%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84

الإعلام السوري البديل: بحثاً عن الجمهور في هوامش الإحصاءات


خارج الكون الموازي

بدأنا برفع النوافذ بسرعة كبيرة، أجلنا النظر سريعاً في أرجاء السيارة لنتأكد أن كل شيء مغلقٌ بإحكام، ثم حرّك السائق إبرة المذياع قليلاً. الصوت أوضح الآن، لا لبس فيما نسمعه، الهتافات المتناهية إلينا عبر أثير ال ـFM جعلت الدماء تنفر إلى رأسي كلينا، فتلكَ هي المرة الأولى التي نسمع فيها أصواتنا عبر وسيلة إعلامية وسط العاصمة دمشق.

وأصواتنا هنا تعني ما انفجرت به الحناجر المحتقنة طوال 40 عاماً من حكم الأسدين، بشعارات تستحضر «شبح» الحرية والعدالة إلى «سوريا الأسد»، حيث يغدو تغيّر اللهجات وطبقات الصوت تنويعاً وطنياً على مقام الثورة، فالحناجر المسحولة على الإسفلت يصعب التمييز بينها. لذا يغالبك الشك في كون الصوت الذي يرفع على نبرته المتوترة شعارات الحرية والكرامة هو صوتك يقيناً، أي الصوت الممنوع تداوله في الفضاء العام السوري، ولذلك كنا حريصين جداً على أن نكون نحن وحدنا من نسمع بث راديو العاصمة FM في ذاك اليوم من العام 2012، حيث احتفلنا بحفاوة لأول مرة بإعلامٍ يمثلنا.

شكّل راديو العاصمة انتهاكاً لسياسة التعتيم الإعلامية التي انتهجها النظام مع الثورة، وبعثر ببثه المتقطع الظلام المحيط بأصوات السوريين، في حين استمر إعلام النظام الرسمي وشبه الرسمي بنقل الجانب الأبكم من سوريا، إذ لطالما شكلت مؤسسات إعلام النظام كوناً موازياً بالنسبة للسوريين، حيث «سوريا بخير»، و«خلصت الأزمة» التي لم تبدأ أساساً بحسب نشرات الأخبار خاصتهم، وحيث البلاد التي يحكمها زعيم واحد، محبوب، ومنتخب بالوراثة. ولعل من المفارقات المضحكة قدرة هذا الإعلام على تجميد الزمن، ففي حادثة «بث مباشر» للتلفزيون السوري عام 2011 تظهر إحدى السوريات وهي تدعو لحافظ الأسد بالنصر والتأييد الإلهي، لتصحح لها المراسلة رأساً بالدعاء بالرحمة لحافظ الأسد، والتمكين لابنه بشار الأسد!

 

من القطب الشمالي إلى العدم

مع انحسار عدة محاولات لوجود وسيلة إعلامية سورية تنقل الثورة/الحدث، عاد السوريون لمتابعة أخبار بلادهم عبر قناتي الجزيرة القطرية، والعربية السعودية بشكل رئيسي، بينما انشغل التلفزيون الرسمي السوري برصد تفاصيل الحياة اليومية للثديّات في القطب الشمالي.

إلا أن الحكاية لا تنتهي هنا، فهذا ما كان يحصل في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، في حين شهدت بعض دول اللجوء السوري ومنها تركيا بشكل رئيسي ولادة المئات من وسائل الإعلام السورية، المستقلة والمحايدة والمتعاطفة ضمنياً مع الثورة. ومنها أيضاً من وسم نفسه باسم «الإعلام الثوري» وانحاز علناً لصالح الثوار، وكُنيت هذه الوسائل الوليدة خارج وصاية النظام باسم «الإعلام السوري البديل»، ووصل عددها إلى 600 وسيلة، توقف منها 200 حتى الآن، فيما استمرت 400 وسيلة أخرى، وفق ما ذكرت دراسة «قبض الزبد: جردة لحال الإذاعات والمواقع السورية الجديدة»، المنشورة على موقع معهد WEEDOO الإلكتروني في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

معظم هذه الوسائل استهدف السوريين عموماً لا سيما الشباب منهم، لكن على ما يبدو أنني ومحيطٌ واسعٌ حولي من المعارضين للنظام ومؤيديه على حدٍ سواء، لم نكن هدفاً للمجهود الإعلامي الخاص بهذه الوسائل منذ انطلاقتها، إذ أنني لم أسمع بها إلا في سبتمبر/أيلول 2015 بعد وصولي إلى اسطنبول، هذا إلا إذا كانت كلمة «سوريين» التي تستخدمها هذه الوسائل تحمل في طياتها إقصاءً لفئات معينة اقتفاءً لخطاب مشابه لدى النظام!

 

خطاب النظام بعباءة الإعلام البديل

أثبتت دراسة «قبض الزبد»، وقبلها دراسة عن «جمهور الإعلام السوري للعام 2016» أنجزتها ثماني مؤسسات أوروبية مدعومة من الاتحاد الأوروبي، ونشرت على موقع مؤسسة Free Press Unlimited، أن إذاعة شام  FM الموالية للنظام تحظى بالاستماع الأعلى بين الإذاعات السورية، وكانت المفاجأة أكبر حين اتضح من خلال عينة من الناس تواصلت معهم لاستطلاع آرائهم في الإعلام البديل، أن معارضين للنظام السوري، من أولئك الذين كانوا في الصفوف الأولى للحراك السلمي من الثورة، يتابعون إلى جانب شام FM صفحات موالية عبر الفيسبوك مثل يوميات قذيفة هاون، في حين لا ينضم إلى قائمتهم في المتابعة أي من وسائل الإعلام السوري البديل.

قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص المعارضين للنظام والمتابعين لوسائله الإعلامية، أنهم يلمسون في الإعلام البديل تجاهلاً واضحاً للمناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وبذلك تحولت صفحة مثل يوميات قذيفة هاون إلى مصدر خبري عمّا يحصل في دمشق، وشدد هؤلاء الأشخاص على تجاهل الخط السياسي للخبر، والاكتفاء بمعرفة الحدث نفسه.

