طبقات داعش

large-هكذا-أنشئت-الدولة-الإسلامية-في-العراق-والشام-6511d
image_pdfimage_print

ظهرت داعش في 2013، لكن في بنيانها ثلاث طبقات تاريخية من التجارب والمؤثرات، طبقةٌ أفغانية أقدم وأعمق، وطبقة عراقية متوضعة فوقها، واليوم طبقةٌ سورية أحدث. هذه الطبقات متصورةٌ هنا وفقاً لنظرة جورج بالاندييه في الأنثروبولوجيا السياسية، حيث التجارب والممارسات والأوضاع الأحدث لا تحل محل الأقدم، بل تتنضد فوقها، مُشكلةً طبقة جديدة. وكان ميرسيا إلياد في تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية قد قال إن العناصر الأقدم في الظواهر الاجتماعية الدينية هي الأعمق في تكوينها، فتكونُ الأحدث منها هي ما تراه العين، وما تتفاعل به الظاهرة مع محيطها المزامن.

 

الطبقة الأفغانية

من الطبقة الأفغانية حملت داعش شكلاً مبكراً من الشبكة المعولمة. قد يكون «الجهاد» الإسلامي والعربي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي هو الشكل الأبكر للعولمة، حتى قبل أن يروج المفهوم في تسعينات القرن العشرين. كانت أفغانستان تحت الاحتلال السوفييتي وقتها، وكانت المخابرات المركزية الأميركية منذ العام الأخير لولاية جيمي كارتر، وبتخطيطٍ من مستشاره للأمن القومي زبغينيو بريجنسكي، قد رعت بناء حركة مقاومة إسلامية للسوفييت، تستنزفهم، وترد على هزيمة الأميركيين الفيتنامية التي كانت لا تزال طازجة في الذاكرة أيامها.

كان تخطيطُ الجهاد الأفغاني وتسليحه أميركياً، والتمويل سعودياً بصورة أساسية، وتدخلت في التسهيل والتنظيم المخابرات السعودية والباكستانية والمصرية. جرى الأمر برضا الحكومات وقتها، وبمبادرتها، وليس من وراء ظهرها أو بالرغم عنها. هذه النقطة يتعين استبقاؤها في الذهن: أول رعاة الجهادية المعاصرة دول، على رأسها الولايات المتحدة. وبقدر ما إن الجهاد ضد الروس كان عملاً عسكرياً لمجموعات ناشئة، فقد كان التعامل مع هذه المجموعات يجري على مستوى المخابرات والمستشارين العسكريين، وليس على مستوى قادة الدول أو وزارات الخارجية فيها.

أما التكوين البشري لحركة الجهاد الأفغاني فاجتمع فيه أفغان طبعاً، ومعهم بأعداد كبيرة عربٌ من السعودية ومصر، ومن سورية في سياق هزيمة الإخوان المسلمين النهائية في الصراع مع نظام حافظ الأسد بين أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي، ومن الجزائر، ومن إسلاميين فلسطينيين في سياقٍ تميّزَ بخروج منظمة التحرير من بيروت 1982، ومن معظم البلدان العربية. ومن جملتهم تكونت في تسعينات القرن السابق ظاهرة ما كان يسمى «الأفغان العرب»، «المجاهدون» الذين عادوا إلى بلدانهم بعد اندحار السوفييت.

ولم يكن بناء شبكة إسلامية تجاهد ضد الاتحاد السوفييتي بدلاً من، مثلاً، حركة تحرر وطني علمانية، اختراعاً من عدم. كانت إحاطة الاتحاد السوفييتي بـ«حزام أخضر»، إسلامي، حاضرة في التفكير الأميركي في زمن الحرب الباردة. وكانت الرابطة الإسلامية قد استُخدمت برعاية سعودية وتوجيه أميركي ضد القومية العربية، وضد الشيوعية، منذ ستينات القرن العشرين، وكانت أسلمة الجهاد الأفغاني تمنح السعودية وباكستان (تحت قيادة ضياء الحق وقتها) دوراً قيادياً في بناء هذه الحركة الجهادية، مع ما هو معلوم من أن المملكة الوهابية كانت حليفاً موثوقاً جداً للولايات المتحدة، ومركز التحكم بتدفقات وأسعار النفط العالمية. ولم يبدُ وقتها أن لدى الأميركيين ما يخشونه من جهة مملكة السعوديين الغنية مالياً والضعيفة عسكرياً، والموالية لهم سياسياً. إلى ذلك بدا بعد الثورة الإيرانية وصعود الإسلاميين في العديد من البلدان العربية أن الأخيرين يمكن أن يكونوا الضد النوعي للشيوعية السوفييتية، كقوة احتلال في أفغانستان، لكن أيضاً في مجالها الإمبراطوري الداخلي (الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى). وأيضاً قبل ذلك على المستوى الداخلي في كلٍ منها. كان أنور السادات مثلاً قد شجع الإسلاميين في مصر في مواجهة اليسار المصري، وكسندٍ لحكمه النازع إلى القطع مع الناصرية وسياساتها.

