّت الريح- صمودَ الأكشاك المعدنية الحمراء حمرة السيرياتل، لأتزود هناك بِـ «كروزين دخّان» من الحمرا الطويلة القديمة، مقرراً الدخول إلى المحل الذي ستتوقف أمامه السيارة، أياً كان المحل وكيفما كان وجه صاحبه، وفيه شابان جالسان أحدهما يقضم تفاحة أوشك ينهيها، والآخر حليق الرأس كجنديّ معاقَب يناولني طلبي من دون النهوض عن كرسيه، فمعظم الأرفف في متناول اليد، فأسأله عن سبب تغيّر الأسعار، التي ارتفعت وأنا غائب في بيروت، أنا الذي أتحاشى أمثال هؤلاء الباعة غالباً ولا أجادلهم إذا غشّوني ولا أستأمنهم، فيفاجئني الجواب من دون أي تمهيد أو سبب «أنا ما عَمْ بشحد منك»، وأفقد توازني، كما أفقده عادة لأتفه الأسباب، بل خصوصاً لأتفه الأسباب، وأكره على الفور ما يتلعثم به لساني: «روق يا حبيبي» كزبون يفاوض مهرّباً، فيلحّ الأخير من جديد «روح اشتكي للتموين، وإذا بدّك بعطيك الرقم»، ويضيف بعد سكوت «إذا هيك، دخّن لفّ، أو يُستحسن ما تدّخن»، تُرمى كلمة «يُستحسن» بكامل فصاحتها في هذا الصندوق المزعزع المبطّن بالقصدير، تحت تلفزيون سيرونيكس صغير، وشاشة «الدنيا»، مضيئة معلقة فوق رؤوسنا كالمروحة السوداء، تبثّ مسلسلاً سورياً، درامياً أنزورياً، والشاب الآخر يفتح درج الطاولة المغطاة بالمشمع فألمح، بين علب المعسّل وبطاقات تعبئة «يا هلا»، مسدساً أسود براقاً، وأعزل أمام نظراتهما أرى نفسي لوهلةٍ مقتولاً في خريف 2011، مقتولاً نجا من القنّاصين في حرستا لكنّ حياته انتهت بعد شجار على سجائر الحمرا مع أزعر مفوَّه، وقحٍ مبتدىء مدعوم من داخلِ الكراج وخارجه وما حوله في شبكةٍ لا تُرى بدايتها تنحدر جذورها من قصر الشعب أو قصر تشرين، المكنّى بهذا الشهر المحتَكر الذي أودّعه، هابطةً نحونا هنا إلى هذا الحضيض، ويبدأ الشاب آكل التفاحة بإعداد أركيلة «التفاحتين»، وتتعالى أصواتنا فجأة ويطحن الصراخُ الكلمات وبسببه تهرول مبتعدةً فتاة محجبة ترتدي بنطلون جينز إذ تهوي حقيبتاي بالقرب منها، ويدخل ثلاثة باعة آخرون ليفضّوا بألسنتهم وأيديهم الملاسناتِ التي اشتدّت بيننا، ويحسم الشجار شابّ ينادونه «المعلّم»، مسموع الكلمة، يتقدم نحونا، زاجراً ومؤنباً الصغيرين بنظرةٍ بدت مألوفة للجميع، ومعتذراً، ولا أتذكر أحداً مثله اعتذر مني في مثل هذه المصادفات، فيهدّىء الجوَّ هذا الاعتذارُ غير المتوقّع، ويُفهمني المعلّم مرسوم التسعيرة الجديدة ويقول «يحصل سوء فهم أحياناً»، ويدعوني إلى شاي لا أشربه، ثم، لسببٍ لن أفهمه أبداً، أدفع ثمن «الكروزين» بالسعر الجديد و، بعبوسِ عامل بناء أخرسه التعب ومخاوفُ الإفلاس الوشيك، أخرج وقد نضب كلامي وجفَّ حلقي وشحَّ الهواء، ملطَّخاً بإهانة سأتذكرها طويلاً وأستعيدها مراراً في حوارات خيالية أديرها وحدي وتسمّم أيامي، وسألوم نفسي على سوء تصرفي فيها وأراني مقصّراً في الرد عليها كما