إزمير: من لا بر له لا بحر له

ap-syrian-refugees-2-55f1d08f6c56c
image_pdfimage_print

 هذا المقال هو مجموعة من الانطباعات السريعة عن إزمير، المدينة التي يتجه منها السوريون إلى اليونان بحراً، سجلتها بعد زيارة سريعة الأسبوع الماضي. يحتاج المرء، بالطبع،  إلى إقامة أطول لفهم علاقة المدينة بالسوريين و علاقتهم بها، و بشبكات التهريب. نأمل أن تتاح الفرصة لنا لاحقاً لمثل هذه الإقامة.

هذا مقالي الثاني عن السوريين في تركيا. المقال الأول : «عنتاب، خيمتنا الأخيرة».

 

من الزبداني إلى اليونان

أقف مرتبكاً أمام الموظفة التي تأخذ جواز السفر السوري وتقلّبه بقرف:«لا يوجد حجز».

أعتذر منها بتذلل وأطلب منها أن تتأكد. أريها رسالة شركة الطيران على الموبايل.

تضحك بخفة: «آه.اسم العائلة ليس واضحاً هنا.»

في الطائرة تجلس بجانبي فتاة محجبة، ما أن تصعد إلى الطائرة حتى يرن هاتفها. «أبو المجد» يؤكد أنه سيكون في منطقة د. في انتظارها.

«أنا بحكي عربي، وفهمت كل الحديث».

تضحك بصدق«أيه، المهرّب بدو يعرف أمتى واصلة».

تبتسم بثقة الشباب ومرحهم.

أخبرتني الفتاة بقصة حياتها على الطريق إلى بحر إزمير. هي من الزبداني، هربت مع عائلتها إلى دمشق قبل سنتين. تركوا دمشق عندما رفض الملّاك تجديد عقد أجار البيت؛ تزامن ذلك مع اشتداد حدة المعارك في بلدتهم.

«وليش طالعة ع ألمانيا؟»

«شو ليش؟ وين بدي روح؟ تعا لفرجيك حارتنا. كلها عالأرض. حزب الله ما خلى حجر على حجر. والله ما عرفتها أول شي، قلت شي صورة من حمص؛ بس بعدين دققت. هي حارتنا..»

تبحث في الهاتف النقال عن صورة الحارة، لا تجدها.

«بتعرفي الطريق بعدين من اليونان لفوق؟»

«أيه، كلو مرتبينو. قال هلق في ناس عمتساعد كتير».

من الزبداني إلى دمشق إلى بيروت إلى اسطنبول إلى إزمير إلى اليونان، على نية الوصول إلى ألمانيا: رحلة عادية كما تصفها صديقتي المرحة.

«شلون لقيتي بيروت؟»

«نحنا كنا بعاد شوي عن بيروت، بمنطقة سنية بس بعيدة. ما بيحبونا يا أخي، شايفين حالون وما بيحبونا. وباسطنبول تسليت، كتير حلوة، بس كمان وقت يعرفو أنك سوري بيطلعولك على أنك أقل منون. منجرب ألمانيا، قال هنيك بيعاملونا عأساس بشر».

تعبث بهاتفها النقال قليلاً.

«ألك حدا بالزبداني؟»

«أيه، في شباب من الحارة. منحاكيون كل فترة، يعني كنا نطمن عالبيت قبل ما يروح. عميقولو بس بدون يطلعو. ما بقي شي، عشو بدون يضلّو؟»

«أنا هاد رأيي. أحسن ما يستشهدو، يطلعو إزا خلص سكرت».

«الزبداني كلها راحت، أخدها الحزب والشيعة. بقيو الشباب محصورين بكم شارع. أنا ماني طائفية، بس هدول تبع حزب الله أحقر ناس، نحنا يلي كنا طيبين ومنحبون قبل الثورة. لازم يطلعو الشباب، حرام يضلّو. خلص، صرلون تلات سنين عميحاربو لحالون الجيش والدفاع الوطني وحزب الله والكل. شو لازم يموتو للعالم تنبسط؟ دافعو عن بيوتنا لآخر نفس. هلق يا أخي ما بقي بيوت، كلّو صار عالأرض.»

تصمت الفتاة للحظات. لا يوجد مرارة في كلامها، بل نوع من تقرير الوقائع البارد تسرده ببساطة وسلاسة.

مع اقترابنا من إزمير تطول لحظات صمتها.