وعلى المستوى الإيديولوجي كانت أفغانستان هي المختبر الذي تلاقت فيه الوهابية السعودية مع القطبية المصرية، كان هذا اللقاء سياسياً وبشرياً وفكرياً. سياسياً، من حيث أن السعودية ومصر السادات (ومعهما باكستان) كانتا الأكثر تحمساً في إطار المشروع الأميركي لمواجهة السوفييت، وتسهيلاً لجعل أفغانستان المحتلة قاعدةً للجهاد الإسلامي ضده. وبشرياً لكون نسبة كبيرة من «المجاهدين» من البلدين، ومن أفغانستان نفسها. وفكرياً من حيث أن السعوديين بينهم يحملون العقيدة الوهابية التي كانت، في عام احتلال أفغانستان نفسه، 1979، ألهمت احتلال الحرم المكي من قبل جهيمان العتيبي وجماعته السلفية (هو ذاته العام الذي شهد سقوط شاه إيران وانتصار الثورة الإيرانية، والعام الذي وقعت فيه مجزرة مدرسة المدفعية في حلب على يد الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين)، أما المصريون فكانت السنوات الأخيرة من حكم جمال عبد الناصر، وسنوات حكم السادات، سنوات تجذر وصعود القطبية والنزعة الجهادية في صفوفهم.

وصحيحٌ أن القاعدة لن تتكون إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بارتباطٍ مع هزيمته في أفغانستان، إلا أن الجهاد الأفغاني كان هو التجربة المكونة، أو ما قبل التاريخ المُكوِّن للقاعدة. ومعركة أفغانستان هي «النصر» الذي منح شرعيةً لمجموعات تاهت بعده، ولم تعد لها قضية واضحة بعد سقوط السوفييت، وإدارة الأميركيين ظهرهم لأفغانستان المدمرة.

هزيمة السوفييت في أفغانستان كانت عنصراً كبيراً ضمن سيرورة تمخضت عن انهيار الاتحاد السوفييتي كقطب دولي، وخسارة الولايات المتحدة لعدوها الشيوعي. ودون أن يكون إسلاميون فعلوا شيئاً مهماً ضد المصالح الغربية حتى ذلك الوقت (كان العنف الذي مارسه عرب ضد مصالح غربية بين خمسينات ومطلع ثمانينات القرن العشرين، قد مورس تحت رايات وطنية ويسارية وقومية عربية، وفي وقت متأخر فقط، عقد الثمانينات مورس تحت رايةٍ شيعية). اختار الأميركيون الإرهاب الإسلامي كعدوٍ بديل، وسردية «الحرب ضد الإرهاب» كقصةٍ كبرى في زمن «نهاية السرديات الكبرى» بحسب جان فراسوا ليوتار. ومن المحتمل أن لرفض أسامة بن لادن دخول القوات الأميركية إلى السعودية في عام 1990، إثر احتلال العراق للكويت، دورٌ كبير في ذلك.

أياً يكن، كانت مواجهة «الإرهاب» خدمةً كبيرة للجهادية السنية المفتقرة، خلافاً لنظيرتها الشيعية، إلى مركز دولتي، وشكلت بالمقابل ضرباً من إمبراطورية شبكية بديلة، «القاعدة». وهذا في السياق ذاته الذي وضع فيه «النظام العالمي الجديد»، نظام القطب الواحد، «الإرهاب الإسلامي» عدواً له، يعرف نفسه بالتمايز عنه. في ذلك الوقت، وأكثر بعد 11 أيلول 2001، لم يكن نادراً أن يُقال إن العالم مكون من قطبين، أميركا والإرهاب الإسلامي، وما كان للقاعدة أن تحلم بدعاية أفضل من ذلك.