ينبغي، خاسراً كيفما تصرفتُ ومهما غضبتُ أو تداركتُ هذا النحس أو كتبتُ خلسة على هاتفي عبارات ميتة لن تردّ شيئاً من اتزاني الذي اختلَّ هكذا بغتةً: «المهان أرضه الغضب، يا بلادي التي ألقمتني الإهانة منقوعة في وسخ الخوف، يا بلادي الملعونة!» وأستغرب ياء الملكية وعلامة التعجب التي أكاد لا أستخدمها إطلاقاً، وأتوقف عن كتابة هذا الإنشاء، وأمقت مرة أخرى ما وقعتُ فيه وتمرّغتُ فيه وما فعلتهُ وما قلته، مسترجعاً قصصاً مماثلة أخرى حدثت معي ولم أحسنِ التصرف فيها، فلا أغفر لنفسي هذا الضعف، ولن أهتدي أبداً إلى التصرف المقنع المناسب في مثل هذه المواقف، أفكر موبخاً نفسي في جمال هذا المساء التشريني، وأنا ألتحق بالداخلين تحت شاخصة «كراج الانطلاق»، مسيرة من المهانين والجلادين الصغار، المستعجلين بين السرافيس التي لا يزال بياضها الآسيوي مسودَّاً ببقايا أمطار أغرقت منذ يومين أكثر من نفق، شرطة المرور بجزماتهم العالية خاضوا المياه لينظّموا السير؛ بين «الوشّيشة» أمام كراج الانطلاق السومريّ ألمح وجهاً خمسينياً يضع نظارات طبية أرتاح إلى ملامحه يستوقفني ويتلقّفني وأتبعه إلى الداخل، والمتفق عليه عادة، على خطوط دمشق-عمان أو دمشق- بيروت، نومُ كل سائق في عاصمة بلده التي يغادرها فجراً ويرجع إليها ليلاً، فيمرّرني السائق الأردني أمام شرطي جالس لا يفتشني ولا يتفحص الحقيبتين اللتين أجرُّ إحداهما فيتعثر أحد دولابيها بحفرة صغيرة في الإسفلت، وتستعصي كحيوانٍ يُساق إلى الذبح يتسمّر في صندوق العربة التي تحمله إلى المسلخ ولا يتزحزح، وأشفق على حقيبتي كأنها كلبي وأستحثّها بعينيّ، ثم أحملها وأضعها على المقعد الخلفي في السيارة الأردنية العائدة إلى عمّان هذه العشية، وليس في الحقيبة ما يُخشى عليه أو ما يُغري أو يُريب، وأشعل سيجارة أخرى من سيجارة الحمرا التي أوشكت تنطفىء تلقائياً، مدخناً من دون لهفة أو متعة، والإهانة، حتى إن تنكّرت في التبغ، تُحرِق ولا تحترق، فمثلما فكر شابٌّ بقتلي لسبب تافه، يلخّص أسباباً أخرى، أتخيّل قتله بذاك المسدّس نفسه لسببٍ تافه آخر في قصة تخجلني تفاهتها ويخزيني الصفح الذي تلقّيتُه ويغضبني الصفحُ الذي منحته، واقفاً أرى السائق يذهب لتعبئة المانيفست الأمني، ويبدأ حذائي رقيق النعل بتسريب البرد إلى قدمي، ناقلاً إلي ذبذبةَ مركبات ثقيلة تعبر وربما بداياتِ الزكام، ويُشعرني بكلّ حصاة أطؤها حين أروح وأجيء على مهل مترقّباً وصول الراكب المنتظَر؛ يقترب ولد يبيع علكة أسيل، فأراني فيه وأخافه، إذ أنفر مما قد أشفق عليه لأنه يذكّرني بنفسي، وخوفي خوف اليتيم المفلس في مدينة غريبة، لا أجيبه ولا أشتري شيئاً، وما إن يبتعد عني يدوي انفجارٌ يطيّر علبة بضاعته من يديه، أسمع من ينبطح فوراً، يعمّ الظلام وتحلُّ لحظة من الهدوء والراحة قد تصدّق فيها أنك قد متّ حقاً، لكنّك لا تزال