حاجز حاميش، التجارة في زمن الهدنة

حاجز حاميش / برزة / 11 تشرين الأول 2014حاجز حاميش / برزة / 11 تشرين الأول 2014
image_pdfimage_print

تصعد مروة وزهرة إلى الحافلة الصغيرة، التي يُفترض أن تقلَّهما من موقف حاميش إلى موقف جامع السلام في حي برزة شرق دمشق. تتململ زهرة في انتظار امتلاء الحافلة بالركاب كي تتابع طريقها، وتَشغَلُ وقتها بمراقبة النساء اللواتي يصعدن ويرتبن ما يحملنه من أغراضٍ ومؤن.

ترمقها مروة بطرف عينها وهي تضحك، وتومئ لها بالنظر إلى المرأة الجالسة إلى جانبها، والتي تحاول جاهدة إخفاء كيسٍ كبيرٍ من الدجاج النيء تحت المقعد. تتوقف المرأة فجأة عن محاولتها، وتنظر إلى زهرة وكأنها اكتشفت أمراً خطيراً: «شو رأيك نتقاسم الفراريج «الدجاج»؟ أنا نص وأنت نص، وإذا سألك تبع الحاجز بتقولي النص إلك». تضحكُ مروة وزهرة وتتابعان مراقبة النساء دون أن تكلفا نفسيهما عناء الرد، فهو موقف شبه يومي غالباً ما تتعرضان له في رحلتهما من دمشق/النظام إلى دمشق/الجيش الحر، في هذه الحافلة التي تطلق عليها زهرة اسم «آلة المكان»، تيمناً بآلة الزمن القادرة على الانتقال من زمانٍ لآخر خلال ثوانٍ قليلة.

تمتلئ الحافلة وتنطلق في رحلتها القصيرة الطويلة، فالمسافة بين الموقفين لا تتجاوز مئتي متر، لكن قد يستغرق قطعها نصف ساعة أو أكثر، وذلك حسب الازدحام ورغبة عناصر حاجز حاميش بالتدقيق والتفتيش. تبدأ النسوة في قراءة المعوذات والنفخ على الحاجز قبيل الاقتراب منه، وعند الوصول إليه يعم الصمت والوجوم، في حين تتوتر المرأة صاحبة الدجاج النيء وتتسارع شفتاها بتلاوة الأدعية دون صوت.

يفتح أحد العناصر الواقفين على الحاجز باب الحافلة، ويرمق الجميع بنظرات عابسة. «شو معك أنتي وياها؟»، يسأل موجهاً حديثه بشكل عام وليس لأحدٍ معين، وتبدأ النسوة بتبرير حمولاتهن والدفاع عن أنفسهن. «أنا معي بس ربطة خبز وكيلو بندورة يا سيدي»، «هدول حفاضات لبنتي وشوية أدوية لأنها مريضة»، «كيلو رز وقنينة زيت صغيرة». يرمق العنصرُ النسوةَ بغضب، ولا يشعر برغبة في تفتيش الحافلة، فيغلق الباب ويشير للسائق بمتابعة طريقه. تتنفس النسوة الصعداء في حين تتمتم المرأة الجالسة إلى جانب زهرة بآيات الشكر والحمد، فدجاجها النيء لم ينكشف، وتستطيع الآن بيعه في برزة أو حي تشرين المجاور، والحصول على بضع مئات من الليرات كربح يمكّنها من الخروج وخوض تلك المغامرة مرةً أخرى سعياً لكسب المزيد من الرزق.%d8%ae%d8%b1%d9%8a%d8%b7%d8%a9-%d8%a8%d8%b1%d8%b2%d8%a9

يقع حي برزة شمال شرق العاصمة السورية دمشق، ويمتد على مساحة واسعة، من حدود حي ركن الدين غرباً حتى حيي القابون وتشرين شرقاً، ومدينة التل شمالاً، وحرستا وضاحية الأسد في الشمال الشرقي. وينقسم إلى أحياء فرعية، بعضها وهو الأقرب إلى مركز العاصمة يتميز بأبنية طابقية مثل مساكن برزة ومسبق الصنع والحنبلي، أما برزة البلد وبساتين برزة، وهي الأبعد عن وسط دمشق، فلا تزال منازلها عربية قديمة تقليدية بعضها مبني من الخشب واللبن، وتتميز بكثافة أشجار الزيتون والمشمش والتين والرمان، وهي التي احتضنت أولى المظاهرات المناهضة لحكم الأسد مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011.

