قتلى طرطوس

العلويون، «آخر» سوريا


 

المقدمة

توجَّبَ على الإسلام، ومنذ نشأته، التعاملُ مع «الآخَر»، حتى أنه «لم تمرّ حقبةٌ زمنيةٌ لم يكن المسلمون فيها على صلةٍ بالمسيحيين واليهود»((مثلاً: نظير علي، ص 59، 2006.)). كان «الآخَر» بالنسبة للإسلام، بالتالي، أثناء معظم تاريخه «آخَراً» خارجياً عنه، في الغالب؛ وكانت العلاقة معه عدائيةً في الغالب كذلك، وتتميّز بدرجاتٍ متفاوتةٍ من الشدة في الصراع.

فعندما بلغ توسّع الإسلام ذروته ليتراجع بعدها، ببطءٍ، أصبح «الآخَر» بالنسبة للإسلام في الغالب متمثلاً في الغرب المسيحي، وتمثل الحروب الصليبية نقطة الحضيض الأعنف في تاريخ هذه العلاقة. ومع قدوم القرن التاسع عشر، «فإن ارتفاع ونهوض أوروبا [سارعَ من] تقلّص الحضارة الإسلامية وقوّتها الإمبريالية»((منصور، ص 7، 2009.)). أخذ الاستعمار الغربي، تالياً، زمام المبادرة ليستمر في أذهان كثيرٍ من المسلمين ممثلاً لصورة «الآخَر» المعادي. وبقي كذلك، حتى قيام دولة إسرائيل في العام 1948، حينما باتت إسرائيل اليهودية تمثّل «الآخَر» الخصم في معظم السرديات المسلمة وتصوّرات المسلمين.

على أن أهمية العلاقة مع «الآخرَ» الخارجي، سواء كانت علاقة صراعٍ أو حوار، قد بدأت تنحسر تدريجياً. فمنذ نهاية العهدين العثماني والاستعماري الغربي، ثم في مرحلة ما بعد الاستعمار وعصر الاستقلال؛ باتت العلاقة مع «الآخَر» الداخلي الديني المسلم هي التي تحتلّ بصورةٍ متزايدة الأهمية القصوى، وأكثر من أي وقتٍ مضى. وسنستعير وصف كمال صليبي المجازي لـ لبنان على أنه «بيت واحد بقصورٍ متعدّدة»((صليبي، 1990.))؛ لنقول بأن الإسلام كذلك بيتٌ واحدٌ بقصور متعددة. فالإسلام ينطوي على تنوعٍ هائل، بل وخلافاتٍ هائلةٍ ومتعددة، في داخل إطاره. ويمثّل الشرخ الكبير الذي قسّم عالم الإسلام إلى مذهبين كبيرين، السنّة والشيعة، المثال الأهم على هذه الخلافات.

وقد أدى هذا الشرخ بدوره إلى مزيدٍ من الانشقاقات إلى مذاهب وطوائف، لعبت دوراً متزايد الأهمية اعتباراً من العصر العثماني. فقد قام العثمانيون بتنظيم الطوائف الدينية، جنباً إلى جنبٍ مع بقية المجموعات ما دون الوطنية الأخرى، كالقبائل والعشائر والانتماءات العرقية، بهدف «إنشاء فئاتٍ ضريبية ومؤسساتٍ قانونيةٍ، ومجتمعاتٍ تابعةٍ» تخضع لسلطان الدولة وسلطتها بالكامل((جوزيف، ص 4، 1978.)). ومن نافل القول إن هذه السياسة الإمبراطورية العثمانية، التي اتّسمت عموماً بانعدام المساواة وبالتمييز، وبقدرٍ لا بأس به من العسَف والعنف، قد تركت ميراثاً باقياً من المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن الولاءات الراسخة، والتصوّرات؛ تشكّل الطائفة العلوية في سوريا أحد أمثلة تطبيقاته ونتائجه وإشكالياته المستمرّة.

