امتحان الشمال البارد

%d8%af%d9%86%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%83-2
image_pdfimage_print

والشمال امتحان،

جهة الضجر الكبيرة…

– سليم بركات، شاعر كردي.

(1)

وصلتُ اسطنبول في بداية 2015، وغادرتها مع نهاية العام.

لم أكن مقتنعاً بقرار الإقامة في اسطنبول، ولا بقرار المغادرة. ولكنها أقدار مكتوبة، لا سلطة لنا فيها.

كيف كان لي أن أعرف أنني سأتزوج وأغادر إلى مضارب عروسي في الشمال البارد؟

(2)

على باب القنصلية الدنماركية نتجمع: عراقيون وسوريون، عرب وأكراد. لا أتراك هنا، هؤلاء يقدمون طلب الفيزا على الانترنت. يحدّثني العراقيون عن خوفهم من الوضع في سوريا، عن سعادتهم بالاستقرار النسبي في بلدهم، عن محبتهم لدمشق وحمص. من السهل جداً أن تميّز السني الناقم على الحشد الشعبي من الشيعي الحاقد على داعش في هذا الحديث الهادئ الخافت. أكراد سوريون لا يتكلمون العربية جيداً ينتظرون لم الشمل. وحدها الأخت الكبرى تتقن العربية؛ العائلة ترقبنا بعين مفتوحة كبئر لا قاع له. تطلب مني الموظفة الانتظار. ساعتان ونصف أقف ببلادة منتظراً، مع أنني وصلت قبل موعدي بعشرين دقيقة. ممنوع أن أسال أو أستفسر عن أسباب هذا التأخير.

عجوز محجّبة تدعو الله وتكثر من الاستذكار والترحّم. تتعلق بها طفلة في الثامنة، بجانبها طفل صامت أصغر بالعمر يتابع أمه التي تقف بجانب شباك الموظفة اللئيمة. تقول لي العجوز أنها من «عين ترما»، وتشرح لي قصتها كاملةً: «ابنتي الكبرى في ألمانيا، وهذه تنتظر لم الشمل مع أطفالها في الدنمارك». إن سافرت الابنة، ستختنق المرأة وحدها هنا؛ وإن لم تسافر، ستختنقان سويةً، مع الطفلين. ابني الوحيد، المعيل لنا، في السادسة عشرة، ويريد السفر أيضاً. أريد له الخير، ولكن ما الذي سأفعله إن سافر؟ هل أشحد يا ابني؟

«بتقبلها لأمك تشحد بهالعمر يا ابني؟»

«لا يا خالة، طبعاً لأ.»

«لكن ليش بتقبلها علي يا خالة؟ ليش؟»

لم تكن المرأة تحدثني أنا، ولم تنتظر إجابتي في الأصل. تدعو الله أن يفتحها بوجه ابنتها، وبوجه ابنها؛ وتدعوه، أيضاً، شبه باكية، بأن يعيدها إلى عين ترما: «عين ترما لك ابني كلها خير. عين ترما ما حدا بيجوع فيها. الناس بتحب بعض بعين ترما، والقلوب عند بعضها. سبحان الله، وين ما رحت لك ابني ما في متل عين ترما…» لا تريد الجدة إلا أن تموت في عين ترما؛ حتى هذه الأمنية، بعيدة المنال.

تتجاهلنا ابنتها تماماً، وهي تحاول إقناع الطفلة بالعودة إلى حضن جدتها.

«هلق الدنماركيين بيبطلوا يعطونا الوراق. ولا كلمة، ولا حرف. هدول الدنماركيين مو متلنا…»

تحمل الأم الطفل الأصغر، وأبقى أنا مع الطفلة الأكبر، التي تجلس بحضني صامتة بتهذيب، فزعة من توتر أمها غير المحدود.

«هي خامس مرة منجي، صرلها الوراق أكتر من سنتين…يا الله تفرجها بقا.»

أهز رأسي بصمت.