 

الطبقة العراقية

فوق هذه الطبقة الأولى الأقدم من طبقات تكوين القاعدة ظهرت طبقةٌ ثانية، عراقية، تالية التشكل للاحتلال الأميركي للبلد. كان الأميركيون الذين خلقوا الطين الذي تخلقت منه القاعدة في التسعينات، قد سوّغوا احتلال العراق بتعاون نظام صدام مع القاعدة. كانت هذه كذبة محضاً، لكنها تحولت إلى نبوءة ذاتية التحقق. فقد هيأ الأميركيون عبر الاحتلال وتفكيك الدولة العراقية، وتسهيل السيطرة الشيعية على دولةٍ مُعادٍ بناؤها مما يقارب الصفر، خلقوا بيئة عمل مناسبة للجهاديين. وأكثر من ذلك كانت حربهم الهستيرية في أفغانستان قد «طشّت» الجهاديين غير الأفغان إلى أماكن أبعد خارج بؤرتهم الأصلية، فوق كونها خطوة كبيرة إلى الأمام في الدعاية للقاعدة بين قطاعاتٍ من الشباب المسلم.

وهذه المرة كان للنظام السوري الذي كان يخشى أن «يندار» عليه الأميركيون الذين احتلوا بلدين، أفغانستان والعراق، في أقل من عام ونصف، دورٌ كبير في تسهيل دخول الجهاديين إلى العراق. موجة السوريين الأولى لم تكن قاعدية، بالمناسبة، كان في حوافزها مزيج من نزعة وطنية وقومية عربية وإسلامية معادية للسيطرة الأميركية، وكان النظام راضياً عن ذلك. أُذكِّر بأنه في أجواء الإعداد الأميركي لغزو العراق، الشهور الستة السابقة للغزو، زار بغداد مثقفون وفنانون سوريون، معبرين عن تضامنهم ضد العدوان الوشيك. موجة المقاتلين الأولى لم تكن بعيدة كثيراً عن أجواء هؤلاء المتضامين، والعلاقات المتحسنة بين نظامي صدام وبشار كانت تسهل ذلك وقتها. ولم «يتقعّد» من لم يعد خلال أسابيع وبقي حياً من هؤلاء المقاتلين، إلا بفعل عدوانية الأميركيين، وإقصائية الحكام الشيعة الجدد، ثم بدء وفود ورثة الجهاد الأفغاني وذاكرته وخبراته.

القاعدة ذاتها ستخضع لغير تحولٍ في المختبر العراقي، مع ظهور جماعة «التوحيد والجهاد» بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وهي حركة ستبايع أسامة بن لادن لاحقاً، وإن تكن من جهة أخرى وليدة البيئة والتجارب الأفغانية، وتنضبط بالباراديغم السلفي الجهادي. بعد حين سيشكل الزرقاوي «دولة العراق الإسلامية» التي تلقت ضربات قوية من الأميركيين، منها مقتل مؤسسها ذاته عام 2006، كذلك ما تعرضت له من حصار من «الصحوات»، وهي أوساطٌ سنية عراقية، قبليةٌ بصورة أساسية، حظيت بمساندة أميركية لمواجهة القاعدة. عرضت هذه البيئات نفوراً من جماعة الزرقاوي الذي كان فاجراً في طائفيته وتكفيره للشيعة، وخلافاً للقاعدة، كان يركز على قتال «العدو القريب»، ونجحت فعلاً في محاصرتها إلى درجةٍ قاربت القضاء عليها. لكنها لم تلبث أن تعرضت للتهميش والتحقير من قبل نظام المالكي، فضعُفت، وانقلبَ بعضٌ منها إلى جانب دولة الرزقاوي. وكان قطاعٌ من ضباط مخابرات وجيش صدام السنيين ممن حُرموا من وظائفهم وجرى التمييز ضد جماعاتهم المحلية، ينشطون إلى جانب دولة العراق الإسلامية، بالتعاون معها، أو بالعمل من ضمن مراتبها.

