صورة على خطوط التماس بين عالمين

أيلان كردي- Photo: DHAأيلان كردي- Photo: DHA
image_pdfimage_print

إلى روح الشهيد ناجي الجرف

«قوم خلينا نرمي كم حجر.. الكاميرا عم تصورنا»، يقول الفتى الفلسطيني لزميله الفلسطيني الآخر إبان انتفاضة الفلسطينيين «الكبرى» في منتصف ثمانينات القرن الماضي.

هذا ما سجّلته عدسة المخرج الفلسطيني ميشال خليفة، كتوثيق للجيل الأول لـ«الثوار المدنيين» العرب ضد مستبديهم. في الحالة الفلسطينية كان المستبد هو الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما تبقى مما كان يسمى فلسطين1لم أتمكن من تحديد عنوان الفيلم الذي وردت فيه هذه اللقطة، على الرغم من بحثي المطول عبر الشبكة، ولذلك اعتمدت على الذاكرة، وإن كان هناك خطأ فمسؤوليته تقع عليّ. ولكنني لا أظن أن العبارة كانت خارج سياق ما كان يحدث في فلسطين في ذلك الوقت، وما أراد أكثر من مخرج فلسطيني، وليس ميشال خليفة وحده، توثيقه..

لاحقاً ما عادت الأحجار تفي بالغرض، بالرغم من أنها حققت نصراً سياسياً بكل ما تعني الكلمة من معنى لأصحابها الفلسطينيين، الذين استطاعوا احتلال ما يليق بهم من مساحة في وسائل الإعلام العالمية في ذلك الوقت. كان لمشهد كسر ذراع فلسطيني من «رماة الحجارة» من قبل الإسرائيليين، وبشكل متعمد وحشي ومباشر، مفعولُ السحر. كانت تلك «الصورة» اللي تُغني عن ألف كلمة، وأفلَح الفلسطينيون في تحويل معاناتهم إلى نصر سياسي تمخض عن اعتراف إسرائيلي بممثلهم الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية، ليوقعوا معه الاتفاق الشهير في كامب ديفيد.

مرّت ثلاثة عقود وبقيت فكرة «الصورة» مسيطرة على أذهان أولئك الذين ابتلوا باضطهاد يفوق ذلك الإسرائيلي بأضعاف مضاعفة، ولم تلبث أن انتقلت العدوى، كما تنتقل جميع أنواع العدوى المؤذية منها والمفيدة، إلى المحيط المجاور، وثارَ العرب المحيطون بدولة «الاحتلال العنصري الإسرائيلي» ضد سلطات لم تكن عنصريتها سوى واحدة من أهوال عدة عاشوها تحت حكم تلك الأنظمة القمعية التي فاقت في ممارساتها ما عرفه تاريخ البشر كله من طغيان.

لم يفت أولئك الذين ثاروا، تيمناً بالجيل الأول من ثوارهم الفلسطينيين، أن هناك مياهاً كثيرةً جرت تحت جسر عبورهم الإعلامي، إلى عالمٍ كان يضج بالحياة والحرية.

من تلك المياه أن التيار التقليدي للإعلام (Main Stream Media) لم يعد وحده المسيطر على الصورة أو تدفقها إلى شاشات المشاهدين في جميع أنحاء العالم، بل بات هناك ما يمكن القول عنه إنه إعلام بديل (Social Media)، وهو ما أفلحَ أولئك «حديثو العهد» بالثورة في استغلاله.

أغرقَ التونسيون وسائلَ التواصل الاجتماعي الجديدة بمئات الفيديوهات لمعاناتهم وهم يثورون ضد طغيان بن علي، ولم يلبث المصريون أن لحقوا بهم. ولكن كانت الحكاية، وفي الحالة المصرية، مختلفةً هذه المرة. فما حدثَ على حين غرة في ساحة القصبة، أمام مبنى المجمع الحكومي في تونس، ما كان لعتاولة ونجوم التيار التقليدي للإعلام أن يفلتوه في ساحة التحرير وسط القاهرة. هذه حكاية (Story) ستجذب الملايين من المتابعين، مع ما يعنيه ذلك من تدفق هائل في خزينة هذه المحطة أو تلك من عائدات الإعلان، خصوصاً في ساعات الذروة (Prime Time)، والتي أصبحت تحتل معظم ساعات البث بفضل ما يحدث في ساحة التحرير، وبالتالي كان لا بد لجميع شبكات التلفزة العالمية مع كامل نجومها أن تكون موجودة هناك لتغطي الحدث بكامل تفاصيله.

