أحد أعضاء «الاشتراكيون الثوريون» المصريين في ميدان التحرير.

اليسار وسؤال الحرية


تفتتح الجمهورية ملفها الفكري الأول بعنوان «اليسار وسؤال الحرية»، الذي يعدّه عدي الزعبي، وستنشر فيه مقالاً كل يوم جمعة لمدة ثلاثة أشهر. يسعى الملف إلى طرح أسئلةٍ نظرية حول مفهوم اليسار وعلاقته بالحرية، بالإضافة إلى أسئلة أخرى عن اليسار العربي والأوروبي، وغيرها من المواضيع. 

نأمل أن يساهم هذا الملف في صياغة أجوبة على أسئلتنا الراهنة الصعبة والمحرجة. كيف يكون المرء يسارياً في هذا الزمن؟ ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟ وما الذي يميز اليسار التحرري عن يسار الطغيان، اليسار الستاليني الذي يحتفي بستالين وماو، ويدافع عن طغاة العالم الثالث، العرب وغير العرب؟ ما هي علاقة اليسار بالحرية؟ وهل اليسار بالضرورة مع أو ضد الحرية، وبأي معنى؟ هل يقدّم اليسار أجوبةً وحلولاً لمشكلاتنا الراهنة، مع النفق الذي دخله الربيع العربي، ومع سيادة الثورات المضادة، في مصر مثلاً؟ وغير ذلك من أسئلةٍ تحتاج إلى إجابات.

نسعى، في النهاية، إلى الوصول إلى مفهومٍ منفتحٍ ليسارٍ تحرري يبني نفسه من تحت، من حياة الناس العاديين ومن همومهم ومشاكلهم، لا من فوق، من أحزاب وبنى دولتية تفرض نفسها على الناس. هذه مهمة صعبة وشاقة، نأمل أن يكون ملفنا خطوةً في تحقيقها. 

لا يتفق كتاب المقالات كلياً على الأجوبة التي يعرضونها، ولكن يرى معظمهم في بناء يسارٍ تحرري مشروعاً يستحق العمل عليه، مشروعاً يتوافق مع الربيع العربي الذي انطلق قبل خمس سنوات ولم يحقق حريته بعد.

نتمنى أن يجد القراء ما يدفعهم للقراءة والتفكير والنقد؛ هذا التفاعل هو ما نريده من طرحنا لأسئلة اليسار والحرية.

*****

جاءت ثورات الربيع العربي تحت عنوان عريض: الحرية. على أن الثورات لم تنجح، بعد، في جلب الحرية لسكان البلاد التي ثارت طلباً لها. في البلدان العربية الأخرى، أيضاً، حصلت تحركات عدة تحت العنوان نفسه. أكثر من ذلك، هناك مظاهرات عمت بلاداً أخرى تطالب بمزيدٍ من الحرية، وبتغييرٍ في النظام العالمي القائم. أحد أوجه أزمة الثورات العربية، والتحركات العالمية، هو غياب بديل تطرحه لمشروع الليبرالية الاقتصادية، الذي انتصر منذ التسعينيات مع انهيار الاتحاد السوفييتي.

مشروع اليسار التاريخي، سقط مع سقوط الاتحاد السوفييتي، وأحد أسباب سقوطه هو ارتباطه بالطغيان. نقصد بمشروع اليسار، ببساطة شديدة، تحرير الناس اقتصادياً من قبضة المتحكّمين بهم. هذا المشروع، تاريخياً، ارتبط بإقامة طغيان يكاد يكون فريداً في تاريخ البشرية، أي دولة ستالين. بالمجمل، بقية التجارب الاشتراكية أيضاً عانت من مصيرٍ مماثل، الصين وكوبا وكوريا الشمالية، ودول أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى التجارب في العالم العربي: سوريا والعراق ومصر الناصرية والجزائر وليبيا.

على أن سقوط هذا المشروع لا يعني أن المشروع البديل، الليبرالية الاقتصادية، قادرٌ على تحرير الناس من سلطات استبدادية، في العالم الثالث أولاً، ومن رعاتها في الغرب والشرق، ثانياً، وعلى ضمان مساواة وعدالة حقيقة في الدول التي تتبنى هذه الليبرالية، ثالثاً.

نرفض اليسار التسلطي، جملةً وتفصيلاً، ونرى أن اليسار، أي قضية تحرير الناس اقتصادياً، لا يمكن أن ينفصل عن تحريرهم سياسياً واجتماعياً. هناك حركات يسارية عديدة، عارضت ارتباط اليسار بالطغيان، قبل سقوط الاتحاد السوفييتي وبعده، ودعت إلى أن يكون التحرير الاقتصادي مترابطاً ومتكاملاً مع التحرير السياسي والاجتماعي. عملنا في هذا الملف ينطوي ضمن هذا المشاريع.

المشروع الذي نراه بديلاً لليسار التسلطي والليبرالية الاقتصادية هو اليسار التحرري.

ثلاث سمات رئيسية تميز اليسار التحرري، هي التالية:

أولاً، تحرير الناس اقتصادياً. هذا هو عماد مشروع اليسار، وما يميّزه عن الليبرالية الاقتصادية. لا يعني هذا أننا نقبل ديكتاتورية البروليتاريا أو سيطرة الدولة على كافة مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولكن نستطيع القول، بثقة، إن الليبرالية الاقتصادية التي طُبّقت في العالم العربي خلال السنوات الماضية أفضت إلى نتائج كارثية. كيف يتم تحرير الناس اقتصادياً؟ هذا سؤالٌ بحاجةٍ إلى إجابة تنبع من ظروف كل مجتمع ومن التحديات الخاصة التي تواجهه. بعض الخطوط العامة قد تكون مشتركة، بالطبع.

