الشواويش

إحدى موجات اللجوء باتجاه الأراضي التركيّة- رويترزإحدى موجات اللجوء باتجاه الأراضي التركيّة- رويترز
image_pdfimage_print

وصلت عائلتي إلى مدينة جهان بالقرب من مركز ولاية أضنة التركية، كانت الخيمة جاهزةً، مما دفعَ العائلة إلى أخذ قسطٍ من الراحة، ثم استقبال الشاويش أبو صالح كوباني. كان أبو صالح قصيرَ القامة أسمرَ اللون صاحبَ شاربٍ كثٍ وشعرٍ غير متناسق، يتحدث اللغة العربية بطريقة تدلّ على أنه ليس عربياً، وحين يستمع إليه أحدٌ فإنه بالكاد يفهم أقواله. أبو صالح يعرّف نفسه على أنه سوري كردي، ويتباهى بأنه كان مقاتلاً سابقاً في حزب العمال الكردستاني، لكنه الآن لاجئٌ في تركيا من مدينة كوباني أو عين العرب كما يسميها عرب المنطقة، فيما يتجنب هو هذه التسمية خلال حديثه. أبو صالح هو المسؤول عن عمل عائلتي وغيرها من العوائل التي تعمل في الأراضي الزراعية، إنه «الشاويش».

في اليوم التالي لوصولهم، خرج الجميع إلى العمل في حقول الفجل. كان العمل شاقاً يبدأ من الساعة الرابعة فجراً إلى مغيب الشمس، وكانت الأمور تسير بشكل جيد، والشاويش يقدم المصروف لهم كل فترة. كان ما يقدمه قليلاً، أما الحساب النهائي فلا يتم قبل نهاية موسم الفجل حسبَ الاتفاق بينهم وبين الشاويش أبو صالح.

كنتُ أتحدثُ من حينٍ إلى آخر عبر الهاتف مع والدي لأطمئنَ على حال الأهل، وكنت قد غادرت قريتي الخريطة، غرب دير الزور، بتاريخ 20-7-2014 بالتزامن مع تقدم تنظيم الدولة في مناطقنا، واستقر بي المقام في مدينة غازي عنتاب التركية. أما عائلتي فقد اضطرت إلى المغادرة بعد ذلك بنحو عام، بعد أن ضاقت ذرعاً من تصرفات تنظيم الدولة «داعش»، ومن تردي الأوضاع الاقتصادية في مناطق سيطرته، واتجهت إلى تركيا بحثاً عن عمل يؤمن لأفرادها حياةً كريمة.

كنت ألتقي بأبي صالح أثناء زيارتي للعائلة، نتحدث كثيراً في السياسة أنا وهو والرجالُ الذين يعملون في الأرض. كان الحديث يتم بعد انتهاء ساعات العمل اليومي، وكان أبو صالح لا يخفي ميله لقضيته الكردية وإن كان على حساب بلده سورية، وهو يحس بعميق الأسى حين يتذكر أنه خسر ابنته البكر المقاتلة في صفوف حزب الاتحاد الديمقراطي، لقد قُتِلَت ابنته في معركة عين العرب التي جرت بين الأكراد وتنظيم «داعش».

كان أبو صالح يتحدث دائماً عن الديمقراطية التي سينشرها الأكراد، وعن ظلام داعش الذي سيقضون عليه. لا ينسى أبو صالح أن يتحدث عن علاقة الأخوة بين العرب والكرد، لذا يسمعه الجميع وهو يقول من وقتٍ إلى آخر: «نحن أخوة في هذه الغربة، ليس لنا غير بعضنا أما باقي مشاكلنا فنحلها في سوريا». كان كلامه جميلاً رغم أني أختلف معه في كثيرٍ من القضايا، أحياناً تعلو أصواتنا وتحتد لغة النقاش بيننا، ثم تهدأ ونعود إلى إلفتنا وكأن شيئاً لم يكن.

العمل في جني محصول الفجل شاق، وما يزيد من إرهاقه عدم توافر الكهرباء في المخيمات، ففي مخيم جهان يوجد صنبور ماء واحد لأكثر من ألف شخص يشكلون مجموع سكان المخيم.

استمر العمل لمدة شهرين في جني الفجل، وكان الجميع ينتظرون قدوم الشاويش أبو صالح ليحصلوا على أجورهم وأجور عائلاتهم. أبو صالح ومنذ بداية العمل حدّد تاريخ الانتهاء من الموسم موعداً لدفع كل الأجور للعاملين، ولكن الموسم انتهى وأبو صالح يَعِدُ ولا يفي، وهذا ما أدى إلى حدوث عراكٍ بينه وبين العاملين وعائلاتهم.

