حوار مع بينار سيليك: النسوية واختراع السياسة رغم العنف

بينار سيليك / onedio.comبينار سيليك / onedio.com
image_pdfimage_print

تستعيد بينار سيليك في مقالاتها الجديدة مقولات حنة آرنت في كتابها «ما السياسة؟» لتعيد طرح تساؤلات من نوع: «إلى أي مدى يمكن للعنف الأقصى أن يحدّ من السياسة؟» و«هل مناهضة القمع مكتوب عليها المآلات العنفية؟» وتطرح كذلك سؤالاً غير معتاد: «كيف يمكن للنسوية أن تساهم في الخلق السياسي؟» وهي تصرّ على استخدام ذات التعبير الذي استخدمته آرنت في حديثها عن السياسة: «خلق/ اجتراح»، فلا شيء يمكن أن يغير عالمنا هذا سوى الخلق. قابلناها لنتحدث عن هذه النقطة بالذات، وعن نظرة بعيدة قريبة للواقع الحالي في سوريا، من تركيا القريبة ومن فرنسا البعيدة، وحدثتنا كذلك عن النسوية والآفاق الممكنة في نضالات مبتكرة، تعيشها هي نفسها في مسار مختلف عن مسارات الأكاديميين المحميين عادة في طرائق عيشهم المحصّنة. هي اجتماعية وسياسية في التكوين الجامعي، وفي خبرتها المهنية كمدّرسة وكاتبة ومهنية، ولكنها ناضلت بالمعنى الحرفي التقليدي للنضال في عدة حركات اجتماعية في تركيا، بلدها الأصلي، وفي فرنسا موطنها الحالي، متمسكة بشعار تظل تردده: «الممارسة أساس النظرية». 

ولدت بينار سيليك في اسطنبول عام 1971 ونشأت ضمن محيط سياسي يساري، سُجن والدها بعد انقلاب عام 1980 لمدة خمس سنوات، بدأت دراستها لعلم الاجتماع عام 1992 في جامعة معمار سنان. أثناء الدراسة كانت تقضي الكثير من الوقت في الشوارع مع الأطفال والكبار المشردين، دون مسكن. في عام 1995، ساهمت في تأسيس «ورشة فناني الشارع»، وقد شارك فيها أطفال وغجر وربّات منزل وطلاب ومتنوعي الاتجاهات الجنسية وعاملي وعاملات بغاء.  أنهت دراسة الليسانس بدراسة عن تحول الصحافة والإعلام في تركيا، وأنهت الماجستير بدراسة تحمل عنوان: «شارع ألكر، مكان للإقصاء»، عملت فيها على رصد مُعاش العاملين والعاملات في البغاء والمتحولين جنسياً. بالتوازي، كانت قد ابتدأت أبحاثها عن المسألة الكردية وقامت بعدة رحلات بين ألمانيا وفرنسا وكردستان، وأجرت أكثر من ستين مقابلة ضمن مشروع للتاريخ الشفاهي الكردي. أوقفتها الشرطة في اسطنبول عام 1998 وتعرضت للتعذيب لتُجبر على إعطاء أسماء الشخصيات الكردية التي قابلتها، قاومت بشدة، فتعرضت لنوع آخر من التعذيب النفسي القانوني حيث اتُهمت بتفجير سوق البهارات في اسطنبول، وابتدأت رحلتها الطويلة مع تكالب القضاء التركي المُسيّس عليها. قضت سنتين في السجن قبل أن يُفرج عنها بعد حملة تضامن واسعة ضمّت الكثير من المثقفين والأفراد الذين عملت معهم في التزاماتها الاجتماعية العديدة. لم تكلّ في نشاطاتها ضمن الحركات الاجتماعية وأسّست في عام 2001 الجمعية النسوية «آمارجي»، وافتتحت أول مكتبة نسوية في اسطنبول، ولحق ذلك في عام 2006 إصدار الدورية النسوية النظرية «آمارجي» التي ما تزال تُباع نسخها الألف مع كل إصدار حتى الآن. تمت تبرئة سيليك في عام 2006، ومن ثم تراجعت المحكمة عن تبرئتها في عام 2007 لتعود وتبرئها محكمة جنايات اسطنبول العليا في عام 2008، وبعد استئناف آخر برأتها فيه المحكمة الثانية عشرة في عام 2011، عاد النائب العام عن الحكم بعد يوم واحد من صدوره، وفي عام 2013 حُكم على سيليك بالسجن المؤبد. كانت قد خرجت من البلاد لتستقر أولاً في ألمانيا لفترة، ومن ثم نهائياً في فرنسا. هي تعمل حالياً كمدرسة زائرة في مدرسة العلوم الاجتماعية العليا في ليون، ولا تكلّ عن نضالها ضمن مختلف الحركات الاجتماعية المتضافرة والمناهضة للعنف والحرب والرأسمالية الامبريالية والتسلط الذكوري في آن معاً. 