«بيقولو سهلة الرحلة»، تقول بصوت خافت.

«سهلة كتير. كلها ساعة ونص وبتصيري باليونان انشالله».

أصحبها إلى الباص الذي سيأخذها بعيداً عن إزمير في منطقة يتجمع فيها السوريون الهاربون.

«خلص، ما في داعي تجي معي، والله. هي تأكدنا من شوفير الباص كيف بدي وصل لعند أبو المجد.»

أبتعد وفي قلبي غصة.

أشكر الموظفة اللئيمة في قلبي على ترتيب جلوس الشابة السورية بجانبي؛ ربما فكرت أن أحدنا سيودّع الآخر قبل رحلة البحر.

كان تخمينها صائباً.

 

قواربهم و قواربنا

إزمير، ثالث أكبر مدن تركيا، ومعقل حزب الشعب الجمهوري، المعارض لأردوغان و سياساته، الإسلامية من جهة، و السورية من جهة أخرى. يشرح لي أصدقاء أتراك قريبون من الحزب أنهم يعارضون تسليح «القاعدة» في سوريا، أننا كلنا «قاعدة» بالطبع، أن أردوغان مسؤول عن انتشارها؛ أن النظام السوري لم يرتكب كل الجرائم المنسوبة إليه، وأن الآلة الدعائية لأردوغان تبالغ وتكذب طيلة الوقت. لم ننجح في تغيير هذه الصورة الكاريكاتورية عن ثورتنا اليتيمة. يقولون أن هناك تغيير ما في الموقف العام اتجاه اللاجئين السوريين: قبل سنوات كان هناك حالة عدائية؛ اليوم يتقبّل الناس وجود اللاجئين كحالة إنسانية، وإن على مضض. في البداية كانوا يرون فيهم أتباعاً جدداً للسلطان أردوغان.

تروي لي شابة تركية من إزمير أن المدينة اهتزت أكثر من أي مدينة تركية أخرى لصور الغرقى هذا الصيف. ابتدأ الناس يفكرون بمصير السوريين جدياً، وأصبحوا يساعدونهم قدر الإمكان؛ ولكن الأعداد الكبيرة بحاجة إلى تحرك حكومات وليس إلى مبادرات فردية. يموت الناس على شواطئنا، على شواطئنا التي نحبها ونعتز بها هذه! لم نرهم من قبل؛ فجأة ظهروا على نشرات الأخبار. لماذا لم نفعل شيئاً قبل هذا الموت؟

سألت عن أسعار التهريب. يبدو أنها انخفضت في الخريف، من 1200 دولار في الصيف إلى 900 دولار فقط الآن «عالراس»، ثمن رحلة البحر وحدها. تختلف الترتيبات بحسب المهرّب. بعضهم يتكفّل بك من منطقة «أكسراي» في اسطنبول إلى إزمير، ومنها إلى اليونان. آخرون يطلبون منك المجيء إلى أزمير، وهم يتكفلون بك هناك.

القوارب المطاطية الخفيفة للصيف؛ في الشتاء قد تظهر القوارب الأكبر. يقول أحد عاملي الإغاثة أن أعداد الواصلين إلى إزمير ومحيطها منذ بداية تموز يفوق الثلاثمائة ألف، أكثر من نصفهم من السوريين؛ البقية عراقيون وأفغان وأفارقة. التغيير حصل عملياً مع نهاية حزيران، لا يعرف بالضبط أسباب ذلك. الصيف الماضي والذي قبله كان التهريب خفيفاً. يغادر يومياً ما يفوق الألف لاجئ إلى الجزر اليونانية حالياً. عدد السوريين اللاجئين المسجلين في إزمير يفوق السبعين ألفاً. يعيشون هنا بهدوء، بجانب البحر الذي يبتلع بعض إخوتهم أو يأخذهم إلى هناك، إلى الشمال البارد. بعضهم يريد فقط أن يجمع المال اللازم لرحلة القارب؛ آخرون مقيمون هنا إلى أن «يفرّجها الله عليهم وعلينا»؛ غيرهم يغيرون إقاماتهم باستمرار عسى أن يجدوا ما هو أفضل.

