الدراما السورية بين المركز العربي والطرف الأسدي

باسم ياخور أثناء تصوير أحد المسلسلات السوريّة/arageek.باسم ياخور أثناء تصوير أحد المسلسلات السوريّة/arageek.
image_pdfimage_print

السطورُ أدناه عبارةٌ عن شهادةٍ شخصية لصاحبها، وهي نتاج عملٍ استمر في قطاع الإنتاج التلفزيوني طيلة ستة عشرَ عاماً حتى تاريخ مغادرته لسوريا عام 2014. لا يدَّعي كاتبُ هذه السطور أنه قدَّم صورةً شاملة عن عمل هذا القطاع خلال العقود الماضية. ولكنه بالمقابل شاهدٌ على طريقة العمل تلك، ولو من زاوية رؤيته وتجربته. الدافعُ لكتابة تلك السطور هو الإشارة إلى الدور الذي لعبه النظام الحاكم في سوريا، والذي أحال الفضل إليه وحده فيما شهده هذا القطاع من تطورٍ ملحوظ خلال العقود الماضية. حقيقة الأمر هي أن النظام لعب دوراً عكسياً تماماً على طول الخط، وهذا ما تحاول تلك السطور أن تقدِّم الدليل عليه، ضمن ما أُتيح لكاتبها من معلوماتٍ خلال عمله في هذا القطاع.

 يغطي هذا النص الفترة حتى انطلاق ثورة السوريين في آذار/مارس 2011.

في مَعرِضِ ردِّهِ على واحدةٍ من تهجمات العقيد القذافي على المملكة العربية السعودية، قال الإعلامي السعودي جمال الخاشقجي أن العقيد قد جنى على نفسه، وعليه أن يتحمل هجوم «الماكينة الإعلامية السعودية» المضاد إن كان قادراً على هذا!

كان الخاشقجي يستند في كلامه هذا إلى «حقائق» أصبحت راسخةً فعلاً في الإعلام العربي عموماً منذ عقدين على الأقل. التهجم والرد حصلا في النصف الثاني من مطلع الألفية الجديدة. حيث بات من المعروف للجميع مدى النفوذ الهائل الذي تمثله المملكة في هذا القطاع الذي أعاد السعوديون، والخليجيون عموماً، اكتشاف مدى حيويته وأهميته لأي نظام يريد تكريس شرعيته، خصوصاً في منطقة مأزومة كمنطقتنا. إعادة الاكتشاف هذه تميزت عن سابقاتها (الناصرية والبعثية السبَّاقة في اكتشاف هذا القطاع الحيوي والسيطرة عليه) بكونها أغنى وأكثر ذكاءً وأوسع بما لا يقاس.

كانت عجلة العمل في هذا القطاع، لبناء تلك «الماكينة» السعودية/الخليجية، قد بدأت تدور منذ أواسط السبعينات، وبتسارعٍ بدأ يزداد تدريجياً، معيدةً تشكيل المشهد الإعلامي العربي برمته من جديد. ولم يلبث أن بدأ عصر جديد للإعلام فاق كل ما سبقه من تجارب وعلى كل المستويات، رافعاً من حجم الطلب على المنتج الإعلامي بمختلف أشكاله وأنواعه ومصادره، إلى درجةٍ صار فيها من الممكن الحديث عما يسمى «فورةً إعلاميةً عربيةً جديدة».

من ضمن هذه الفورة كان الجزء الخاص بالدراما السورية و«تطورها» و«نهوضها» اللاحقين خلال العقدين الأخيرين، ولا يمكن للحديث هنا أن يستقيم دون الأخذ بعين الاعتبار أن المنتَج السوري هذا، ناهضاً أو متطوراً، ليس إلا واحداً من «أجزاء» تلك الماكينة الضخمة.

 

البدايات والتطور

قد يكون الكلام أعلاه صادما، وبالذات لأولئك الذين عاصروا «نهضةً» سابقةً لتلك الدراما حصلت في ستينات وسبعينات القرن الماضي، من خلال الانتشار الواسع الذي حققته أعمال الثنائي دريد ونهاد، خصوصاً في منطقة الخليج العربي. ولكن في حقيقته، فإن «النهوض» الجديد للدراما السورية، والذي بدأ في النصف الأول من عقد التسعينات من القرن الماضي، لم يكن يستند فقط إلى سمعة تلك الأعمال وغيرها من الأعمال الدرامية السورية، بل أيضاً إلى معطياتٍ جديدة وفَّرَها تطور القطاع الإعلامي نفسه، وكذلك الجهات المشترية لتلك الأعمال، والساعية إلى فرض سيطرتها على ذلك القطاع عربياً.

كان عصر البث الفضائي على وشك البدء فعلاً، بما يعنيه من ممكناتٍ إعلامية فاقت تلك التي سبقتها بمراحل، وباتَ التحكم بها ملحاً وحيوياً أكثر من أي وقت مضى. وبما يعنيه أيضاً من زيادة الطلب على قطاعٍ جديد بدءَ يُفتَحُ للتو، ولا أحد يعرف إلى أين يمكن أن يصل. ولم يكن غريباً، على المستوى السوري، أن يكون الأكثر قدرة على قراءة التطورات الجديدة هم «علية القوم» الأكثر احتكاكاً مع مراكز القرار في السعودية والخليج عموماً. لذلك كانت البدايات الأكثر بروزا لـ «المنتج الدرامي السوري الجديد» الموجه للسوق «العربية» عبر شركة «الشام الدولية للإنتاج الفني» لصاحبها باسم عبد الحليم خدام.