العينة وبأغلبيتها أكدت اعتمادها بالدرجة الأولى على فيسبوك في متابعة أخبار سوريا، لا سيما صفحات الناشطين في المناطق المحررة أو الخارجة عن سيطرة النظام والخاضعة لميليشيات أخرى، مثل هادي العبد الله، ويعتبرونهم مصدراً للخبر، في حين يحملون على الإعلام السوري بشقيه المعارض والموالي ذات المآخذ من التسييس والتضليل وعدم المهنية.

قصي عمامة، صحفي سابق في إذاعة شام FM، ويعمل حالياً لصالح الإعلام السوري البديل، علّق على العلاقة المتردية بين الجمهور والإعلام البديل في سوريا بقوله:

«في الأساس هناك علاقة غير مستقرة بين الجمهور السوري والإعلام، طوال سنوات لم يتمتع المواطن السوري بإعلام حقيقي، ما شوش لدى الجمهور وظيفة الإعلام ومهمته. كنا نواجه قبل الثورة جمهوراً يعتقد أن الصحف والإذاعات هي صندوق شكاوى فقط، لحل مشاكل المياه والصرف الصحي وانقطاع الكهرباء، هذا طبعاً ما كان يراد من كل الأشكال الإعلامية في البلاد أصلاً، فمن الممنوع عليها أن تلعب دورها الحقيقي من قبل سلطة الأمر الواقع».

يضيف عمامة موضحاً حال العلاقة بين الإعلام وجمهوره بعد الثورة:

«بقيت العلاقة بين الجمهور السوري وإعلامه على هذا الحال حتى 2011، حين بدأت وسائل إعلام عالمية بنقل الحدث السوري. هنا وقع شرخ أكبر، الناس، الجمهور، ظنوا أن اتساع التغطية سيؤدي حتماً لتغيير سياسي سلمي أو حتى عسكري، لكن هذا لم يحدث، ما ترك انطباعاً لا يقبل الشكّ لدى عموم الجمهور بأن الأعلام عاجز عن إحداث أي تغيير، ويعود السؤال الأكثر بساطة إلى التداول: ما الفائدة؟».

يوضح عمامة أكثر حول الإعلام السوري البديل:

«الإعلام البديل بدوره لعب دوراً أصغر بكثير مما كان عليه شغله، فهو – مما يبدو من أدائه- لم يفهم حتى اليوم ما هي رسالته أو هدفه، بل حتى إنه لم يحدد جمهوره، ورغم وجود العشرات بل المئات من المنصات الإعلامية السورية، إلا أن التشابه حد التطابق هو سمتها الأساسية، فيما لا تستطيع إلا أن تلحظ التأثر الكبير بوسائل إعلام عربية كبرى، مع الغياب التام للمادة الصحفية التحليلة العميقة، لصالح الخبر العاجل السريع، ورغم أن الصحفيين هم سوريون عاشوا بعضاً مما عرفته البلاد، إلا أنهم ودائماً يجدون أنفسهم غير قادرين على تغطية الحدث من الزاوية المناسبة».

 

لاوعي الجماعة رافضاً للمؤسسة!

من الجدير بالإشارة إليه أن البذرة الأولى التي تشكل منها الإعلام السوري البديل هي المواطن الصحفي، حيث وجد الأخير نفسه وكاميرا الموبايل فقط في أغلب الأحيان وجهاً لوجه مع الحدث، بعد أن منع النظام السوري أي وسيلة إعلامية من تغطيته.

بالتالي بات هذا الصحفي «البديل» وسيلة إخراج الصورة للعالم الخارجي، وللسوريين المغيبين أيضاً، ليتحول الجمهور بذلك من مستهلك ومتلقٍ للمعلومة أو الخبر، إلى منتج ومستهلك للمحتوى الذي هو مادته في ذات الوقت. هذه هي التراتبية الجديدة التي على أي مادة إعلامية العبور بها لكسب ثقة الجمهور.

مع مرور الزمن وتراكم الخبرة تطور المواطن الصحفي، وشكّلَ مع آخرين مؤسساتهم الخاصة التي ما لبثت أن فقدت مصداقيتها بالنسبة للجمهور كما رأينا سابقاً، ليتوجه هذا الجمهور مرة أخرى للبحث عن بدائل بين الناشطين والصحفيين المستقلين، وكأن رفض المؤسسة أصبح جزءً من اللاوعي الجمعي للسوريين الثائرين على مؤسسات النظام أصلاً.

الدكتور خلدون النبواني، باحث وكاتب في الفلسفة، علّق على هذا الافتراض:

«ربما، وقد يكون هذا مبرَّرَاً في الحالة الثورية العفوية الأولى الجذلة بالهدم، لكنها تصبح مشكلة وفوضى إن استمرت على حالة الرفض لكل ما هو مؤسساتي ومنظِّمٌ لعلاقات البشر فيما بينهم، وضابطٌ لحياة الدول والمجتمعات. وهنا يجب الحذر من عدم الخلط بين مؤسسات القمع الدكتاتورية الأمنية كما هو حال مؤسسات الدولة الأسدية على سبيل المثال، وبين المؤسسات بوصفها ضرورة أو شراً لا بد منه لاستقرار المجتمعات والدول».

موضحاً أن أي ثورة تحاول تفكيك مؤسسات نظامٍ ما، عليها أن تحذر من «إعادة بناء المؤسسات التي قمعتها نفسها كما هو حال الثورة المصرية اليوم. بهذا لا تنجح الثورات وإنما يعاد استنساخ الأنظمة القمعية العسكرية السابقة».