تقع المدينة في خليج يجعل البر يحيط بالبحر من جوانب ثلاثة. يمشي الناس على الشاطئ يتأملون بحرهم العزيز. الجو صحو في تشرين الأول، على غير المتوقع: تريد الطبيعة أن تساعد المنكوبين المنتشرين على شواطئ إزمير وقراها، بعيداً عن وسط المدينة، في رحلتهم القصيرة تلك. يقول الأصدقاء الأتراك إن إزمير نفسها مدينة لاجئين. كانت المدينة يونانية أيام العثمانيين، ثم هُجّر أهلها مع حروب أول القرن الماضي، واستوطنها أتراك هُجّروا بدورهم من الأراضي العثمانية التي سقطت تباعاً في أوروبا. لم أتأكد من كتب التاريخ حول دقة هذه القصة المتواترة.

تاريخياً، كانت الجزر والبر إغريقية بالكامل، ثم بيزنطية. لاحقاً، أصبحت عثمانيةً. مع تفكك الامبراطورية، أصبح البر تركياً، وجزره يونانية. على الخريطة، من الصعب أن نصدق أن هذه الجزر التي تكاد تلامس البر لا تنتمي إليه حقاً.

وحده السوري، ومن في حكمه اليوم من لاجئين يفترشون أرض إزمير، يعرفون الفارق الفعلي بين البر التركي وجزره اليونانية.

تخرج قوارب صغيرة حقيقية إلى تلك الجزر كل ساعتين، من موانئ صغيرة جميلة تاريخية ومن قرى متعددة؛ يصعد إليها من يملكون جوازات سفر أوروبية وتركية وغيرها من دول العالم الأول. يرافقهم من على بعد بالقوارب المطاطية آلاف السوريين، من نقاط تجمّع تبعد مئات الأمتار فقط، إلى الجزر ذاتها. يستقبلهم موظفون مهذبون يتبعون سلطات حدود الاتحاد الأوروبي؛ ويستقبلهم، أيضاً، ناشطون متطوعون مرتاعون يتبعون أخبارنا على شاشات التلفاز كل يوم.

البحر أيضاً يعرف الفارق بيننا.

لا تغرق قواربهم أبداً.

 

«سكود في كفر الحمرا»

«والله يا أخي ما بعرف أش أقلك. تعودنا نحنا على القصف، هاون، راجمات، قذائف دبابة، كلو عادي والله. بتقعد بالبيت وبتستنى شو الله كاتبلك. بس يا أخي يلي صار بهداك اليوم مو معقول. الله وكيلك يا أستاذ عدي الناس تجمعت متل يوم الحشر. بواب البيت تخلعت، ما بقي ولا شباك بالبناية كلها. حملت الولاد وطلعت من البيت دغري. ما عرفنا أش صاير. سمعنا أنو سكود. قال أربعتشر بناية بيلي فيهم نزلو. فوق المية وتمانين نفر ماتوا دغري. الضيعة كلها بالشوارع مو عرفانين شو بدنا نعمل. خافت العالم ينزل سكود تاني. كلو بهالسيارات. سيارات مين ما منعرف، ولوين رايحين ما منعرف. المهم بس بدنا نطلع لأي محل. أنا حامل الولاد وعبركض من شارع لشارع، ما أخدنا معنا شي من البيت. النسوان بالشوارع بقمصان النوم، الرجال بالبيجامات. كل الولاد عميبكو. ابني ضل يسألني ‹يعني بابا رح نموت اليوم نحنا›. قلتلو ‹لأ، انشالله لأ يا بابا›. بعد ما بعّدت السيارة عن الضيعة سألت الشوفير ‹وين صرنا أخي؟› قلّي عطريق ضيعة «س». قلت ‹يلا، إلي عم هون. نزلني.› مشينا شي ساعة، ورحنا نمنا ببيت عمي. رجعت بعد يومين، أخدت كم غرض من البيت. الضيعة فاضية. أجو عالم دفنو يلي ماتو و راحو. قلت والله ما رح ضل بهالبلد مع الولاد بعد هالرعبة. بعد تلت تيام طلعنا عتركيا…»

يقول الرجل إنه وصل إلى إزمير منذ مدة قصيرة. لا أمل في مستقبل كريم في هذا البلد. أجل هناك مدارس مجانية، ولكنه لا يملك ثمن قسط الباص الشهري للأولاد. ذكر أصدقاء في عنتاب واسطنبول نفس المشكلة: قسط الباص. لو كان يملك المال، لذهب إلى اليونان فوراً. ما الذي نجنيه من البقاء هنا؟

يُخرج الموبايل ليريني يوم سقوط السكود. يأتينا صوت صارخ باكٍ من الموبايل: «الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر يا عالم». أطلب منه أن يغلق الهاتف خوفاً من العيون التي تنبّهت سريعاً إلى التكبير.