تميز حي برزة بحراكٍ سلميٍ ذي سوية ثقافية وتنظيمية عالية، انعكست في مظاهراته ولافتاته والعديد من النشاطات المرافقة. وككل المناطق الثائرة والمنتفضة بوجه النظام السوري، نال الحي نصيبه من حملات الاعتقال التي طالت خيرة شبابه خلال العام 2011، وتعرّض حراكه السلمي لشتى أنواع القمع من قبل قوات النظام وعناصره الأمنية والعسكرية، وهو ما أدى بعد ذلك إلى تشكيل طلائع الجيش الحر من أبناء الحي.

ومع تصاعد وتيرة العنف والمواجهات، شن النظام السوري حملات عسكرية عنيفة على الحي هجّرت معظم سكانه ودمرت بنيته التحتية نتيجة القصف بالطيران وكافة أنواع الأسلحة خلال العامين 2012 و2013، اللذين شهدا كذلك حصاراً مطبقاً على من بقي من السكان داخل كامل المنطقة الخارجة عن سيطرة قوات النظام، والتي تضم كلاً من برزة والقابون وحي تشرين وحرستا الغربية. وفي نهاية العام 2013 بدأت ملامح هدنة بين الطرفين المتقاتلين في المنطقة تلوح في الأفق، لتُعقَدَ هدنة برزة بشكل رسمي أوائل العام 2014، وتستمر حتى اليوم رغم بعض الخروقات من الطرفين.b88a1581-970e-4d80-a459-0650a725fb5d

بدأت الهدنة المذكورة في شهر كانون الثاني/يناير من العام 2014 بإيقاعٍ حذر، ونفّذ الطرفان جزءاً من بنودها كوقف إطلاق النار وعدم محاولة التقدم باتجاه الطرف الآخر، والالتزام بالتواجد ضمن الأحياء التي يسيطر عليها كل منهما. وتنتهي مناطق سيطرة النظام عند حاجز حاميش وبرزة الغربية، لتبدأ سيطرة الجيش الحر اعتباراً من جامع السلام وحتى برزة البلد وبساتين برزة وصولاً لحيي القابون وتشرين الواقعَين كذلك تحت سيطرة مقاتلي المعارضة، مع وجود حاجز مشترك بين قوات النظام ومقاتلي الجيش الحر على طريق مشفى تشرين عند بناء يدعى «الوسائل التعليمية».

عملَ الطرفان كذلك على فتح الطرق ووقف عمليات القنص والسماح بحرية حركة المدنيين في الدخول والخروج، إضافة للسماح بإدخال المواد الغذائية والعديد من البضائع والمستلزمات الأخرى. إلا أن النظام لم ينفذ حتى اليوم بند إطلاق سراح المعتقلين، حيث اكتفى بالإفراج عن عدد يسير منهم، في حين لا يزال المئات من شباب وشابات برزة معتقلين أو مغيبين قسرياً دون معرفة مكان تواجدهم، كما لم يمنعه اتفاق الهدنة من الاستمرار في اعتقال بعض من أهالي الحي على حواجزه المنتشرة في أرجاء العاصمة.

أخذت المنطقة تكتظ بالمدنيين يوماً بعد يوم، وذلك مع عودة الأمان إليها نتيجة الهدنة المعلنة في حيي برزة وحرستا الغربية، واتفاق وقف إطلاق النار غير الرسمي في حي القابون، الذي أدى لتراجع كبير في وتيرة القصف والاشتباكات. عادت آلاف العائلات إلى منازلها رغم الدمار، مدفوعةً بتكاليف الإيجار الباهظة داخل أحياء العاصمة دمشق، ولسانُ حالها يقول «بيت مدمر أحسن من بيت بالأجرة». ونزحت عائلات أخرى من غوطة دمشق الشرقية تحت وطأة القصف العنيف شبه اليومي، لتسكن المنطقة البعيدة عن الموت والاعتقال في آن معاً. هكذا تحولت هذه المساحة الجغرافية إلى واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في دمشق، كما أطلق عليها كثيرون «المنطقة الحرة» بسبب النظام التجاري الجديد الذي ساد فيها.

بدأ دخول البضائع للمنطقة بشكل خجول مع بداية الهدنة أي في أوائل العام 2014، وأخذت المحلات تمتلئ شيئاً فشيئاً بمختلف أنواع المواد والمستلزمات، وخلال الأشهر التالية تحوّل حاجز حاميش، الذي كان عبارة عن حاجزين متتالين تابعين لجهتين مختلفتين هما الأمن السياسي والدفاع الوطني، إلى أحد أهم المعابر التجارية، تمرُّ عبرَه يومياً بضائع بمئات آلاف الليرات السورية، كما تُدفع عليه رشاوى قد تصل ملايين الليرات مقابل إدخال مواد تتنوع بين غذائية وطبية وغيرها.