فكر والدي جدياً بضرورة السفر إلى منطقة القادرلية في أنطاكيا للعمل في البيوت البلاستيكية، وقال للعائلة «حسابنا مع أبي صالح سنأخذه متى توفر المال لديه».

انتقلت عائلتي، عائلة أبي محمد، إلى مكان العمل الجديد بعد قدوم آليةٍ لنقلهم أرسلها الشاويش الجديد أبو مصطفى التركي، ونصبت خيمتها بين البيوت البلاستيكية مع ثلاث عائلات أخرى، هي عائلة أبو عارف، عائلة أبو ياسين، وعائلة أم أسامة.

العمل الجديد كان مريحاً نوعاً ما، يبدأ في الساعة السابعة صباحاً وينتهي في الرابعة عصراً. مياه الشرب متوفرة، أما الكهرباء غير متوفرة. تضطرُ العائلات لإرسال الهواتف وشواحن الإضاءة إلى منزل الآغا، صاحبِ الأملاك والأراضي التي تعمل بها العائلات لشحنها.

أنا ووالدي كنا نتصل بشكل متكرر بأبي صالح الشاويش من أجل أجرة عملهم، كان دائمَ التهرب وحجته أن الآغا صاحب الأراضي لم يعطه المال، فالشواويش هم من يأخذون العمل من الآغا ويقومون بجلب العمالة، ويتكفلون بحسابها والإشراف على عملها.

كان اللقاء الأول بيني وبين أبي مصطفى، شاويش عائلتي الجديد، عندما توجهت من مدينة غازي عنتاب لزيارتهم بعد عشرة أيام من قدومهم إليه، كان الرجل أربعيني العمر ضخم الجثة، إسلامياً متعصباً من غير علم، يتحدث العربية بشكل جيد.

كان يعرف قصة عائلتي وعملية النصب التي تعرضوا لها، لم نتحدث كثيراً خاصةً بعد أن أظهر ميوله إلى تنظيم داعش، فهو يرى أن التنظيم يعمل بالشريعة الحقيقية، وهو أنقى الرايات في الجهاد الشامي كما يقول. غير أني أضطرُ للجلوس معه عند زيارته لوالدي وبقية العائلات، كان كثيرَ الحديثِ عن الوضع في سوريا، يمدحُ داعش بسببٍ وبغير سبب.

حتى أثناء العمل يتحدث للعاملين في وقت الغداء أو استراحة الشاي عن فوائد  الجهاد وتحكيم الشريعة، وفي أحد المرات قلت له: «لماذا لا تذهب للجهاد وتريحنا من كلامك؟»، عندها قال: «أنا أجاهد هنا أمام عائلتي ولقمة عيشهم».

كرهني أبو مصطفى  لمجرد سماعي أتحدثُ بالديمقراطية ومدنية الدولة، وأن الشعب من يقرر مصيره حتى لو أراد أن يختار الدولة الدينية، ودائماً كان يقول لوالدي: «إبنك من جماعة العلمانية الكافرة والعياذ بالله، خليه يشيل الأفكار الشيطانية من رأسه».

كانت العائلة تقتربُ من أبي مصطفى بعد أن وعدهم باستعادة حقهم من الشاويش السابق أبو صالح، الذي قال لي في آخر مكالمة معه: «ليس لكم نقود عندي، روحوا بلطوا البحر».

التزامُ أبو مصطفى الديني الظاهر للجميع أدخلَ الطمأنينة إلى قلوب أفراد العائلات العاملة ومنها عائلتي، التي رأت أنه شخصٌ طيبٌ سيعطيهم حقوقهم، وأن السيناريو السابق الذي جرى مع أبي صالح كوباني لن يتكرر.

العمل في القادرلية استمرَ لمدة شهرٍ كامل، كان يشمل تهوية البيوت البلاستيكية وقطاف الباذنجان والفليفلة. خلال هذا الشهر كان حديث الشاويش أبي مصطفى لا يتغير، فهو يتحدث عن دولة إسلامية تحكم بالشرع، والقضاء على المرتدين الكفار وفتح روما، والقضاء على أي مشروعٍ غير مشروع تنظيم الدولة، الخلافة.

