هل الطبيعة البشرية خيّرة أم شريرة؟

يورغن هابرماس (1929) فيلسوف وعالم اجتماع ألماني. (ويكيميديا).يورغن هابرماس (1929) فيلسوف وعالم اجتماع ألماني. (ويكيميديا).
image_pdfimage_print

إحدى المقدمات الضمنية والأساسية للتيارات السياسية الكبرى تتمثل في الجواب على هذا السؤال. تقدم الإجابة فرضية مؤسِسة وضرورية للبناء عليها لاحقاً وضمان الاتساق الداخلي للخلاصات النهائية للنظرية. إن صيغة السؤال نفسها إشكالية لاستدعائها حالة «طبيعية» مفترضة للإنسان لن يُعثر عليها في أي مكان، فالإنسان دوماً موجود في التاريخ، حتى المجتمعات الأكثر بدائية -كما نعتقد- ذات تاريخ. الإنسان متورط بشكل لا فكاك منه بالتاريخ، وعليه لا يمكن الحديث عن الحالة الطبيعية كشيء يمكن التحقق منه أو اختباره. الحالة الطبيعية للإنسان فكرة متخيلة ومؤسِسة، وتشبه في هذا فكرة العقد الاجتماعي، وهو عقد لم يحصل يوماً. لم يحصل أن اجتمع أناس وعقدوا فيما بينهم عقداً يفصلون فيه شكل الدولة وحقوقهم. العقد الاجتماعي إطار تفسيري، وطبيعة الانسان هي من النوع ذاته، فرضية مؤسِسة.

يكمن الخطر في تجاهل الطبيعة المتعالية والناظمة لهذه المصادرة والسعي إلى برهنتها اعتماداً على نتائج النظرية المشتقة منها، مما يورطنا في برهان دائري، أو الاعتماد على علم آخر كالبيولوجيا، مما يعني أن يتولى علم طبيعي مقاربة مفاهيم «أخلاقية» و«متعالية» مثل الخير والشر والطبيعية الإنسانية. الطبيعة البشرية ليست موضوعاً يمكن لنا اكتشافه، فلا أحد يمكن له إدّعاء ما هو الطبيعي وما هو التاريخي والاجتماعي في الطبيعة البشرية. أياً يكن التصور الذي نحمله بصدد هذه الطبيعة، فهو لا ينتمي إلى مجال العلوم، بل إلى العالم المعاش والخبرة التاريخية والانحيازات التي نحملها، هي جزء من الميتافيزيقيا التي لا يمكن لأي نظرية أن تتجنبها. الإحالة إلى العلم في هذا الشأن يفتح الباب لما هو حتى أسوأ من الثيوقراطيات.

فيما يتعلق بهذا السؤال، لدينا ثلاث استراتيجيات ممكنة للتعامل معه، الأولى تجيب بأن طبيعة الإنسان خيرة، وهي فرضية التقدميين عموماً من ليبراليين واشتراكيين على كافة تنوعاتهم. الثانية أجابت بأن طبيعة الإنسان شريرة، وهي فرضية المحافظين. الاستراتيجية الثالثة تقوم على رفض السؤال أساساً.

الفرض الأول ينطلق من أن الإنسان خير بطبيعته ولكن المجتمع (الجهل والتقاليد أو علاقات الانتاج أو الملكية الخاصة إلخ) هو المسؤول عما نراه من شرور ومعاناة يحياها الإنسان، والمجتمع المثالي هو الذي يحرر الإنسان من هذه الإكراهات الغريبة عنه ليستطيع عندها تحقيق ذاته. تجد هذه الفكرة جذورها الأولى عند كل من لوك وروسو، وتمتد عبرهما لاحقاً في التقليدين الليبرالي والاشتراكي. ماركس (وهو الأكثر إشكالية) يرى في الشيوعية المجتمع الذي يمكّن الإنسان من تحقيق ذاته، ويقدم في جملة شهيرة تصوره للطبيعة المبدعة للإنسان الذي يعمل يوماً، ويصطاد السمك في يوم آخر، ويمارس النقد الأدبي في يوم ثالث. هابرماس، في نظريته عن الفعل التواصلي، يقلب النقاش من تصور للمجتمع المثالي إلى تصور للشروط الضرورية واللازمة لإقامة نقاش عقلاني وديمقراطي يحرر الناس من كل الإكراهات التي يتعرضون لها. هذه الشروط ،والحوار، ينطلقان أيضا من فرضية لازمة هي الطبيعة الخيرة للإنسان. الإنسان ككائن عقلاني وصادق في لحظته الأكثر كشفاً لذاته.

التقليد الاشتراكي يستلزم افتراض الطبيعة الخيّرة للإنسان، حيث لا يمكننا تخيل مجتمع اشتراكي من دونها، ففي الاشتراكية يكتفي الناس بحاجتهم، ويعملون ما عليهم انطلاقاً من وازع الضمير، يلتقون ويتحاورون، بشكل عقلاني وصادق ومتحرر لحد بعيد من الإكراهات الناشئة عن السلطة والجهل، من أجل الوصول إلى قرارات تتعلق بشؤونهم. كل هذا الفعاليات لا يمكن تصورها دون افتراض أساسي بأن الإنسان هو خير، وأن ما نراه من شرور ليست إلا نتاج المجتمع وليست شراً متأصلاً في طبيعته. اليوتوبيا لا تستند فقط على ادعاء رغبتها في السماح للإنسان بتحقيق ذاته، إنما أيضاً على فرضية أساسية بأن الإنسان بجوهره خير، هذا وحده ما يجعل السعي لتحقيق الإنسان مشروعاً جديراً بالنضال من أجله.