لم تكتف الشركةُ بالدخول إلى «السوق» بعملٍ لاقى ضجةً استثنائيةً وقتها، «نهاية رجل شجاع» من إخراج نجدة أنزور عن رواية لحنا مينا بالعنوان نفسه، بل وبدأت فعلياً بالتأسيس لقاعدةٍ إنتاجيةٍ متكاملة بما يتطلبه الأمر من مكاتب واستوديوهات ومعدّات وطاقم فني وإداري متفرغ للعمل. وكانت تلك المرة الأولى التي يمكن القول فيها أن هناك شركة إنتاجٍ تلفزيونيٍ في سوريا، خارجَ إطارِ مديرية الإنتاج التابعة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في سوريا.

لم يكن وارداً في ذلك الوقت التمكن من منافسة تلك الشركة الضخمة، التي تم التعامل معها بوصفها إعلاناً عن تحويل القطاع الإعلامي، أو الجزء الأعظم منه، إلى «السيد نائب الرئيس» ضمن عمليات تقاسمِ النفوذ في مختلف القطاعات بين أفراد الدائرة المقربة من رأس النظام في ذلك الوقت.

خلال تلك الفترة بدأ البث الفضائي بالانتشار، وازداد بالتالي الطلب على المنتج السوري ممى أعطى دوراً لشركاتٍ أخرى «رديفة» لتقوم بتغطية الحاجة التي تفيض عن انتاج تلك الشركة «الأم». والحديث هنا عن شركات الإنتاج للقطاع الخاص فقط، وبعضها كان قد سبق في تأسيسه وعمله شركة الشام. ولكن «بقعة الضوء» الكبيرة بقيت مسلطةً على شركة الشام الدولية للإنتاج الفني ونتاجاتها بصفتها واجهة للأعمال الدرامية السورية الأكثر نجاحاً ورواجاً في ذلك الوقت. مديرية الإنتاج في التلفزيون السوري كانت بدورها تنتج أعمالها للبث على القناة السورية الرسمية، ولاحقاً على القناة الفضائية، وتبيعُ لبعض المحطات الراغبة بالشراء للعرض على شاشاتها.

بقي الأمر كذلك حتى بداية الألفية الجديدة، التي تميزت بحدَثَين هاميّن بالنسبة للعاملين في هذا القطاع: الأول هو انتقال السلطة في البلاد إلى الوريث، والثاني وصول البث الفضائي العربي إلى طفرةٍ غير مسبوقة، زادت بدورها من حدة الطلب على المنتَج السوري الذي كان يحقق رواجاً ملحوظاً.

بالنسبة للحدث الأول، فقد أدى إلى حالة «انفراجٍ» متوقعة على أمل أن يكون هناك «انفتاحٌ» سياسي، وبالتالي اقتصادي يخفف من حالة الركود وتقاسم النفوذ السابقة، والتي بدت خلال السنوات الأخيرة لحكم الطاغية الأب وكأنها مكرسةٌ بشكل أبدي. لكن حالة «الانفراج» هذه لم تَعدُ كونها مكياجاً سطحياً لنظامٍ لم يُرِد أكثر من أن يُحدثَ تغييراً في الطاقم المحيط بمركز الحكم فقط، أو ما عرف وقتها بحكاية «الحرس القديم» و«الحرس الجديد»، وبالتالي تقاسمٌ جديدٌ لكعكة النفوذ بإخراج أسماء قديمة، وإحلال أسماء جديدة عوضاً عنها.

أما بالنسبة للحدث الثاني، فإن زيادة حجم الطلب، وبمستويات غير مسبوقة، وتَغيُّر «القوانين» المتحكمة بعملية الإنتاج نفسها في «مراكز القرار الإعلامي»، وهذا ما سيأتي شرحه لاحقاً، لم يدع مجالاً للمزيد من الاحتكار المحلي من قبل «مراكز الثقل» في سوريا، لا في كعكة النفوذ، ولا في أي نوع من أنواع الكعك المتعلق بهذا القطاع.

في كل الأحوال، وصلَ النظامُ «الجديد» إلى الحكم ليجد أن هناك «إنجازاً» جاهزاً يمكنه أن يحيل الفضل فيه إلى نفسه، وهو ما أعطى إيحاءاً «برضىً» كبيرٍ عن هكذا نوع من النشاط في القطاع الإعلامي. وكان أن شهدت بداية العقد دخول شركة «عملاقة» جديدة إلى قطاع الإنتاج التلفزيوني، «سوريا الدولية للإنتاج التلفزيوني» لصاحبها محمد حمشو، وهذا ضمن محاولات الاستكشاف النهمة لـ «الحرس الجديد» لإمكانات التنفّع من مختلف مناحي النشاط المربح في سوريا. إلا أن الأمر احتاج إلى وقت إضافي حتى بدأت «مراكز الثقل» في الإنتاج الدرامي السوري تدرك أن دورها بات محصوراً بتلك الإنتاجات الضخمة، لتُبقي على حصتها من السوق التي كان «المتعهدون الأفراد» قد بدؤوا بالقضم منها تباعاً.