يستفيد التجار من الطلب المرتفع على مختلف أنواع البضائع نتيجة الازدياد الكبير والمتسارع في أعداد السكان، ويلوّح القائمون على الحواجز بشبح الحصار والجوع ليفرضوا إتاواتهم على قوت السكان اليومي: «إما الحصار والجوع وإما الرشاوى». وقد انعكس ذلك على الأسعار التي ارتفعت عمّا هي عليه في بقية أحياء دمشق، وفروقات الأسعار هي المكاسب المختلفة، التي يجنيها التجار والمتحكمون بحواجز النظام على حد سواء.

يشرح عدنان وهو أحد نشطاء برزة الإعلاميين آلية عمل هذا النظام التجاري: «مع بداية الهدنة في برزة كان حاجز حاميش عبارة عن حاجز عسكري فقط، وكان مسؤولاً عن ضمان تنفيذ بنود الهدنة، ومنها إدخال المواد الغذائية والتدقيق لمنع دخول وخروج المسلحين أو إدخال السلاح لمقاتلي المعارضة داخل المنطقة، إلا أن مهمة هذا الحاجز أخذت تختلف بعد توقيع الهدنة بحوالي ستة أشهر، أي في منتصف العام 2014».

في تلك الفترة كانت غوطة دمشق الشرقية المتاخمة لمنطقة برزة تعيش أصعب أيام الحصار، الذي فُرض عليها بشكل مطبق منذ نهاية العام 2013. فُقِدَت معظم المواد من أسواق مدن وبلدات الغوطة المختلفة، وكانت كميات صغيرة من المواد الغذائية كالسكر والملح والطحين والأرز تباع بعشرات آلاف الليرات السورية (أي عشرات الدولارات)، نظراً لإغلاق قوات النظام كافة مداخل ومخارج المنطقة، ومنع إدخال أي مواد غذائية إضافة لمنع دخول وخروج المدنيين.

انعكسَ ذلك بشكل كبير على منطقة برزة، التي أحس سكانها بحاجة أهالي الغوطة لمختلف أنواع المواد الغذائية والصحية، ودفعهم ذلك للعمل على تمرير ما بوسعهم إلى داخل الغوطة بطرق عديدة مستفيدين من وفرة البضائع لديهم، وهو ما أثار غضب النظام ودفعه في منتصف العام 2014 لإعادة إغلاق الطرق المؤدية لبرزة وتهديدها بالحرب والحصار عليها مجدداً بحجة «دعم مسلحي وإرهابيي الغوطة الشرقية»، وهي من أكثر مناطق المعارضة استعصاءً على جيش النظام وحلفائه حتى اليوم.

وبحسب الناشط عدنان، لم تكن نية النظام فعلياً إعادة حصار برزة والأحياء المجاورة، وإنما استغلال المعبر الوحيد، أي حاجز حاميش، لأغراض تجارية وحتى سياسية أخرى:

«لم يكن بمقدور النظام فتح معركة جديدة في ذلك الوقت مع انشغاله على جبهات أخرى مشتعلة كجوبر ودوما وغيرها، كما أن هدنة برزة ساعدته في اكتساب الدعم المعنوي والسياسي من خلال وصفها بأنها المثال الناجح للمصالحات الوطنية، فعمل بالتالي على إبقاء الهدنة لكن مع الاستفادة من العبور اليومي للمواد إلى داخل المنطقة، وذلك بتلقي الرشاوى عن كل كيلوغرام يتم إدخاله، وهي رشاوى تفرض على التجار مهما بلغ حجم تجارتهم، سواء كانت ببضعة كيلوغرامات أو بمئات الأطنان».

أدت هذه الرشاوى والإتاوات التي بات التجار مضطرين لدفعها بشكل يومي إلى ارتفاع الأسعار داخل المنطقة المهادنة، فكيلوغرام السكر الذي يباع في دمشق بسعر 400 ليرة سورية، يباع داخل برزة بحوالي 600 ليرة، حيث يتم دفع 100 أو 150 ليرة للحاجز عن كل كيلوغرام، كما يفرض التاجر أو صاحب البقالية حصته التي قد تبلغ 50 ليرة سورية. وهو سعر يرتفع بدوره في الغوطة الشرقية، التي تباع فيها المادة نفسها بعد إضافة مرابح جديدة لأشخاص آخرين داخل هذه الحلقة التجارية. ومن الجدير بالذكر أن هذه العملية ساهمت شهراً بعد آخر بانخفاض الأسعار داخل الغوطة المحاصرة مع إعادة شيء من التوازن بين العرض والطلب، لتبلغ الأسعار في بعض الأحيان أكثر بقليلٍ فقط عمّا هي عليه في المناطق المهادنة.