المعضلة تنشأ مع التساؤل عن «ماهية» الخير، الخير الذي يُمكّننا من تحديد الطبيعة الإنسانية بالإحالة إليه. إذا كانت هناك طبيعة أصلية تم قسرها عبر المجتمع، فكيف لنا أن نعرف هذه الطبيعة حتى نستطيع استعادتها لاحقاً؟ وكيف نعرف أننا لم نستعِد شيئاً مغايراً؟ أو حتى كيف نعرف، على الأقل، شكل المجتمع المثالي أو شروطه اللازمة التي تسمح لنا بمثل هذه الاستعادة. هذا يعني أن هناك دوماً افتراض معين عن كيف يجب أن تكون هذه الطبيعة، ما يفتح المجال لفرض التصور المتعلق بالطبيعة البشرية السوية على الآخرين، وهذا هو أحد جذور الشمولية في مجمل النزعات الاشتراكية.

مقابل افتراض الطبيعة الخيّرة للإنسان، انطلق المحافظون من افتراض مغاير يستبطن الطبيعة الشريرة للإنسان، وعليه يصبح الواجب، كما عند هوبز، هو لجم هذه الطبيعة وتقييدها عبر سلطة عليا، وحتى مستبدة، هي الدولة. النظرية السياسية لا تعود سؤالاً عن الحرية وشروطها، بل عن السلطة التي يتوجب عليها لجم النزوع للشرّ الموجود لدى الإنسان، ولهذا تلعب التقاليد والأديان أدواراً أساسية في هذه النظريات لما تقوم به من تقييد وكبح للنزعات العدوانية الخاصة بنا.

المشكلة التي تُطرح على النظريات المحافظة تتمثل بمصدر السيادة وممارستها، فإن تنازلنا وانسحبنا أمام السلطة من خلال قبولنا بدورها الكابح للنزعات العدوانية، فمن يضمن أن تتقيد هي نفسها بالقوانين التي تسنها؟ أي إن دفعنا الفرضية الأساسية عن الطبيعة الشريرة للإنسان حتى النهاية، فستكون النتيجة أن القائمين على السلطة أنفسهم سيستخدمونها بأسوأ الطرق لضمان تحقيق مصالحهم، وبالتالي مَن يضمن خضوع من يسنون القوانين للقوانين التي يسنونها؟

وفي حال عدم خضوع المتحكمين بالسلطة لقوانينهم ودفع تسلطهم المستمد من سيادتهم نفسها إلى النهاية، فإن هذه الدولة ستكون أسوأ من الحال الأصلي لحرب الجميع ضد الجميع، الذي دفع الناس للتخلي عن حريتهم والقبول بالخضوع للدولة من أجل الخلاص منه.

مقابل مشكلة ماهية الطبيعة الإنسانية للنظريات التي تقوم على تحقيق الإنسان لذاته (التقدميين)، فإن النظريات المحافظة التي تفكر بكبح جماح هذه الطبيعة تواجه مشكلة السيادة.

يمكن فهم التصورات المتباينة للطبيعة البشرية بالنظر إلى السياقات التاريخية التي حكمت نشأة هذه التصورات والنظريات السياسية المرتبطة بها، أي التجربة التي شكلت إطار الخبرة الخاصة بالمفكر. هوبز كانت أمامه حرب الثلاثين عام، بينما نظر روسو إلى البؤس والمعاناة التي عاناها معاصروه، والإملاق الساحق لعمال المدن الذي عاصره ماركس. كل الفرضيات والنظريات هي مقاربات تاريخية لمشاكل عيانية، تمت صياغتها لتكون وكأنها نظرية عامة لتفسير «الدولة» و«الإجتماع الإنساني».

الاستراتيجية الثالثة تبدو مفيدة في تجاوز المأزقين عبر رفض فكرة الطبيعة نفسها، ففي النهاية هي فرضية ميتافيزيقية يفضّل الخلاص من إحراجاتها. غير أن هذا التخلص يتم عموماً عبر القبول بمصادرات من نوع مغاير، كالتربية مثلا! الإنسان صفحة بيضاء تتكفل التربية بجعله على ماهو عليه، وعليه تتكفل التربية أيضاً بأن تجعله ما يجب أن يكون عليه. لماركس نقد شهير وهو من يربي المربي؟