 

هدف البحث

سيقوم هذا البحث بإلقاء نظرةٍ على العلاقة بين الأغلبية السنية والطائفة العلوية بوصفها أقليةً دينيةً ضمن السياق السوري. وسيعرض بإيجازٍ تاريخ الطائفة العلوية في سوريا، ويسلّط الضوء بإيجازٍ شديد على نقاط الاختلاف الرئيسية بين معتقدات الطائفة والمعتقدات السائدة لدى عموم أهل السنّة؛ إضافةً إلى تاريخ العلاقات والتصوّرات المتبادلة بين كلٍ من السنّة والعلويين، وخاصة في سوريا المعاصرة؛ ثم، أخيراً، سينظر في أثر الثورة السورية الحالية بصورةٍ حاسمةٍ في وضعِ الطائفة العلوية موضعَ «الآخَر» في نظرة الأغلبية السنية في سوريا.

وسوف يجادل هذا البحث بأن هذه العلاقة ما بين أكثريةٍ وأقليةٍ طائفية، قد تطوّرت تاريخياً من علاقةٍ كانت كامنةً وغير نشطةٍ [من حيث مستويات العنف الشديد] في الغالب، إلى علاقةٍ عدائيةٍ بصورةٍ علنيةٍ، نشطة، وإقصائية، لتصبح ما ندعوه هنا «الأخروية» الداخلية [أي التحويل إلى «آخَر»، معادٍ، على الغالب].

وسنرى كيف حلّت هذه العلاقة باطّرادٍ متزايد محل العلاقة التقليدية مع «الآخَر» الخارجي، الغرب وإسرائيل، باعتباره خصماً في تصوّرات غالبيةٍ من السوريين السنّة في أعقاب ثورة 2011 والصراع الحاضر الذي نشأ عنها في سوريا. وهي علاقة باتت، ويبدو أنها ستستمر في المستقبل المنظور، تتميّز بمستوياتٍ متصاعدةٍ من التوتر والعنف الطائفيين.

 

العلويون، لمحة عامّة موجزة عن تاريخهم وما يُعرف عن عقيدتهم

يتألف الفسيفساء السوري، في جانبه الديني والمذهبي، من السنّة والمسيحيين وأقلياتٍ دينيةٍ إسلاميةٍ أخرى. ويذكر هالم أن «80 في المائة من السوريين هم من أهل السنّة […]  ويشكّل العلويون ما يقرب من 7 في المائة»((هالم، ص 174، 2007.)). وبينما علينا الإقرار بأن ثمة غياباً لأية أرقامٍ دقيقةٍ أو معتمدة، بسبب عدم توافر بيانات مسحٍ سكانيٍ دقيقةٍ تبيّن معلوماتٍ عن التنوّع الطائفي في سوريا، إلا أن هنالك تقديراتٍ أخرى للنسب التي سبق ذكرها. فبحسب تقديرات حنا بطاطو، إن 68.9٪ من عدد السكّان هم من السنّة بينما 11.4٪ منهم من العلويين((بطاطو، ص 14، 1999.))؛ وأهمية النسب التي يوردها بطاطو تكمن في أنها تميّز بين السنّة من العرب مقابل السنّة من الأكراد، وهي، بالتالي أكثر دقةً وقبولاً على نطاقٍ واسع. ويتركّز أكبر تجمّعٍ للعلويين بصورةٍ رئيسيةٍ في منطقة الجبال الساحلية والمنطقة الوسطى في سوريا؛ على أنه توجد كذلك تجمّعات أصغر عددياً موجودة في جنوب غرب تركيا، وفي شمال لبنان.