 

الدورة الاقتصادية

بدايةً لا بد من الإشارة إلى أن ميزانيات قطاع الإعلام، بشكليه العام والخاص، في منطقة الخليج العربي عموماً ليست مستقلةً بالكامل. بمعنى أن المؤسسات الإعلامية لا تعتمد على دورةٍ اقتصاديةٍ حرة تدخل بموجبها المؤسسة/المحطة إلى السوق، تُموِّل وتُنتِج وبعد ذلك تبدأ بقبض المردود من خلال حصتها في السوق، سواء عبر نِسَبِ المشاهدة التي تحدد مردود الدعاية والإعلان؛ أو عبر البث المدفوع سلفاً من خلال محطات الكايبل.

تلكَ «الماكينة» الإعلامية موضوعةٌ وممولةٌ بالكامل من قبل حكومات المنطقة، بشكل مباشر عبر محطات حكومية، أو غير مباشر عبر «نافذين» متصلين بمراكز القرار العليا. وهذه «الماكينة» وجدت لخدمة تلك الحكومات بالدرجة الأولى، وبالتالي فإن الحديث عن دورةٍ اقتصادية مستقلة وكاملة تعتمد على مراديد السوق، أي مؤسسات إعلامية مستقلة في قرارها، بما فيها المالي، أمرٌ غير وارد إلا بنسب متفاوتة وفي اتجاه واحد يعتمد على نجاح تلك المحطة أو المؤسسة الإعلامية في جذب أكبر عدد من المتابعين، وبالتالي النجاح في إيصال الصورة المطلوبة والمرسومة سلفاً من قبل تلك الحكومات.

وفيما يخص موضوعنا، فإن الدورة الاقتصادية فيما يتعلق بالجزء الأعظم من المنتج الدرامي السوري، تمويلاً وتنفيذاً وتسويقاً، لم تكن سوريةً بالكامل إلا فيما يتعلق بالجزء الثاني منها، وهو التنفيذ.

القرار الذي يُتَّخذ ويؤدي إلى التمويل، يُتَّخذ في مراكز القرار، وهي ليست سورية. وكان الأمر سابقاً يتم عن طريق الشراء وليس التمويل، بمعنى أن المنتَج يُعرَض كاملاً، بعد تنفيذه، على المحطة/المحطات، ويُبَاعُ بأسعارٍ تتفاوت حسب ترتيب زمن العرض: المحطة التي تأخذ العرض الأول للعمل تدفع السعر الأعلى، ويبدأ السعر بالانخفاض حسب ترتيب العرض وحسب المحطة الراغبة. ولأن الإنتاج عمليةٌ مكلفة، فإن الدخول في تلك المغامرة لم يكن يسيراً إلا بالنسبة لأولئك الذين يملكون التمويل الكافي والخبرة والصلات أيضاً، بما يمكِّنهم من تسويق منتجهم عند أفضل المشترين، خصوصاً وأن أرباح المغامرة الإنتاجية حسب تلك الطريقة قد لا تأتي إلا بعد العرض الثاني للعمل أو حتى الثالث.

لاحقاً بدأت تظهر طريقةٌ جديدة في العمل، وتتلخص بشراء العمل كنصٍ والشروع في تنفيذه من قبل المحطة المشترية، والتي ستحتكر بثَّه على شاشتها بصفته من إنتاج مؤسسة الإنتاج التابعة لها، أو قد تبيعه لاحقاً إلى محطاتٍ أخرى. بمعنى أن العمل كاملاً صار مُلكاً للمحطة المشترية، بصفتها منتجة العمل، ولها حق التصرف به كما تشاء.

كانت الغاية المعلنة من هذه الطريقة أن المحطات يجب أن تصبح بدورها مُقرِرَةً في طبيعة المادة التي ستعرضها، وهذا الأمر لا يجب أن يقف عند حدود قبول أو رفض مجموعة الأعمال المنجزة، أو التي هي قيد الإنجاز، المعروضة عليها لتشتريها. خصوصاً وأن التنافس بين محطات البث قد يُقلِّلُ من قدرة المحطات  على التحكم بنوع المادة المعروضة، مما يعطي هامشاً أكبر للشركات المنتجة، سوريةً أو مصرية، للتقرير بشأن منتجها. والذي قد لا يكون «مناسباً» في كثيرٍ من تفاصيله لما تريده تلك المحطات، أو لسياسات من يقف خلفها من حكومات.