ثانياً، الحرية لا تتجزأ. ما نختلف فيه مع اليسار التسلطي هو بالتحديد هذه النقطة. يميل كثيرٌ من اليساريين إلى الطغاة ويبررون مواقفهم باسم الاشتراكية والشيوعية: لينين وتروتسكي وستالين، دول أوربا الشرقية، ماو وثورته الثقافية، طغاة العالم العربي، من ناصر إلى بومدين وحزب البعث وصدام حسين وحافظ الأسد وابنه بشار والقذافي، كل هؤلاء جرى تبرير عنفهم اللامحدود باسم اليسار. لا يوجد أي تبريرٍ إنسانوي لكل هذا الظلم، ولا يعنينا أن يجد البعض حججاً لدعم إرهاب ووحشية المذكورين في كتابات ماركس أو إنجلز، في نضالات كاسترو أو غيفارا، في مواجهة إمبريالية الولايات المتحدة، في وقف المشروع الصهيوني؛ كل هذا لا يبرر قمع الناس وتعذيبهم وتجويعهم. لا شيء، على الإطلاق، يبرر التعذيب والقمع. على المشروع اليساري المستقبلي أن يرتكز، أولاً وأخيراً، على كرامة الإنسان وصيانة حرياته، أي أن يرتكز بالضبط على ما كان يدعوه منظّرو اليسار، ساخرين، الحريات البرجوازية.

ثالثاً، أن يقوم الناس أنفسهم بهذا التحرير. أي حراكٍ سياسي يجب أن ينطلق من الناس، لا من الأحزاب والمفكرين ومؤسسات الدولة. مرة أخرى، إحدى خطايا الدول الاشتراكية كانت فرض سياساتها على الناس، بكل ما تحمل من قمع وإكراه وإجبار. الحرية تبدأ من الفرد وتنتهي به. فقط الأفراد هم المعنيون بتحرير أنفسهم. نستطيع مناقشتهم ومحاولة إقناعهم والعمل معهم، لكننا لا نريد قيادتهم وتوجيههم. اليسار، كي يكون تحررياً، يجب أن ينطلق من العياني والمباشر والمُعاش، من حياة الناس ومن أفعالهم وآمالهم ومخاوفهم.

نعود لنقول، إذاً، أن ما نحتاجه اليوم هو حركة تحررية واسعة، تبدأ من الناس وتتوجه لهم، لا تسعى فقط لتغيير نظام الحكم، لتفرض على الناس أن يتحرروا من فوق. على العكس، نريد حركة تحررٍ يشارك فيها الناس ويحملون قضاياهم بأيديهم.

لا نريد الوصول إلى برنامج عمل مفصّل يصلح لسوريا ومصر وتونس معاً، ولا لبقية الدول التي لم يصلها الربيع العربي. نعتقد أن البرامج المفصّلة بحاجة إلى عملٍ أكثرَ محليةً ومراعاةً لظروف خاصة متغيرة بحسب المكان والزمان؛ ولكن نريد طرح أسئلة نظرية محورية، ترتبط بشكلٍ رئيسٍ باليسار وسؤال الحرية. بعض المقالات ستطرح تجارب عربية وسورية، نظرية وعملية، في محاولةٍ لمساءلتها، في حين أن غيرها سيطرح تجارب أوروبية ولاتينية؛ هناك مقالات نظرية بحتة عن أصول اليسار التحرري، وترجمات، وغيرها.

لا يوجد توافق كامل بين الكتّاب حول مفهوم اليسار والحرية، ولا نسعى إلى مثل هذا التوافق. لا نريد مجموع مقالات متماثلة تتبع برنامجاً موحّداً، بل نريد طرح أسئلة وآراء مختلفة من وجهات نظر متعددة حول اليسار والحرية. ولكن يوجد توافقٌ على الحد الأدنى بين معظم المشاركين: أهمية بناء حركة يسار تحرري، ترفض الليبرالية الاقتصادية، وتسعى إلى نموذجٍ اقتصاديٍ أكثر عدلاً، يجعل من المساواة في الفرص هدفاً له، من جهة، ويؤمن بحرية الأفراد ويرفض قمعهم باسم اليسار التسلطي، من جهة أخرى.

لا نريد تقديس مفكرين بعينهم أو قادة مخصوصين؛ لا نريد عبادة ماركس أو إنجلز، بالتحديد، أو أي من قادة الفكر اليساري التحرري، كروزا لوكسمبورغ وغرامشي، ومنظري الفوضوية كباكونين وكروبوتكين، أو من مفكري القرن العشرين اليساريين كفوكو وتشومسكي، أو من اليساريين العرب، كعبد الله العروي وسمير أمين، وغيرهم من المفكرين؛ ولا نريد، أيضاً، أن نبخس قيمة أحدٍ منهم. ما نسعى إليه هو الإجابة على أسئلةٍ راهنةٍ مطروحةٍ علينا، ويقتضي ذلك التمتع بحسٍّ نقدي اتجاه من طبعوا اليسار بطابعهم، سواء في الاستفادة من عملهم، أو في تجاوزه لما هو أبعد وأرحب.

ختاماً، لا نسعى إلّا إلى المساهمة في تحقيق أحلام أولئك اللذين ملأوا شوارع القاهرة وصنعاء ودمشق والمنامة وبنغازي، وبقية المدن، وأولئك اللذين ما زالوا يناضلون كل يوم في معركتهم الطويلة مع الاستبداد، في كل مكان.