يخاف السوري كل شيء: يخاف من التكبير، ومن الأتراك والأجانب اللذين يسمعون التكبير؛ من المواطنين الأتراك، ومن الشرطة التركية، ومن المنظمات غير الحكومية التركية؛ يخاف حتى من أن يستمع لمن يكبّر يائساً يوم سقوط السكود على أرضه.

يخاف، ويصمت، وينكسر مهزوماً.

الخريف الساحر، مع بحر إزمير الهادئ الكسول، يجعل قصة السكود تبدو كأنها قادمة من زمن آخر وهمي.

المدينة الوادعة تحتضننا دون ودّ، كخريف لا نهاية له.

 

بسمانية: سيرك البؤس المتنوّع

يتجمّع السوريون في منطقة بسمانية. يفترشون الأرض في الساحة. عشرات الفنادق في الشوارع القريبة من محطة القطار الرئيسية في المدينة تمتلئ بنا. لا تستطيع أن تميّز بين من يعيشون في الشارع ومن يسكن الفنادق. كلهم في المقاهي ينتظرون المكالمة الأخيرة، المكالمة التي تقول سنغادر بعد ساعات، خذوا التاكسي إلى نقطة العبور. يختلطون مع العراقيين وفقراء الأتراك. ببساطة استطعت أن أميز المهرّبين: يبدون كمحدثي النعمة العرب. أيضاً، عشرات الملاهي الليلية المليئة بالعاهرات تجعل المكان أشبه بسيرك للبؤس المتنوّع على مقربة من بحر الهروب الكبير. يدعونا النادل إلى الملهى، متكلماً العامية السورية المكسّرة. إحدى العاهرات تبدو في السادسة عشرة، وزميلتها في الخمسين؛ أحييهم بابتسامة حزينة. عشرات الباعة الجوالين يبيعون الفياغرا وموبايلات قديمة. أسأل أحدهم ما الذي يجمع بين الأمرين. يضحك بمرح، «والله ما بعرف. هاد الشغّال هون بالسوق». أشك في أنه يبيع أيضاً بعض المخدرات. الشباب من عرب ماردين. يقول أنهم أتراك، بقوا في تركيا منذ البداية، أعتقد أنه يقصد تفكك السلطنة العثمانية؛ غادروا إلى إزمير قبل سنوات سبع. نشرب الشاي في المطعم. مئات السوريين يتجولون بلا هدف. «كبسة» شرطة ودية جداً. لا أحد يركض أو يصرخ أو يبكي. العشرات من رجال الشرطة، ومثلهم من المدنيين ممن يعملون مع الشرطة: لا يلتفت السوريون إليهم، وكأنهم غير معنيين بهم. تجري المفاوضات مع المهرّب خلفي علناً. عائلة حلبية تتفق مع عائلة ديرية على العبور سويةً. أم تجمع أبنائها الثلاثة وتشرح لهم ما عليهم فعله في القارب. شاب يكلم أمه ويطمئنها على الهاتف. رجل حلبي يحلف أنه لا يملك إلا هذا المبلغ؛ يقتنع المهرب ويضمه ويقبله علامةً على القبول.

izmir-03

إزمير

السادسة صباحاً، ما زال بعض السوريين منتشرين في المقاهي. ربما هذا هو المكان الوحيد في إزمير الوادعة الذي يفتح أربع وعشرين ساعة. شباب يناقشون البقاء في تركيا. لا إذن عمل ولا دورات لغة ولا مساعدات مالية: كيف سننجو هنا؟ في أوروبا تساعدك الحكومة، لا تكذب عليك. يثق السوريون بالحكومات الأوروبية. فقط بعض المتدينين السوريين يثقون بأردوغان. على العموم، يحيا السوري العادي حياة على الهامش في تركيا. هناك تأمين صحي معقول، ومدارس مجانية في المدن الرئيسية. ولكن من الصعب أن نجد عملاً، أو أن نفكر في مستقبل آمن، في تركيا الآمنة.