تطور الأمر لاحقاً، وبدأت المحطات نفسها تقرر طبيعة المادة التي يجب أن تُشترى، أي تطلب كتابة النص دون الحاجة إلى شراء نصوصٍ جاهزة ضمن خطة إنتاجيةٍ مسبقة ومعدةٍ لمواسم العرض. وهذا بالاستناد إلى حق تلك المحطات في رسم خارطة عروضها بكامل تفاصيلها، بحيث تدخل المنافسة بقوة أكبر، وتُبقي لنفسها على حصةٍ من سوق المشاهدين الذي بدأ بدوره يتحكم بمراديد تلك المحطات من الدعاية والإعلان. وهو بدوره مردودٌ بدأ يكبر مع الوقت مغطياً جزءاً من التكاليف الضخمة التي وضعتها الحكومات المُمَوِلة لتلك المحطات.

بطبيعة الحال، لم يتحول الأمر إلى هذه الطريقة إلا بالتدريج، وبَقيَ هناكَ هامشٌ لأعمالٍ مستقلةٍ تستند بالدرجة الأولى إلى جماهيرية سابقة، سواء للعمل أو للنجوم المشاركين.

سيطرةُ مراكزِ القرار في المحطات على طبيعة المادة المنتجة، أعطت لأولئك الذين لا يمتلكون رصيداً مالياً كافياً للقيام بمغامرة الإنتاج التلفزيوني، فرصةً أكبر لأن يدخلوا السوق بصفتهم منتجين منفذين أفراداً تحت مسميات شركات إنتاجية مختلفة. وكان هذا الدخول مشروطاً بعلاقاتٍ شخصية، أو مهنية، تربط أولئك المنفذين بمتخذي القرار في إدارات المحطات التلفزيونية.

وبقدر ما كان الأمر فرصةً للكثير من الكوادر الإنتاجية، المهيئة والراغبة، في أن تجتاز حصار «مراكز الثقل» في دولها الأصلية، سوريا في حالتنا هذه، بقدر ما كان بدوره أيضاً فرصةً للكثير من عمليات الفساد المالي ما بين «متخذي القرارات» في تلك المحطات، أو ممثليهم، وبين المنتجين المنفذين الأفراد. بحيث يوقِّع المنتج المنفذ على كامل ميزانية العمل المرصودة من قبل إدارة المحطة، ويتلقى جزءاً من تلك الميزانية، فيما يحول الباقي إلى الحساب الشخصي لمتخذ القرار أو المدير التنفيذي للمحطة، وينفِّذ بجزءٍ مما قبض ويبقي الباقي له. أي أن معظم الأعمال التي نُفِّذَت بهذه الطريقة نُفِّذَت فعلياً بما لا يتجاوز ثلث الميزانيات التي رُصِدَت لها من قبل تلك المحطات، أو نصفها في الحدود القصوى.

ووصلت الأمور إلى درجةٍ باتت فيها تلك الفرصة التي أُعطيَت للأفراد ليخرجوا من القبضة المحكمة لأنظمة بلادهم التي توزع الأرزاق والأقدار حتى، مجرد ورطةٍ أخرى مع قبضاتٍ أخرى في دولٍ أخرى، توزع بدورها الأرزاق والأقدار المهنية حسب رغبتها، وبما يخدم مصالح أفرادٍ متحكمين يحتكرون القرار لأنفسهم ومن أجل مصالحهم.

أما فيما يخص «الحرس الجديد» في سوريا، فَلم تكن تلك بيئةً مناسبة للاستثمار بالطريقة نفسها، وبالمستوى والنهم الذي اعتادوا عليه منذ تولي الوريث عرش الجمهورية. فقواعد اللعبة لا تُوضَع من قبل وليّ نعمتهم، ولا يتم التحكم بها من خلالهم، وبالتالي ما عاد الأمر مثيراً للمزيد من التورط، إلا من كان فعلاً قد تورط ودخل السوق وأسَّس لنفسه عملاً بات من المطلوب المتابعة فيه، ولو لرفع رصيده الشخصي أمام وليّ نعمته. حالة محمد حمشو وشركته «سوريا الدولية للإنتاج الفني» كانت مثاليةً بهذا الصدد، خصوصاً وأنه مع تقدم تلك الشركة في إنتاجاتها كان هناك تراجعٌ قد بدأ يلوح في الأفق لشركة أخرى سبقتها، «الشام الدولية للإنتاج الفني»، مع تراجعِ رصيد من يقف خلفها، عبد الحليم خدام وأولاده. وانتهى الأمر بخروج الأخير من سوريا ووضع كامل أملاكه، بما فيها شركة الشام، تحت الوصاية القضائية.

والحق أنه لا يمكن إنكار ما قدمته شركة «سوريا الدولية للإنتاج الفني» من إنتاجٍ متنوع وضخم ومميز في جزء لا بأس به منه، وكان الأمر ملفتاً بسبب اعتماد تلك الشركة على كادرٍ فنيٍ سوريٍ عريق تشكلت خبرته عبر عقودٍ عدة من الزمن، سبقت زمن الفورة الإعلامية العربية، وصار بدوره خلال تلك الفورة جزءاً من المشهد الإعلامي العربي، في شقه الدرامي بالدرجة الأولى.