تكلّم نفسك؛ يتطاول الطنين في أذني قبل أن يتناهى إلينا صوت لا نرى صاحبه «شرارة كبيرة أعلى العمود. ماسّ كهربائي»، ويعود الخوف، يضحك الأولاد باعة العلكة، ضحكاً كسعال الخراف المريضة، لأن مغفلاً اشترى علبة كاملة، وأرى نفسي ذاك المغفَّل، تلوح سماء الخريف صافية شحيحة النجوم محمرّة الأطراف، بضع غيمات متباعدات خمدَ تورُّدها، ذاتَ التورّد الذي يُعيد عند الفجر أفكارَ الموت، ويلوح هلال نحيل معلق كظُفرٍ مقصوص فوق مساكن السومرية التي لُبّستْ لصغارِ الضباط زيّاً آخر موحَّداً تهجعُ فيه عوائلهم، ويُشَمُّ شياطٌ أستعذبه، يفوح شبيهاً بالقارّ أو القطران المسكوب على الطرقات المقشّرة، وتتوهج جمرات السجائر في الهواء الأزرق، ويشعل المسافرون المتوجّسون مصابيح قداحاتهم وهواتفهم، وتستضيء الساحة بمصابيح باص أرى في بخار أضوائها بضعة سائقين يساوم أحدهم سيدة أجنبية، سائحة وحيدة ستسافر إلى بيروت، شابة ربطت شعرها الأشقر كذيل حصان وتستكثر المبلغ، ويتقدم منهم سائق آخر يحك خصيتيه ولا تراه الشابة، مباعِداً ما بين فخذيه قليلاً مثل سائقي بولمانات المسافات الطويلة، أراهم وأنا أترقّب راكباً واحداً فقط لتنطلق سيارتنا إلى نصيب، إلى أن يأتي أخيراً شاب لا يحمل أي حقيبة، رياضيّ المشية كأن نابضين يرفعان كعبيه في كل خطوة، ويجلس على المقعد الأمامي لنغادر السومرية التي ظننتها دائماً مسماة على اسم ابن رفعت الأسد، إذا كان له ابن بهذا الاسم المستلهم، ربما، من سومر العراق، ظننتها مصنعاً تخرج من دهاليزه علب مرتديلا سومر إلى لاعبي كمال الأجسام وعضلات الطلبة الجامعيين الذين يفتحون المعلّبات بالسكاكين، وتترك لهم السرطان الذي تركتْ مثلَهُ في عظام التدمريّين نفاياتُ تدمر النووية، لستُ متأكداً من التسمية لأنني ما عدتُ متأكداً من أي شيء، ما عدت قادراً على التركيز وتبادل الكلام مع أحد، فأسلم وجهي لهواء الخريف الذي يهبّ من النوافذ المفتوحة، ويبدأ غثيان خفيف بالفوران حامضاً في أحشائي، السيارة تدور في المنعطفات والهلال المسنون يدور معنا، ثم تستقيم الطريق ويبرد الليل، وأنا أحاول أن أنسى، أن أنسى بالإفراط في التذكّر، فبعد قليل سيبدأ خفقان جديد لأننا سنقترب من الحدود، الأقبح في العتمة، والحدود، كل حدود، على التراب أو أمام الماء، تستقبل القادمين بالأسلحة وتقبض القلب، فعلى الأقلّ احتمالُ التوقيف قائم دائماً، أجدني مهدَّداً، كما يخبرني خفقان قلبي، ومُهاناً كلما سُئلتُ عن اسمي أو عملي أو من أين أتيت أو طُولبتُ بورقة تثبت مَن أنا، فأتحفّز وأهيئ نفسي أينما كنتُ لاستجواب محتمل، وجيز أو مديد، إذ يحدث أحياناً أن تقع القرعة عليّ بين ركاب الطائرة المتجهين إلى بوابة الخروج لأبرز جواز سفري، الجواز السوريّ الذي أخفيه في جيب سترتي مقفلاً عليه بالسحّاب، مثلما يقفل الجنود الأغرار حقائبهم السوداء