وختم النبواني مستهدفاً لبَّ السؤال:

«أُسمّي مؤسسات النظام الإعلامية بمؤسسات المركز، ومؤسسات الإعلام البديل بمؤسسات الهامش. قد يتمركز الهامش وهنا يفقد مصداقيته ولعل هذا ما يفسّر (إن كانت نتائج بحثك صائبة) سبب عزوف الناس عن الإعلام البديل حول سوريا بوصفه مؤسسة أو مؤسسات.  الإعلام البديل يحتاج لكي يكون مؤسسة إلى تمويل ودعم مادي وسياسي، وهنا تكثر أيادي مؤسسات الأنظمة الأخرى المعادية لماكينة إعلام النظام. هنا يُشَكَّكُ بمؤسسة تمولها دولة خارجية لها أجندتها ومشروعها فتواجه كذب النظام بكذب من نوع آخر، وهذا يفقدها كل مصداقيتها. هنا لا يعود الإعلام بديلاً عن إعلام الكذب، وإنما إعلاماً كاذباً أيضاً لأنه يصنع حقيقة من يدعمه، وهكذا يتمركز الهامش ويتلاقى النقيضان. عندها لا يظل سوى بعض الأصوات الحرة الفردية التي يمكن أن تقدم رأيها الخاص الأقرب إلى الموضوعية من المؤسسات التي تتبع هذه الأجندة السياسية أو تلك. يظل أن أقول إن هذه الفردانيات الإعلامية تظل محاولات ضائعة ومضيَّعَة إن لم يتم تحويلها إلى مؤسسة حرة مستقلة هدفها الموضوعية، لا الأجندات والبروباغاندات والمشاريع السياسية والمصالح والمال».

 

البثّ بأربع لغات!

بدى واضحاً أثناء إعداد التحقيق أن وسائل الإعلام المحلية والمناطقية بالمعنى الجغرافي للكلمة، والتي تستهدف فئة واحدة دوناً عمّن سواها، هي الأشد تأثيراً بالسوريين. أذكر نموذجاً مثالياً على ذلك هو راديو Arta FM، الذي يتوجه ببثه من مقره في مدينة عامودا لمنطقة الجزيرة السورية وبأربع لغات (العربية – الكردية – السريانية – الأرمنية) وهي لغات سكان الجزيرة.

تأسس راديو آرتا عام 2013، وفي عام 2015 أجرت مجموعة نافانتي الأمريكية استطلاعاً لمستمعي الراديو في حلب وإدلب والحسكة، حصلت على أساسه آرتا على نسبة 69.4 % من مستمعي الراديو في الجزيرة، لتعود إلى الواجهة مجدداً مع ظهور نتائج دراسة «قبض الزبد» كأكثر راديو سوري معارض يتابعه الجمهور.

المدير التنفيذي للراديو، محمد رمضان، أوضح طبيعة مستمعي آرتا في الجزيرة بقوله:

«عدد مستمعي الراديو من النساء في الجزيرة، وفي سوريا بشكل عام، أكبر من عدد الرجال بشكل ملحوظ، ولذلك أسباب سياسية واجتماعية متعددة، أهمها أن العديد من الشباب والرجال متوسطي العمر قُتلوا في الحرب أو سُجنوا أو انضموا إلى الفصائل المسلحة أو هاجروا خارج البلد. وقد أثر هذا الواقع على النساء بشكل خاص، إذ أن انعدام فرص التعليم والعمل أجبر كثيراً من النساء على البقاء في المنزل أو العودة إلى طرق حياة بدائية، وغالباً ما يكون الراديو مصدرهن الوحيد للحصول على الأخبار والمعلومات والترفيه».

أما عن نسبة 36 % الذين لا يتابعون آرتا في منطقة الجزيرة فيقول رمضان:

«البقية غالباً هم من مستمعي الإذاعات الأخرى، الأصغر والأقل شعبية، المتواجدة في المنطقة، مثل إذاعة هيفي وولات وغيرها، بالإضافة لمستمعي وسائل إعلام الأحزاب والقوى السياسية الموجودة في المنطقة، مثل إذاعة روداو وغيرها».

وأما ما تعتقد آرتا أنها تقدمه كإعلام بديل متمايز عن إعلام النظام فهو بحسب رمضان، التعددية والاستقلالية:

«بالطبع تدين الإذاعة بوجودها للثورة السورية والسياقات السياسية والاجتماعية التي سمحت بظهور إذاعات ومشاريع إعلامية أخرى مستقلة، لكنها ليست إذاعة «ثورية» بالمعنى الضيق للكلمة».

من خلال الرسائل البريدية بيني وبين الراديو بدى واضحاً أن القائمين عليه يُدركون أهمية تواجدهم بين جمهورهم، فحتى أوقات الذروة في متابعة بثها كانت من نصيب النساء والأطفال، فضلاً عن محتواها المتوافق مع رسالتها في تعزيز السلم الأهلي إذ تعمل –على سبيل المثال- بالمشاركة مع جريدة عنب بلدي على ملف تعريفي بالموسيقى العربية الكردية في منطقة الجزيرة.

 

فريش، الإعلام الثوري

في الشمال السوري كان هناك تجربة محلية أيضاً، راديو فريش في كفرنبل الذي يغطي بثه ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، والذي أعطته دراسة المنظمات الأوروبية نسبة استماع وصلت إلى 7 %، في حين لم يشكل الراديو مصدراً للأخبار في إدلب بالنسبة للأشخاص الذين تواصلت معهم، وحلّ محله الناشطون من المحافظة.

اعتقدتُ شخصياً أن صفة «ثوري» التي يتبعها فريش بنفسه والتي تشكل فرقاً واضحاً بينه وبين آرتا أفقدته جزءً من تواصله مع الجمهور، لذا توجهت بهذا السؤال للكاتب والصحفي علي سفر الذي كان له رأي مختلف في هذا الصدد إذ يقول:

«لا أدري ما هي أداة القياس التي تتبعها حين تضع هذه الإذاعة أو تلك في مصاف النجاح، جذبُ الجمهور مسألة نسبية، راديو آرتا يتوجه إلى جمهوره الكردي والعربي من خلال المحلية، بمعنى أنه راديو مناطقي مع عدم نسيان التوجه الوطني الذي يحكم خطابه بشكل عام، وتظهر الأرقام التي افصحت عنها عدة استبيانات أن راديو فريش من أنجح المؤسسات الإعلامية في الداخل، ولاسيما من جهة عدد مستمعيه، وعليه فإن فرضيتك تبدو غير دقيقة».