وعلى هذا النحو تطورت في المختبر العراقي الاستعدادات والممارسات والعلاقات التي تشكل الطبقة الثانية في تكوين ما ستصير داعش: عنصرٌ مخابراتيٌ قوي، يعزز الطابع السري للقاعدة كإمبراطورية شبكية معولمة، تصاعدَ عداؤها للحكومات الراعية للجهاد الأفغاني منذ انتشارِ القوات الأميركية والغربية في السعودية عام 1990 إثر احتلال العراق للكويت. وهو تحوّلٌ جرى أيضاً على خلفية ترك أفغانستان بعد هزيمة السوفييت بلداً مدمراً لم يتلقَ عوناً يُذكر من أجل تعافيه السياسي والاقتصادي. وتعزز العداء للرعاة السابقين إثر 11 أيلول والاحتلال الأميركي لأفغانستان، واستهداف قادة القاعدة بالاعتقال والقتل. وكل ذلك أيضاً على خلفية ما سيسميه حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان «الأزمة السنية» المتفاقمة والمنتشرة من العراق إلى سورية ولبنان (كتابهما تنظيم «الدولة الإسلامية»: الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية، 2015).

من المختبر العراقي ظهر أيضاً مشروع الدولة والسيطرة على أرض، بالتمايز عن الشبكة غير المركزية التي لا إقليم لها. «الشبكة» أممية، أما «الدولة» فهي تطبيق للعقيدة السلفية الجهادية في بلد واحد، على نحو يذكر بمغامرة الشيوعية في القرن العشرين.

والواقع أن هذا هو التطور الأهم: التحول من القاعدة كشبكة سلفية جهادية، إلى «دولة» مخابراتية عنيفة تقوم على العقيدة السلفية الجهادية. وزنُ الدولة والمخابرات في بنيان هذا الكائن الجديد، اتجه بثباتٍ إلى التفوق على وزن العقيدة السلفية الجهادية، على نحو يذكِّر بدوره بالعلاقة بين العقيدة الماركسية اللينينية، وبين الدول والأجهزة التي تشكلت باسمها واستمدت شرعيتها منها.

وفي المختبر العراقي كذلك تطور عنصرُ العداء للشيعة، الذي لم يكن أساسياً في الإطار الأفغاني. وأهم من ذلك، أن قادة «دولة العراق الإسلامية» التي ستتطور بعد توسعها السوري إلى داعش «دولة العراق والشام الإسلامية» هم أساساً عراقيون.

 

الطبقة السورية

داعش بمعنى الكلمة ظهرت في عام 2013. قبل ظهورها كان تمدد مجاهدي القاعدة إلى الداخل السوري قد بدأ منذ عام 2011، بعد أشهرٍ من بداية الثورة السورية. جبهة النصرة أُعلنت في الشهر الأول من 2012. هذه المرة لم يحصل التمدد بفعل احتلال خارجي، سوفييتي في أفغانستان، وأميركي في العراق، بل بفعل احتلالٍ داخلي إن جاز التعبير، أعني التعامل الحربي متصاعد الوحشية لنظام السلالة الأسدية مع المحتجين عليه. وستستفيد أيضاً من إطلاق بشار الأسد سراح سجناء سلفيين لديه (ربما كل من كان لديه من سجناء سلفيين) بدءاً من حزيران 2011. يُحتمل أن النظام أراد استنبات حركة سلفية جهادية من الصنف المخبري الذي كان قادراً على التحكم به في وقت سبق: «جند الشام» و«فتح الإسلام»، وكي يضمن شدَّ جمهور سوري متنوع إلى جانبه، يشمل جميع المنحدرين من «الأقليات» وقطاعات من البيئات السنية، فضلاً عن تسويق نفسه كشريك في «الحرب ضد الإرهاب».