والعلويون، أو النصيريّون، هم بالأساس فئة دينيةٌ منشقّةٌ «عن التيار الشيعي الأوسع في نهاية القرن التاسع الميلادي […] وتمثّل عقيدتهم مرحلة متقدّمةً من التوفيقية الدينية [أي الخلط بين مصادر دينية متعددة ومذاهب فكرية، تفضي إلى إنتاج مذهبٍ دينيٍ جديد]»((فريدمان، ص 5، 2010.)). ويمكن إرجاع أصل عقيدة العلويين الباطنية إلى حركات الغلاة التي ازدهرت في العراق خلال تلك الفترة. وكما هو معتاد في كثير من الحالات في تاريخ الشرق الأوسط، يحمل الاسم دلالةً أعمق بكثيرٍ من مجرّد كونه اسماً وحسب. لذا، فإن الاسم الأصلي للطائفة، النصيرية، يشير إلى تبعيتهم إلى واحدٍ من أهم الدعاة الأوائل إلى هذه العقيدة، محمد بن نصير؛ وقد كانت تسميةً أعطيت لهم كلقبٍ من قبل خصومهم، بقصد الانتقاص منهم. وبقيت هذه التسمية تحمل قيمةً رمزيةً وسياسيةً وثقافيةً هامةً، حيث أنها «تؤكد اختلاف الطائفة عن الإسلام»((بايبس، ص 127، 2015.)). ولم يتم تعديل هذه التسمية إلا على أيدي الفرنسيين في العشرينيات من القرن الفائت، إبان حقبة الانتداب، حيث بدأ الفرنسيون يستخدمون لقب «العلويين» في الإشارة إليهم؛ وهي تسمية توحي بانتساب والتحاق الطائفة بعلي بن أبي طالب، وبالتالي «[تبرزُ] تشابه هذا الدين مع الإسلام الشيعي»((المرجع السابق نفسه.)).

هناك ندرة في المصادر الدقيقة والموثّقة بشكلٍ صحيح عن عقيدة الطائفة العلوية. فقد أدت الطبيعة الباطنية للطائفة، والناتجة عن خوفها من الاضطهاد الذي لحق بها، إلى اعتماد مبدأ التقيّة [إخفاء معتقدات وأفكار الطائفة] على نطاقٍ واسع. وتأتي تلك المعلومات القليلة المتوافرة والمعروفة عن معتقدات الطائفة بصورةٍ رئيسيةٍ مما كتبه المبشّرون الأوروبيون أو بعض من العلويين المرتدّين عن معتقدات طائفتهم [مثل سليمان الأضني، نسبةً إلى مدينة أضنة في جنوب تركيا]؛ وهي كتاباتٌ لا يمكن التحقّق من صحة معظمها بصورةٍ جازمة، كما أنها موضع جدالٍ وليست دقّتها أو حياديتها غير مطعونٍ فيها. على أن ما يمكن التوافقُ عليه، مع ذلك، هو أن العلويين يرون «علياً [بن أبي طالب] ليس بوصفه إنساناً فحسب، بل كهيئةٍ [بشريةٍ] تجسّدت عبرها الذات الإلهية»، ولذلك يسمّون أنفسهم بأنهم «شيعة علي»، مثَلهم في ذلك مثَل باقي الشيعة((فريدمان، ص 234، 2010.))؛ وذلك على الرغم من رفض معظم أئمة الشيعة التقليدية، مثل محمد باقر المجلسي [توفّي العام 1700]، على سبيل المثال، لهذا «الغلوّ» في تأليه الإمام علي. وقد وصل هذا الرفض بباقر مجلسي إلى حدّ وصفهم بأنهم «كفّار، خاطئون، ومشركون، وأن الأئمة قد أعلنوا براءهم [طردهم من الملّة]، وبأنهم جميعاً محكومون بأن يحترقوا في نار جهنم»((المرجع السابق نفسه، ص 176.)). وتشير بعض الأدلة الأخرى، من جهةٍ ثانيةٍ، كذلك إلى أن «بعض المعتقدات العلوية مشتقّة من الوثنية الفينيقية، الزرادشتية، والمانوية»((بايبس، ص 117، 2015.)). ويبقى ما هو مؤكدٌ، على أي حال، أن مذهبهم كان مكروهاً للغاية من قبل عموم الفقه والجمهور المسلم من أهل السنّة. ويبدو وصف إيغناز جولدتسيهر المقتضب بأن «الدين [العلوي] ليس من الإسلام إلا من ناحية الشكل، وحسب»((المرجع السابق نفسه، ص 129.)) توصيفاً حقيقياً لوجهة النظر السائدة بين عموم أهل السنّة، فيما يخصّ علاقة المعتقدات العلوية بمعتقدات ومفاهيم الإسلام بنسخته السنّية.