وتابع سفر مفصلاً حول سؤال الثورية:

«هناك عدد كبير من الإذاعات التي أنطلقت تحت عنوان الإعلام البديل، وهي ذات توجه ثوري، بمعنى أنها تدعم الثورة السورية، ولكن هل تسمح المهنية لهذه الإذاعات أن تكون «ثورجية» وفقط؟! أم أن عليها أن تبني حضورها من خلال مهنيتها؟ أعتقد أن عتبة المهنية هي بوابة النجاح، ودونها لا يمكن التعاطي مع أي مؤسسة إعلامية».

بناءً على هذا الكلام وسعتُ دائرة بحثي داخل إدلب، ليتبين أن فريش شأنها شأن باقي وسائل الإعلام السوري البديل في علاقتها مع الجمهور، ولا يُتداول اسمها كمصدرٍ خبري أو منصة إعلامية مؤثرة مثلما يتداول السوريون هناك أسماءَ وسائل إعلام عربية وأجنبية تعنى بتغطية الأحداث في مناطقهم.

أضاف صحفي من كفرنبل إلى هذا الكلام أن الإذاعة كانت تحظى بجمهور كبير مع انطلاقتها، إذ شكل وجود إذاعة في القرية حدثاً جللاً، زِد إلى ذلك أن الأصوات التي بات يسمعها السكان هناك هي أصوات معروفة بالنسبة لهم، لكن ما لبثت الإذاعة أن بدأت بخسارة جمهورها مع مرور الوقت بسبب الملل، وتكرار المحتوى، وفق ما أكد الصحفي.

لاحقاً سيتبين المجال التي نجحت فيه فريش، وتمكنت عبره من تشكيل جمهور خاص بها، لم تستطع أي من وسائل الإعلام البديل مجاراتها فيه وفق تعبير اختصاصيين.

 

المحتوى الكلاسيكي النمطي

توضح العينة وجود طابع منفر لدى الإعلام البديل بحيث لا يمكن متابعة محتواه، فضلاً عن عدة تعليقات من عاملين داخل القطاع أوضحوا لي تذمرهم من الحفاظ على عقلية النظام في إدارة هذه المؤسسات، ما أدى إلى إعادة إنتاجه –أي خطاب النظام- مرة أخرى لكن بأسماء مختلفة، ما يشير إلى سيطرة كلاسيكية نمطية على محتوى الإعلام السوري البديل.

وفي ظل غياب تجربة إعلامية حقيقية تعمل على تطوير «ذائقة» الجمهور، يبقى مستغرباً الكيفية التي تطور بها الجمهور، في حين بقي الإعلام البديل جامداً، وهو الذي تقع على عاتقه مهمة تطوير المجتمع وبلورة الرأي العام!

وعليه توجهتُ مرةً أخرى إلى علي سفر بهذا السؤال، لاسيما وأنه يملك خبرة نحو 20 عاماً في وسائل إعلام النظام قبل أن ينشق عنه مع بداية الثورة، ويتولى مهام إدارية واستشارية ورقابية في وسائل الإعلام البديل. يقول سفر:

«لا أعتقد أنه هناك سيطرة للكلاسيكية على مجمل إنتاج المحتوى، لا بل إننا نطالب بأن يكون هذا المحتوى مهني وبشكل كلاسيكي، بمعنى أن يتميز بكونه مصنوعاً بأعلى درجات الدقة والحصافة، ولكن الوقوع في النمطية هو مأزق عام لا يحكم الإعلام البديل فقط بل يحكم كل الإعلام في لحظات ما، وهذا سببه عدم تمتع العاملين فيه بالقدرة على خلق أشكال تعبيرية جديدة، والجمهور عموماً يفضل أن يسمع الأخبار المهنية المصنوعة بطريقة كلاسيكية على أن يسمع الأكاذيب المصنوعة وفق أعلى درجات الحداثة في أساليب صناعة الأخبار..، ودليل هذا أن الجمهور مازال مواظباً على متابعة قنوات راسخة كالجزيرة و العربية والـBBC وغيرها، وأنا أظن أنه من المبكر الحديث عن تطورٍ للجمهور، بل يمكن عوضاً عن هذا الحديث عن تغير النمط السلوكي للمتلقي، وهذا نلحظه بشكل مناطقي، ومن خلال التباينات في طرائق الحياة بين مناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة النظام، وكذلك أسلوب العيش في المنافي. وبالعودة إلى وضع الإعلام البديل، فإن علينا ألا ننسى ونحن نقيّم وضعه عموماً أنه كان وما زال محكوماً بشروط غير سويّة، فالتمويل يتحكم فيه كما تتحكم فيه عملية استنزاف الكوادر التي عانى منها وما زال طيلة السنوات السابقة، حيث صار الرحيل إلى المنافي البعيدة الأكثر استقراراً هو هاجس غالبية الكوادر السورية».

في المقابل سألت أكثر من عشر صحفيين شبان من أولئك العاملين داخل سوريا وخارجها عن رأيهم في تقييم محتوى الإعلام البديل، وأجمعوا بدورهم على وجود زوايا مبتكرة هنا وهناك وشكل عام برّاق يوحي بالتفاؤل، لكن المتابع لأي وسيلة سرعان ما يشعر بالخذلان والملل أمام محتوى يعيد استنساخ نفسه مئات المرات، ولا يعالج القضايا بالعمق المطلوب في مجمله، فضلاً عن تصدير الخطاب الأحادي الجانب شأنه شأن إعلام النظام، وفق ما عبّر الصحفيون، وهو ما يتوافق مع نتائج الوكالة الفرنسية للإعلام في تقرير صدر عنها عام 2015، يوضح أن الإعلام السوري البديل أعاد إنتاج نمط الإعلام الحكومي من وجهة نظر مضادة.

 

الشباب «البديل»

توجهتُ نحو الإعلام المطبوع، كانت صحيفة صدى الشام التي تأسست في العام 2013 الأكثر إثارة للتساؤل، فالجريدة بحسب موقعها الرسمي تعطي لنفسها جمهوراً فضفاضاً يشمل جميع السوريين، رغم ذلك تركز أكثر على أولئك المتواجدين في مناطق المعارضة، ثم تخصص أكثر بكونها تستهدف فئة الشباب بين 16 إلى 30 عاماً.

