مقطع يومي من دمشق

%d8%ad%d8%a7%d8%ac%d8%b2-%d9%81%d9%8a-%d8%af%d9%85%d8%b4%d9%82
image_pdfimage_print

أعاد العسكري الهويات لأصحابها باستثناء شخصين، وترك باب «الميكرو» مفتوحاً قبل أن يبتعد قليلاً. كان من الصعب جداً أن أرى ما يحصل خارجاً في ساعات الصباح الأولى من فصل الشتاء ذاك، والضوء شبه معدوم حولي، إلا أن نظرة المرأة التي كانت تجلس القرفصاء بالقرب من الباب كانت كفيلة بابتلاع ما تبقى من ضوء في عيني، أذكرُ حتى الآن ما قلتُه لنفسي حين نظَرَت إليَّ بتلك الطريقة: «الله لا يوفقك يا خالتي على هالنظرة، فهمت عليكي».

تقدم عسكري آخر من الباب، وعلى ما يبدو أن اختصاصه بثُّ الرعب على الحاجز، صرخ بلهجته الساحلية باسم الشاب الجالس خلفي، سأله عن تاريخ التحاقه بالخدمة العسكرية، تاريخ تسريحه، مكان إقامته، عمله الحالي، مطربه المفضل، مثله الأعلى، وإذا ما كان قد تلقى مؤخراً استدعاءً للاحتياط. كل هذا الحديث «الوطني» جرى صراخاً، وبأسلوب المخابرات الذي يَخبَره السوريون بالفطرة، رعبٌ يدخل في تركيبة الـ DNA ، رعبٌ ينتشر كأنه دِين، أو قصاصٌ مشرّع على عنق كل من أوحت له نفسه الأمارة بالسوء ولو بقليل من الأمان.

بدأتُ أشعرُ بضيق في التنفس، هل هذه كواليس من يتحولون إلى مقاطع فيديو؟!

في الأساطير اليونانية هناك إلهة تدعى «ميدوزا»، إذا نظرت إلى عيني ضحيتها حولتها إلى حجر، أما على حواجز النظام السوري، فإذا توافرت شروط مناسبة كالتي مررت بها شتاء 2015 على الحاجز الطيار بين جرمانا والدويلعة في ريف دمشق، فإن نظرةً من عسكري لا على التعيين كفيلة بتحويلك إلى مقطع فيديو، وهو شيءٌ لا يحب السوريون تجربته عموماً.

صَرخَت النسخة العسكرية من «ميدوزا» باسمي، بعثرَ الرعبُ الحروفَ التي حملها صوتي إلى مسامع الآخرين، اقتربَ العسكري أكثر، بحلقَ في الظلام، تمتمتُ: «لا تفعليها يا ميدوزا، لا تفعليها». كانت قبعتي الشتوية المخططة أشبه بحجاب ما جعله يعتقد أنني امرأة، ضحكَ بعد تأكده من مطابقتي للشخص المبتسم في صورة الهوية، ضحكَ الركاب كردِّ فعلٍ غريزي، ضحكت مسام جسدي كلها: «نعم، أحسنتِ يا ميدوزا، أحسنتِ»، ثم أُمِرنا بالانصراف.

في الحقيقة، يعدُّ هذا الحادث أمراً روتينياً لدى السوريين، بل إنني أُعَدُّ من ذوي الحظوة كوني أمرُّ بسلام من حواجز النظام مقارنةً بالشباب من المحافظات الأخرى. تصوروا مثلاً أنني من الرقة، أو دير الزور، حتى شباب المحافظات «الهادئة» حسب المعجم السوري الشعبي، كان يكفي أن ينتمي أحدهم لأحد العوائل المشهورة بعدائها للنظام حتى يصير محط اتهام جميع «الجهات المختصة»، كأن الأمر لا يعدو كونه ثارات قبائل، وكمائن لقطاع الطرق، وليس حواجز لنظام سياسي يحكم القانون بينه وبين أفراد شعبه. وكي أكون شفافاً بعض الشيء، أعتقدُ أن ملاحظتي الأخيرة بخصوص «القانون» غبية بشكل يثير الإعياء.

لكن حرصاً على ألا أُتهم بالمبالغة، سأكتفي بالإشارة إلى أحد متطوعي الهلال الأحمر في فرع ريف دمشق، وهو من أبناء محافظة السويداء ومن سكان مدينة جرمانا، حيث تعرض هذا الشخص للتهديد والوعيد من عساكر النظام أثناء إنجاز مهماته التي تقتضي إيصال المساعدات الغذائية إلى مناطق معينة في الريف الدمشقي، بل إنه تعرض في أحد هذه المهمات للضرب دون أي مبرر، فقط لكونه ينتمي لعائلة ذاع صيت أبنائها المناصرين للثورة والناشطين في صفوفها.