بأقفالٍ صغيرة لا تحمي شيئاً، وأخشى باستمرار أن يضيع أو يتضرّر أو تنتهي صلاحيته فلا أجد مَن يُعيرني أي وثيقة سفر أخرى، وأكاد أحفظ رقمه غيباً لفرط ما دقّقته عند تعبئة الاستمارات، وأبغضه، أو ربما أحبه، لأنني أُهِنتُ بسببه، كم مرةً تفحّصه الموظفون والشرطة طالبين مني التنحي جانباً ليعبر الآخرون الذين لا يدرون ما اقترفته، وبسبب هذا الحرص نفسه أتخيل نفسي أحياناً أحرقُ هذا الجواز أو أمزّقه أو أغرقه أو ألقيه تحت عجلات شاحنة أو قطار لأعود مثلما أنا حقاً، معلَّقاً، بلا صفاتٍ أو اسم، وأفكر إنني مثل تلك المسافة الحدودية بين «الجمهورية» و«المملكة»، بين صورِ الأسدَين وصور الهاشميَّين، بين الهلع والرهبة، مفقودُ الملامح؛ مرة أخرى، محرَجاً أواري تفقّدي للجواز، جالساً على المقعد الرحب الوثير، مثلما هي سيارات التاكسي الأمريكية الطراز في الأردن، والراكب الآخر، الشابّ الطليق يخبر السائق إن الأرضَ بعد مطر الأمس لينةٌ كالفلين، وما أجمل المشي عليها حافياً، فأتذكر تراب حوران الأحمر كالحنّاء والسوسن الأسود الذي ينبت فيه ولم أره أبداً، مثلما لا أرى الأرض واصفرار أعشابها وتيجان شوكها المذهبة في هذا الظلام السريع، لأن القمر كرمشٍ شائب أضعفُ من أن ينير شيئاً واضحاً، والآن، أثناء انكبابي على نور هاتفي نوكيا القديم مخدوش الأزرار، قد تصيبني رصاصة طائشة تُرديني هنا، على هذا المقعد، وأنا أكتب ما أودّع به أصدقائي ولا أرسله، وأفكر بأنني قد أستفزّ الناس لطول تحديقي بهم أحياناً وأنا ساهم، أنظر إليهم ولا أراهم، كأنني أختزن في عينيّ ما لن أراه أبداً مرة أخرى، وعليّ أن أحيا كمن يعيش حياة شخص آخر ولا ألتفت، وأصبر وأتمالك نفسي ولو فقد كلُّ ما أراه معانيه البسيطة؛ لا أتساءل، إلا متأخراً، كيف أثق بالجالسين أمامي، أندفعُ متحدثاً بهدوء مضطرب محاولاً استيعاب ما جرى معي منذ قليل، فتضايقني مبالغاتي وتفاجئني، لأتوقف بغتة منتبهاً إلى يديّ المسرفتين في التلويح والتحرّك مع شفتيّ، وأفكر للحظة بأنهما قد يسجلان حديثي ويسلمانني إلى حرس الحدود في درعا، والراكب يخبرني إنه محامٍ، وفي دُرج مكتبه في جبل عمّان مسدس ملقّم يخبئه احتياطاً لاستخدامه عند الضرورة القصوى، ومسدس آخر لضروراتٍ أخرى في سيارته، يقول ليطمئنني ملتفتاً نحوي دافقَ الكلام، بينما نحن نقترب من الحدود ليعاودني القلقُ الغامض القديم، مشوِّه كلّ سفر، قلقُ الاجتياز، كمن يجتاز محنةً لا تنقضي، أفكر بأن تنقُّلي بين مدن الجوار سيثير الشبهات، وإذا لم أختفِ في مخافر نصيب، حيث يُنادى «مرحبا يا محترم» ويُسأل عن العملة الأجنبية والموظف ينظر إلى أحزمة الخصور، ولا يُفتَّشُ كمبيوتري الميت البطارية، ويختفي شاب لا يزال الركاب ينتظرونه حارسين أكياسه وأرى وجهه وجهي، فسوف يعيدونني من جابر، وتلفيق التهم هيّن دائماً، الخائفُ من العقاب