في نظرة سريعة إلى مقالات الرأي في الجريدة يلاحظ القارئ رأساً سيطرة نحو أربعة أسماء على مجمل المحتوى، تتراوح أعمار الكتاب بين 46 إلى 71 عاماً وفق ما أفضى بحثي عنهم عبر الإنترنت، ما دفعني إلى توجيه السؤال لرئيس تحريرها عبسي سميسم: أين دور الشباب من هذا العمل؟!

سميسم أوضح أن فريق صدى الشام الذي يغطي الموقع اليومي والصحيفة الورقية يتألف من 30 موظفاً، متوسط أعمارهم 27 عاماً، وأن فريق التحرير لا تتجاوز أعمار صحفييه 29 عاماً: «لدينا فقط كتاب زوايا الرأي أعمارهم كبيرة، كون مادة الرأي تحتاج خبرة طويلة من العمل الصحفي، ولا أعتقدُ أنه من الضرورة أن يكتب شاب بعمر العشرين عاماً مادة رأي حتى تكون الجريدة موجهة الى جيل الشباب، كما أن من يكتب لعمر الـ 16 ليس بالضرورة أن يكون بالعمر نفسه، العمل الصحفي يحتاج الى خطة تناسب توجه الصحيفة والجمهور الذي تستهدفه».

كرم منصور، وهو صحفي شاب يغطي مناطق دمشق وريفها لصالح عدد من مؤسسات الإعلام السوري البديل. توجهتُ إليه بالسؤال حول ما إذا كان الشباب السوريون، حسب علاقاته في المنطقة، متابعين لإعلام المعارضة المعني بالشباب؟!

يجيب منصور:

«رغم أهمية الإعلام البديل وتأثيره على الشارع العربي، حيث كان أول من ساهم بنقل رياح التغيير العربي إلى دول المنطقة، من خلال الفيديوهات التي كان يتناقلها الناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنه بقي عاجزاً على أن يصبح ذا مصداقية عند الجمهور، حيث أن جميع الناس يلجؤون إلى وسائل إعلام أكثر عراقة من هذه المؤسسات الجديدة للتأكد من صحة الخبر. مع مضي الوقت لم يستطع الإعلام البديل السوري إضفاء الشيء المطلوب منه، ورغم أن انطلاقة تجربة الإعلام البديل كانت من رحم الشباب وكانوا المحرك الأكبر لها، إلا أنه فشل في تطوير هذه التجربة، بل أنه لم يتمكن من الاستمرار بمحاكاة الشباب أنفسهم إلا من خلال الطرق التقليدية، عن طريق البرامج الصباحية أو عن طريق الأغاني في أحسن الأحوال. لم نسمع ببرامج ولا مواد تدعم إمكانيات الشباب، تحفز الشباب، تدعم أي مبادرة من المبادرات، رغم أهمية الدور الذي يلعبه الشباب في سوريا على مختلف أطيافهم ومشاربهم السياسية، وسواء كان هذا الدور سلبياً أو إيجابياً.

أنا كصحفي من دمشق وعلى اطلاع مباشر على الإعلام البديل السوري، أجد أنه لم يستطع تحديد فئة الجمهور المستهدفة بشكل دقيق، بل عمل على نقل تجربة إعلام النظام بحيث لم يقدّم جديداً للمتلقي».

 

القبضات والواتساب في مهمة الإخبار العاجل

بحسب عدة أشخص خرجوا مؤخراً من إدلب شمال سوريا والغوطة الشرقية جنوب البلاد، فإن جلّ اهتمام الناس منصبٌ على معرفة الخبر/الحدث في محيطهم، من غارات وعمليات عسكرية وغيرها، ولا تلعب وسائل الإعلام أياً كانت دوراً يُذكر في هذه المهمة. ففي أريحا مثلاً يتلقى السكان أخبارهم من غرفة عمليات جيش الفتح على واتساب، وفي سراقب يتلقى الناس الأخبار من غرفة عمليات جبهة ثوار سراقب على واتساب أيضاً.

يُضاف إلى ذلك أن السكان في مناطق المعارضة يستخدمون بكثرة «القبضات» أو اللاسلكي، المتصل مباشرةً مع المراصد لمعرفة حركة الطيران وأماكن تنفيذ الغارات وتطور المعارك، وتتوافر هذه القبضات للجميع وبسعر 17 دولاراً من محلات الموبايلات.

وأمام هذا الواقع يؤدي الواتساب والقبضات مهمة الإخبار العاجل، فلماذا تصرّ الصحف والمجلات البديلة على الخوض في هذه المهمة لجمهور تضعه على رأس قائمة أهدافها، في حين يملك هذا الجمهور الوسائل الأكثر عملية للوصول إلى غايته؟!

سميسم أجاب على هذا السؤال بقوله:

«صحيفة صدى الشام لا يوجد في أي عدد من أعدادها خبرٌ واحد، فكل مواد الصحيفة الورقية هي تحليلات وتحقيقات وتقارير موسعة ولا أدري صراحة من أين أتيتم بهذه المعلومة. الأخبار نحن ننشرها على الموقع الالكتروني بشكل آني، وعلى صفحات الجريدة على وسائل التواصل الاجتماعي، نحن على العكس ننتقد وسائل الإعلام الأخرى على نشرها أخباراً على صحف ورقية».

يُذكر أن العدد الورقي الأخير من صحيفة صدى الشام المتوفر على موقعها الالكتروني بتاريخ 22 تموز/يوليو 2014، يحمل ثلاثة عناوين رئيسية تحت اسم الصحيفة «سياسية – إخبارية – منوعة»، لكن يُحسب للصحيفة أنها تورد في أخبارها أو تقاريرها «الإخبارية» تصريحات خاصة بها لمسؤولين في موقع القيادة. لاحقاً سيتبين لنا موقف الناس من هذه القيادات حين يسمعونهم على الإعلام، في مثالٍ من الغوطة الشرقية.