وكنتيجة لهذه الحلقة التجارية، شرع كثيرون بالخروج من برزة إلى داخل العاصمة دمشق عن طريق حاجز حاميش لشراء ما يحتاجونه بأنفسهم، حيث يمكن أن يحصلوا على ما يريدون من أسواق العاصمة بأسعار أقل. ومع تخوف الرجال والشباب من الخروج والمرور على حواجز النظام، التي تعتقل بشكل شبه يومي عشرات الشبان وتزجّ بهم إما في المعتقلات أو على جبهات القتال تحت مسمى «خدمة العلم الإلزامية أو الاحتياطية»، إضافة لاحتمال اعتقال أي شاب مطلوب بتهمة النشاط ضد النظام، وقَعَت مهمة شراء حاجيات العائلات من خارج المنطقة على النساء والأطفال، وذلك اعتباراً من الأشهر الأولى للعام 2015.

تروي زهرة مشهداً تصفه بأنه واحد من المواقف التي لا تنسى خلال هذه السنوات الخمس: «في شهر آب/أغسطس من العام الفائت، وخلال أيامٍ أُغلِقَ فيها حاجز حاميش أمام مرور السيارات، ليقتصر السماح بالدخول والخروج على المشاة في واحدة من محاولات النظام تضييق الخناق بشكل أكبر على السكان، اشتد الحصار على المنطقة وأخذت المواد الغذائية بالنفاذ من جميع المحال. وأجبر ذلك مئات النساء على الخروج سيراً على الأقدام باتجاه دمشق لشراء احتياجات عائلاتهن، في رحلة تستغرق عدة ساعات تحت لهيب الشمس ودرجات حرارة مرتفعة لا تطاق. كنتُ أرى بشكل شبه يومي حشوداً هائلة تسير مع بعضها باتجاه واحد، إما خروجاً نحو العاصمة أو دخولاً إلى المنطقة. كل امرأة تخرج فارغة اليدين لتعود محمّلة بما تيسر لها من طعام وخبز ودواء، ومن تقدّم بها السن تستعين بعربة صغيرة تضع فيها الأغراض وتدفعها جاهدة وهي لا تحلم سوى بالوصول إلى منزلها، فيما يرافق بعضُ الأطفال أمهاتهم في محاولة لمد يد المساعدة في حمل ونقل ما تعينهم أذرعهم الغضّة الصغيرة على حمله».

في تلك الفترة، ظهر نوع جديد من التجارة، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على شراء حاجيات المنزل؛ بل دفعَ الفقرُ والبطالةُ وغيابُ المعيل بكثيرٍ من النسوة نحو مهنة جديدة: الخروج نحو أسواق دمشق عدة مرات في اليوم، وشراء ما يمكن حمله ومن ثم بيعه للتجار داخل المنطقة بربح زهيد، مستفيداتٍ من تساهل عناصر الحاجز في بعض الأحيان، والقدرة على رشوتهم أحياناً أخرى.

يتحدث الناشط عدي من حي القابون عن هذه المهنة الجديدة: «تخرج عشرات النساء كل يوم عدة مرات لشراء مواد يقمنَ ببيعها للتجار، الذين يبيعونها بدورهم في المنطقة أو داخل الغوطة الشرقية بأرباح كبيرة. ولم تعد هذه التجارة مقتصرة على المواد الغذائية، فحتى الملابس على سبيل المثال صارت جزءاً من هذه العملية اليومية المتكررة. ودفع ذلك حواجز النظام للمزيد من التضييق على كل ما يدخل المنطقة، لعلمهم بكل ما يحدث من تهريب للبضائع إلى الغوطة الشرقية المحاصرة التي يعتبرها النظام أهم معقل «للإرهابيين». ومؤخراً، لم يعد من السهل حتى على النسوة إدخال أكثر من بضعة كيلوغرامات، وقد يتعرضن للضرب والشتم على حاجز حاميش، إلا أن العديد منهن يتدبرن أمورهن برشوة عناصر الحاجز للسماح لهن بتمرير كميات أكبر، أما التجار فيمكن أن يدفعوا مبالغ كبيرة قد تصل لمئتي ألف ليرة سورية لإدخال كميات أكبر يذهب معظمها للغوطة الشرقية. ومما يجدر ذكره أن بعض المواد كالغاز والوقود والكلور وحمض الليمون تعتبر من المحظورات التي يستحيل إدخالها للمنطقة، حيث يتخوف النظام من استخدامها لأغراض تتعلق بصناعة المتفجرات وغيرها من الأسلحة التي قد تستخدم ضده».