عقابهُ أولاً خوفهُ، يتساءل الآن، حاسداً وحزيناً، من أين تأتي هذه الابتسامات المسترخية أمامه، ويشجّع نفسه: لفرط ما توهّمتُ نهايتي المحتملة في سجن من السجون، فلن أجد، كما أعتقد، مخطئاً على الأرجح، ما يقع لي أو يقعُ عليّ شديداً بالقدر الكافي لترويعي، بل على العكس، قد أرتاح لأن الكارثةَ المنتظرة قد حلّتْ أخيراً كسلامٍ أسلِم إلى سكونهِ نفسي؛ وحين نتهادى عند حواجز جابر، بعد أرتالٍ من شاحنات تنتظر الذهاب إلى الخليج، أسمع أصداء الأختام التي ترتطم بجوازات السفر، والضابطُ أو رجل الأمن، الأردنيُّ وربما الشركسي، الحليق المعطّر ببنطلونه وقميصه الرصاصيين المكوّيين، يرتاب بسجائر الحمرا في حقيبتي، ويأخذ العلبة المفتوحة وينفرد بي على حِدة، أمام مَلَأ المتوافدين، ويسند حذاءه الأسود إلى المقعد الإسمنتي كما يفعل زبائن ماسحي الأحذية على صندوق «البويا»، ومرتفِقاً ركبته يُفرغ اللفافات من حشواتها، يفتلها متمهّلاً كما تُبرَم الشوارب، وبعضها شبه فارغ، فهذا مألوف في صناعة الحمرا، كلّ سيجارة في تلة صغيرة مثل بركان الأمير الصغير، ستعيد إليّ لاحقاً ذكرى الحشرة التي عرفت اسمها باللغة العربية مؤخراً وأحببته، أسد النمل، «بلو بلو»، وكيف يربض هذا الأسد في عمق ركام صغير جداً كالُقمع سفوحه ترابٌ شديد النعومة فيستدرج فرائسه النمال تحت الشمس، وتستطيع أن تستخرج كل أسد، مثلما لا يزال أطفال الأكراد يفعلون في صيف الحقول، ببصقةٍ يسيل لعابها إلى الفوهة أو قطرة ماء ثم تدلي شعرة من رأسك، إذا كان شعرك طويلاً مثلي، ليتسلقها كالمعتصم بحبل نجاة فيتأرجح أمام ناظريك كالوحش وتحبسه في قارورة وترى أخيراً هذا المتواري؛ أصمتُ وتبغُ جبال اللاذقية الفاخر ينتأ كحلمات كلبةٍ مرضع على مقعد إسمنتي أملسَ كشاهدة قبر لم تُنقشْ بعد، والضابط ينادي عنصراً يلوح رأسه في حفرة يستطلع منها أسافل السيارات ويخبطها بقبضته، حيث قد تُخبأ الدولارات والأسلحة الخفيفة والمخدرات وقناني الكحول وما لا أدري من المهرَّبات، وأتوقع أن يظهر كلب ضخم راكضاً صامتاً يقترب ليتشمّمني ويتحقّق من خفايا أمتعتي، ثم يتراجع الضابط آمراً العنصر بالرجوع إلى حفرته حين يرى مهنتي في جواز السفر: «طبيب بشري؟» استفساره مرتاب، موحٍ بأنه يفكر أولاً بتزويري هذه المهنة فبالرشوة، كما يحسب، تُسيَّر كل الأمور في سوريا وُتشترى، كما لم أبدُ على الدوام طبيباً بتشعُّث شعري، وربما لهذا السبب، تُضاف إليه حقيبةُ كتف حمراء، يفكّر بأن هذه السحنة تتعاطى حشيشاً لا يستهويني في الحقيقة؛ ما عاد الاستقواء الواهمُ بمثل هذا اللقب العلميّ إلا أضحوكة أمام الاحتقار، واضطرابي المكتوم، كأنني حقاً منتحلُ صفةُ يفضحه رجفان قلبه، ينصبّ في وجهي فيستشفّه بخبرة عينه التي تحطّ على بقعة فاهية في بنطلوني الكحليّ لا أعرف بمَ يفكر حين ينظر إليها، فتبتئس ثيابي كلها