أما الحواجز الطيارة فتكتسب أهميتها من كونها تناصب العداء لكل الشباب في عمر الخدمة العسكرية الإلزامية أمثالي، يدققون في أوراقهم، يبحثون عن أي خطأ ارتكبه موظف عسكري تابع لوزارة الدفاع في شعب التجنيد، فيُحَمِّلون مستقبل المدنيين أوزاره. وقد تُصَادِف الحاجز في أي مكان من البلاد حسب حاجة النظام إلى العساكر، قد تصادفه في الحارات العشوائية الضيقة، أو حتى في كوابيسك، وبعض هذه الحواجز بات متوقعاً كالحاجز بين جرمانا والدويلعة، اسمه «طيار»، لكنه لا يطير إلا في هذه المنطقة!

بالنسبة لي، أعدتُ ترتيب أوراقي الرسمية في جيبي، كذلك أعدتُ ترتيب أنفاسي ونبضي، كنت أفكر بضيق: «يا الله كم أنا جبان!».

تذكرتُ المدينة التي كانت تقذفني من جنون إلى جنون، ضحكتُ وأنا أنظر بقلق إلى وجوه الركاب: «عليهم أن يضعوا بعض الأسلاك بيننا، لا أستبعدُ أبداً أن يكون لدى أحدهم رغبة في التهام وجهي مثلاً، قضمه كرغيف الخبز!».

صعدتُ في هذا «الميكرو» على عجل من ساحة التربة في جرمانا، كنتُ أريدُ الهروب من كارثة على وشك الوقوع؛ شابٌ مترنحٌ يجبر شاباً آخر طبيعياً على ركوب سيارة أجرة، تشاجروا أمام السائق الذي استغل أول فرصة للهرب، ثم فجأة بدأ الشابان بالترنح وتوجيه اللكمات لوسائل النقل العمومية فقط، وكان إذا فاتهم «ميكرو» مثلاً أوقفوه بالصراخ، لكموه ثم قالوا له أن يمضي، وهكذا رميت بنفسي داخل أحد «المكاري» الذي قادني بدوره إلى حاجز الدويلعة الطيار.

أبتسم: «أي جنون هذا يا الله! لا أريد أن يقتلني أحمق، ممسوس، يعتقد أن جسدي أرض معركته المقدسة».

جرمانا نفسها أصبحت استراحة للمقاتلين قبل انطلاقهم إلى أرض المعركة، أو بالأحرى مرتعاً لهم. كل شيء منتهك في المدينة المليئة بالمحاربين الأجانب من العراق ولبنان فضلاً عن المقاتلين السوريين في صفوف النظام، ليس تماماً ضد معارضيه فقط، إذ استهدفت كثيرٌ من الاعتداءات التي أسفرت عن قتلى وجرحى أبناء المدينة أنفسهم، بالرغم من تحولها إلى منطقة نزوح مزدحمة، والنازحون عرفاً هم أعداء النظام.

لم يتورع النظام وحلفاؤه العسكريون عن إرهاب المدينة يوماً، حتى بقذائف الهاون، إذ كان جيش الإسلام في الغوطة يفخر باستهدافه للمدينة، ما سمحَ للنظام بتأديب حاضنته الشعبية فيها ببعض القذائف كلما ساءه تصرفٌ من بعض أفرادها، دون أن يناله أي وبال. أما الحظوة القليلة التي تؤمّن لجرمانا بعض الحماية من قبل النظام، فهي تأتي من كونها الخاصرة الرخوة لإدارة الدفاع الجوي الواقعة بينها وبين بلدة المليحة المجاورة، التي كانت خاضعة طويلاً لسيطرة المعارضة، إذ من خلال هذه الإدارة التي باتت ثكنة عسكرية ضخمة، كان النظام يبسط سطوته العسكرية والأمنية على أجزاء واسعة من دمشق وريفها.

وصلتُ ساحة باب توما سالماً غانماً، وأخذتُ الطرق الفرعية سيراً على الأقدام باتجاه الجامع الأموي، ثم مروراً بسوق الحميدية، ومن هناك أرتجلُ الطريق الأنسب للوصول إلى هدفي الأخير، ساحة الأمويين.

لم يكن اختياري للمشي كل هذه المسافة نابعاً عن معتقدات رياضية أولمبية متطرفة، لكن فكرة انتظار باص النقل الداخلي في باب توما كانت أشبه باستماع مراهقةٍ إلى أغاني هاني شاكر أمام نافذة غرفتها وهي تحلم بفارسٍ على حصان أبيض ينقذها من هذا الجحيم. نعم، هكذا كان الأمر تماماً، بكل ما فيه من غرابة، وخبل، وجنون. لذلك كنتُ كلما وصلتُ إلى هذه الساحة استذكرُ القول المأثور، رحم الله امرئ عرف قدر نفسه فوقف عنده، ثم أُطعم قدمي ما فيه النصيب من طرق الشام القديمة والفرعية.

أعتقدُ جازماً أن شخوص الساعة السادسة صباحاً في دمشق، هم الفارون من رواية أحدب نوتردام ليلاً، وإذا ما حاول أحدكم قراءة هذه الرواية واكتشف أنها فقدت بعض شخصياتها، فليكن متأكداً أنه سيجدهم في حواري الشام. في هذه الساعات الأولى من الصباح، حيث معظم المدينة لا تزال غافية باستثناء عيون عساكرها المتربصين بمدنييها، لن يجرؤ أحدٌ على الخروج إلى الشارع سوى من كان أحدباً، أو أعوراً، أو أعرجاً، فكل من سواهم مشاريع عسكرة. لا يخرج إلى الشوارع في هذا التوقيت سوى المجانين، أو من كان لديهم رؤساء أقسام في مؤسساتهم التعليمية كالتي كانت لدي.