من أهم منشوراتها التي تُرجمت عن التركية: «لأنهم أرمن»، تتناول فيه قرناً كاملاً من العلاقات مع الأرمن بعد المذبحة الأرمنية؛ «ازحف ازحف لتصبح رجلاً!» تتناول فيه عسكرة المجتمع التركي كأحد النواظم الأساسية لصنع الهوية الجنسية في تركيا؛ «بعيدة عن بيتي ولكن حتى أين؟»، كتيب تتحدث فيه عن منفاها الإجباري وتأملاتها عن العلاقة مع المكان؛ وروايتها عن سيرتها الذاتية: «بيت البوسفور». أنهت رسالة الدكتوراة بعد استقرارها في فرنسا وأطروحتها الأساسية تتمحور حول موضوع لا تراتبية النضالات الاجتماعية. 

 

سأقدمك بناء على سيرتك الذاتية الموجودة على موقعك الرسمي، ولكن لو تركتُ لك حرية تقديم نفسك فعلى أي عنصر من هويتك ستستندين أو تفضلينني أن أركزّ؟ كيف تعرفين نفسك؟ 

ليس لدي عنصر هوياتي محدد. الهوية، ككل شيء معقد، ليست واحدة، ومنذ سنوات وأنا ألحظ أني مركبة، لست أحادية. أنا إنسان- إمرأة تريد أن تعيش سعيدة ضمن عالم سعيد، وتريد أن تفهم هذا العالم، أريد أيضاً أن أغيّر العالم، لذلك أقوم بأبحاث، أفكر وأقاوم وأناضل، أحاول في نفس الوقت أن أستمتع في حياتي. هنا في فرنسا، على عكس تركيا، وعكس سوريا على ما أعتقد، لأن سياقاتنا متقاربة، هناك دائماً تمييز واضح بين الأشياء، أنت باحثة أو مناضلة ولا يمكنك أن تكوني الإثنتين. لماذا؟ بل يمكنك أن تكوني الإثنتين. أنت باحثة ولديك منهجية، تفكرين وتفهمين علاقات الحياة وتتفاعلين بحسب فهمك هذا. أصبحت عالمة اجتماع لأفهم العالم وأفهمنا نحن وأفهم العلاقات الإنسانية، وليس لأصبح عالمة اجتماع أو عالمة سياسية (لدي اختصاصين، في علم الاجتماع وفي العلوم السياسية). أريد أن أضيف شيئاً، إن كان يهمك الأمر، كوني نسوية طوّرني وحوّلني كثيراً، أصبحت مناضلة نسوية في عمر مبكر جداً، ترعرعت في جو يساري أهمل هذا الجانب على الدوام، وأعاد إنتاج ما فعلته الوطنية الكمالية في تجيير صورة المرأة لصالحه. كان هناك نموذج المرأة الجمهورية، ثم أصبح هناك نموذج المرأة الثورية اليسارية. النسوية وحركة التبيّؤ الاجتماعي فتحتا لي آفاقاً كثيرة لأرى تمفصلات علاقات الهيمنة الجنسية، وبعد ذلك خرجت من هذا المنظور لأفكر في علاقات هيمنة الإنسان على الطبيعة. منذ لحظة انفتاحي على النسوية لم أعد أرى أي تراتبية في المشاكل الإجتماعية، أرى كل شيء في نفس الوقت. ضمن هذا المنظور، النسوية لا تعرّفني ولكنها تعني لي الكثير.

بما أنك تحدثتِ عن الهيمنة، يذكرني هذا بـ الهيمنة الذكورية لبورديو. عندما نقرأ بورديو، يتولد لدينا دائماً الانطباع بأن هناك شيءٌ من الحتمية في توصيفه للواقع، نحن كما نحن، طُبعنا بما نحن عليه. مفهوم «الهابيتوس» هو شبه بيولوجي في حتميته. هل ينضوي نضالك تحت خانة مقاومة حتموية عالمة الاجتماع؟ 

قبل كل شيء سأقول لك شيئاً، لقد كتبت كتاباً، تُرجم إلى الفرنسية، بعنوان ازحف ازحف لتصبح رجلاً، وقد تحدثت عن بورديو في هذا الكتاب، ليس كثيراً ولكني ذكرته. لقد كان مفيداً لي في فهم العلاقات الاجتماعية وبنية الهيمنة، ولكنه في كتابه الهيمنة الذكورية لم يكن أول من تحدث عن كثير من المفاهيم التي وردت عنده. أوردته الكثير من النسويات قبله، وقلنه حتى أفضل مما قاله هو، ولكنه لم يُرجع إلى مصادرهن أو يذكر أياً منهن. لم يتحدث عن النسوية في كتابه، في نهاية الكتاب ذكر أنه ممكن للنسوية أن توّسع آفاق النقاش. بورديو يفهم المنظومة الاجتماعية ويوّصفها، ولكنه لا يقول كيف بإمكاننا أن نغيرها، لا أعرف إن كان يمكننا الحديث عن حتموية؟ ممكن. بورديو غير كاف لتغيير الأشياء، لذلك ترينني أحب حنة أرنت وموراي بوتشكين مثلاً، لأنهم يطرحون ما يمكنه أن يغير.