«خامس مرة. ما عاد بدي شي من هالدنيا غير تسافر هالبنت هي وولادها. والله أكل ما عاد لقينا، قسماً بالله بس مواصلات لنجي عالسفارة ما عاد معنا. يا الله وآخرتها؟»

تطلب الموظفة الدنماركية من الأم أن تتقدّم إلى الشباك، تعطيها الأوراق، ونسمع بالعربية «مبروك». تنفجر المرأة ببكاء صامت تماماً. يتجاوب معها طفلاها، يبكون جميعاً. كل الموجودين يباركون للمرأة، حتى الأكراد بعربية مكسّرة، والعراقيون أيضاً، مرعوبين من هذا الحزن الذي لا راد له.

تبكي الجدة بحرقة، وبفرحة لا تستطيع إخفاءها، «الحمد لله على كل شي يا بنتي. هي ما بقيلي غير هالشب.»

تهمس الطفلة بخفر، «ماما، ما بدي روح عالدنمارك…قال كتير برد هونيك.»

تضمها الأم باكية، «والله برد كتير.. كل الدنيا برد يا الله، كل الدنيا برد يا الله. لا إله إلا الله. لا إله إلا الله. الله يتوب علينا من هالبهدلة…»

(3)

في محاولة لملمة ما سأحمله في الهجرة الثالثة، أعثر على دفتر صغير يضم ملاحظات لما قرأته قبل عقد من الزمن: السيرة الذاتية لجون ستيوارت مل، ديوان الشنفرى، رواية لخوان رولفو، تاريخ الخلفاء للسيوطي، وكتب أخرى تقبع وحيدة في مكتبتي المنسية في دمشق؛ حقيبة قديمة يعلوها الغبار، لم أفتحها منذ وصلت اسطنبول: ذكريات من لندن و نوريتش: فواتير خط موبايل إنكليزي لن أستخدمه بعد الآن، عقود عمل مؤقتة في جامعة بعيدة، أوراق رسمية وسجلات رواتب صغيرة وضرائب مدفوعة وطلبات فيزا منتهية الصلاحية، مائتا ليرة سورية ورقية ودراهم إماراتية، بطاقات معايدة من أصدقاء في إنكلترا، جواز سفر منتهي الصلاحية لا أجرؤ على التخلص منه، خوفاً من أن تطلبه حكومات بلدان غريبة لأسباب أمنية، وصليب صغير سرقته من الكنيسة الأرمنية في حلب في زيارتي العجيبة لها؛ أفلام مبعثرة: بونويل، وودي آلن، وصوفيا كوبولا؛ كنزات ضيقة أحملها عبر القارات مؤملاً أن أقلّص حجم كرشي الآخذ في الكبر مع توغلي في الثلاثينيات دون توقف؛ ديوان الأعمال الأخيرة لدرويش، ديوان المتنبي، ومختارات شعرية لبورخيس؛ رسالتي الماجستير والدكتوراة مجلدتان بغلاف أسود فخم، تلمع حروف اسمي المذهّبة بالإنكليزية عليهما؛ حذاء رياضي يكاد يكون جديداً، على الرغم من مرور ما يزيد عن الخمس سنوات على شرائه؛  والكثير الكثير من التعجب: كوبنهاغن تبعد عن دمشق أضعاف المسافة التي تبعدها إسطنبول: أشعر بأن المنفى سيصبح أبدياً، كل أحلام العودة تبخّرت في فضاء السوخوي الروسي البربري.
لا صور أحملها معي، لا صور على الإطلاق: لا صور صلبة، ولا صور على الحاسوب، ولا صور على الهاتف. لطالما كرهت الصور، والفن الفوتوغرافي، والذكريات التي تحملها الصور من ماض لا يشبه الحاضر في شيء. من يحتاج الصور، على أي حال، والذاكرة تحمل صورها؟ صور لا تني تشحب وتختلط وتتكاثر كهذه الحرب الطويلة التي لا نهاية لها.
في اليوم الأخير في إسطنبول، صورة واحدة بقيت تلح على الذاكرة: غرفة صغيرة في الملحق في ركن الدين، وأمي تقشّر حبة كستناء في برد الشتاء القارس، بجانب مدفأة تشحّرنا كل يومين: حبات كستناء قليلات معدودات في ثمانينيات الغلاء والحصار والركود.
حبة كستناء أخيرة، آكلها، وحيداً، في شوارع اسطنبول، ثم أهجرها إلى الشمال البارد.