في السياق نفسه، تروي زهرة مشاهد أخرى على حاجز حاميش: «مع انتشار ظاهرة النساء التاجرات اللواتي بات معظمهن معروفاً للعناصر العاملين على الحاجز، تطور نظام التفتيش، فكل حافلة عليها الدخول ضمن ما بات يعرف بـ«الساحة»، حيث يجبر جميع الركاب على النزول في ساحة صغيرة ويتم تفتيش الحافلة بشكل دقيق، إضافة لتفحص كافة الأكياس والحقائب التي تحملها النسوة. لا يسمح سوى بتمرير كميات صغيرة، ومن تحمل أكثر من ثلاثة أو أربعة كيلوغرامات لا بد لها من أن تعود أدراجها أو تتدبر أمرها برشوة العنصر المسؤول عن تفتيش حافلتها. تحاول كثير من النسوة الدخول سيراً على الأقدام مع أطفالهن أملاً في الهروب من تفتيش الحافلات، وتعيسة الحظ من يقع عليها غضب العناصر حيث قد تتعرض للضرب بالعصا، ناهيك عن الشتائم والإهانات. لا يعني ذلك عدم تمكنها من المرور، فدفع ألف ليرة سورية قد يكون مفتاحاً للعبور إلى حي برزة».

ويمتلك خالد من حي القابون معلومات إضافية، حيث يؤكد الشاب العامل مع واحدة من منظمات المجتمع المدني بأن حاجز حاميش يتلقى رشاوى بملايين الليرات السورية لإدخال بضائع أخرى غير المواد الغذائية: «تُدفَع أحياناً ملايين الليرات لإدخال شحنات الأدوية والأقمشة وغيرها، حيث يتفق كبار التجار مع المسؤولين عن الحاجز ويتم دفع تلك المبالغ المالية لقاء تسهيل العبور لداخل المنطقة الواقعة تحت سيطرة مقاتلي المعارضة. وفي أحيان أخرى يتم الاتفاق على دفع مبلغ كبير قد يصل لسبعة ملايين ليرة سورية (ما يقارب 14 ألف دولار أمريكي) لقاء «شراء» الحاجز ليوم كامل، يتم خلاله إدخال كل أنواع البضائع مهما بلغ حجمها ونوعها، ليصار إلى الاستفادة منها داخل المنطقة أو بيعها في أسواق الغوطة الشرقية».

لا يعرف سكان برزة والمنطقة بأكملها إن كانت الهدنة المعقودة منذ أكثر من عامين ونصف نعمةً عليهم أم نقمة، فلا جدوى من الحرب في ظل عدم قدرة أي من الطرفين على كسبها، إلا أن تحوّلَ مدخل منطقتهم الوحيد لمعبر يهدف للتجارة والربح بات بمثابة الوبال عليهم، فعدا عن غلاء الأسعار، كثيراً ما يقرر المسؤولون عن حاجز حاميش إغلاق الطريق ومنع الدخول والخروج من المنطقة لساعات وأحياناً لأيام، وهي فترة كافية لتهديد حياة عشرات الآلاف من السكان بالمجاعة وشبح الحصار.

الدمار والمعارك في برزة / 23 تشرين الأول 2013

الدمار والمعارك في برزة / 23 تشرين الأول 2013

على سبيل المثال، يذكر الناشط عدنان خلافات عدة وقعت بين رؤساء الأفرع الأمنية الراغبة بوضع يدها على الحاجز المذكور، وأدى أحدها أوائل العام الحالي لإغلاقه وحصار المنطقة بشكل تام لعدة أسابيع، تغيرت على إثرها خريطة السيطرة بتسليم الطريق الداخل إلى برزة من دمشق للحرس الجمهوري، واستلام الأمن السياسي الطريق الخارج من برزة والداخل إلى العاصمة.

ومع ذلك، لا يجرؤ أحد من الأهالي على مجرد التفكير بعودة الحرب لأحيائهم شبه المدمرة، فالأفكار وإن كانت عابرة قد تتحول لحقيقة، والهدنة وإن تحولت لمتاجرة فهي تبقى أقل كلفة من انتظار الموت اليومي بقذائف طائرات ودبابات ومدفعية النظام.

image_pdfimage_print