بقيت إنتاجات تلك الشركة، ولاحقاً جزءٌ لا بأس به من إنتاجات المنتجين المنفذين الأفراد، ملتزمةً سويةً بصريةً، على الأقل، ميزتها عن مثيلتها المصرية. والسبب أن الميزانية التنفيذية للدراما التلفزيونية في مصر كانت تذهب في الجزء الأعظم منها أجراً لنجوم تلك الأعمال، حيث اعتمدت الدراما المصرية في انتشارها وتسويقها عبر تلك المحطات على النجوم المصريين. أما في الحالة السورية، فقد كان جزءٌ مهمٌ من الميزانية (المتبقي من تلك الميزانية الأصلية المرصودة للعمل) يذهب بالدرجة الأولى لتحسين السوية البصرية للعمل في محاولةٍ للإبهار البصري، ولو أنه في بعض الحالات يكون على حساب السوية الدرامية (أعمال نجدت أنزور كانت «مدرسة» في هذا المجال).

كان هذا في النصف الأول من الألفية الجديدة، وكانت سمعة المنتج الدرامي السوري قد بدأت تتكرس بصفته واجهةً وطنيةً مهمة يجب الاعتماد عليها ودعمها بأفضل الطرق الممكنة، للوصول إلى مرحلةٍ يمكن فيها القول أننا أمام «صناعة وطنية» بالمعنى الكامل للكلمة. المصطلح الذي لم يطفو على السطح إلا بعد ظرف سياسي آخر فَرَضَ على العاملين في هذا القطاع تحدٍ جديد، استطاعوا الخروج منه ولكن ليس بفضل النظام، الذي لعب دوراً عكسياً على طول الخط: بدءاً من الظرف السياسي الذي أوجده هو؛ مروراً بتدعيم المنتج الدرامي السوري، الذي لم يبذل أي جهدٍ حقيقي فيه بالرغم من كل المشاريع التي بقيت على الورق، ومع تراجعٍ ملحوظ لدور مديرية الإنتاج في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، التي هجرها معظم الذين كوَّنوا خبراتهم فيها بسبب الروتين القاتل والمحسوبيات والفساد الذي زادَ عما كانا عليه في ظروفٍ سابقة؛ وصولاً إلى مرحلة «الصناعة الوطنية»، التي لم يقم بشيء تجاهها سوى وضع المزيد من العراقيل لأسبابٍ تتعلق ببنيته وطريقة عمله، التي لم تكن معنيةً بشيء سوى استمراريته ورفاهه ورفاه بطانته الخاصة.

 

صناعة وطنية

في النصف الثاني من العقد الأول في الألفية الجديدة، بدأ مصطلح «الصناعة الوطنية» ينال تركيزاً أكثر من المعتاد. في البداية كان الجميع يعتقدون أن ما حدث هو أن «بضاعتنا» وجدت أسواقاً جديدةً لها، وأن الأمر برمته لا يعدو أن السوق صار أكبر، وأن المنتج هو نفسه مع تحسيناتٍ تقنية فيه. وبالرغم من محاولة «العهد الجديد» نسبة الفضل في هذا إلى نفسه، إلا أن أحداً من العاملين في القطاع أو المتابعين لأخباره لم يأخذ هذا الادعاء على محمل الجد، والجميع يعرف تفاصيل العملية كلها. لكن وبالمقابل، فإن أحداً لم يشعر بالقلق الواجب تجاه حقيقة أن قرارنا في «بضاعتنا» ليس في أيدينا.

مع اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، والاتهام المباشر للنظام السوري بالوقوف خلف تلك العملية، بات الجميع أمام وضعٍ جديد فرض عليهم تحدياً من نوع لم يتوقعه أحد قط. فمع نهاية العام 2005 كان هناك قرارٌ قد اتخذ، لم يعلن بشكل رسمي، بمقاطعة الدراما السورية من قبل المحطات وشبكات التلفزة الخليجية التي كانت تمول الجزء الأعظم من «ماكينة الإنتاج الدرامي السوري».

ولم يكن الأمر بحاجة إلى إعلانٍ رسمي للمقاطعة، فما حصل فعلياً، وبُعَيدَ الانتهاء من تسليم الأعمال المتفق عليها لموسم العرض لعام 2005 (موسم العرض الرئيسي رمضانيٌ دائماً)، هبطت نسبة العقود المتفق عليها مع شركات الإنتاج السورية، منتجين منفذين في نسبتهم العظمى، إلى أقل من الربع. بحيث دخلنا في العام 2006 ومعظم أجزاء تلك «الماكينة الدرامية السورية» شبه متوقفٍ عن العمل.

استطاع العاملون في هذا القطاع تجاوز تلك الأزمة عبر صدفةٍ حقيقية، فقد كانت محطة الإم بي سي السعودية قد اشترت الجزأين الأول والثاني من مسلسل «باب الحارة» للعرض في موسمي 2005 و2006، وكان مخرج العمل ومنتجه المنفذ في الوقت نفسه، بسام الملا، قد استطاع إنجاز الجزأين في وقتٍ واحد، وسلمهما للمحطة قبل أن يُتَخَذ قرار المقاطعة. وكان لا بد للمحطة المشترية أن تقوم ببث الجزء الثاني الذي كانت قد اشترته وسددت ثمنه، وكانت في الوقت نفسه قد عرضت الجزء الأول في الموسم السابق 2005، وحصل أن الجزء الثاني بالذات حقق جماهيرية فاقت كل التوقعات، وفاقت في الوقت نفسه كل المسلسلات التي كانت تعرض على الشاشات في موسم العرض الرمضاني نفسه لعام 2006.