 

العلاقات مع أهل السنّة، التصوّرات المتبادلة

لقد شكّل العلويّون، عبر معظم تاريخهم، أقليةً مضطهَدةً ومظلومةً في سوريا. فأثناء حكم الدولة العثمانية، وخلافاً لغيرها من الأقليات، لم تتمتع الطائفة العلوية «بأي اعترافٍ بها في نظام الملل (نظام الطوائف) الإمبراطوري العثماني». ولم يكن يجرؤ أي رجل دينٍ علويٌ، مثلاً، أن يطأ بقدمه حتى في أية قريةٍ أو مدينةٍ تقع خارج منطقته في «يوم صلاة الجمعة دون خطر أن يتعرّض إلى الرشق بالحجارة»((بايبس، ص 132، 2015.)).

عليه، فمن المفهوم أن يشغل هاجس الاضطهاد، بالتالي، حيزاً كبيراً في الذاكرة الجماعية للطائفة؛ فعلى سبيل المثال، لا تنقطع الإشارة الى أحداثٍ تاريخيةٍ من مثل «ذبح نحو عشرين ألف [علويٍ] عام 1317 [على يد المماليك]، وحوالي نصف هذا العدد في العام 1516 [في مطلع العهد العثماني]»((المرجع السابق نفسه، ص 133.)) بصورةٍ متكررة في التراث الشعبي للعلويين. ولتتضّح الصورة التي كانت عليها ظروف حياة العلويين على مدار جزءٍ كبيرٍ من تاريخهم، يمكن لنا اللجوء إلى توصيف المبشّر الأوروبي صموئيل لايد، الذي قام بزيارة مناطق بلاد الشام في العام 1860، حيث وصف ببرودٍ كيف أن «حالة المجتمع العلوي تشكّل التجسيد الحقيقي الكامل لمعنى الجحيم على الأرض»((المرجع السابق نفسه، ص 134.)). ويمكننا بالتأكيد رؤية تأثير هذه النظرة التي حملوها عن أوضاعهم، على طريقة رؤيتهم للعالم من حولهم.

عليه، فقد كانت تصورات العلويين عن السنّة، كما قد يكون متوقعاً، سلبيةً للغاية. فبالنسبة للعلويين، مثّل أهل السنّة، بكل بساطةٍ، صورة الظالم. فلقد دأب أهل السنّة على نبذهم واحتقارهم، كما ظلّوا يحاولون فرض رؤيتهم للإسلام عليهم. وكمثالٍ على ذلك، فقد قام السلطان المملوكي بيبرس بتشييد المساجد بقوة الإكراه في مناطقهم، وهي محاولةٌ يبدو أن العثمانيين حاولوا أن يتابعوها لفترةٍ وجيزة دونما كبير نجاح. وبحسب ما يورده الرحالة العربي الأشهر ابن بطوطة الذي جال في مناطقهم إبان رحلته في بلاد الشام، يبدو أن هذه المحاولات لم تنجح في زيادة تقرّب العلويين من منهج وعقائد الإسلام السنّي. بل أنها نجحت فقط في إثارة حفيظتهم؛ حيث بقيت هذه المساجد مهجورةً ومهملةً، أو أنهم استخدموها «لرعاية مواشيهم»، حسب ما يردِف ابن بطوطة كذلك((فريدمان، ص 57، 2010.)). وقد اضطر بعض العلويين، بحكم الحرمان الاقتصادي والوصمة الاجتماعية اللذين رزحوا تحتهما، إلى اتخاذ تدابير يائسةٍ كي يتمكنوا من تأمين ما يكفي من الدخل حتى يبقوا على قيد الحياة: فقد شاع بين كثيرٍ من العائلات المعدَمة تماماً أن تقوم بإرسال بناتها «في سن السبع أو الثمان سنواتٍ لكي يعملن كخادماتٍ لدى الأسر العربية السنّية في المناطق الحضَرية… وفي بعض الحالات، إلى أن تبيع بناتها إليهم، حتى»((بايبس، ص 134، 2015.)). لا عجب، إذن، أنه «بحسب أحد المراقبين المطّلعين، فقد كان العلويون يلعنون الإسلام ويصلّون لدمار الإمبراطورية العثمانية [السنّية]»((المرجع السابق نفسه.)). ويمكننا القول إن هذه الضغائن قد بقيت موجودةً ومتوارثة، بصورةٍ ستؤدي بها إلى أن تصبح ذات دورٍ حاسمٍ في هيكلة العلاقة من طرف العلويين بالسنّة، حينما استولى العلويون بصورةٍ حاسمةٍ على السلطة في سوريا.