كل ذلك الحديث في كفة، وكره أبي مصطفى للكرد في كفةٍ ثانية، فترى الحقد في عينيه أثناء ذكر اسمهم. يفتخر بقتل مقاتلي داعش للأكراد وحتى المدنيين منهم في «عين الإسلام» (كوباني) كما يطلق عليها، وفي الحسكة، وأن المشروع الكردي في تأسيس دولة، سيتكسر على صخرة « الدولة الإسلامية».

جميع العائلات لم تجن من عملها السابق سوى الطعام والشراب والأعباء المادية للتنقل، فكل عائلة دفعت مبلغ 500 ليرة تركية من جهان في أضنا إلى القادرلية في أنطاكية. كان الأمل معقوداً على نيل الأجر من الشاويش أبي مصطفى لسداد الدين، وتوفير قسم من المال لقادم الأيام.

بعد شهرٍ توقف العمل بسبب خلاف بين أبي مصطفى والآغا التركي صاحب الأراضي والبيوت البلاستيكية، نتيجة سحب أبي مصطفى لمبالغ مالية أكثر من مستحقات العمل الذي قامت به العائلات التي يشرف عليها.

كل المال الذي أخذه لم يصل منه لعائلة أبي محمد والعائلات العاملة الاخرى سوى بعض المبالغ الزهيدة للمصاريف اليومية من طعام وشراب، وبعد معرفة أفراد العائلات بتوقف العمل، طالبوا بمالهم ومنهم أفراد عائلتي، غير أن الشاويش أبو مصطفى طلب منهم إمهاله يومين لسحب المبلغ من البنك، لكن الجميع صُدِمَ عندما اختفى المذكور من المنطقة وسرى خبر هروبه.

بحث  أبو محمد وأبو عارف والجميع عن أبي مصطفى، لكن أخباره انقطعت وتوجه الجميع إلى مركز الشرطة وقاموا بتقديم شكوى على الشاويش، غير أن الأيام تمضي ولم تحقق الشكوى أي نتيجةٍ تذكر.

البحثُ عن أبي مصطفى الشاويش بعد اختفائه كشفَ حقائق كثيرة أمام العائلات، منها أنه من شاربي الخمر ومدمني مادة الحشيش، الأمر الذي تسبب بصدمة للجميع فاقت صدمة هروبه بالمال.

بعد مُضي أكثر من عشرة أيام، شكّلَ الجميع وفداً التقى بالآغا صاحب الأرض لمحاولة تحصيل حقوقهم منه، غير أنه رفض الأمر وقال: «أنا أمنحُ المال للشاويش، وقد أعطيته جميع حقوقكم ولست مسؤولاً عن سرقته لها».

الجميع عاد مخذولاً، والدي يسير وهو يردد: «الله لا يسامحه، أخذ حق وتعب الويلاد والبنيات»، يتلوه أبو عارف بدعاء: «إن شاء الله يصرفهن على صحته وعافيته»، أما أبو ياسين فيطلق ضحكتاً مع قليلٍ من القهقهة ويقول: «المشكلة مو هين، المشكلة طلع سكير حشاش، وكل الشغل يشرّع ويحدّث بالدين وإحنا مصدقين».

بعد حادثة النصب الثانية، توقف الجميع عن العمل لمدة شهر. كانت الحالة تضيق يوماً بعد يوم، إلى أن قرر الجميع أنهم سيعملون لدى أي شخصٍ يقدّم لهم الطعام والشراب بعد أن أصابهم الإفلاس.

لم يطل الأمر بهم طويلاً حتى استطاعوا التواصل مع أبي أحمد، وهو شاويشٌ سوري من ريف حلب، وتحديداً منطقة منغ. كان أبو أحمد أسمرَ اللون قصيرَ القامة، وكان والدي يشبّههُ بشابٍ من أبناء بلدتنا يدعى فرج، لم يعد يناديه بالشاويش خالد أو أبو أحمد بل يناديه: «فرج الدبي».

الشاويش أبو أحمد غادرَ سورية في عام 2012 إلى تركيا، بسبب وقوع قريته تحت سيطرة قوات النظام وخوفه من الاعتقال، فجميعُ أبناء المنطقة يعرفون كرهه الشديد للنظام.

بعد قدوم أبي أحمد توجه الجميع معه إلى منطقة شلتيك على بعد 100 كم جنوب العاصمة أنقرة، حيث نقلهم بسيارات تابعة له، وكان العمل هو «المرجعان»، أي تنظيف الأرض من العشب.