(4)

في مطار كوبنهاغن، حسناوات نحيلات طويلات، وشباب وسيمون شقر. أمشي مرتبكاً، شاعراً بقصر قامتي، وسواد شعري الفاحم، وشعر صدري النافر كوصمة المجذوم. أفكر في أخبار حكومتهم التي تحاصرنا وتذلنا. على الموقع الإلكتروني للحكومة الدنماركية، قرار يعلن منع التقدم لأي فيزا سياحية مهما كانت الأسباب لمن يحمل وثائق سفر سورية وصومالية. فقط لم الشمل مسموح، مع شروط مالية وإدارية مجحفة ومُذلة. لم تعد العنصرية مقنّعة في الدنمارك إذن، كعنصرية السوريين غير المقنعة تجاه الصوماليين. يسأل السوريون بفزع: «حقاً، نحن والصوماليون؟ مسخرة! نحن متحضّرون ومتعلمون وأرباب حرف وتجارة…لسنا كهؤلاء الأفارقة السود.» حتى حربنا الطويلة لم تُشفِنا من هذه السفاهة.

أقف أمام موظفة شؤون الهجرة، مستعداً لتحقيق جديد عن علاقتي بداعش، ولأسئلة غريبة عن ماضي ومستقبلي، كما يحصل في كل مطار أدخله مع جواز السفر السوري الملعون.

«أهلاً بك في الدنمارك، في وطنك الثاني. أتمنى لك إقامة طيبة.»

لم أصدّق!

«هل هناك مكان آخر أنتظر فيه أسئلة أخرى؟»

«لا أسئلة. فقط نعتذر عن رداءة الطقس، أتمنى أن تعتاد عليه سريعاً.»

(5)

ولكنني لم أعتد طقسهم هذا.

يعاني أهل الشمال البارد من كآبة دائمة عميقة ضاربة في جذور أرواحهم المتعبة؛ يتجولون في الشوارع في الشتاءات كأشباح بيضاء يغطيها لحم بشري يرتجف من الوحدة؛ يسرعون إلى أعمالهم وبيوتهم، تاركين الشوارع فارغة، كخرابة جميلة نظيفة مرتبة: جنة الشمال خاوية عن بكرة أبيها في برد الشتاء المديد العقيم.

ولكن، في الأيام الدافئة القليلة، ينتشر أهل الشمال البارد تحت الشمس ككائنات بدائية تخرج من بيوتها مع أول شعاع دافئ، وتتبدل صفاتهم البليدة إلى طباع أكثر مرحاً وجنوبية. يبتسمون ويضحكون كما نفعل نحن في الجنوب الدافئ. يخلعون ملابسهم ويستلقون في الحدائق شبه عراة.

لا حلول في الشمال البارد: إما أن تختبئ في منزلك معظم شهور السنة، خوفاً من برد لا يرحم، صامتاً منعزلاً راضياً؛ أو تموت برغبتك في التجوال في شوارع خاوية، لا يسكنها إلا الجن الشمالي الأبيض الشاحب.

صاحبت الجنّ في الشمال؛ أتعللّ بهم في أرض لا أهل فيها ولا نديم ولا سكن.

(6)

أصبحت «مهاجراً»، بحسب الأوراق الرسمية للحكومة الدنماركية.

بعد أسبوعين من وصولي، اجتمعت مع موظفة ستكون مسؤولة عني في السنوات القادمة، وعن «اندماجي» في المجتمع الدنماركي.

دخلتُ الغرفة مرتبكاً متوتراً؛ يقهقه شيطاني في رأسي سائلاً بمرح: «ولك بالشام ما عرفت تندمج، هون بدك تندمج؟»

جلست خلف الحاسوب، في يدها أوراق رسمية بلغات ثلاث: العربية والإنكليزية والدنماركية. أنا على الطرف الآخر، بيدي وثيقة يتيمة لا قيمة لها تقريباً، ولكنها تعني الكثير لي: جواز السفر الملعون.

ابتدأت الحفلة بقراءة معلومات رسمية حول حقوقي وواجباتي في البلد.