أحثُّ الخطى سريعاً ما أن أتذكر رئيسة قسم الدراسات في المعهد العالي للفنون المسرحية، أسمعُ صوتها الصارخ وكأنها تمشي خلفي: «لا أستطيع أن أقدر ظروفكم الإنسانية، كيف سأخرّج طلاب من المعهد وهم يتأخرون عن محاضراتهم؟ كيف سأمنحكم شهادة تعملون بها دون دراسة، كيف كيف..؟». أركضُ، يركضُ صوتها خلفي: «هذا التأخير لن يمر بسلام» تباً تباً، خرجتُ من منزلي الساعة الخامسة صباحاً كي لا أسمع هذه الديباجة.

كان المعهد العالي حريصاً على سوية طلابه «الفنية والأكاديمية»، فأحدثت إدارته لهم هيئة إدارية تابعة لاتحاد الطلبة في سوريا، تراقبهم، تضبط أي إنفعال سياسي لهم، وتَحمِلُ الشائعات المنسوجة حولها ما يكفي من وعيد، حتى ولو أنه لم يُنَفِّذ شيء منها إلى اليوم.

أدخلُ سوق الحميدية، سيكون خالياً في هذا التوقيت إلا من «الباعة المتجولين»، وتعدُّ هذه المهنة في المرجعية الذهنية السورية رتبة أمنية رسمية. وهذه إحدى ميزات السوق المسقوف، المتواري، والممتلئ بعوالمه الخفية المسقوفة والمتوارية بدورها مثله.

أعتقدُ شخصياً أن سوق الحميدية بباعته المتجولين، استطاعَ أن يؤمن لطلاب المسرح ما عجز المعهد العالي عن تأمينه. مختبرٌ مسرحيٌ، مهما كانت مهنتك أو اختصاصك، لا تستطيع أمام هذا الكم الهائل من المخبرين فيه إلا أن تشعر بوهرة هي أشبه بتلك التي تنتاب ممثلاً على خشبة المسرح، نعم، هكذا تماماً، حين تعلم أن هناك في الظلام مئات العيون والآذان التي تترصدك. وفي أحسن الأحوال يكون الأمر شبيهاً بوجود كاميرا مراقبة سرية في حمامك، وأنت تعلم أنها موجودة لكن عليك أن تتظاهر بعدم علمك بوجودها، لماذا؟! لأنها سرية. لكن عقلك الباطن لا يكفّ عن السؤال المزمن، ما الذي تفعله كاميرا المراقبة في حمامي؟!

لذلك كان عبور سوق الحميدية اختباراً، متاهات دهليزية عليك أن تعبرها بقناعة تامة أنها صراط مستقيم، هناك من يعبرها على «مذهب» ستانسلافسكي، يؤمن بما عليه أن يقول حتى يبدو مقنعاً، ومنهم من يعبر صراط السوق على «مذهب» مايرهولد، يكتفي بقول ما يريده المخبرون بدقة حتى يبدو شخصاً مؤمناً بما يقول.

المثيرُ في الأمر أنه كلما انتشر هذان المذهبان في مسرحة المواطنة، كلما ازدهرَ مسرح القسوة لمؤسسه أنتونين آرتو، وكلما تيقنت أكثر فأكثر أن مُخبِراً على بسطة لا تبيع ولا تشتري، هو أكثر فاعلية بالإيهام والمسرحة من جهابذة المسرح جميعهم في البلاد. «شكراً سوق الحميدية، ما كنتُ لأحفظ وأفهم هذه النظريات والأسماء لولا إسقاطاتك المباركة».

أخرجُ من السوق، أتلفتُ حولي، أحاول تذكرَ أماكن تواجد الحواجز، لا أستيطع، فالملابس العسكرية وما يرافقها من تشبيح فطري أصبحت منتشرة في كل مكان. البقال عسكري، شوفير الميكرو عسكري، جارنا الدهان عسكري أيضاً، إلى درجةٍ تُشعركَ أن ملابسك غير لائقة وأنت بينهم. زحامٌ في شوارع دمشق الخالية، زحامٌ في وجوه المارة، زحامٌ في صدورنا، أحاول التذكر: «الشام كلها حواجز، يلعن روحك يا حافظ»، كل الطرق سالكة باللعنات إذاً.

أدخلُ المعهد في تمام الساعة السابعة صباحاً، لم يصل أحدٌ بعد، أتوجه إلى حنفية المياه الوحيدة، والمشرفة على ما يسمى مجازاً «نهر بردى»، أشرب كقافلة جمال أنهت لتوها رحلة الشتاء والصيف معاً، أعلن لنفسي بمزيد من الرضى والتسليم: «أي نعم، بوطي يلي بقطع فيه نص الشام مشي أهم من وزارة المواصلات كلها».

image_pdfimage_print