وأُسقطَ في يد الطاغية العجوز مبارك، وجيشُه «الوطني» لم يعد قادراً على دهس المتظاهرين المحتجين على طغيانه بالدبابات (كما حدث في الصين مرة على مرأى ومسمع من العالم بأكمله)، وكما فعلت سيارات الأمن المركزي المصري في شوارع جانبية على طرف ميدان التحرير. حتى تلك اللحظات، بشكلها الوحشي المتعمد المباشر، لم تفعل تلك السيارات شيئاً سوى أن كرّست تلك «الصورة» البشعة عن طغيان ذلك العجوز الخرف القابع في قصره، والذي لم يكن قد أدرك بعد حدود الثورة عليه وعلى عائلته ورهط منتفعيها، فظن أن الأمر يمكن أن ينتهي بقتل بضعة عشرات من أولئك المغفلين الذين صدقوا أن العالم يمكن أن يكون فيه بشر ينصتون إلى معاناتهم. كان هناك بشرٌ بالتأكيد، ولكن أيضاً كان هناك منتفعون من نوعٍ آخر.

كان من المعتاد أن يُطلَقَ على كبار المعلقين عبر وسائل الإعلام التقليدية المختلفة صفة «صنّاع الرأي العام»2الأمر لم يقتصر على القطاع الإعلامي وحده من ناحية «صناعة الرأي العام»، بل تعداه إلى القطاعات الثقافية والفكرية والفنية بعمومها، وحديثنا هنا يقتصر على أولئك «الصنّاع» في القطاع الإعلامي فقط.، وكان الأمر يتطلب جهداً كبيراً وعملاً متواصلاً وشبكات علاقات موثوقة وموسعة، فيها من تشابك المصالح الشخصية، الخاصة بالنجم الإعلامي، والعامة، بمعنى مصالح المؤسسات الإعلامية نفسها، الكثير. والحق أن هذه التسمية لم تلبث أن تحولت إلى ما يشبه البديهية، على الأقل من ناحية نتائجها، وإن بقي بعض أولئك «الصنّاع» موضع تساؤل من حيث جدارتهم بهذه الصفة، التي لم يكلّف أحدٌ نفسه عناء فحص مدى مصداقيتها هي نفسها.

كانت هناك كثيرٌ من الأحداث التي جعلت تلك الصفة تتبلور بصفتها مسلمةً، وقد سبق «للصورة» أيضاً أن لعبت في تلك الأحداث دوراً محورياً، وقادت إلى حراك جماهيري واسع لم يلبث أن سارعَ «صنّاع الرأي العام» إلى رصده، ولا نقول امتطاءه كي لا يكون هناك سوء نية مسبق، والكتابة عنه وتحليله. ولم تلبث تلك التحليلات أن تحولت بدورها إلى الوسيلة الأولى لتقديم هذا الحراك لجمهور أوسع، لم يلبث بدوره أن انخرطَ فيه.

يكفي أن نذكر «حدثاً تأسيسياً» كثورة ماي/أيار 1968 في فرنسا، والتي توسّعت لتشمل أكثر من دولة أوروبية مع الولايات المتحدة، وما رافقها من تسجيل بالصورة لأحداث تلك الثورة، بما فيها الصورة المتلفزة التي كانت حديثة العهد وقتها، وما سبقها ورافقها أيضاً من احتجاجات أمريكية جماهيرية كبيرة ضد التدخل الأمريكي في فيتنام خلال الحقبة نفسها، والتي تمّ توثيقها بالأدوات البصرية نفسها، حتى ندرك أن عهداً إعلامياً جديداً قد بدأ بدوره. يعتمد الصورة من جهة، ولا يكتفي بها، بل ويطلب المزيد لفهم تلك الصورة، وبالاستناد إليها.