لم أفهم شيئاً تقريباً. لطالما وجدت الأوراق الرسمية منفّرة. تطالعني، في مكان خفي في الذاكرة، صور الذل المديد الذي عشناه كلما أردنا التسجيل في الجامعة أو النقابة أو حتى تسجيل السيارة في سوريا.

أهز راسي ببلاهة اللاجئ المعروفة.

تقطع حديثها المتدفق بطلاقة، «هل ما زلت معي؟»

«بالطبع.»

يسود صمت قصير.

«هل تعاني من مشاكل نفسية؟»

«يعني والله ما بعرف شو بدي قلك. أيه، متل كل السوريين يا أختي، متل كل السوريين. ما بقي عندي رفقات. الناس بعّدو، صرلي ما شفت حدا منهم 5 سنين. بشوفهم أسبوع كل سنة. تغيروا كلهم، وأنا تغيرت. أهلي ورفقاتي تغيروا، والبلد تغيرت. ما عمبحكي مع حدا، وما حدا عميحكي معي. كل واحد بحالو، يا دوب يدبر عيشتو.

بس هي مو المشاكل يلي عمتحكي عليها؟»

«لا، لا مشاكل نفسية»

تعود إلى الأوراق.

«هل هناك عجز، جسدي أو عقلي، تريد إخبارنا عنه؟»

«أيه، ما عمبطلع من البيت. وما عمبتحمل حدا يسألني عن سوريا. يعني الأوروبيين بيسألونا عن سوريا كأنو شي فلم أميركي أو هندي. وهي النظرة تبع “أووو”، وأحياناً، تخيلي، بيحط إيدو عكتفك أنو متعاطف. والفهيم منهم بيشتري غراضو من البقاليات التركية. غير طبعاً المثقفين يلي قروا جلال الدين الرومي وبيحبونا كتير لأنو الرومي هاد حباب وظريف. عندي عجز أني عيش مع هيك عالم يا أختي.»

«لا، كل الأمور عادية.»

«هل يمكنك العودة إلى سوريا؟»

«لا أعرف. أستطيع زيارة المناطق الشمالية الواقعة تحت سلطة المعارضة، إن فتحت تركيا الحدود. لا أعتقد أنني أستطيع زيارة مناطق النظام. ولكن لا يوجد شيء واضح ضدي.»

صمتٌ آخر.

أمامي بطاقات صغيرة حول العنف ضد المرأة، باللغات التركية والبشتونية والفارسية والعربية والأوردية. «إن ضربك زوجك أو أخوك أو أي فرد في العائلة، أو مارسوا العنف اللفظي، بأي شكل من الأشكال، بإمكانك الاتصال بنا وسنعمل على حمايتك.»

آخذ بطاقة وأضعها في جيبي.

تبتسم المرأة.

«فلنتكلم عن الاندماج.»

«ببساطة، سأوضّح لك الأمور: لا يمكن أن يندمج السوري في أي مكان طالما بلده يشتعل. هذا “كومون سنس” يا أختي. أهلنا وأصدقاؤنا وشوارعنا وذكرياتنا ومستقبلنا وموسيقانا وديننا وقوميتنا وحدودنا وصناعتنا وتقاليدنا ولهجاتنا وآدابنا وصلات الرحم والقناعة التي تفنى وأصوات أجدادنا وصورهم وقبورهم وكل ما يتعلق بنا من قريب أو من بعيد، يختفون كأن لم يكونوا يوماً. نسقط في الوحدة حتى ونحن بين الناس. لا فائدة من دمجنا في أي مكان. دعونا نمضي هذه السنوات المتبقية من الحرب بهدوء.

لا نريد أن نندمج؛ وحتى لو أردنا، لا نستطيع.»

«آه بالطبع. موضوع هام.»

«هل ستعاني من أي مشاكل في الاندماج بالمجتمع الدنماركي؟»

«لا أعتقد.»

«هل أنت واثق؟ هناك برامج مختلفة للاندماج، وأود أن تلقي نظرة عليها.»