ولم تكن وجهات نظر أهل السنّة عن العلويين، في المقابل، بأقل سلبيةً أو سوءاً، كما أنها تأسّست منذ البداية على مجموعةٍ من المفاهيم الخاطئة. كان نسَبُ العلويين بالنسبة إلى السنّة مشبوهاً للغاية، حيث ساد الاعتقاد بأنهم ذوو «أصولٍ فارسية»((نيسان، ص 114، 2002.)) وليسوا عرباً، وهي وصمةٌ وتشهيرٌ سيبقيان يلاحقان الطائفة لزمنٍ طويل. كما قدّم غموض عقيدتهم كذلك أرضيةً خصبةً لمحاولات استبدال الفجوات في المعرفة بمزاعم خياليةٍ مبالغٍ فيها. وقد بلغ ذلك درجةَ أن بعض العلماء المشهورين برصانتهم، مثل الأشعري على سبيل المثال، لم يجدوا حرجاً في ترداد مزاعم مطعون في معقوليتها أو صحّتها، من مثَل «أن النصيرية تشجّع لواط الذكور، وزواج المحارم.»، أو من قبيل أن «رجالهم [العلويون] يشاركون زوجاتهم بكل حريةٍ مع إخوتهم في الدين»((بايبس، ص 128-129، 2015.)). كما قرّر أبو حامد الغزالي، مثلاً، أن العلويين «مرتدّون فيما يخص مسائل الدم، والمال، والزواج، والذبائح، وعليه فمن الواجب قتلهم»((المرجع السابق نفسه، ص 131.)). وتبقى أشهر هذه الآراء، هي فتوى الإمام الحنبلي أحمد بن تيمية سيئة السمعة، التي أعلن فيها بصورةٍ حاسمةٍ قاطعةٍ أن العلويين «ليسوا مسلمين، ويجب إبادتهم جميعاً»((فريدمان، ص 62، 2010.)). ومن نافل القول إن مثل هذه الآراء قد تبعها جو من الاضطهاد الشديد؛ إلى درجة أن كثيرين من أهل السنّة دأبوا اعتباراً من تلك المرحلة على استخدام «مصطلح «النصيرية» للدلالة على كل من هو منبوذ»((بايبس ص 131، 2015.)). وكمثال، ففي القرن التاسع عشر، أصدر أحد المشايخ السنّة المدعو إبراهيم المغربي، فتوىً مفادها «بأنه يحِلّ للمسلمين [السنّة] الاستيلاء بمنتهى الحرية على ملكيات وأرواح العلويين»؛ كما يروي أحد الرحالة البريطانيين الذين زاروا بلاد الشام في تلك الحقبة أنه سمع من بعض السكان المحليين في القرى ما مفاده «هؤلاء الأنصارية [أو النصيرية]، والله فإن قتل المرء لأحدهم لأكثر جزاءً من أن يصلي يوماً كاملاً»((المرجع السابق نفسه، ص 132.)). وليس مستغرباً أن من شأن هذه الآراء القاسية أن تصلّب التصوّرات السنّية عن العلويين، التي حملت الازدراء والعداء في آنٍ واحد. وهو اتجاه سيستمر، بل ويزداد كذلك، في العصر الحديث.