النمط الثاني من المصادرات هو فكرة السلطة، حيث لا وجود لطبيعة الإنسان، وكل ما علينا اكتشافه هو السلطة الكامنة خلف تصوراتنا وادعاءاتنا عن هذه الطبيعة. غير أن هذا الادعاء نفسه يعاني من عدم اتساق مفهوم السلطة الذي يحمله، فإن كانت كل إداعاءاتنا تتشكل عبر السلطة (السلطة معطى قبلي في علاقتها بالمعرفة) فما هي طبيعة إدعائي الحالي المتعلق بشرح كيفية تشكل الخطابات؟ هنا يتورط المرء بمناقضة الكذاب فعلياً في اللحظة التي يجعل من السلطة الحد القبلي والتفسيري للمعرفة، يضاف إليه الاستخدام المزدوج لمفهوم السلطة. المفهوم الأداتي، كأن استخدم معرفتي العلمية لانجاز أمر ما كاستخدام المعرفة الفيزيائية لبناء طائرة، والمفهوم المعياري والمتعالي للسلطة في تكوين المعرفة نفسها، أي المعايير التي نستخدمها للحكم بصحة قضية ما هي نفسها نتاج سلطة. والحاصل أنه في الأغلب يتم استخدام أدلة من السياق الأداتي للسلطة لإثبات أطروحة تتعلق بالفهم المتعالي للسلطة، ما يعني أن هناك خطأ مفهومي (نقد هابرماس الممتاز لفوكو).

ينتج عن رفض الحالة الطبيعية للإنسان رفض أي فكرة عما يجب أن يكون عليه الحال، رفض تام ومبدئي لليوتوبيات. إن لم يكن للإنسان طبيعة أصيلة نسعى لتحقيقها؛ حيث أن كل تصور عن «تحقيق الإنسان» هو شأن تاريخي متعلق بالسياق الذي نفكر فيه بالإنسان، فهذا يعني أنه لا معنى بالتالي للحديث عن حالة مثالية وضرورية لتحقيق الإنسان لذاته، بل أن كل تصور لهذه الحالة نفسه مرتبط بالظرف التاريخي الذي نفكر من خلاله بصددها. حوار تشومسكي وفوكو عرض ممتاز لهذا الخلاف. كلاهما مناهضان لمجتمعيهما، ولكن تشومسكي يربط مناهضته وسياسات المواجهة التي يقترحها بالسعي إلى تحقيق مجتمع لاسلطوي (أناركي) مثالي، مستنداً إلى تصوره عن طبيعة الإنسان، في الوقت الذي يرفض فيه فوكو فكرة الطبيعة البشرية، وتالياً أي يوتوبيا، ولا يرغب بربط سياسات المواجهة بأية مبادئ عليا يجب تحقيقها، المبرر الوحيد لها هو مواجهتها وتحديها للسلطة.

الرغبة في تجاوز أية افتراضات ميتافيزيقية هي الميزة الأساسية للاتجاه الثالث، إذ أن تقديم أية افتراضات بصدد ماهية هذه الطبيعة سيتسبب في سوء فهم لا إمكانية لتجاوزه. ما الذي نعنيه بـ«الطبيعة»؟ هل هي ما لا يخضع لأي تأثير اجتماعي أو تاريخي؟ لكننا لن نرى مثل هذه الطبيعة لدى أي إنسان، بل على العكس: البشر الذين انقطعوا لسبب أو آخر عن المجتمعات البشرية ونشأوا في الغابات، لم يظهروا من البداية سلوكاً بشرياً. يضاف إلى هذا خطر أن نؤمثل حالة تاريخية أو متخيلة بوصفها الحالة الطبيعية للإنسان، ونتورط في قراءة لا تاريخية من ناحية، ورهانات سياسية خطرة من ناحية أخرى.

من الممكن الاستغناء عن أي فرضية بصدد الطبيعة البشرية دون اللجوء إلى إطار تفسيري واسع كما تسعى نظريات السلطة، وذلك عبر اللجوء إلى مقاربات عملية (براغماتية)، تنظر إلى النظرية السياسية وافتراضاتها بوصفها إطاراً لحل مشاكل محددة نواجهها. الديمقراطية جيدة، ولكن في مجتمع منقسم طائفياً وإثنياً ستبدو وصفة للحرب الأهلية، التدخل الأجنبي انتهاك للسيادة الوطنية، ولكن مع طاغية يقتل شعبه، أو في مجتمع منقسم على ذاته ولا يملك الحد الأدنى من الثقة الإجتماعية اللازمة لأي حوار مفيد فسيبدو هذا التدخّل ضرورياً. الحرب الأهلية السورية تكشف أن كل إنسان ذئب للآخرين، ولكن هذه «الطبيعة الإنسانية» نتاج لعقود من حكم نظام الأسد.

أياً تكن الاستراتيجية المتبعة – واختيار الاستراتيجية من قبل الفاعلين يتعلق بالسياق التاريخي والانحياز السياسي- فهي تقدم فرضية مؤسِسة وليس قضية قابلة للإثبات أو النفي التجريبي، كذلك يجب الالتفات إلى الدور الذي تلعبه في البناء الداخلي للنظرية السياسية والحدود التي ترسمها لها. إن أحد أسباب سوء الفهم التي تحكم النقاشات النظرية والسياسية هو نسيان الفرضيات المؤسسة والضمنية التي تقوم عليها العمارات النظرية الكبرى.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

موريس عايق