وبغض النظر عن السوية الفنية للعمل، إلا أنه استطاع أن يخترق حصاراً كان قد بدأ فعلياً على المُنتَج الدرامي السوري، وهذه حقيقةٌ لا بد من الإقرار بها. مشيراً بوضوح لا لبس فيه إلى أن معيار نسب المشاهدة، إن كان لابد من الأخذ به، فإنه سيلعب دوراً أكيداً لصالح المُنتَج السوري. وهذا مع عزل تأثير الجانب السياسي، حيث الموقف الخليجي لم يكن قد أصبح أكثر ليونة بعد تجاه النظام ومواقفه المتشنجة. الموقف الذي لم يلبث بدوره أن تغير لصالح إعادة تأهيل النظام واستدخاله من جديد فيما يسمى «النظام العربي»، وهذا حدث فعلياً بعد سنوات عدة ولم يصل إلى نهايته المرجوة، من قبل النظام على الأقل، إلا مع الزيارة «التاريخية» للرئيس السوري مع العاهل السعودي إلى بيروت في العام 2010.

يمكن القول هنا أن الحصار الذي كان من المزمع فرضه على المُنتَج الدرامي السوري، كنوعٍ من العقاب على سلوك النظام الحاكم في سوريا، قد تم فكُّه فعلاً وبجهود العاملين في هذا القطاع وحدهم ودون أي تدخل من قبل النظام نفسه لدعم هذا المُنتَج، بالرغم من أن قراراً بالمقابل كان قد اتُخذ وقتها بشراء كامل الأعمال الدرامية السورية من قبل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وعرضها على القنوات التلفزيونية السورية كنوعٍ من التعويض على العاملين في هذا القطاع. ولكن هذا القرار لم يُؤخَذ بدوره على محمل الجد والكل يعلم سلفاً كيفية عمل «آلية» الفساد المستشرية في تلك الهيئة وغيرها من مؤسسات الدولة. وهذا دون الحديث عن أن القرار نفسه لم يكن قادراً على تغطية قطاعاتٍ جديدة من العمل نشأت بموجب آلية العمل المعتمدة من قبل مراكز القرار في «الماكينة الإعلامية الخليجية»، المقصود هنا ظاهرة المنتج المنفذ لصالح محطات تلك «الماكينة» التي باتت تغطي ما لا يقل عن 80% من مجمل الإنتاج الدرامي السوري.

كانت النتيجة، ومع نهاية العروض الرمضانية لموسم 2006، أن عادت «الماكينة الدرامية السورية» للاشتغال بأقصى طاقتها التي لم تلبث أن تضاعفت مع السنوات التالية.

لم يمرَّ الأمر دون إعادة طرح مفهوم «الصناعة الوطنية» من جديد، وهذه المرة بتركيزٍ أكبر ومحاولة أكثر شمولية لفهم آلية العمل الإعلامي، ليس في المنطقة فحسب بل في العالم كله، ومن قبل العاملين في القطاع والمهتمين. فالحديث عن صناعةٍ يعني تناول مراحلها الثلاثة من التمويل إلى الإنتاج إلى التسويق، والحديث عن أن تلك الصناعة وطنية، يعني أن تكون المراحل الثلاثة تلك بإشرافٍ وطني كامل عليها.

للبدء بكسر تلك الحلقة، كان لابد من وجود قنواتٍ تلفزيونيةٍ سورية يتم عبرها تسويق المُنتَج، وكذلك تمويل الجزء الأكبر من عملية الإنتاج، وبما يخدم تلك الصناعة ويدفعها أطواراً إلى الأمام.

البداية كانت مع الإعلان عن تأسيس قناة شام الفضائية (محمد أكرم الجندي)، والتحضير لتبدأ بثها مباشرةً من دمشق. بدأت التحضيرات منذ العام 2005 وكانت التوقعات كبيرة تجاه هذا المشروع، ليس فقط لكونه أول مشروع لقناة فضائية سورية خاصة، بل وأيضاً لأن صاحب القناة ومؤسسها مُنتِجٌ تلفزيوني معروف، وله باعٌ طويل في هذا العمل، وله شبكة علاقات عربية لا بأس بها تجعله من القادرين على قراءة المشهد الإعلامي بطريقة أكثر دقة من جهة. ومن جهةٍ أخرى، كونه يعمل بتمويلٍ ذاتي (لم يكن من المحسوبين على النظام بشكل مباشر أو من «حرسه الجديد»، بالرغم من كونه عضواً في مجلس الشعب)، أي أنه يعمل دون دعمٍ رسمي، وبالتالي فهو لن يدخل تلك المغامرة دون أن تكون له شبكة أمان تدعم حظوظه في الاستمرار والمنافسة، وشبكة الأمان الوحيدة التي يمكن لأي مُنتِجٍ تلفزيوني أو رجل أعمال في هذا القطاع أن يؤمنها بدون أي دعم رسمي، هي ببساطة مقدرة العاملين معه وإمكانياتهم على تقديم ما هو قادر على المنافسة.