في سورية ظهر أكثر مشروعُ الدولة والسيطرة على أرضٍ وموارد، حتى قبل أن تُعاود داعش التوسع في العراق، وتحتل مدينة الموصل التي ستعلن الخلافة منها في حزيران 2014. لكن في سورية سيبرز الوجه المخابراتي، المعادي بوحشية للمجتمع المحلي وللثورة السورية، أكثر حتى من عدائه للنظام. في أفغانستان واجه «المجاهدون» الاحتلال السوفييتي، ثم تحولوا إلى جهاديين ودخلوا في حربٍ مع الأميركيين؛ وفي العراق واجهوا الأميركيين والحكم الشيعي المرتبط بهم ثم بإيران؛ أما في سورية فواجهوا الثورة أساساً، والتشكيلات المقاتلة للنظام. وما عزز هذا الوجه الفاشي، غير العنصر المخابراتي المتطور في تكوين داعش، هو واقع انضمام أكثرية ساحقة من «المهاجرين»، الجهاديين الوافدين من غير السوريين، إلى داعش بعد انشقاق جبهة النصرة في نيسان 2013 (بايعت الجبهة القاعدة علناً وقتها، من باب حماية ظهرها الجهادي). و«المهاجرون» هؤلاء بلا روابط محلية في البيئات الاجتماعية السورية، التي تفتقر من جهتها إلى آليات ضغط عليهم بحكم كونهم محتلين أجانب بكل معنى الكلمة. العراقيون والمهاجرون هؤلاء هم من يشغلون مواقع القيادة العامة في داعش في سورية.

وخلال نحو عام ونصف من ظهور داعش، بين نيسان 2013 وأيلول 2014، لم يقم النظام بشيءٍ يُذكر في مواجهتها، هذا إلى أن بدأت حرب التحالف الأميركي ضدها في خريف 2014، ومسرح عمليات هذه الحرب هو العراق أساساً، وليس سورية.

فإذا كانت الطبقة الأقدم والأعمق في تكوين داعش سلفيةً جهادية، تكونت من التقاء رافدين وهابيٍ وقطبيٍ في الساحة الأفغانية، وتتنضد فوقها طبقةٌ عراقية سنية مخابراتية، فالمرء لا يتبين عنصراً تكوينياً سورياً في بنيان داعش، ربما غير اسمها التحقيري الذي أطلقه عليها سوريون. فليس هناك عنصرٌ إيديولوجيٌ سوريٌ خاص، ولا كذلك عنصرٌ سياسيُ أو أمني. وأهم مواقع يشغلها سوريون في كيان داعش هي موقع الناطق باسمها، أبو محمد العدناني، وهو وليد المختبر العراقي دون ما قبل تاريخ أفغاني، ثم أمنيون وشرعيون محليون. هل غياب العنصر السوري المكون، متولدٌ عن حداثة التجربة؟ ربما.

لكن هذا لا يُعادلُ القول إن داعش لم تتطور في الإطار السوري، أو إنه كان محدود التأثير على داعش. العكسُ هو الصحيح. فداعش تكونت كـ«دولة» في سورية، وفيها سيطرت على أرضٍ سيطرةً ثابتة متمادية، وفيها أيضا تطورت خاصيتها كاستعمار استيطاني إحلالي، يعتمد على اجتذاب مستوطنين مهاجرين، ويحلهم في مساكن غُيِّب أصحابها أو فروا منها، في الرقة بخاصة. هؤلاء جهاديون، صحيح، لكنهم منتفعون مادياً (مساكن وزوجات، وليس رواتب فقط)، على نحو لا يُقارن بجهاديي العراق بعد الاحتلال الأميركي. فإذا كانت داعش مزيجاً من منظمة عدمية إرهابية، ومن دولة فاشية، ومن استعمار استيطاني إحلالي، فقد يمكن القول إن خاصيتها الاستعمارية تطورت في المختبر السوري، بينما بذرة الدولة الفاشية تعود إلى دولة العراق الإسلامية التي أقامها أبو مصعب الزرقاوي، في حين يعود عنصر المنظمة الإرهابية إلى المختبر الأفغاني.

ثم إن هناك عنصراً اقتصادياً سورياً بالغ الحيوية في تكوين داعش، يتمثل في السيطرة على النفط السوري في دير الزور، وهو يدر على «دولة الخلافة» فوق مليوني دولار يومياً، على ما أظهر بحث موثّق أجرته مجلة «عين المدينة» السورية الديرية1للاطلاع: «نفط دير الزور.. من الثورة حتى تنظيم “الدولة الإسلامية”».. والسيطرة كذلك على أملاك السكان وأراضٍ زراعية في الرقة ودير الزور. كانت منطقة الجزيرة تعدُّ مستعمرةً داخلية في الزمن الأسدي، ولا يبدو الأمر مختلفاً اليوم في زمن داعش التي طورت بسرعة بعدها الاستعماري الاستيطاني الإحلالي.