تعطيني مجموعة أوراق أقلبها بملل. متطوعون يأخذونك في جولات في المدينة، متطوعون يعلمونك الدنماركية، اجتماعات كبيرة حول الدنمارك والثقافة الدنماركية، حول الطعام الدنماركي، دعم نفسي… إلخ.

«طيب، سنتكلم الآن عن السنوات الخمس القادمة، أعتقد…»

لم أفهم شيئاً مرة أخرى.

«يا ستي، خلينا نحكي يوم بيوم. عرفان أنا إزا رح ضل هون؟ هلق ارتحت اخدت فيزة سنتين، بعدين الله بيفرجها.»

تطلب مني العقد.

«هل قرأته؟»

«لأ، ما قدرت كمل.»

«أجل، ووقعته.»

«العقد بينك وبين الحكومة الدنماركية.»

«ولكنني فوضوي، لا أؤمن بالدول، يقول باكونين…»

«أثناء إقامتك في المملكة الدنماركية، ستتعهد بأنك لن تضرب زوجتك، أو أطفالك، أو أطفال الآخرين…»

«هل أستطيع ضربهم خارج الدنمارك؟»

«وهذا جزء من قيمنا الدنماركية…»

«كفيلسوف، أودّ أن أعرف كيف تميزين القيم الدنماركية من السويدية، ومن الأوروبية؟ وهل هذه القيم لا تنطبق على العرب والمسلمين، ممن يعيشون في سوريا؟ عملت طول حياتي على المناداة بهذه القيم، ولست بحاجة إلى عقد مع كائن خيالي متوهّم يسمى الدولة. كما أن القيم، لا تتشكل بعقود مع الدول. ألف باء علم الأخلاق والسياسة يخبرك بذلك.»

«وتتعهد باحترام الأقليات وكل المختلفين…»

«وماذا عن حزب الشعب الدنماركي، الذي يطالب بالانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وبتفعيل العمل بعقوبة الإعدام؟ وبمراقبة المسلمين واضطهادهم، بشكل علني؟ هذا الحزب الفاشي هو الأكبر في الدانمارك، هل قيمه قيم الدنمارك؟»

«أتعهد بذلك، بالطبع. سأحترم القيم الدنماركية.»

تودّعني بابتسامة صادقة: «الأمور صعبة ومعقدة يا عدي. أتمنى لك إقامة طيبة، وأتمنى أن تجد ما تبحث عنه.»

«لا أعرف ما الذي تبحث عنه»، يقول شيطاني، متنفساً الصعداء، مع خروجنا من المبنى الضخم المختص بقضايا المهاجرين والعمل.

(7)

قال الطبيب النفسي: «شاهد ما يريح الذهن على الحاسوب، لا أخبار ولا أفلام جدية». نصيحة ممتازة، على أنها تثير الأسى في الشمال البارد. أجلسُ في يوم العطلة وحيداً أشاهدُ مقاطع من «سك على بناتك» للمرة الالف، وأضحكُ على فوزية، في الاستراحة الطويلة جداً بين إنهاء كتابة قصة قصيرة والعودة إلى قراءة كتاب في بناء الواقع الاجتماعي.

درجة الحرارة سبعة مئوية، مطر خفيف، وشمس خجلى، وريح قوية، وسندويش فلافل تركي لا يشبه الفلافل في شيء، وأخبار لا تتوقف عن حرائق تلتهم المحتل والمحرر في الوطن: هذه هي عودة نيسان المنتظرة!

فؤاد المهندس يسأل فوزية إن كان خطيبها لم يلمس يدها خلال مدة الخطوبة التي تمتد إلى سبع سنوات.

أضحك بصوت عال، سعيداً ببراءة.

«والشمال امتحان،

جهة الضجر الكبيرة…»

يقول الشاعر الكردي، جاري في أرض لا يدفئها حتى خفة دم فوزية وخطيبها الطيب البريء.

(8)

يعيش سليم بركات في عزلة في السويد. فكرتُ أن أتصل به، ولكنني تراجعت.