يقودني هذا إلى سؤال آخر، لم أكن أنوي أن اطرحه ولكنك ذكرّتني به: هناك تياران كبيران في التاريخ النظري للنسوية، الأول كلاسيكي جوهراني، يقول بأن هناك جوهر امرأة واحد في العالم، عليه أن يتحد لمناهضة هيمنة ذكورية ذات طبيعة بطريركية واحدة؛ وهناك تيار آخر أحدث ليس جوهرانياً، تحدثت عنه جوديث بتلر في مقدمة الترجمة الفرنسية لكتابها اضطراب الجندر، الذي يقول أنه ما من جوهر امرأة واحد، لأننا بذلك قد نسقط في فخ بنيوية وهيمنة جديدة، وأن الطبيعة البطريركية ليست بالضرورة واحدة لكل لمجتمعات. توحيد النموذج البطريركي هو نوع من المركزية الغربية الأوربية في رؤية الأشياء. «المرأة» أداء اجتماعي وجنساني، وبالتالي علينا ألا نتكلم عن جوهر امرأة موحدة في نضالها. هل هناك تناقض برأيك بين هذين التيارين، وبعبارة أخرى أين تضعين نفسك بينهما؟  

لا أضع نفسي في أي منهما، أعتقد أن النسوية المادية ساهمت بالكثير. هي مادية لأنها تشبه الماركسية في أنها عرّفت المجتمع بطبقاته الاجتماعية والاقتصادية الإشكالية، وقالت أننا لا نستطيع تغيير شيء دون تغيير هذه الطبقات، المؤسسات والعلاقات والبنى، أعتقد أن معهم كل الحق. لقد أظهرت هذه النسوية كيف تعمل البطريركية، وأظهرت أن كينونة المرأة ليست فقط أداء اجتماعي وليست فقط فرق في الجنس، هي علاقة هيمنة اجتماعية ملموسة جداً بين رجل وامرأة. ما عدا ذلك، مقولة أن المرأة ليست امرأة تعريفاً وأنه علينا أن نجترح مفاهيم وأشياء جديدة، أنا معها مئة بالمئة وأنا نفسي أحاول أن أجترح أشياء جديدة، لهذا بالذات حاولت أن أفهم كيف يصبح الرجل رجلاً في تركيا، ولكن النساء في مجتمعاتنا يتعرضن لحرب حقيقية وعلى مستوى عالٍ، معدل الوفيات نتيجة العنف الأسري مرتفعة جداً، الاغتصاب، إلخ إلخ.. النساء يعشن كل ذلك كل يوم، في لحظة ما علينا إيقاف هذا، لا يمكن لهذا أن يستمر. هن يتعرضن لذلك لأنهن نساء، علينا ألا ننسى علاقات الهيمنة في المجتمع. إنه الجوهر «امرأة» المهدد هنا. علاقات الهيمنة في المجتمع. نعم، حسناً، علينا أن نغير الأداء الاجتماعي، ولكن ينبغي ألا ننسى أنه يتم إضفاء سمات اجتماعية على خصائص بيولوجية، مثلما يتم الأمر عند الحيوانات والكائنات الأخرى في الطبيعة، يُقال أن «الجوهر/ الحيوان» الفلاني عليه أن يكون مرافقاً أو أنيساً للإنسان، و«الجوهر» الفلاني عليه أن يكون مصدراً غذائياً، نحن نستغلهم كبشر. ينبغي تغيير نظام الاستغلال والهيمنة المعمّم هذا. علينا أن نفهم أن النساء يتلقين ذلك لأنهن نساء، دون أن ننغلق في هذه الهوية: «المرأة»، أو نبالغ بها أو أن نضفي عليها طابعاً متخيلاً غير حقيقي، وفي ذات الوقت علينا أن نحاول الخروج من هذا الانغلاق بتجريب طرائق حياة مختلفة. ولكني أعتقد أن لدى النسويين-ات تفكير كهذا، فليس هناك تياران اثنان منغلقان وحسب، هناك الكثير-ات ممن هم بين الإثنين والذين يفكرون بالطريقتين معاً، أنا شخصياً، أضع نفسي بينهما، لأني أتغذى منهما معاً.