بالمناسبة، يتكلم التقرير على علاقة نفطية بين داعش ونظام الأسد عبر شركة أنيسكو التي يملكها رجل الأعمال جورج حسواني.

وقبل ذلك، الشيءُ الجديد الذي طرأ على القاعدة في سورية هو أصلاً الانشقاق بين جبهة النصرة وداعش. تكوين النصرة سوريٌ أكثر، وهي تواجه النظام فعلاً، لكن تنزع بثباتٍ إلى السيطرة على المجتمع المحلي، وتدخل في صراعاتٍ مع تشكيلاته المدنية ومع مجموعات عسكرية أخرى.

ثم إنه في المختبر السوري ظهرَ شيءٌ آخر يتمثل في تحول السلفية الجهادية من شبكة القاعدة المعولمة في أفغانستان إلى باراديغم عابرٍ للمنظمات، ويشمل مجموعاتٍ ليست قاعدية أو حتى معادية للقاعدة، ولداعش بخاصة. في المختبر السوري نُصادف في آن تعمم السلفية الجهادية وتفجرها على نحو لا يزال يجري أمام أعيننا، ولا ندري ما يحتمل أن تكون مآلاته بعد توسع قوات الاحتلال الروسي في عملياتها. داعش تشغل موقع التجسد الأتم للباراديغم على نحو يضغط على المجموعات الأخرى ويجرها خلفها، مثلما ضغطت الدولة السوفييتية في القرن الماضي على الشبكة الشيوعية الدولية المنتشرة في عشرات البلدان. قد تكون هذه المجموعات (جبهة النصرة، أحرار الشام، جند الأقصى، جيش الإسلام…) معاديةً لداعش سياسياً، لكنها واقعةٌ في حقل جاذبية التحقق المكتمل للنموذج فكرياً وعُقدياً، بحيث تجد صعوبةً في مواجهة داعش حتى حين تبادر هذه بمواجهتها. وهذا الواقع يفسر تردد هذه المنظمات في مواجهة داعش على نحو وثقه باستغراب تقرير «عين المدينة» المشار إليه فوق. التقريرُ يتكلم على ما يقارب التوسل في لغة بيان مشترك بين جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام في دير الزور في 28/11/2013، يرجو أبو بكر البغدادي «تحكيم الشرع» من أجل «فضّ نزاع» على السيطرة على معمل للغاز، و«وأد الفتنة وقطع الطريق على المغرضين»، وهذا حين كان لدى جبهة النصرة وحدها فوق 1000 مقاتل، «وأضعافهم من الفصائل المتحالفة معها»، بينما لم يكن  عدد مقاتلي داعش يتجاوز 200! وهو ما تكرر مرة أخرى في الرقة في مطلع 2014، حين كان طرد داعش في المتناول، لكن مقاتلي أحرار الشام تجنبوا المواجهة كيلا تُراق دماء المسلمين! داعش لم تلبث أن أراقت دم أكثر من 120 من مقاتلي أحرار الشام المنسحبين وقتها. المسألة ليست مسألة قوة عسكرية، إنها مسألة هيمنة، أي قوة الاعتقاد ووضوح الهدف المتولد عن امتلاك سلطة تعريف ما هو الإسلام بالذات. في هذا داعش «تكسر عين» خصومها الذين لا يلتحقون بها، ولا يطورون نموذجاً مغايراً.

ولعل من سوء حظ سورية أن الأميركيين خرجوا بدرسين محفوظين «بصماً» من تجربتيهم في العراق وأفغانستان. من العراق خرجوا بدرس أنه يجب الحفاظ على «الدولة» التي كانوا في عزّ «ثورية» المحافظين الجدد قد فككوا أجهزتها، عدا وزارة النفط، وسرحوا كادرها تحت حثٍّ من حلفائهم من الأحزاب الشيعية المعارضة. في سورية يبدو أن الثابت الوحيد في سياسية الأميركيين خلال خمس سنوات، منع سقوط النظام الذي يحتل الدولة ويسخرها لقتل محكوميه. أما الدرس الأفغاني الذي خرج به الأميركيون، فهو تجنب البطش المباشر ببؤرة تجمع الجهاديين كيلا ينتشر نثارها في أقطار الأرض. هذا ما قاله الرئيس أوباما شخصياً في نوفمبر الماضي، وهو يتوافق مع الخطو المتمهل، الأميركي والدولي، في مواجهة داعش. الخطة فيما يبدو، حالياً على الأقل، هي الحصار، وليس تفكيك الكيان القاتل. وهو ما يعني أن داعش باقيةٌ في المدى القريب، وإن دون تمدد.