أفكر بمصيره الغريب: كردي يتسيّد اللغة العربية في بلد ناء، يكتب ويكتب ويكتب بها دون ملل. تتراوح مواقف القراء منه، من الانبهار بالتمكن الكامل والشامل من ناصية فصحى رسمية غير مطواعة، إلى القول بعبثية اللغة وهذرها الفارغ، الأخّاذ، المجاني، لتصبح اللغة هدفاً لذاتها. ولكن يبقى للرجل بصمة لا تخطئها العين ولا الأذن. أميل إلى الرأي الثاني، حيث أصبحت اللغة العربية هاجساً وحيداً، خصوصاً في أعماله الاخيرة: لا شيء خارجها، ولا شيء داخلها، أيضاً.

تشكل العلاقة مع اللغة موطن ضعف قومي عربي عام: يكرر العرب خرافات عنصرية عن تفوق لغتهم على كل لغات الأرض. أصل هذا الخرافات ديني امبراطوري: لغة القرآن التي فُرضت على شعوب وأمم بحد السيف والفكر. في المقابل، ما زلت تسمع خرافات عنصرية في الغرب عن تفوق لغاتهم على لغات المشرق: ماض استعماري ما زال حياً في أفكار شعبية وأكاديمية عن شرق متخلّف مختلف، حتى لغته لا تستطيع التعبير عن الفكر الحر.

 العلم، بحسب النظرة قديمة الطراز له، والتي أتبناها بشكل كامل، سلاح فعّال ضد الخرافات والأساطير: تُعلمنا اللسانيات الحديثة أن كل اللغات متساوية، في القدرة على الاشتقاق والتعبير عن الأفكار والمشاعر وقبول منجزات العلم الحديث لغوياً والوصول إلى ذرى صوفية لا حدود لها؛ لا يوجد لغة أفضل أو أدق أو أجمل أو أكثر شاعرية أو حرية أو انفتاحاً أو انغلاقاً من لغة أخرى: اللغات، كالبشر، متساوية في صفاتها الأصلية المشتركة.

ولكنني أحب العربية، أحبها ليس لأنها أفضل من غيرها، بل لأنها لغتي. كالكردي المهووس، لا أريد أن أكتب إلا بها. ولكن ما الذي سنكتبه مع مرور الزمن، وكيف ستعيش اللغة معنا في بلد تشكل فيه هذه اللغة وصمة إرهاب جلية؟ نخجل منها في المطارات ومحطات القطارات والباصات والمقاهي. لن تجد عملاً إن لم تتقن لغة البلد: الدنماركية هي مستقبلي، إذن. لغة تمتلئ بصوتيات لست بقادر على إصدارها من حنجرتي المليئة بحاءات وخاءات وظاءات لا وجود لها في لغتهم.

أفكر بمصائر منفيين حملوا لغاتهم من مكان إلى آخر، نابوكوف وكورتاثار وإبسن، وفتجنشتين وكارناب وماركس وباكونين، ونزار قباني ومحمود درويش.

ما الذي فعلوه بلغاتهم الأصلية، بعد عشرات السنين في المنافي؟

(9)

أتجول في شوارع العاصمة على دارجتي الهوائية، كما يفعل الأوروبيون البيض، مرتدياً بذلة كاملة تقي من المطر: بنطال ومعطف تلبسهم فوق ملابسك العادية. مدينة كوبنهاغن تشبه اللوغو، لم تتعرض لحرب، ولم يحتلها أحد، إن استثنينا الفوهرر الألماني: سلمت نفسها لهتلر تفادياً للتدمير، كما فعلت باريس. وسط المدينة هادئ وأمين. المدينة على بحر الشمال المفتوح على السويد، يصلهما جسر فوق البحر. مع عشرات القنوات المائية، وأبنية قديمة متوسطة الحجم، تبدو العصور الوسطى حية في العصر الحديث. نسب جرائم صغيرة، وأعلى نسب مشاركة للمرأة في الحياة السياسية والاقتصادية، وأفضل برامج رعاية اجتماعية، وأقل نسبة فوارق بين الأغنياء والفقراء في العالم: لا تستطيع ألا تحب وتوقّر هذا البلد الصغير الهادئ في الشمال البارد.