نضال «الأداء الاجتماعي» الذي تتحدث عنه النسوية الجديدة يتطلب أدوات فردية متطورة، على المرأة أن تكون متمكنة فكرياً ومادياً في هذا المنظور التحرري الأدائي، ما رأيك؟

أوافقك الرأي تماماً، طبعاً أنا لا أرفضه، من الجيد أن يكون هذا المنظور موجوداً وفعّالاً، ولكننا لا نستطيع تغيير الكثير بهذا النضال، لأن معظم النساء ليس لديهن تلك الأدوات الفكرية والمادية. هن يعشن ظروفا قاسية جداً، علينا أن نغير هذا أولاً وبدايةً. علينا التضامن، علينا إيقاف العنف وتغيير القوانين، قوانين العائلة والمؤسسات الاجتماعية. ينبغي أن تتضافر كل النضالات في آن واحد، لأننا في مواجهة أخطبوط، ذراع هي العائلة، ذراع هي الجسد والجنسانية، إلخ. علينا أن نرى كل ذلك معاً، لذلك أنا بحاجة لكل أنواع النسوية، ثم إن النسوية المادية ليست جوهرانية، ألأنها تتحدث كثيراً عن المرأة؟ نعم، تتحدث عن المرأة كثيراً لأن هناك مشكلة عنف هائل في هذه المجتمعات الإنسانية موجه نحو المرأة بشكل خاص. في الوقت ذاته تجد التيارات الحديثة في النسوية، «الكوير»، تمفصلات ين الهيمنة الجنسية والهيمنة العنصرية والهيمنة الرأسمالية، هي تحاول توسيع حيّز النضالات، ولكن للأسف عاشت النساء على مدى زمن طويل الكثير من النضالات المختلطة حتى نسينا في خضمها المرأة نفسها. أنا بحاجة لكل تلك المجموعات ضمن حيز نضالي عام. قد ينسى أحدنا جانباً فيذكره الآخر بها من وجهة نظر نضاله. أحب هذه التعددية، هذا يغذيني، لا أريد نسوية واحدة أو مجموعة واحدة.

الأمر مختلف في مجتمعاتنا، لدينا الكثير من المشكلات، ولدينا الكثير من المنظومات القمعية الشديدة، لدرجة لا تسمح لنا بترف إغلاق أبوابنا في وجه نسوية ما، فلنناقش ولنسمع ما يقولون ولنتحول ونتطور مع الوقت، لدينا الفرصة لتلاقي النضالات أقوى مما هو عليه الحال هنا في فرنسا، لا أعرف إن كانت سمة فرنسية ولكن هنا تُفصل الاشياء بشكل قطعي. من الجيد النقد بشكل ملموس وبدون حدود ومتابعة السجالات بين كل الميادين. حين كنت في تركيا، على سبيل المثال، أسسنا دورية نسوية نظرية بعنوان «آمارجي»، كانت تصدر كل ثلاثة أشهر على شكل كتاب كبير وكنا نبيع منها ألفي نسخة، هنا في فرنسا، لا يوجد دورية واحدة شهرية أو فصلية نسوية يُباع منها ألف أو حتى خمسمئة نسخة. أي أنّ هذه السجالات تفتح آفاقاً جديدة. لا يمكننا أن ندعي معرفة كل شيء فيها. إن كنا نعرف كل شيء علينا أن نناقش ونشرح ونفسر.

ما رأيك بهذه المفارقة في منطقتنا، وهنا أتحدث عن البلدان العربية لأنه لا معرفة دقيقة عندي عن السياق التركي: منذ الاستقلال، حين بدأت تتغير الأمور لصالح المرأة بالمنظور المادي الذي تحدثنا عه قبل قليل، منذ تلك اللحظة بدأت الديكتاتورية الحقيقية تترسخ. ومنذ اللحظة التي بدأت فيها هذه البلدان بمعارضة الديكتاتورية السياسية، أخذت حريات النساء تصبح مهددة بشكل خطير من قبل الإسلاميين والسلفيين والجهاديين، حسب البلد. لما هذه الحتمية؟ وهل يمكننا أن نغير المعطيات؟