ربما لا تستطيع تركيا ضبط كل هؤلاء الناس. ما سيفعله قمعهم عملياً إن حاولت الحكومة ضبط عمليات التهريب هو زيادة تسعيرة الهروب. سيجد الآلاف ممن يريدون الخروج بأي ثمن وسائل أخرى للعبور إلى الشمال البارد.

يقف تاكسي بجانب المقهى. امرأتان مع ستة أطفال يحشرون داخله بسرعة قياسية. لا مكان للطفل السابع. يقف أمام الباب ويبدأ بالبكاء. تصفعه المرأة وتسحبه إلى الداخل كحقيبة، تغلق الباب بعنف.

«ابلعا، ابلعا. ولا حرف.»

على النافذة وجه الطفل الدامع المرعوب، ويده الصغيرة تمسح دمعه الصامت.

المهرّب يدعو للمرأة في المقعد الأمامي«بالسلامة خيتو، بالسلامة».

يبتسم لي قائلاً «بالسلامة خيو، عقبالك انشالله».

 

سلامات

على مدى الأشهر الماضية، كنت أودّع الأصدقاء ومعارف مختلفين، أو اقاربهم، من منفاي الاسطنبولي. يكلمني البعض من مرسين أو عنتاب أو اسطنبول. إما أن نلتقي سريعاً، أو نكتفي بسلامات على الهاتف. يسأل البعض عن رقم مهرّب، أو يود الاطمئنان عن طريق الكلام مع سوري في تركيا. دائماً أكذب مطمئناً الهاربين: البحر هادئ هنا؛ دائماً يصدّقون.

لم يغرق أحد منهم، بعد.

يختفي السوريون في البحر؛ يأتون من سوريا أو من لبنان أو من بقية المناطق التركية كي يركبوا البحر. معظمهم لا يستطيع حتى أن يفكر في رؤية إزمير خارج بسمانية، أو خارج نقاط التجمع المحيطة بالمدينة. ليس اللاجئ كالسائح أو ابن إزمير. يمر السوري بإزمير كمحطة نحو الشمال الأوروبي. لا تراه إزمير ولا يراها. تفوتنا فرصة التعرّف على إحدى أجمل مدن تركيا، والمشرق ربما.

تفاديت السفر إلى القرى القريبة السياحية حيث قد أرى تجمع الهاربين بعيني، بسبب ما سمعته عن «كبسات» الشرطة المتباعدة عليهم. سيأخذونني إلى سجون لا مخرج منها إن وقعت في أيديهم، و لن يصدّقوا قصة الصحفي من سوري مسكين.

تجولت لساعات على الشاطئ، حيث صيادو السمك يقتلون الوقت؛ مئات المراهقين يعبثون على الشواطئ؛ فتية يقبّلون فتياتهم باستمتاع من يكتشف العالم؛ أطفال يحتضنهم أهلهم بمحبة جارفة؛ يستلقي الناس على العشب يقرؤون روايات وأشعاراً، وخلفهم بحرهم العزيز؛ يفصفص الأتراك «البزر» ببلادة ويرمون بالأوساخ في البحر وعلى الرصيف، ببرودة أعصاب تشبهنا نحن قبل الثورة. بين كل هؤلاء، عشرات السوريين يتأملون البحر بخوف. لا يتكلمون أبداً.

كل مساء ينتشرون هنا مراقبين الأتراك والبحر الهادئ.

أقف لأستمع إلى لحن مألوف، شابان عراقيان خلفي يتأملان البحر وهما يستمعان إلى حميد منصور.

«سلامات سلامات، أبعث سلامات

ويا الرايح ويا الجاي أبعث سلامات

سلامات سلامات، ريتك سلامات

صبح ومسا يا هواي ريتك سلامات»

لا تصل السلامات، أفكر بأسى.

لا يحملها بحر إزمير.

علينا أن نبعثها، على أية حال، لأولئك الذين بقوا في الوطن،

ولأولئك اللذين وصلوا الشمال البارد،

ولأولئك اللذين سيركبون البحر اليوم،

وغداً،

وكل يوم.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.
عدي الزعبي

عدي الزعبي

قاص وصحفي سوري. صدر له: "الصمت"، مجموعة قصصية، منشورات المتوسط-ميلانو، 2015. "ما الذي أؤمن به؟ "، تأليف :برتراند راسل، ترجمة: عدي الزعبي، دار ممدوح عدوان للنشر بالتعاون مع مجموعة الجمهورية، 2015.