من جانب آخر أشار سميسم إلى أن صدى الشام استهدفت ضمَّ الجمهور البسيط إلى قرّاء الصحف، عبر توفير مادة إعلامية تناسبه من حيث المواضيع واللغة البعيدة عن التعقيدات والمصطلحات غير المفهومة، موضحاً أنه بعد ثلاث سنوات على انطلاق الجريدة باتت اليوم الأكثر موثوقية بين الصحف، بحسب استبيان أجراه مركزٌ للدراسات على جمهور صحف الشبكة السورية للإعلام المطبوع، على حدّ قوله.

 

الرقابة العسكرية

أفادني أحد الصحفيين في الشبكة السورية للإعلام المطبوع، والتي تتألف من  مجموعة صحف هي (تمدن – زيتون – سوريتنا – صدى الشام – عنب بلدي – عين المدينة – كلنا سوريون)، أن الفصائل العسكرية، لا سيما في الشمال السوري، تمنع توزيع المطبوعات من صحف المعارضة في عموم إدلب، وينحصر التوزيع في معرة النعمان وكفرنبل فقط، حيث تتولى لجان مختصة من الفصائل المسلحة على معبر باب الهوى مهمة تفتيش المطبوعات، ويُمنع دخول أي صحيفة تحمل صورة امرأة «سافرة»، أو تحوي بين صفحاتها على انتقاد يطال الفصائل، وبعد كل هذه الإجراءات يسمح بدخول أقل من ربع إنتاج الشبكة إلى الشمال.

صورة تظهر قيام عناصر شعبة المعلومات وأحرار الشام بإحراق مجلات (سوريتنا، عنب بلدي، صدى الشام، تمدن) لتضامنها مع صحيفة شارلي إيبدو

صورة تظهر قيام عناصر شعبة المعلومات وأحرار الشام بإحراق مجلات (سوريتنا، عنب بلدي، صدى الشام، تمدن) لتضامنها مع صحيفة شارلي إيبدو/حلب اليوم

هذا يعني أن الجمهور المستهدف من الجهد الإعلامي لهذه الوسائل غير قادر على قراءتها، فلأي سبب يستمرون بالكتابة والإنتاج على المنوال ذاته؟!

مصدران من داخل الشبكة، هما عبسي سميسم وجواد أبو المنى رئيس تحرير سوريتنا، أكدا عدم صحة المعلومات الواردة إليّ، فلصدى الشام وحدها أكثر من 700 نقطة توزيع كما أوضح سميسم، ولسوريتنا 250 نقطة، وكلا الوسيلتان تعرضتا لمضايقات من فصائل عسكرية تسيطر على معبر باب الهوى، ومنعتا من التوزيع لفترات معينة، إضافة إلى رفض الشبكة عموماً وجريدة سوريتنا خصوصاً للرقابة العسكرية على المحتوى الإعلامي مقابل السماح لهم بالتوزيع كما أخبرني أبو المنى. لكنهما قالا إن الأمور الآن على خير ما يرام، ولا مضايقات تُذكر بعد أن تغير الشخص المسؤول عن الرقابة في المعبر وفق ما أكد سميسم وأبو المنى.

وعليه تم تعطيل سؤالي السابق، لكن ليس بشكل مؤكد وإيجابي، إذ أكدت لي عدة مصادر في إدلب والغوطة الشرقية وغازي عنتاب التركية المكان الذي يتركز فيه التواجد السوري، عدم توافر هذه المطبوعات بين أيدي الناس، وإذا توافرت فهي ليست للقراءة بل لاستخدامات شبيهة بصحف النظام، فإذا صحّت الأرقام السابقة أمام هذا الواقع يتوجب علينا الاعتراف بأن الصعوبات التقنية والأمنية التي تعيق عمل هذه الوسائل لم تعد ذات ثقل يذكر أمام مشكلة كبيرة تضع كامل ثقلها في المحتوى الإعلامي لهذه الصحف، المحتوى الذي لا يُقرأ وإن توافر.

جدير بالذكر أنه إلى جانب منع صحف المعارضة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، جرت عدة اعتداءات على إذاعات داخل هذه المناطق، حيث اقتحمت جبهة النصرة مقر راديو فريش في كفرنبل 10 يناير/كانون الثاني 2016 وصادرت المعدات والمبنى واعتقلت مدير الراديو رائد الفارس والصحفي هادي العبد الله، وهي لم تكن المرة الأولى التي يتم فيها الاعتداء على راديو فريش من قبل النصرة.

مقر راديو فريش والمكتب الإعلامي في كفرنبل بعد اقتحامه من قبل عناصر النصرة في كانون الثاني 2016

مقر راديو فريش والمكتب الإعلامي في كفرنبل بعد اقتحامه من قبل عناصر النصرة في كانون الثاني 2016

 بعدها بيوم واحد اقتحم ملثمون مكتب راديو ألوان إف إم في حلب واعتدوا بالضرب على كوادره، وخربوا معداته ما أدى لانقطاع بثه في حلب، وفق ما أوضح بيان الراديو، فضلاً عن الإساءة لعلم الثورة في كلا الحادثتين.

 ولم نكد ننسى حادثتي الاعتداء هاتين، حتى تم إحراق راديو آرتا إف إم في مدينة عامودا من قِبَل ملثمين تابعين للإدارة الذاتية في 26 نيسان/أبريل 2016، وفق تصريح مديرها سيروان بيركو.

 

من يخاطبُ الإعلامُ البديل؟

تظهر أرقام «قبض الزبد» أنه يوجد بين 1000 إلى 1521 ساعة متقطعة لبث الراديو، من مجمل 1800 ساعة بث مفترضة للإذاعات السورية، ما يدفع أي شخص للتساؤل: من أجل من تعمل هذه الإذاعات؟!