طبعاً يمكنا تغيير كل شيء، ولكن علينا ألا ننسى أن البلدان العربية وبلدان الشرق الأوسط على العموم لا تتشارك مع أوربا في السيرورة والشروط التاريخية، لا يمكننا توقع نفس مسار الحركات الاجتماعية. لقد عشنا، نحن، في العراق وسوريا ومصر وتركيا لحظة وطنية جيّرت مسألة المرأة لصالحها ومأسستها عبر العسكرة، ولم تتمكن الحركات النسوية في هذه البلدان من التطور. البعثييون والكماليون، أتوا بخطاب حداثة وعصرية، وبنوا الأمة والحداثة بالعسكرة والقمع المطلق. فلم يتيحوا للنساء أن ينظمنّ أنفسهن ويجابهن النظام وكانت النساء راضيات بعض الشيء، معتقدات أن هذا النظام انقذهن. في تركيا هكذا كانت الحال، فتاريخ الحزب الأول بعد إعلان الجمهورية في عام 1923 شديد الأهمية. أثناء الامبراطورية العثمانية، كان هناك حركة نسوية تركية مهمة، وكانت تضمّ أرمنيات ويونيانيات وتركيات مسلمات ومسيحيات ويهوديات وكرديات، وكان هناك الكثير من السجالات النسوية المهمة.  كانت الضربة الأولى التي تلقتها تلك الحركة هي المجزرة الأرمنية التي سبقت التطهير العرقي في تركيا. بعد الحرب العالمية الأولى، وفي لحظة إعادة تشكيل الجمهورية التركية، وجدت النساء أنفسهن دون رفيقاتهن غير المسلمات. ولكنهن مع ذلك اجتمعن، ولم يقبلن أن يتركن مصيرهن بين أيدي المتسلطين الجدد، وحاولن إنشاء حزب سياسي: «حزب الشعب النسائي»، مما أغضب مصطفى كمال أتاتورك، فمنعهن وعاقبهن، وعاشت بعضهن بعد ذلك مشاكل نفسية حادة وانتهين، مثل كاميل كلوديل، في المصحات النفسية، ودعيت الأخريات للمساهمة في الأعمال الخيرية الاجتماعية. وبعد ذلك أعلن اتاتورك أنه سيؤسس هو نفسه تنظيم للنساء الجمهوريات. لقد أنشأ هوية للمرأة العصرية مع مساواة في الفضاء العام: كموضوع الملابس الأوربية والشعر القصير والتعليم وما إلى ذلك، ولم تستطع النسوية أن تتطور ضمن هذه الشروط. الدور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمرأة ينظمه الرجل وفق المستلزمات الوطنية القومية، وكذلك العلاقات بين المرأة والرجل وعلاقة العائلة بالدولة. إلخ. قُدمت المرأة كنموذج للتحرر ولما يمكن تحصيله عائلياً واجتماعياً من حماية الدولة الوطنية. كان ذلك تحرراً كاذباً ومنعت هذه الوطنية العسكرية التنظيم المستقل للنساء، ومنعت كذلك تطور المجتمع المدني. تُظهر هذه القوى الوطنية العسكرية نفسها وكأنها الضامن لحريات النساء ضد الإسلاميين، إلا أن هذه الحريات محدودة جداً. هذه هي مأساتنا. هذا ما ذكرته في مقالي «اختراع السياسة»، الذي أودّ فعلاً أن يُترجم إلى العربية، أننا لم نحظ بنفس شروط النسويات الأوربيات. فنحن حبيسات نظامين بطريركين، الأول العسكري عنيف بقدر الثاني الإسلامي، ولكن الثاني أكثر فجاجة ووحشية وأقل عصرية في الظاهر. فكيف سيكون من السهل تطوير حركة مستقلة بكل حرية ضمن هذه الأجواء؟ هذا هو السؤال.

Pinar Selek / pen-international.org

Pinar Selek / pen-international.org

اعذريني إن قاطعتك عند هذه النقطة ولكنها النقطة المفصلية في المقابلة، فأنا كنت أريد تحديداً الحديث عن هذه اللحظة التاريخية. كيف يمكننا التيقظ والتفاعل في هذه اللحظة تحديداً لمنع بناء الهويات الجنسية كما تم الأمر خلال إنشاء الجمهورية التركية الحديثة؟ لم نستطع في بلداننا تطوير شيء جدّي خلال الفترة الفائتة، فهذه هي فرصتنا الآن، خلال هذه المرحلة الانتقالية، ولكنها لحظة شديدة العنف، نخاف فيها من الحركات الجهادية والدولة الإسلامية التي تكاد تمنع النفس عن النساء (ودائماً حسب ما يُنقل من المناطق الواقعة تحت سيطرتهم). ما العمل إذاً؟ 