كان الأمر في ذلك الوقت حكراً على «محترفين»، في مجال الصورة أو التعليق، وبقي كذلك فترة طويلة من الزمن تسربت خلاله بضعة «صور»، وساعدت في التأثير على مسار أحداثٍ بشكل ملموس لا يمكن أن يُنكَر، والأمثلة على هذا لا يمكن حصرها. بل إن «التأريخ» البصري لأحداث زمن «العولمة الإعلامية»، لا يمكنه إلا أن يمرّ على صورٍ صارت «أيقونات» من خلال تأثيرها. يكفي في هذا السياق أن نذكر صورة الطفلة الفيتنامية التي كانت تركض مذعورة عارية من قصف النابالم، وما أحدثته من تداعيات هزت ضمير العالم كله وقتها، لندركَ بأن فصلاً جديداً قد بدأ فعلاً، مبشراً بأن الضحايا باتت لهم «صورتهم»، باتوا معرَّفين بملامح حقيقية لبشرٍ حقيقيين، وما عادَ لأحدٍ المقدرة على تجاهلهم، حتى ولو كان يعيش في الطرف الآخر من العالم. ولكن كان لا بدّ من أحد ليشرح ويبرر ويُفهم الآخرين حقيقة ما يحدث، كان لا بد من خلاصاتٍ يصوغها «صانعٌ» ما؛ كان لا بدّ من بضعة كلمات أخرى فوق تلك الألف اللي كثفتها «الصورة» بلقطة واحدة.

وكان لا بدّ لتلك المهنة أن تُثمر وتبني لنفسها نجومها الخاصين، كيف لا وهي باتت الابنة المدللة فيما اصطلح على تسميته وقتها بـ«الإمبراطوريات الإعلامية»، التي بدأت بالظهور خالقةً مجالاً للاستثمارات الضخمة التي بدأت تتدفق بالمليارات.

لم يكن مقدّراً لمسار الحكاية أن يستمر هكذا بشكل مستقيم، مختصراً حقيقة ما يدور في العالم كله بما يُعرض فقط على شاشات شبكات التلفزة الكبرى، أو في الصفحات الرئيسية للصحف الكبرى. دخلت شاشات أخرى، وبدأت تعرض بدورها ما تراه مناسباً وله الأولوية على ما عداه، وما يخص اهتمامات مشغّل تلك الشاشة والمتحكم بها، بل وأيضاً مزودها بالمادة المرئية والمسموعة وحتى المقروءة. دخلت شاشات أجهزة الكومبيوتر، وشاشات الهواتف الذكية المتصلة بشبكة الإنترنت. وبدأ عصرٌ جديد للإعلام مقتطعاً لنفسه حصة من السوق، كانت فيما مضى حكراً على التيار التقليدي للإعلام وحده.

في هذه الفترة كان للربيع العربي أن ينطلقَ في أكثر من بلد، وكانت فرصةً لا يمكن تفويتها، والناس، ومنهم مشاريع الضحايا، صاروا أقدرَ من غيرهم على إيصال ما يريدون إلى العالم كله بغية كسر القيد المفروض عليهم، وتحويل تضحياتهم إلى جسرٍ يعبر عليه البقية نحو هذا العالم الذي باغتهم بما مكنهم منه من أدوات، فردّوا له الفضل وباغتوه بما قدروا على القيام به بهذه الأدوات بالذات. ومع الدفق الذي غمر وسائل التواصل الاجتماعي من الفيديوهات والصور التي تلخص معاناة سمع عنها كثيرون، وعرفوا جوانب منها وتعاملوا معها بصفتها قدراً أو حتى «خصوصيةً» لثقافة مختلفة، صار هناك موقفٌ مختلفٌ تماماً، والصور والفيديوهات التي تتدفق تكسر كل تنميط يمكن أن يكون قد صمد لعقود خلت. كان هناك ذهولٌ حقيقي والناس تهتف في الشوارع، متحديةً موتاً أعمىً أحمقاً يتجاوز ما يمكن أن تتخيله أخصب مخيلة. وكان هذا يعني أن «الطلب»، بمفهوم من يحسبون الأرباح والخسائر حتى في ظل الموت نفسه، باتَ يزداد بشكلٍ مذهل بدوره، وهو أمرٌ ما عاد من الممكن تركه للهواة وحدهم.