 

سوريا المعاصرة، 1920-2011

منذ نشأته، أصبح الكيان السوري كما تأسس على يدي الانتداب الفرنسي في العام 1920 وطناً لـ«أمةٍ غير منجَزة»((نيسان، ص 114، 2002.))؛ ويمكن بقدرٍ من الصواب، وبالاستدلال من مجريات الواقع السوري المعاصر وانقساماته، الادّعاء بأن هذا واقعٌ لم تزَل آثاره مستمرةً حتى اللحظة. فقد نشأت الدولة السورية الوليدة، ومنذ لحظة ولادتها الأولى، خليطاً غير منسجمٍ من الانتماءات الدينية والطائفية والعرقية والإقليمية المختلفة والمتصارعة؛ وبدأت حياتها والغموضُ يعصف بكيانها، ويلقي بالشك على إمكانية استمرارها ككيانٍ سياسيٍ مستقلّ. حتى فرنسا التي أنشأت هذا الكيان قامت، في مثالٍ كلاسيكيٍ لسياسة «فرّق-تسُد» الاستعمارية، بمحاولة استغلال الانقسامات المناطقية والعرقية والطائفية لتقسيم سوريا – المجتزأة على يديها بحكم التوافقات الاستعمارية عن محيطها الطبيعي في بلاد الشام، في الأساس – إلى دويلاتٍ صغيرةٍ منفصلةٍ واحدها عن الأخرى. وتقدّم الدولة العلوية التي لم تدُم أكثر من 16 عاماً [من عام 1920 وحتى عام 1936] إحدى الأمثلة على هذه السياسات الفرنسية؛ وقد اعتُبرت هذه الدولة، منذ نشأتها، وصمةً مهينةً بالنسبة إلى السوريين العرب السنّة، بالتحديد. ولم ينسَ العرب السنّة، على سبيل المثال، الحادثة المشهورة حينما قام عددٌ كبيرٌ من وجهاء العلويين بالكتابة إلى رئيس الوزراء الفرنسي، ليون بلوم، في العام 1936 ليعترضوا بأشد العبارات على إعادة الدمج المحتملة للدويلة العلوية إلى الكيان السوري. وفي رسالتهم المشهورة تلك، التمس هؤلاء الوجهاء من فرنسا أن تعيد النظر في هذه الخطوة الخطيرة – بحسب تعبيرهم – وذلك بالنظر إلى «عمق الهوّة التي تفصل بيننا [العلويين] وبين السوريين [السنّة]»، طالبين من رئيس الوزراء الفرنسي «تخيّل الفاجعة الكارثية التي ستتبع عملية إعادة الدمج هذه.»((بايبس، ص 136، 2015.)).

حتى في مرحلة ما بعد الاستقلال، كان لا يزال لزاماً على «سوريا أن تحدّد طبيعة مجتمعها السياسي، وأن تتمكنّ من إدماج مجموعةٍ متنوعةٍ من الأقليّات في إطار كيانها»((رابينوفيتش، ص 4، 1972.)). ولم تكن الدولة السورية يوماً قادرةً على تأمين الولاء الحقيقي والنهائي من رعاياها إليها. وأحد أسباب ذلك هو أنه لم يكن يوجد، بكل بساطةٍ، أي هويةٍ وطنيةٍ سوريةٍ بالمعنى الحديث، قبل إنشاء الدولة؛ بينما كانت هناك – وبقيت – بدلاً عنها مجموعةٌ من «الولاءات دون-الوطنية [أو، بكلمةٍ أخرى، الطائفية] التي تقدّمت على حساب الولاء للدولة القومية الحديثة»((فان دام، ص 19، 1979.)). ويمكن أن يُعزى ذلك إلى «الطابع متعدّد الأعراق والأديان» الذي اتّسمت به الدولة السورية كما تشكّلت، والتي لم يكن ثمّة مهرب من أن تؤدي إلى إبراز «حيوية علاقات القرابة داخل كل مجموعةٍ منفصلة»((نيسان، ص 114، 2002.)) بصورةٍ تتقدّم على أي ولاءٍ للدولة. ومن ضمن مجموع هذه الولاءات المتعددة، فقد أثبتت الولاءات الطائفية، على وجه الخصوص، قوّتها ومتانتها؛ وكانت فاعليتها قائمةً على جذورٍ قديمةٍ ضاربةٍ في التراث القبَليَ والعشائريّ الذي لم تختفِ آثاره أو تنمحي بصورةٍ جديةٍ حتى اليوم، كما يختزلها المثل العربي الشهير القائل: «أنا وأخي على ابن عمّي؛ وأنا وأخي وابن عمّي على الغريب»((سالزمان، ص 212، 2008.)).