لم يكن الأمر سهلاً والدورة الاقتصادية في جزئها الثالث «التسويق»، لم تكن بيد من دخلوا تلك المغامرة. كما أنه لا يمكنك أن تضمن حصتك من سوق المشاهدة، وبالتالي تأمين مراديد إعلانيةٍ معقولة، وأنت لم تدخل السوق بعد. ولكن وفي الوقت نفسه، فإن النتائج الكبيرة التي كان يحققها المُنتَج السوري على الشاشات جعلت الأمر مغرياً للمحاولة. تلك المحاولة التي لم يكتب لها الاستمرار من ناحية قناة شام الفضائية، إذ لم يلبث أن صدر قرارٌ مفاجئٌ بإيقاف بث تلك القناة من سوريا عام 2006، وكان قد مضى على بدء بثِّها بضعة أشهر، تحت ذريعة عدم حصولها على إذنٍ مكتوب لبدء برامجها من سوريا!

سرت شائعاتٌ كثيرة في ذلك الوقت حول السبب الحقيقي لقرار المنع المفاجئ، تلك الشائعات في مجملها كانت مضحكة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن القائمين على تلك القناة لا يمكن أن يُحتسبوا من البطانة الخاصة الموثوقة، والتي يمكن أن تُسلَّم زمام أمر في غاية الحيوية للنظام. والحقيقة أن الانطباع الأولي، والأكثر صدقاً، الذي ساد بعد قرار المنع مباشرةً، كان انعدام الثقة في جدية النظام بدعم أي مشروع خارجٍ عن دائرته الخاصة الموثوقة. مضافاً إليه الإحساس الواضح بالتخبط، حتى على أعلى مستوىً في النظام، حيث لا يمكن لأي شخص أن يقوم بمشروع بهذا الحجم، ويصرف عليه عشرات الملايين دون أن يكون فعلياً قد أخذ الإذن الرسمي للبدء به، ومن أعلى مستوىً في البلاد دون أدنى ريب. وهنا ظهرت من جديد تلك القبضة الأمنية، التي كانت قد أُلبِسَت منذ فترة قفازات حريرية، لتلوح في الأفق وتغلقه أمام غير المرضي عنهم، كدأبها دائماً.

في العام التالي، 2007، باشرت قناة الدنيا بثَّ برامجها من دمشق (محمد حمشو ولاحقاً رامي مخلوف، صارت قناة سما بعد توقيف بث القناة الأولى بسبب العقوبات على النظام بعد انطلاق الثورة السورية)، إلا أن هذا لم يُحدث أثراً كبيراً، خصوصاً بعد الذي حصل لقناة شام الفضائية. بالإضافة إلى أن الجميع كانوا يدركون بأنها محاولةٌ للخروج من «لعبة السوق» المفروضة قوانينها من قبل دوائر نفوذ بعيدة، وفرض قوانين جديدة تناسب البطانة المقربة من الرئيس، وتُعطي الانطباع بوجود إرادةٍ للخوض في المجال الإعلامي بطرقٍ مختلفة عما سبق، وكذلك كانت وسيلةً لتصريف وتسويق إنتاج شركة سوريا الدولية للإنتاج الفني بعيداً عن دوائر النفوذ تلك. الشركة والقناة كانتا تابعتين للشخص نفسه، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن إمكانية المنافسة من قبل تلك القناة لم تكن لتتعدى المنتج الدرامي نفسه، حيث أنها ومن الناحية البرامجية، كما ظهر جلياً مع بدء القناة ببث برامجها، كانت أضعف من أن تنافس السوية المتفوقة للمحطات الخليجية، فإن الأمر باتَ برمته متوقعاً من قبل العاملين في القطاع ومتابعي أخباره. كان التوقع السائد أن سقف تلك العملية لن يخرج عما كانت الفضائية السورية تقدمه من أعمالٍ تجعلها تحتل مرتبةً متقدمةً في مواسم العرض الرمضانية، قبل بدء المحطات الأخرى باحتكار عرض الدراما السورية لنفسها، وهذا ما حصل فعلاً، حيث بات جمهور المشاهدين أمام قناة «رسمية» جديدة باسمٍ آخر، لا أكثر ولا أقل.

في العام التالي، 2008، بدأت قناة أورينت (لصاحبها غسان عبود) ببث برامجها من دبي، ونجحت القناة في إحداث أثرٍ ملفتٍ عند المشاهد السوري، وبشكل سريع. لم تبدأ القناة مستندةً إلى إنتاج درامي خاص بها، بل على العكس من هذا لعبت تقاريرها وبرامجها، المعدة والمنفذة في سوريا من قبل مكتب القناة هناك، دوراً بارزاً في لفت الانتباه إليها. أي أنها بدأت بإنتاجٍ برامجيٍ أكثر منه درامي، وكونها سوريةً بالكامل، بالإضافة إلى «النَفَس» الجديد نسبياً في برامجها وتقاريرها، والمختلف عن ذلك الرسمي المعتاد لدرجة الملل، كل هذا لعب هذا دوراً كبيراً في لفت الانتباه إلى هذه القناة.