الأمر شديد الصعوبة، علينا ألا ننسى أبداً أنه شديد الصعوبة، فإن كنتِ على الأرض سيكون لديك دوماً أولويات تلتفتين إليها، لقد سمعت على سبيل المثال أن مجموعة من التحرريين اللاسلطويين ذهبت إلى كوباني لأن أعضاءها سمعوا أن الأجواء متاحة حالياً، في ظل الحكم الذاتي الحالي هناك، لبناء منظومة اجتماعية تحررية لا سلطوية، وهو بالمناسبة ليس دقيقاً تماماً. المهم ذهبت المجموعة إلى هناك، استقبلها الأهالي مرحبين بالفكرة، ولكنهم طلبوا من أعضاء المجموعة أولاً مساعدتهم في دفن الجثث التي لم تُدفن بعد، فلم يبقوا طويلاً بعد ذلك. هناك دائماً أولويات، وفي ظل القمع والعنف الشديد تتعطل القدرات الدنيا للتفكير، ولا تظهر إلا الانفعالات والمشاعر، لهذا أحب حنة آرنت، لأنها تقول في كتابها ما السياسة؟ أن السياسة هي أن تتمكني من اجتراح المعجزات، تجديد المسارات، علينا أن نفكر بهذا على ما أعتقد. أنا مثلاً عشت في بلدٍ وفي زمنٍ قاسٍ وعنيف، كان هناك الحرب ضد الأكراد، وكان هناك دائماً قمع، سُجن والدي لخمس سنوات، ولكني تعلمت أنه يمكننا اختراع السياسة، لا نستطيع دوماً ولكننا مجبرين، يمكننا دوماً أن نخترع تكتيكات للتأقلم. علينا أن نفعل، ولكن أيضاً أن نفكر، علينا أن ننشط في الاتجاهين: الفعل والتفكير. لذا في بلدان مثل العراق وسوريا ومصر وتركيا ولا أعرف أين أيضاً، في كل البلدان التي تعيش عنفاً كل يوم، علينا أن نفكر في التكتيكات، كيف يمكننا الاستمرار رغم كل شيء؟ لأن الأولويات لن تنتهي أبداً، سيكون هناك دوماً قنابل وجثث، علينا أن نكون ضمن الواقع، ولكن ليس ذلك وحسب. علينا كذلك أن نخلق شبكات التفكير، ولكن علينا ألا نفعل ذلك لوحدنا ضمن بلداننا، العلاقات العالمية مهمة جداً، علينا أن نتشارك الفرص المتاحة للتفكر، ولا ينبغي أن ننسى مسؤولية الغرب والرأسمالية العالمية فيما يحدث في سوريا وفي تركيا والبلدان المحيطة، علينا أن نشرك تلك البلدان في سجالاتنا ونستثمر منابرها وحركاتها الاجتماعية ما أمكن. نحن نعيش في بلد واحد معولم، الغرب يساهم في تدمير بلداننا، وعلينا نحن فيما بعد أن نجد التضامن والتعاضد هناك في نفس البلدان. صعب طبعاً، صعب ولكن ضروري. لهذا أقول أن الترجمات بالاتجاهين مهمة جداً ليس فقط  ترجمة ما يُنتج في الغرب ولكن في الاتجاهين، وكذلك أن نستطيع تنظيم ورش ومجموعات تفكير مشتركة في تضافر كفاحاتنا.

كيف؟ 

مثلاً في أماكن آمنة نوعاً ما، في أوربا أو لا أدري أين، حيث لا حرب، مع مناضلين من أماكن مختلفة من العالم ومن خلفيات حركات مختلفة، يقضون سويةً خمسة عشر يوماً للتفكير الهادىء وتطوير الأساليب والطرق النضالية، أعرف أنه سيكون هناك من لا يستطيع المجيء لسبب أو لآخر، ولكن علينا أن نتمكن من خلق الفرص لحركة الناس والأفكار لأني مؤمنة تماماً بأن حركة الأفكار تستثير أشياء جديدة في سياقات مختلفة وتلك مسؤوليتنا، لهذا قبلت فوراً ان أقابلك عندما قدمتك الصديقة المشتركة كنسوية من سوريا، لأني مقتنعة أن لقاءنا سيخلق حتماً أفكار جديدة. من المهم العمل والتفاعل بشكل لحظي مع الطوارىء، ولكن العمل السريع والطارىء لن يغير العالم، الوقت والتأني ضروريان لجعل البذور المنثورة تنبت. هذا العالم المرعب لا يترك لنا الوقت لنزرع ونحرث أرضنا. التنسيق كذلك مهم جداً لخلق تجمعات ذات أهداف متوسطة وبعيدة المدى ولكن الترجمة قبل كل شيء مهمة جداً.

للأسف إمكانيات تنقّل الأفكار في حالة النساء السوريات تزودها حالياً بشكل أساسي المنظمات غير الحكومية ذات الأجندات الخاصة التي قد تكون أحياناً ذات نية حسنة، ولكنها مؤطرة بأفكار مسبقة عن السياقات المحلية وعن الناس والثقافة، ومقترحاتها ومتطلباتها قد تدعو للضحك أحياناً في ظل ما نعيشه. لا يمكن لهذه المنظمات ان تخلق حيزاً سياسياً، ولكنها للأسف تملك المال، كيف يمكن خلق بنى بديلة لهذه التجمعات التي تتحدثين عنها؟ 

معك حق، ذكرت قبل قليل أننا محصورون بين نظامي تسلط، ولكن هناك نظام ثالث، وهو الرأسمالية العالمية وعولمتها ومنظماتها غير الحكومية. تتقلص الدولة في هذا النظام الأخير وتجلب المنظمات متطلبات الغرب والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي. في تركيا كذلك بقي المناضلون المتطوعون ضعيفين جداً إزاء هذه المنظمات لأنها تملك المال. لهم دور مدمّر ويمكننا أن نرفض العمل معهم، ولكن عندنا بما أن القمع ضاغط والمقيدات كبيرة علينا تغيير تكتيكات التأقلم واستخدام كل الإمكانيات المتاحة. إنه النضال الذرائعي وأجده مفيداً جداً. نوافق بدايةً ونفعل ما يحلو لنا فيما بعد، ندير المرساة لصالحنا. لا يمكن أن نغلق الأبواب، ينبغي أن نستخدم كل المتاح وكل المؤسسات المكنة دون أن ننغلق ضمنها، ليس لدينا الوقت لإضاعته في نقاشات عن السلطات الثلاثة التي ذكرناها، علينا أن نبدأ بالتفكير ماذا نستطيع نحن أن نعمل، لذلك إنشاء الشبكات التضامنية مهم جداً حتى لو اضطررنا للتعاون مع المأسسة، رابطين دوماً النظرية بالتفكير والفعل. أشياء ملموسة: اجتماعات، حلقات بحث… إلخ.