خلال ذروة مرحلة العروبة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، صعد كذلك نجم الأحزاب القومية العلمانية – مثل حزب البعث – وشعبيتها، واستطاعت أن «تجتذب نسبةً كبيرةً من عضويتها من بين صفوف الأقليات»((رابينوفيتش، ص 11، 1972.)). وقد كانت لإيديولوجية البعث العلمانية جاذبيةٌ خاصةٌ، حيث مثّلت فرصة انعتاقٍ لهذه المجتمعات المهمّشة والمنبوذة تقليدياً، مثل مجتمع العلويين. وفي العام 1963، قامت مجموعةٌ من الضباط البعثيين بالاستيلاء بنجاحٍ على السلطة في سوريا، لكن حزب البعث بقي يعاني من الصراعات الداخلية في صفوفه. فبمجرّد وصول البعث إلى السلطة، سرعان ما نشأت وظهرت على السطح مجموعةٌ من الكتل الإيديولوجية والسلطوية المتصارعة، والمصطفّة على أسسٍ مناطقية، وبشكلٍ أكثر وضوحاً، على أسسٍ طائفية. وقد كان الاصطدامات فيما بين هذه الكتل تتوالى بعنفٍ وإقصائيةٍ متصاعدَين، كما تكشّف عبر سلسلةٍ من عمليات التطهير والانقلابات الداخلية داخل الحزب. وقد انتهت هذه السلسلة من الاضطرابات الداخلية، مع انتصار إحدى تلك الكتل، ذات الغالبية العلوية في صفوف قياداتها الأمنية الفاعلة، تحت قيادة اللواء حافظ الأسد، في انقلاب 16 تشرين الثاني 1970، الذي كان نهايةً لمرحلة الانقسامات الداخلية تلك.

وقد شكّل وصول الأسد إلى قمة هرم السلطة في سوريا علامةً فارقةً للسوريين العرب السنّة، كما للعلويين، على حدٍ سواء. فقد مثّل بالنسبة للسوريين السنّة، نقطة حضيضٍ مؤلمةٍ بشكل خاصٍ في تاريخهم مع السلطة؛ حيث شعروا بإقصائهم لأول مرةٍ عنها بصورةٍ قاطعة، مع مجيء حافظ الأسد كأول حاكمٍ غير سنّيٍ لسوريا. فقد ترأس عصبةً ضيّقةً تنحدر من طائفةٍ كانوا تاريخياً ينظرون إليها بتعالٍ واحتقارٍ، طائفةٍ ذات معتقداتٍ مبهمةٍ وشاذةٍ للغاية، بالنسبة إليهم. أما بالنسبة إلى العلويين، فقد مثّل لحظة ذروةٍ ذات دلالةٍ على مدى انعتاقهم من إرثهم التاريخي السلبي، ومؤشراً على مدى ما حقّقوه من صعودٍ سياسيٍ واجتماعي. لقد شعر أغلبية العلويين – حتى أولئك الذين لم يكونوا متّفقين تمام التوافق مع سياسات النظام، وحتى أولئك المعارضون له – أنهم قد كسروا، أخيراً، أغلال ماضيهم مع الاضطهاد، ولهذا فقد تمسّكوا بمفاصل السلطة التي وصلت إليهم، أخيراً. وقد أثارت النسبة المرتفعة من الضباط العلويين – في إطار الدائرة المقرّبة لحافظ الأسد، شخصياً – الذين أمسكوا بمفاصل الدولة وأجهزتها ذات السلطة الفعلية، شكوك وحفيظة جمهورٍ واسعٍ من السنّة، وزادت من مخاوفهم الكامنة بالأساس. ومن إحدى الأمثلة الدالّة على شكوك السوريين السنّة، قصّةٌ متداولةٌ لا يمكن تأكيد صحّتها أو مصدرها، مفادها أن ثمة «اجتماعاً سرياً جرى في العام 1960 بين رجال دينٍ قياديين وبين ضباطٍ علويين (من ضمنهم حافظ الأسد […]) يُقال إنه جرى في القرداحة، مسقط رأس الأسد»((بايبس، ص 125، 2015.)). لقد اكتسبت هذه الشائعة، وسواها من الأقاصيص والتلفيقات التي لا يمكن بأية صورةٍ التأكد من صحتها، مصداقيةً لدى جمهورٍ واسعٍ من السوريين السنّة، الذين رأوا فيها دلائل تثبت شكوكهم بوجود مؤامرةٍ علويةٍ مبيّتة منذ فترةٍ طويلة للاستيلاء على السلطة؛ كما ساهمت في زيادة نظرتهم السلبية للطائفة. ونتيجةً لمزيجٍ من سياسات نظام حافظ الأسد التي أدّت إلى تهميش وإفقار السوريين – والتي طالت نسبةً كبيرةً من السنّة من بينهم، على وجه التحديد – فقد بلغ غضبهم حداً دفعهم إلى التمرّد العلني على النظام، بلغ ذروته في حماة في العام 1982، سرعان ما قام الأسد بسحقه بلا رحمةٍ وبعنفٍ طاغٍ.