وتثقل عليّ وتتوسّخ فجأة، ويعيد إليّ الجواز كالمشمئزّ من ملمسه «مع السلامة دكتور»، «دكتور» مرميةٌ كما تُقذَف في الثكنات كلمة «أستاذ»، تطمر تنهيدة أخرى في مدفن التنهدات بين ضلوعي، ويأتي الكنّاس قبل نسمات الليل التي تهز شجرة هزيلة وحيدة لا أرى غيرها في المدى سيستفيء بأوراقها المنتظرون عندما يشتدّ حر النهار، ويكنس التبغ عن المقعد الذي وقفت أمامه منذ دقائق عاقداً يديّ في حِجري كمدافعٍ في كرة القدم يحمي خصيتيه مستعداً للضربة الحرة، كاتماً لهاثه لأنه توقف للتوّ عن الجري لكنّ صدره لا يزال يعلو وينخفض، ثم رفعتُ ذراعيّ وعقدتهما أمام صدري متكتفاً كالتلميذ أو كمرافقي المرضى الذين يحتارون أين سيضعون أيديهم حين يزور الطبيب مستعجلاً غرفة مريضهم، ثم أستغرب الآن اسمي حين يُنادى عليّ في كوى الزجاج كأنني أستيقظ من الهواجس التي نوّمتني ولم تخدّرْ مخاوفي، فأبحث عن السائق والراكب اللذين أحسبهما ينتظرانني، وعلى مبعدة من السقف العالي الذي وقفتُ تحته، واجماً في الظلّ كالمضروب، أجدهما وأركب على عَجل وننطلق، مستمعين إلى إذاعة «الأمن العام»، وزوجة السائق تستعجله بالهاتف فلا يجيب، والغضب يستعجله لأن مخالفةً غامضةَ الأسباب نزلت عليه؛ يدوم الصمت، موقوتاً في صدورنا، حتى مشارف عمّان، حيث يوشك الدولاب الخلفي أن ينفجر على الطريق السريع، فنترجّل وأحاول، أنا الجاهل بأمور الميكانيك، مساعدتهما، كل ما أفعله تسليط الضوء على المفاتيح في الأيدي الأربعة والتحرك معها يميناً أو شمالاً، فألمح بطرف عيني كلباً أسود يقترب منا، سلوقياً رشيقاً حيوياً يتشمّم أكياس الشوكولاته التي وضعها السائق على التراب بجانب الطريق حين أفرغ صندوق السيارة بحثاً عن علبة المفاتيح، فيزجر السائقُ الكلبَ خائفاً من أن يتبوّل على الهدية التي غُرّم بسببها أو ربما يلعقها بلسانه المخدّد الوردي وينجّسها، فيتشمّم الكلبُ المحرك ونسمع مواء حادّاً وضعيفاً، أنينَ يُتْمٍ، يستعيدُ قطط الليل التي كان الرجال يلاحقونها بسياراتهم كالمجانين، متلذّذين بإفزاعها في إحدى روايات غالب هلسا؛ وقبل أن ينهي السائق تركيب الدولاب البديل يردّ أخيراً على اتصالات زوجته، فيجيبها والهاتف بين كتفه وأذنه، ويداه تعملان بالمفك والبراغي: «تعرفين؟ معنا قطة صغيرة من الشام، شافوها الجمارك لما فتشوا الموتور…» والسائق لا يعرف ماذا سيفعل بالهريرة التي لم أرَها، المتروكة تحت غطاء المحرك طوال الطريق، لا يعرف كيف تسللت إلى هناك وإلى أين سيأخذها وهل سيتبنّاها، أسمعه مطلع الليل، وهدير فوق رؤوسنا يجعلني أرفع رأسي: أرى السماء الصافية، وأجد أن هذا الشلال السماوي، عزيف الجنّ، هو الكهرباء التي تعبر أسلاكاً غليظة عاليةً وعاليةَ التوتر، وما من ريح في ليلة الخريف هذه…

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

جولان حاجي

شاعر سوري.