تقولين في مقالاتك، أنه حين أرادت تركيا بناء الهوية الوطنية التركية مع بناء الدولة الحديثة، فإنها بنتها بدايةً مع المذبحة الأرمنية والعنف الأقصى وعسكرة المجتمع والنظام السياسي، أيمكننا أن نسحب هذا المنطق لنقول أن لحظات العنف تخلق هوية؟ 

نعم، لأن الهويات المهيمنة تُخلق بالقوة، هي ليست هوية طبيعية ضمن المجتمع. لا أعرف أمة نشأت دون عنف. فرنسا الامة المستقرة نسبياً الآن نشأت بالعنف والدم. نشوء الأمة ليس سيرورة طبيعية لمجتمع؛ سيرورة نشوء الجماعات والمجموعات الإثنية طبيعية، نعم، ولكن ليس الأمم. حين نصل لمرحلة الأمة فنحن بحاجة للدولة لترسيخ ما نبتغيه وغالباً ما نرسي هذه الدولة والأمة والهويات المهيمنة على حساب هويات أخرى نعمل على محوها. بدأ الأتراك بمذبحة الأرمن وأكمل أتاتورك المشروع في بنائه لأمة ناظمها الإسلام. بُنيت الأمة التركية بتصفية غير المسلمين، وباستقبال مسلمي البلقان والقوقاز وتعزيزهم كأتراك. كل هذه الهويات المسيطرة هي هويات متخيلة، مثل هوية الرجل، كل ما نقوله للنساء عن هوية الرجل هو متخيل بعنف ويُفرض عليها بالعنف.

إن دفعنا هذا المنطق لأقصاه، فيمكننا القول أن العيش المتناغم ضمن جماعة لا يمكن أن يتحقق ضمن إطار الدولة الأمة؟ 

طبعاً لا. ضمن منظومة الأمة هناك دولة ومع الدولة لا يمكننا العيش بحرية، ودون عنف وتسلط. الدولة هي تركيز أدوات العنف وهيكلتها. عندما يتواجد كل ذلك الكم من العنف، كيف تريديننا أن نعيش؟ العنف هنا في المجتمعات الغربية الرأسمالية كامن، ولكه موجود بقوة. لهذا أنا مناهضة للرأسمالية والعسكرة، وتحررية لا سلطوية، ونسوية. علينا فعلاً أن نجترح كيف نعيش دون دولة. النظام التحرري اللاسلطوي هو شكل من الحرية على كل المستويات، الاقتصادي، العلاقات الاجتماعية، طرائق التنظيم المجتمعي مع تجاوز كل تراتبية وربط حرية الفرد بحرية الجماعة والمجتمع. وألا يقتصر الأمر على مفهوم المساواة والعدالة، نفكر بالحرية والعدالة والمساوة بطرق لا عنفية ودون تراتبات هرمية.

ما المرجعية الواقعية لهذه المجتمعات التحررية اللاسلطوية بالنسبة لك؟ 

لم يُخلق بعد المجتمع التحرري، إلا أنه في إسبانيا وخلال حكم فرانكو حاول التحرريون خلق تجارب لمجموعات مهمة، ولكنهم قُتلوا فيما بعد. أثناء كومونة باريس وُجدت تجارب مهمة للإدارة التشاركية، وكانت هناك محاولات في المكسيك كذلك، في العديد من الأماكن كان هناك تجارب للإدارة التشاركية ولكن لا يوجد تجربة استمرت.

في سوريا حالياً، قد تكون لفرصة الآن مؤاتية لمجتمعات على هامش العنف الأقصى بطبيعة الحال، تُدار ذاتياً، في ظل فشل الدولة، ولكن في نفس الوقت ولضمان التجربة، ينبغي ضمان الحد الأدنى من الأمان، العنصر الأساسي والبدئي للحد الأدنى من التناغم المجتمعي، ولذلك ينبغي الحد الأدنى من آليات تنظيم الدولة، أي على الأقل حد أدنى من القمع بما أننا ذكرنا أن الدولة هي تكثيف وهيكلة للقمع… أنا لا أعلن يأسي، ولكني أتساءل وحسب: كيف يُجترح البديل؟ الأمن حاجة بيولوجية جوهرية للإنسان، والإنسان المرأة على وجه الخصوص.  