أجلس في المكتبة لأقرأ «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، بنسخة الكترونية مسروقة من النت على حاسبي الشخصي. لا أستطيع ألا أفكر بنظرات الناس المرتبكة والحائرة حين تقع عينها على اللغة العربية، وعلى لحيتي السوداء الكثيفة. لم أقرأ أياً من روايات محفوظ التي صدرت بعد «الحرافيش» سابقاً. أنتبه إلى مسلحين بملابس مدنية يراقبونني عن بعد: تطل المكتبة على المعبد اليهودي الوحيد، في كوبنهاغن أقلية يهودية صغيرة. قبل سنتين هاجم دانماركي من أصل فلسطيني، مولود في كوبنهاغن ومتورط في قضايا مخدرات، اليهود على باب المعبد، صارخاً بأنه يفعل ذلك دفاعاً عن فلسطين والإسلام. قتل وجرح بعضهم. من يومها، ينتشر الأمن على باب المعبد. لطالما كانت البلد متجانسة، وصل اليهود متأخرين جداً. في القرن العشرين، استقدمت الحكومة الأتراك والباكستانيين للعمل في المهن الدنيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم أتى الفلسطينيون مع حروب لبنان، بعدهم الصوماليون والإريتريون في التسعينيات، يرافقهم أبناء أوروبا الشرقية مع انهيار الإمبراطورية السوفييتية ثم دخول دولها في الاتحاد الأوروبي، وأكراد هربوا من جنون الجيش التركي في التسعينيات أيضاً، ثم العراقيون، عرباً وأكراداً، على فترات متباعدة مع الحرب الإيرانية والحصار والغزو الأمريكي، واليوم السوريون. أفكر في محفوظ، الرواية تحفة فنية حقيقية: محفوظ أستاذ في الشكل، وفي المضمون؛ يتقن هذا الماكر خدعة الأدب: ليس بفلسفة ولا علم نفس ولا علم اجتماع ولا تاريخ، ولكنه خلفهم وبينهم وأمامهم.

أراقب اليهود بقبعاتهم الصغيرة وأنوفهم المعقوفة: عجائز مبتسمون، يتلفتون بحذر؛ نساء محتشمات لا يعكسن العري العام السائد في البلد؛ شباب مرتبكون يتبعون عائلاتهم: لا شيء يشبهنا في قلب العاصمة أكثر من المصلين اليهود.

أخرج لأتجول مشياً على الأقدام. البرلمان بمبناه التاريخي: لا حرس ولا أسلحة تحيط به. ناشطة سلمية تتظاهر يومياً ضد الحكومة: تلعن أمريكا وتمدح الأسد. أقول لها ماذا عن الكيماوي؟ تقول لي كاذبون سفلة أتباع أمريكا وإسرائيل. أتابع جولتي تائهاً في مدينة لم أتعرّف بعد على شوارعها.

في شارع فرعي صغير، رجل مصري يلاعب ابنه. يرقص الطفل على لحن «شوّقنا أكتر» لعمرو دياب. ولكنه فجأة يركض صارخاً بالدنماركية، تاركاً الأب محبطاً: لا يريد الطفل أن يستمع إلى أغان عربية. فجأة، يضربني الحنين إلى مراهقة أنفقتها في الشوارع مدخناً «فايسروي»، معجباً «بالهضبة» عمرو دياب. أغالب دمعي، والدمع أغلب. أبكي دون سبب. يقول الأصدقاء والأهل إنهم يبكون دوماً: أولئك اللذين يزورون دمشق يبكون في كل زيارة، دخولاً وخروجاً؛ أولئك اللذين لا يزورونها، يبكون لحوادث صغيرة هامشية لا معنى لها تقريباً، إلا لهم.