«قبض الزبد» لم ترصد أي بث على ترددات هوا سمارت في محافظات حمص وحماة وإدلب واللاذقية ودير الزور، وعليه حاولتُ التواصل مع إدارة هوا سمارت للحصول على إجابة السؤال المبني على هذه النتائج، لكنني لم أنجح. تواصلتُ مع أحد صحفيي فريق التحرير في هوا سمارت، والذي فضل عدم ذكر اسمه، وأكد لي بدوره أن إدارة الإذاعة لا علم لها بانقطاع البث عن المحافظات السابقة الذكر بسبب انقطاع اتصالهم مع الجمهور أصلاً، مشيراً إلى أنهم لا يأخذون أي إجراء إلا في حال تعرض البرج للإذى، حيث سيصبح انقطاع البث واضحاً للجميع ويسبب فضيحة، بحسب تعبيره.

ثم أوضح الصحفي أنهم واجهوا الإدارة عدة مرات بسوء التغطية على الإنترنت، فكان رد الإدارة بأنها تستهدف جمهورها عبر الـ FM داخل سوريا، وعليه عاد بعض أعضاء الفريق لطرح مشكلة أن بث الـ FM الخاص بهم لا يصل إلى أعلى نقطة في إدلب وهي جبل الزاوية، وفق ما أكد مراسلهم هناك أكثر من مرة، لكن الإدارة قالت إن جمهورهم المستهدف هم المسافرون من معبر باب السلامة حتى ريف حماة!

المحتوى المرن لإذاعة هوا سمارت استطاع أن يناسب أمام كل مشكلة تواجه إدارته ثلاثة أنواع من الجماهير المستهدفة، ودون أي تعديل عليه!

أكد الصحفي أن إدارة هوا سمارت نفسها لا تستمع للبث، وأنهم إذا كرروا نشرة الأخبار نفسها في يومين متتالين فإن أحداً لن ينتبه لما يحصل، والتعليق ذاته وصلني أيضاً من أكثر من إذاعة. الصحفي قال إن إدارة الإذاعة غير عاجزة عن سد الثغرات التقنية، وأن إنتاجها الإعلامي موجه للداعم فقط، الذي يتمتعون بعلاقة مباشرة معه، ولا يعود توليهم للإدارة لأسباب تتعلق بالخبرة أو الاختصاص.

صفحة الفيسبوك الخاصة بهوا سمارت، وهي نافذتها الوحيدة على الإنترنت، تحوي 67 ألف متابع، بين 3 آلاف إلى 5 آلاف منهم فقط حقيقيون، أما الباقون فهم اشتراك مع شركات مختصة بتوفير حسابات وهمية، وفق ما قال الصحفي.

ختم الصحفي كلامه بشعور بالإحباط، إذ إن أي اقتراح أو فكرة مبتكرة من الفريق تواجه باستعلاء وبوضع العصي في الدواليب من قبل الإدارة وفق تعبيره.

يُذكر أنني لجأت إلى هذا الصحفي بسبب عدم تمكني من التواصل مع الإدارة، علماً أن أحد ميزات الإعلام البديل هي علاقته مع الجمهور والاعتماد عليه في إنتاج المحتوى.

 

جمهور الجنوب الأصم

إلى الجنوب توجهتُ هذه المرة، واتصلتُ بعضو أمانة سابق في التجمع الوطني لقوى الثورة في الغوطة الشرقية، والذي رفض الكشف عن اسمه للإعلام لأسباب تتعلق بسلامته الشخصية. استفسرتُ منه عن متابعة الجمهور هناك لوسائل الإعلام، لتعود ذات النتائج للظهور من حيث متابعة الفضائيات العربية، يُضاف إليها متابعة القنوات الدينية لكن بنسبة قليلة جداً.

يوضح المصدر أن الكهرباء تتوافر يومياً من 2 إلى 3 ساعات فقط وعبر الاشتراك بالمولدات، ما يجعل متابعة أي وسيلة إعلامية شبه مستحيل، لكن حتى ولو كانت الظروف أفضل فإن الناس منهكة، ولا قدرة لها على احتمال أي «تنظير»، لا سيما بعد أن لمسوا التباين الكبير بين الخطاب الإعلامي للفصائل وواقعها على الأرض، خاصةً في فترة الحصار المطبق، وهو ما يفسر إعراض السوريين في تلك المنطقة عن متابعة «نداء الإسلام» التابع لجيش الإسلام، علماً بأن دراسة «قبض الزبد» قد أشارت إلى التفوق التقني للإذاعات المدعومة من ميليشيات سواء معارضة للنظام أم تابعة له عن نظيراتها الأخرى، لكن الواقع أثبت وجود بثٍ واضحٍ لجمهورٍ أدار أذنه الصماء للإعلام السوري.

يوضح المصدر السابق أيضاً جانباً من رؤيته لعلاقة الإعلام البديل بالثورة والسوريين فيقول:

«غالباً يشارك في الثورات نحو 20% من عموم السكان فقط، وذلك في المناطق الضاغطة سياسياً على النظام، ولا تتجاوز البلدان هذا الحد لتسمى ثورة عارمة إلا في مواجهة غزو خارجي. من جهته إعلام المعارضة هوّل بخطابه لجمهور الثورة ونسي الرماديين، واستمر بخلع مسميات الثورة على كافة أشكال التسليح ما ترك انطباعاً سيئاً لدى الناس عنه».

 

«تزوير» الجمهور

تُشير دراسة «قبض الزبد» إلى أن 17 موقع من أصل 405 موقع سوري على الانترنت، تدخل في منافسة مع عشرات آلاف المواقع العالمية المفهرسة على google news عند البحث عن إحدى الكلمات المفتاحية المرتبطة بالثورة السورية، يعود ذلك إلى كون محرك google يستثني المواقع التي تعتمد على الترويج المدفوع.

من جهة أخرى، وأثناء إعداد التحقيق كشف لي أحد الصحفيين وسيلة يتبعها أشخاص في الإعلام البديل لزيادة عدد القراءات دون أن يكشفهم محرك غوغل، وهي «مطابخ» أو «غروبات» على فيسبوك توضع فيها المواد الصحفية ليسجل أعضاؤها زيارات إلى المادة المقصودة، ما يجعل إمكانية سبر توجهات الجمهور السوري عبر إحصاءات شبيهة أمراً غير دقيق، إذ تبذل مئات المواقع السورية المعارضة منها والموالية جهداً كبيراً لـ «تزوير» جمهورها عوضاً عن «تشكيله».