ضمن شروط العنف، صعب جداً. أعتقد أن الحماية هي الأولوية، دون أن ننسى أنها ليست النظام الذي نرغب به، هي مؤقتة وعليها أن تبقى كذلك، دون أن نكرس الشهادة والموت كقيمة. الأكراد يقاومون داعش، ولكنهم ليسوا وحدهم في هذه المقاومة، العرب أيضاً يقاومون داعش ولكننا لا نظهر إلا الأكراد، أتحدث هنا عن داخل المجتمعات الكردية، فتكريس المقاومة كقيمة نهائية خطير جداً. دعينا نقول هذا: عندما يحاول أحد ما أن يخترق نظام حمايتنا أو يحاول اغتصابنا أو قتلنا، علينا أن نحمي أنفسنا، ولكن بوعي كامل أن هذا العنف يقتلنا نحن أيضاً، الممسكين بالسلاح، ندمر أنفسنا ونقتل أنفسنا بقتلنا للآخر، حتى لوكان فاشياً. الفقراء هم دائماً من يحمل السلاح وليس الأغنياء. بماذا يفيدنا بناء ثقافة الشهادة؟ هذا يساعدنا فقط على الاستمرار في المقاومة تحت العنف، ولكنه حتماً لا يساعد في بناء عالم جديد. لذا علينا أن نستعيد شروط معينة للسلام، فوراً وبأقصى سرعة. ولهذا التضامن العالمي مهم جداً وكل فرص التبادل مهمة جداً، بعيداً عن المقاومة لفترة.

يذكرني هذا بالتجربة الجزائرية، فبعد الاستقلال تمتع قدماء المجاهدين في الثورة الجزائرية وأولادهم بمزايا اجتماعية خلقت نوعاً من التمايز والمرارة عند باقي الناس. 

نعم، هناك نموذج الاتحاد السوفياتي كذلك، فأثناء الحرب العالمية الثانية كان صمود ستالينغراد أسطورياً، وكان ينبغي مساندتها دون أدنى شك، ولكن ذلك لا يجعل من ستالين متحرراً لا سلطوي. مرة أخرى أقول لك، المقاومة مهمة، ولكنها لا تكفي لصنع عالم جديد.

وماذا عن المصالحة بعد العنف الأقصى؟ ماذا تعلّمنا التجربة الأرمنية ضمن المجتمع التركي؟ 

تعلمنا شيئاً أساسياً: الاعتراف والاعتذار لا يكفيان حتى لو حُققا. إعادة كتابة التاريخ هي المهمة.

أريد التحدث عن انتخابات حزب الشعوب في تركيا، لقد حمل خطاباً انتخابياً تجاوز فيه الأحزاب التقليدية، كان أكثر تضامناً مع الحركات الاجتماعية وحركات LGBT والكرد والأقليات الأخرى، ولكنه فيما يتعلق بسوريا لم يتجاوز الخطاب اليساري العالمي المتحفظ على الوضع السوري، ما رأيك؟ 

لا أعرف، لم أتابع آراءهم حول الوضع السوري، ولكن كل هذه الأحزاب اليسارية عليها الآن ان تأخذ مختلف الحركات الاجتماعية بعين الاعتبار، تغير آراءها قليلاً فيما بعد، ولكنها لن تغيرها كلياً، عليها أن تتحول قليلاً بتأثير تلك الحركات. الآن فيما يتعلق بسوريا علينا أن نعرف أن المصادر الأساسية لحزب الشعوب عن الوضع السوري هي «بي. واي. دي» و «ب. ك.ك». لا أقول أنهم على نفس الموجة في كل شيء، ولكن فيما يتعلق بالوضع السوري هم بعيدون عن الأرض حيث الحرب وبين عدة دول، لذلك يستندون نوعاً ما إلى آراء الفرقاء الأكراد على الأرض السورية. ما ينبغي فعله هو الحوار. لدينا نقد لموقف حزب الشعوب، فما علينا سوى أن نخاطبهم ونحاورهم. ينبغي نشر الكلام السياسي في كل مناسبة.

لقد احتفلت وسائل الإعلام الغربية بالمرأة المقاتلة الكردية في كوباني وكأنها رمز لمعركة تقدمية تجري ضد داعش، ألا تعتقدين أن هذا الاحتفال يتضمن الكثير من الاستشراق المهووس بالمرأة الشرقية، وأن هذه الرؤية تظهر النساء الكرديات وكأنهن لسن جزءاً من نسيج المنطقة، متشبعات بروح غربية مناهضة لاضطهاد المرأة؟ كيف ترين الأمر؟

طبعاً، دون شك. الاستشراق بالمعنى السلبي للكلمة ما زال موجوداً وبقوة في نظرة الغرب للشرق. ولا أدري إن كانوا فعلاً يعرفون دواخل العلاقات الاجتماعية الجنسية في المجتمع الكردي التي هي علاقات هيمنة وتسلط مثل النظم البطريركية التي تحدثنا عنها سابقاً.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

نائلة منصور

مدرّسة جامعية منذ عشر سنوات وكاتبة ومترجمة في عدّة مواقع ودوريّات لبنانية وسورية، مهتمة بالتغيّرات المجتمعية في زمن الثورات.