هنا كان على «الصنّاع» أن يشحذوا عدتهم مانحين أنفسهم مزيداً من «المصداقية» عبر تواجدهم في أرض الحدث نفسها، ولكن هل كان هذا كافٍ لينقلوا فعلاً حقيقة ما يحدث؟

في الحالة المصرية، كان الدفق والمباغتة يفوقان الوصف. لذلك ما كان هناك من مجال لأي استدراك، لم يلبث بدوره أن أتى بعد سنتين من ثورة يناير عبر انقلاب ركب موجة الاحتجاج الشعبي ضد حكم الإخوان. في البداية كانت الخطوط واضحةً، بحيث لم يكن هناك مجال لأي تأويل أو تفسير ما عدا نقل الخبر كما هو، ومن الميدان، ومتابعته والالتحام فيه، تعرّض بعض «الصنّاع» لاعتداءات تقريباً في ميدان التحرير3هالة غوراني مراسلة السي إن إن مثال.. وتحولت الساحة بدورها إلى خط تماس، ليس بين النظام وبلطجيته وأمنه وبين الثوار فحسب، بل وأيضاً بين «صنّاع» التيار التقليدي للإعلام من جهة، وبين «شبيبة» الإعلام البديل. واستمر الدفق بدرجةٍ أكبر على مختلف أنواع الشاشات، شبكات تلفزة عالمية وكومبيوترات وهواتف ذكية. وكلّه يساهم في تعزيز تلك «الصورة» التي باتت متبناةً من الجميع، هناك طاغيةٌ خَرِفٌ انتهى عهده، ويرفض التنازل لشعبٍ شابٍ مقدام وشجاع يريد منه الرحيل، وفوراً.

لم يتأخر السوريون، كعادتهم، ولحقوا بركب الثورة، مراهنين على ثلاثة أمور مرتبطة ببعضها بعضاً: كلما صمدوا أكثر؛ كلما ازداد النظام وحشية فوق وحشيته المعروفة للجميع؛ وكلما ازداد العالم نفوراً منه ورغبة في التدخل لحماية المدنيين من بطشه. تحقق الأمران الأول والثاني، أما الثالث، فكانت هناك كثيرٌ من «التفاصيل»، حيث يكمن الشيطان دائماً، التي كان لا بد من مواجهتها، وإن بدرجاتٍ متفاوتة من التعاطي معها، تراوحت ما بين محاولة فهم حقيقة ما يحدث على الطرف الآخر، الذي من المفترض أنه متلقٍ أثبت جدارة وإنسانية كبيرين في ردود فعله في حالات سابقة مشابهة وأقل وحشية مما يحدث في سوريا، وصولاً إلى عدم التصديق والذهول.

أحد أهم هذه التفاصيل هو أن «الصنّاع» أنفسهم تدخلوا لتأطير (framing) تلك الثورة ومنذ لحظاتها الأولى، ووسمها بصفة وحيدة «حرب أهلية». لم يكن الأمر مجرد ردة فعل من بضعة «صناع نجوم» يستندون إلى مسبقات في طريقة تفكيرهم لا يمكنهم تغييرها بسهولة، بل كان وراء أكمة «الحرب الأهلية» ما وراءها.

كان هناك تململ وتخوف حقيقيان بدآ بالظهور في المجتمعات الغربية، المجتمع الأمريكي بشكل رئيسي، التي لم تلبث أن اكتشفت أن موضوع الربيع العربي هذا سيطول كثيراً، وسيسيل معه كثيرٌ من الدماء. كان التململ قد بدأ يتضح مع ثورة الليبيين التي استجرّت تدخلاً عسكرياً مباشراً من قبل حلف شمال الأطلسي للإطاحة بالطاغية، وكانت هناك خشية من مزيدٍ من التورط دفعت بـ«فيلسوف» الواقعية السياسية، السيد أوباما نفسه، لنحت مفهوم مثير وطريف لطمأنة جمهور ناخبيه، وكان على أبواب الدخول في معترك الانتخابات الرئاسية للتجديد لنفسه، فأتحف العالم كله بفكرة «القيادة من الخلف»!

وكانت هناك، وعلى الطرف المقابل، وفي سوريا بعد ليبيا، وحشية انفلتت بطريقةٍ ما عادت حتى كلمة الجنون نفسها كافية لوصفها. وهذا كان يعني وبوضوح لا ريب فيه، استدعاءاً حقيقياً للتدخل الدولي لإيقاف تلك المجزرة. وهذا ما أدركه «الصنّاع» قبل غيرهم وقبل حتى أن تصل الوحشية إلى درجة الجنون، مستفيدين من «معرفتهم» بالنظام السوري وحقيقته وطبيعته، فوضعوا إطار «الحرب الأهلية» كمخرجٍ لكل من أراد التبرؤ من الدم الذي سال، والخروج بضميرٍ مرتاح قدر الإمكان. وهنا تحول «الصناع» إلى «مقاولين» يقدمون خدمات مطلوبة ومتوقعة للزبائن الحيارى.