 

التجارب الشابة

تجربتان شابتان هما راديو «سوريالي»، ومجلة «أبواب»، كانتا ضمن استثناءات غالبية الأشخاص المسبورة آرائهم، حيث تغلب الجرأة في الطرح على «سوريالي» من شعارها الذي يواجهك مباشرةً لحظة دخولك إلى موقعها الالكتروني «ع فكرة هادا مو راديو!»، فضلاً عن كون دراسة «قبض الزبد» قد وثقت 500 ألف مستمع لمجمل استماعاتها على ساوندكلاود.

في حين تكسب «أبواب» شعبيتها من كونها تستهدف جمهوراً تستطيع الوصول إليه أولاً، وهو السوريون في المهجر وخاصة ألمانيا، وثانياً كون القائمين عليها في أغلبيتهم شباب مغتربون أيضاً، ما سمح لهم بملامسة جمهورهم بشكل أكثر فاعلية. على هذه الوسيلة تحديداً، وصلتني أولى التعليقات التي ألغت الفوارق بين الجمهور المتلقي وبين القائمين على إنتاج محتواها، وهو صلب ما يهدف إليه الإعلام البديل؛ التعبير عن الهوامش.

يُلاحظ أن معظم إدارة ومنتجي المحتوى في هاتين الوسيلتين هم من الشباب، أي لا تمثيل لهذه الفئة بالوكالة، بل تقوم هي بتمثيل نفسها وصياغة وبلورة أفكارها التي تخاطب من خلالها أقرانها من غير الإعلاميين.

 

الجمهور المفقود!

خلال إعداد التحقيق كان من الصعب اكتشاف جمهور الإعلام البديل ككتلة تتشارك الدوافع ذاتها، مثلما يمكننا أن نتحدث مثلاً عن القنوات الدينية أو الموالية للنظام، وفي محاولة لمعرفة هذا الجمهور توجهت إلى مُعد دراسة «قبض الزبد»، المتخصص في أنظمة قياس الجمهور، عمرو الحمد، الذي قال:

«الفئة الجدية الوحيدة هي سكان المناطق المحلية الذين تغطي مناطقهم إذاعات عادةً ما تكون تبث من هناك ومحدودة النطاق، مثل إذاعة فرش في كفرنبل، ويعتمد عليها بعض السكان في خدمات محددة مثل مراقبة انطلاق طيران النظام من قواعده والإخبار على الترددات بعد معرفة اتجاهها لمساعدة السكان على النزوح المبكر. جرى هذا عادة بالتنسيق مع كتائب الجيش الحر المحلية. ما سوى ذلك، شللٌ صغيرةٌ جداً مما يمكن تسميته بيروقراطية المنظمات غير الحكومية العاملة في فضاء الثورية السورية، وهم أنفسهم تقريباً، الذين يشغّلون هذه الوسائل، بالتالي فإن اطلاعهم على إنتاج الإعلام البديل لا يعدو أن يكون اضطلاعهم بأعمالهم اليومية. إن إعلام الإنترنت هو شكل جديد من الإعلام، يستقطب فئات غير تقليدية، أو توقفت عن أن تكون كذلك منذ اللحظة التي بدأت فيها تطلب معرفتها من الإنترنت، بالتالي فإننا بحاجة إلى مفاهيم وأدوات جديدة لفهم وتحديد فئات عالم الإنتاج الثقافي الجديد، ومستويات اتصاله بالمنتِجين».

 

الهامش يتورم

من خلال تواصلي مع عينة من الناس، موزعين بين مناطق المعارضة والنظام ودول اللجوء مثل تركيا، وألمانيا، وفرنسا، والسويد، لأخذ آرائهم في الإعلام البديل، صادفتُ متابعاً واحداً لهذه الوسائل مع حزمة من المآخذ والانتقادات التي يسجلها عليهم، فيما دفع الباقون بأزمة الثقة بينهم وبين الإعلام السوري البديل إلى الواجهة في معرض حديثهم، مؤكدين أن إعلاماً جديداً لا يتخذ من الأراضي السورية مركزاً له لا يمكن الثقة بمحتواه بالنسبة لهم.

تُثبت الدراسات المعتمدة في هذا التحقيق أن وسائل إعلام المعارضة الوليدة قبل الثورة هي الأكثر متابعة بين وسائل الإعلام السوري، في حين تحظى وسائل الإعلام شبه الرسمية الموالية للنظام والوليدة بعد قيام الثورة بمستويات عليا من المتابعة، بينما تخرج وسائل الإعلام المعارضة البديلة من المنافسة باستثناءات قليلة جداً، ما يجعل الهوامش التي تدعي تمثيلها في مواجهة السلطات القائمة مكشوفةً للعراء.

يُخاطب الإعلام البديل جمهوراً مفترضاً، من حيث مشاكله واحتياجاته وطريقة نقاشها ومعالجتها، فالطرح المنقوص والمبتور تحاشياً لإشكالٍ مع فصيل مسلحٍ هنا أو هناك جعل من المحتوى مادةً غريبة على جمهورها المستهدف، إذ غالباً ما يُغيب النقاش حول قضية ما عن أساس الإشكال فيها.

منذ البدايات، خاطبَ الإعلام السوري البديل جمهوره المفترض فقط، ولم يبتكر وسيلة لمخاطبة أولئك العالقين على الضفة الأخرى من «الوعي» إذا صح التعبير، لم يخاطب مخاوفهم، واستمر على منواله حتى تورم الهامش، وتضخم، وها هو يظهر في الاستبيانات الرسمية يوماً بعد يوم، ويهدد المتن/المنبر المتكئ على «تهيؤاته».

أخيراً يتوجب التنويه إلى أن هذا العمل لا يمكن أن يكون إجابة نهائية عن سبب تردي العلاقة بين إعلام المعارضة والجمهور السوري، إنما يسعى إلى توضيح الاختلاف في وجهات النظر بين شريحة من الجمهور ترى نفسها مقصيةً عن الإعلام الناطق باسمها بحكم التشارك في مطالب التغيير ذاتها، وبين القائمين على إنتاج هذا المحتوى نفسه.