ما الذي نفعله في بلد يُبكينا فيه عمرو دياب؟

دراجات هوائية في كل مكان، صورة ضخمة لحزب الشعب الدنماركي: شقر بيض أكثر سمنة من أبناء العاصمة، يعكسون الريف لا العاصمة؛ شعار واضح: نحن العائلة الدنماركية. تحت قشرة الحضارة تغلي البلد بأبشع أنواع الفاشية والتعصب: يطالبون بإغلاق الحدود وبطرد اللاجئين والتضييق على المهاجرين -المسلمين تحديداً، ولكن أيضاً الغجر والرومانيين والبولنديين والبلغار. يجادلون بأن البلد لا تستطيع دعم الفقراء فيها: لماذا علينا أن نتحمّل عبئاً يفوق طاقتنا؟ مع كل أزمة اقتصادية تطفو هذه الأسئلة إلى السطح: لا أجوبة سهلة. لا أجوبة نقدمها، نحن اللاجئون والمهاجرون، على سؤال بسيط: لماذا تأتون إلى هذا البلد؟ لماذا لا تبقون في بلدكم تحاربون لأجله؟ لماذا علينا أن نتحمّل فاتورة حروب لسنا مسؤولين عنها؟ شيء ما في الملصق يعيق أي محاولة للتواصل بين العائلة الدنماركية وبيننا. يثرثر حزب الشعب حول تفوق مزعوم لحضارة اجتاحت العالم قبل قرنين، لتعبث بمصائر أمم ودول وأفراد لم يستيقظوا بعد مما نزل بهم. الدنمارك استعبدت الأفارقة والهنود والإسكيمو قبل أن يهزمها الإنكليز وبقية الأوروبيين، الحكومة الدنماركية تشارك في كافة أعمال القتل والتدمير في الشرق: من أفغانستان إلى العراق إلى سوريا، حيث أرسلت بضعة جنود إلى الأرض ليرافقوا الأمريكيين في القاعدة «السرية» في الشمال السوري، كما أنها تشارك في الحملات الجوية ضد «داعش»: أينما قررت أمريكا الضرب تتبعها الدنمارك، بغض النظر عن ميول الحكومة، يمينية أو يسارية. ينمو اليوم على يمين هذا الحزب أحزاب أكثر تطرفاً وجنوناً، يضرب الخوف البلد كما لم يحصل يوماً في تاريخها: أسطورة البلد السعيد يكررها سكان الدنمارك ببلاهة وحماسة، وبشيء من الحدة العصابية العميقة: نحن متفوقون وسعداء، نعمل 8 ساعات ونحب أهلنا وبلدنا؛ لم لا يفهم بقية العالم أننا سعداء، أننا نحب البيئة، أننا طيبون ومنفتحون، أننا لا نريد إلا أن نعيش في هذا البلد، وحدنا! طلب السعادة والكمال يعمي الناس عن كل شيء: لا شيء يقتل السعادة كالسعي وراءها ليل نهار، دون استراحة لتذوقها، وللتفكر في مصير الأخوة التعساء خارج جنة الشمال البارد.

أصِلُ الكنيسة القريبة من البيت: ملصق ضخم للمثليين جنسياً بألوان قوس القزح على جدارها؛ عجوز باكستاني يضحك بمرح مع أحفاده على الدكة الخشبية تحت الملصق؛ موسيقا كلاسيكية، موزارت ربما، تأتي من مكان مجهول؛ عشرات الأطفال ينتظمون مع المدرسين ليعبروا الشارع، أصوات ضحك وصراخ وبكاء بريئة مختلطة تغطي على كل شيء.

قريباً، سينضم ابني لهم، دون أن يرث أسئلتي، ولا هموم بلد قصيّ لن يتعلم لغته؛ لن يفهم آهات «الست»، ولا الحزن الشفيف الذي يتسلل إلى القلب مع «نطرونا كتير»؛ ولكنه سيحيا بين عالمين لن أفهم منهما إلا ما بقي مني هناك.

يحمل العجوز الباكستاني، بجلابيته الرمادية ولحيته البيضاء الطويلة البرية، حفيدته ويركض بها.

ضحكاتها العالية تنسج خيطاً خفياً يربط بين الشمال البارد والجنوب الدافئ: فرح طفولي صاف يملأ الأرض من أدناها إلى أقصاها…

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.
عدي الزعبي

عدي الزعبي

قاص وصحفي سوري. صدر له: "الصمت"، مجموعة قصصية، منشورات المتوسط-ميلانو، 2015. "ما الذي أؤمن به؟ "، تأليف :برتراند راسل، ترجمة: عدي الزعبي، دار ممدوح عدوان للنشر بالتعاون مع مجموعة الجمهورية، 2015.