ما عادت كل «الصور» التي أغرق بها «شبيبة» الإعلام السوري الثوري البديل وسائلَ التواصل في العالم كله، من حمزة إلى أيلان مروراً بخمسة وخمسين ألف صورة لأحد عشر ألف شهيدٍ تحت التعذيب، قادرة على أكثر من إثارة أسف مجتمعٍ دوليٍ عثرَ على ضالته عند خصومهم المستعدّين دائماً للإطاحة بهم دون أي لحظة تردد، خصوصاً إن كانت المواجهة مرتبة سلفاً لتكون نتيجتها لصالحهم. في الحالة السورية كان كل شيء قد رُتبَ سلفاً لتفادي أي «مباغتة» أو «دفق» غير مرغوب بهما. وهذا أمرٌ لا يمكن في الحقيقة إرجاعه إلى مهارة «المقاولين»، بقدر ما يمكن إرجاعه إلى مجتمعات شاخت أكثر مما توقع الجميع، بما فيهم أبناء تلك المجتمعات نفسها. فبعد أن زوّدوا العالم كله بوسيلة ليصبح التواصل أسرع وأقرب وأكثر حيوية وشباباً، أحجموا تماماً عن التفاعل بعد أن أدركوا أن الحكاية ستتطور لتتجاوز «غانغام ستايل»، وتصل إلى «يللا إرحل يا بشار»، مع ما تعنيه الأغنية الجديدة من ثمنٍ باهظ بدأ أصحابها، تلك الأغنية، بدفعه قبل الجميع وعلى مرأى ومسمعٍ من الجميع.

أخبرني ناجي مرة عن الآلية التي يعمل من خلالها «إعلاميو» الثورة الشباب على الأرض، وخلال فترة المظاهرات السلمية في بدايات الثورة. تحدّث عما يشبه «تقسيم عمل» حقيقي في وسطهم: «من هو مكلف بالإعلام لا شأن له بأي شيء آخر حتى ولو سقط أبوه في المظاهرة.. هناك من سيأتي ليسعفه».

ابتسمتُ لحظتها وأنا أفكر بأن الأمر لن يطول ولن يضطر، لا ناجي ولا غيره من الشباب الموجودين في قلب المظاهرات في ذلك الوقت، أن يرتبكوا وآباؤهم أو أخوتهم يتساقطون حولهم بالرصاص الحي. لم أنتبه أنه، وبقية الشباب الإعلاميين، كانوا معرضين للرصاص كغيرهم في المظاهرة!

لم يلبث عمل أولئك الشباب أن تطور ليصبح أقرب إلى مؤسسات إعلامية، تريدُ أن تكبر مصرّة على الإبقاء على تلك «الصورة» في وجه عالم لن يستطيع الفرار منها إلى الأبد، ازدادت الصور تدفقاً وازداد معها الرصاص.

ناجي الجرف كان واحداً من أولئك الشباب، من لحظات الثورة الأولى. لم يكن أول شهيد بين إعلاميي الثورة، وأخشى أنه لن يكون الأخير. ما أعرفه، من خلال ناجي ورفاقه، الشهداء منهم ومشاريع الشهداء، أن«صُوَرَنا» ستستمر بالتدفق إلى أن يلتفت العالم، معيداً «المقاولين» إلى مكانهم الصحيح، أو يصابَ بالعماءِ المطبق ويموت.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري من مواليد دمشق. مهتم بالقطاع الإعلامي بحكم عمله السابق فيه خلال تواجده في دمشق قبل اللجوء.

هوامش   [ + ]

1. لم أتمكن من تحديد عنوان الفيلم الذي وردت فيه هذه اللقطة، على الرغم من بحثي المطول عبر الشبكة، ولذلك اعتمدت على الذاكرة، وإن كان هناك خطأ فمسؤوليته تقع عليّ. ولكنني لا أظن أن العبارة كانت خارج سياق ما كان يحدث في فلسطين في ذلك الوقت، وما أراد أكثر من مخرج فلسطيني، وليس ميشال خليفة وحده، توثيقه.
2. الأمر لم يقتصر على القطاع الإعلامي وحده من ناحية «صناعة الرأي العام»، بل تعداه إلى القطاعات الثقافية والفكرية والفنية بعمومها، وحديثنا هنا يقتصر على أولئك «الصنّاع» في القطاع الإعلامي فقط.
3. هالة غوراني مراسلة السي إن إن مثال.