بدأ الجميع العمل، كان عملاً مناسباً  يبدأ من التاسعة صباحاً حتى الخامسه عصراً، كما أن الظروف في المخيم جيدة، فقد تم إيصال المياه للمخيم بعد جهود الشاويش أبي أحمد.

حدّثني الوالد عن هذا الشاويش وذكره بالخير، فالعمل لديه مريحٌ والعائلات بدأت تأخذ أجرة عملها كل خمسة عشرة يوماً. في أحد الأيام تعرفت على أبي أحمد عن طريق اتصالٍ هاتفي، تحدثنا مطولاً عن العمل والثورة، كان متميزاً في حديثه يحب الثورة حباً جماً، يرى مصلحة بلده سوريا فوق جميع المصالح، كان يقول إن أبناء البلد أخوة له. تكرر حديثنا على الهاتف، وهو أصرّ على قدومي لرؤية عائلتي والجلوس معاً للحوار.

لم أنتظر طويلاً فسافرت إلى مدينة أنقرة، وتوجهت إلى  المنطقة التي تعمل فيها عائلتي. كان الطريق إليها طويلاً وخاصة بين منطقتي بولوتلا وشلتيك مكان إقامتهم، فلا يوجد سوى دولمش «سرفيس» واحد يذهب إلى تلك المنطقة الساعة 12 من ظهر كل يوم.

بعد وصولي وأخذ قسطٍ من الراحة، توجهنا إلى خيمة الشاويش أبي أحمد، الذي كان قد دعانا مسبقاً إلى العشاء. كان العشاء لذيذاً حضّرته أم أحمد، وهو عبارةٌ عن منسف ثريد من لحم الغنم مع خبز تنور طازج لم أتناول مثله منذ عامين، أما الشاي فقد تم تحضيره على الجمر. كانت الأحاديث التي تخللت جلسة الطعام وشرب الشاي طويلة، عن العمل واحتيال الشواويش على عائلتي وغيرها من العائلات.

أبو أحمد قال إن الاحتيال على العمالة السورية في تركيا كثير، وعلى الجميع الحذر، أما والدي فلم يكن حديثه سوى الغمز واللمز على العم أبي ياسين في موضوع وجوب زواجه من امرأة، بعد أن ترك زوجتيه في سوريا ولم يعد بإمكانه جلبهن نتيجة إغلاق الحدود التركية، وخطورة العبور مع استهداف الجندرمة «حراس الحدود» للعابرين ومقتل كثيرين.

 قال أبو ياسين الذي أطلق ضحكة تمتزج مع قهقهة خفيفة: «يا أخوي يا أبو محمد، منين أتجوز، أبو صالح الديمقراطي احتال علينا، وأبو مصطفى المسلم أبو دولة الخلافة احتال علينا، وفوقها طلع حشاش وسكرجي وكذاب، كثّر خير أبو أحمد إلى الآن مزبط معانا، وعم يعطينا حقوقنا».

 أما أبو عارف الذي غير وضعية جلوسه، فقال ببرود أعصابه المعتادة: «شواويشنا هين مثل شواويش المشاريع بسوريا، والآغوات اللي واقفين خلفهم، عم تحتال على الشعب المسكين بس راح ينتهي احتيالها قريباً… وما راح ينجح غير مشروع أولاد  البلد وشواويشها».

بينما كان العجائز يتحدثون عن النصب والاحتيال وآمالهم بزوجات أخريات، كان لرشيد رأي مختلف، هذا الطفل الصامت الذي لم يتجاوز عمره عدد أصابع اليدين. كان يرى طريقاً للخلاص من كل هذا العذاب أو «الديحان» -معادل التشرد باللهجة المحلية- كما يحلو له تسميته، فهو ما زال يسبّ بشار الأسد في كل موقف حرج منذ أن خرج أهله من منزلهم، بعد أن قُصفَ محيطه عدة مرات من قبل طيران النظام، عقبَ إنشاء داعش مقراً لها في مبنى البلدية القريب جداً من البيت.

منذ عدة أسابيع علمت عائلته أن إحدى الغارات إبان الحملة الروسية على ريف دير الزور، قد دمرت المنزل بشكل كامل. لم يهتم أهله ولا هو بدوره، ربما استراحوا من الهم الكبير الذي كانوا يحملونه جراء القلق على مصير المنزل، في وطنٍ بعيدٍ أصبح نهباً لقذائف الطائرات.

image_pdfimage_print