لم يطل الأمر كثيراً، والقناة بدأت تحرز تقدماً ملحوظاً في سوق المشاهدة السورية حتى باتت مشروعاً ناجحاً فعلاً. ولأنه كان لا بد لأي نجاح في سوريا أن يعود لصاحبه «الشرعي»، تدخل السيد رامي مخلوف عارضاً على صاحب القناة ومديرها «المشاركة». طبعاً الرفض كان الرد، وكانت النتيجة، التي لم تنتظر للحظات، قراراً فورياً بإغلاق مكتب المحطة في دمشق ومنعها من العمل في سوريا. ولنا أن نتصور تأثير هكذا قرارٍ على عمل المحطة وبرامجها، ومكتب المحطة في دمشق كان هو المقر الأهم لها، وكادرها هناك كان تقريباً هو الكادر الرئيسي، إذ كانت معظم برامج تلك المحطة تُنتَجُ في سوريا وتُرسَلُ إلى دبي لتبثَّ من هناك.

كان الأمر محبطاً بالكامل، فلا مجال لأحدٍ من خارج البطانة الخاصة أن يعمل كما يجب في بلده. وحتى أولئك القادمين من تلك البطانة بات الأمر بالنسبة لهم غير مجزٍ بالكامل، وهم عاجزون عن المنافسة حتى داخل السوق السورية، إلا في مواسم العرض الرمضانية، وبالاستناد إلى احتكار عرض مسلسلات ناجحة. أما خارج تلك المواسم، فلا أحد يهتم، ويعود الجميع إلى قواعدهم، محطاتهم المعتادة، دون أي اهتمامٍ يُذكَر لا بالمحطات الرسمية ولا بتلك الخاصة الوحيدة، قناة الدنيا، التي سُمِحَ لها بالاستمرار في العمل.

لم يلبث أن خبا الأمل في إرساء أسس تلك «الصناعة الوطنية»، وبات المجال محدوداً ومحصوراً بأسماء محددة، لها في كل الأحوال طاقم عملها الخاص والمتفرغ، والتي بدورها لم تَسعَ للتطوير كونها لم تعد تمتلك الحافز على اقتطاع أي حصة من سوق المشاهدة، في ظل منافسةٍ لم يكونوا قادرين على الخوض فيها وعندَهم بدائلهم من قطاعات استثماريةٍ أخرى، بحيث بات العمل في القطاع الإعلامي ملحقاً بتلك القطاعات ولخدمتها في كثير من الأحيان. هكذا أصبحت قناةُ دنيا قناةَ سيرياتل، شركة رامي مخلوف، بعد أن أصبح الأخير مساهماً رئيسياً في القناة، وأصبحت تلك الشركة هي الراعي الرئيسي والوحيد لمعظم برامج المحطة في ساعات الذروة خلال مواسم العرض الرمضانية.

 

خاتمة

من الظلم الفادح بحق السوريين القول إن سوريا كانت هي سوريا الأسد فقط، لم تكن كذلك حتى في ظل عقود الكابوس الأسدي نفسه. لم تكن كذلك في الجانب الأعظم من مناحي حياة ونشاط البشر، السوريين، الذين رزحوا تحت هذا الكابوس طيلة تلك العقود. تلَّخص الوجود الأسدي في حياتهم بـ«خاوة» كان المفروض عليهم أن يدفعوها لمجموعةٍ من الكائنات لم يستطع السوريين إيجاد تعريفٍ لها، إلا بعد أن فجَّروا ثورتهم في آذار/مارس 2011. محتلون أو غزاة، هذا هو الاسم الوحيد الذي لم يجدوا سواه بعد فرارٍ دامَ عقوداً من الوصول إلى تلك النتيجة!

كانت حياتهم تتطور بموجب قانون دفعٍ طبيعي، لأن منطقتهم كانت بدورها تتطور بموجب قوانين «طبيعية»، ربما، أكثر من كونها قوانين تتدخل الإرادة البشرية فيها، إلا لمصلحة من امتلك السلطة لفرض إرادته على البقية. إرادة البشر كانت محصورةً بالبحث عن أمانٍ لأنفسهم وعائلاتهم بعيداً عن تغوّلٍ لم يترك فرصةً لحياةٍ طبيعية، ضمن جماعة بشرية طبيعية، وبإرادة أفرادها الأحرار. ومع ذلك كان على الحياة أن تستمر، وهي استمرت في مختلف مناحيها، ولم يفعل الأسديون شيئاً سوى أن اقتطعوا «خاوتهم» منها، وفرضوا ظلَّهم الكابوسي حيث أُتيحَ لهم.

لم تفعل السطور أعلاه أكثر من إضاءة جانب، أصغر بكثير من غيره من الجوانب، لهذا الكابوس، وهي مساهمةٌ بسيطةٌ في دَحضِ فكرةِ أن سوريا كانت صنيعة آل الأسد فقط.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

يوسف سرحان