يبقى أن هناك امتدادات طرفية لداعش خارج المركز العراقي السوري، في ليبيا ومصر وغيرها، لكن لا نملك معلومات وافية في شأنها.

 

*****

لم تهتم هذه المقالة بتفسير نشوء الظاهرة المدروسة وتطوراتها، لكن ما دمنا تكلمنا على طبقات تاريخية، يبدو أن الأقدم من هذه الطبقات لا تبقى حية إلا بفعل استثمارات وإعادة اكتساب أحدث، تحفزها هي ذاتها مواقع اليوم وأدواره وأطره الاجتماعية. ليس هناك مبدأ استمرارية تاريخية يعمل تلقائياً، هذا وهمٌ مصدره ميلنا «الطبيعي» إلى تصور أن السابق يتحكم باللاحق. العكس هو الصحيح. اللاحق يهيمن على السابق ويعيد تشكيله وتأويله وبثَّ الحياة فيه. لا يبقى القديم على قيد الحياة إن لم يُحيِه الأحدث، هذا وحده الحيّ والمُحيِي. فإذا كان يحصل أن ينبعث السابق القديم بعد اضمحلالٍ ونسيان، فلأن هناك من يبعثه، ومن يجد حاجةً إلى بعثه. يميل الإنسان إلى الاستعادة والاستعارة من الماضي، «الإحياء»، وليس إلى الابتكار حتماً. لذلك لا تكفُّ الأشياء عن التكرر في التاريخ.

والقصد أن داعش أعلى طبقات السلفية الجهادية، وأن طبقتها السورية، الاستعمارية، تُهيمن على طبقتها العراقية، الدولتية المخابراتية، وترجِّحُ تطور هذه الطبقة في العراق ذاته في اتجاه استعماري. إن لم تتطور في هذا الاتجاه الذي تحدده الطبقة الأحدث تتآكل وتموت.

القصد أيضاً أن الشبكة التي لا تتطور إلى دولة تتفكك، وأن القاعدة وصلت إلى طريق مسدود، فإما تتدعَّش، وهو إغراء لا تكاد تقاومه جبهة النصرة في سورية، وإن احتفظت باسمها، أو تخسر مشروعها وتخرج عملياً من الصراع.

داعش هي الرأس، وهي صانعة الممكنات أمام الطيف الجهادي.

 

*****

والخلاصة أن الطبقة الأعمق من تكون داعش تختزنُ تكويناً فكرياً متوتراً ومرضوضاً، جاء من مصر، مع نزعة شديدة المحافظة وفائقة البطريركية من السعودية، ومع مالٍ ريعي وفير مصدره هو الطفرة النفطية التي وقعت عام 1974 إثر الحرب العربية الإسرائيلية في خريف العام السابق، وأن من الطبقة العراقية حملت داعش رضةً جديدة وعنصراً مخابراتياً قوياً (ونتكلم على مخابرات دولة كنت والغة في قهر محكوميها وإذلالهم وفي التمييز الطائفي)، ومن الطبقة السورية طورت داعش بُعداً استعمارياً، وأخذت الفوارق بين الجهادي المهاجر والمرتزق تتجه إلى التقلص.

ليس فقط أن لا شيء تحررياً هنا، لا شيء له علاقة أيضاً بتأكيد هوية أو تخلصٍ من استلاب، ولا بمستضعفين ينتزعون السياسة والأرض والثروة ممن هم أقوى منهم. داعش عاصفةٌ انحطاطية، أو انحطاطٌ عاصف ألمَّ بمجتمعاتنا بفعل تلاعبٍ سياسيٍ ديني مديد من قبل قوى دولية عدائية، وقوى محلية لا قضية لها ولا مبدأ.

لا مستقبل لداعش التي ولدت من انسداد أبواب مستقبلنا، لكنها لا تموت بغير فتح هذه الأبواب.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.
ياسين الحاج صالح

ياسين الحاج صالح

كاتب سياسي ومعتقل يساري سابق، مؤلّف مشتغل بالشؤون السورية ونقد الثقافة والإسلام المعاصِر.

هوامش   [ + ]