ومن بعد هذا التمرّد، مالَ نظامه إلى الاعتماد بشكلٍ متزايدٍ وشبه كليٍ على أجهزة الأمن التي طالت أذرعها كافة مناحي الحياة، إضافةً إلى وحداتٍ عسكريةٍ هدفها الوحيد حماية النظام من خطر تمرّد السوريين عليه، اعتمد كلاهما على العلويين في تكوينهما، في النسبة الغالبة العظمى. وبعد وفاة الأسد الأب في العام 2000، خَلَفَه ابنه بشار. وعلى الرغم من فترة انفراجٍ أوليٍ، في مطلع رئاسته؛ فقد تراكم إرث المظالم والأحقاد التاريخية، فوق واقع الاستبداد الثقيل وتفاقم الفوارق الاقتصادية ومعدّلات الفقر والبطالة، لتكوّن ذلك المزيج المتفجّر الذي أشعله الربيع العربي في آذار من العام 2011.

 

الثورة السورية، آذار 2011 وحتى اليوم

يمكن القول إن مستوى حدّة الصراع الناشئ عن ثورة السوريين التي تفجّرت في العام 2011، فضلاً عن مستوى العنف والتوتّر الديني والطائفي، قد بلغ مستوياتٍ لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد الحديث. ومن الجدير ملاحظة الصراع السنّي-الشيعي الذي فُرض فرضاً على ما كان في المرحلة البدئية، على أقل تقديرٍ، ثورةً مدنيةً ذات أبعادٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصادية؛ كما تراكب كطبقةٍ مضافةٍ من التوتّر فوق إرث الصراع الطويل بين السنّة والعلويين في سوريا. وقد تجلّى هذا الصراع السنّي-الشيعي بصورةٍ خاصةٍ عبر التورّط الإيراني، سواء بالمشاركة المباشرة، أو عن طريق الميليشيات الشيعية الخاضعة للنفوذ والإمرة الإيرانية. وتقدّم إيران دعواها للدفاع عن نظام الأسد مُبرَّرَةً بلغةٍ طائفيةٍ صريحة، باعتبارها دفاعاً عن أقليةٍ شيعيةٍ «شقيقة» مظلومة؛ ويتمّ تقديم الصراع على أساس «أنموذج كربلاء» بكل وضوحٍ وعلنيّة. على الجانب الآخر، فقد تدفّقت الأموال والإيديولوجية الوهابية لخلق ودعم عددٍ كبيرٍ من الجماعات الجهادية السنّية التي أعلنت القتال ضد النظام وحلفائه على خلفية طائفيةٍ فاقعةٍ، كذلك. وقد تراكبت اللغة الطائفية المستوحاة من الفكر الوهّابي والمعادية للشيعة عموماً، وللعلويين على وجه الخصوص، مع مجموعةٍ من التصريحات والخطاب العام السائد في المنطقة، حتى قبل الثورة السورية. ومن أمثلة هذا الخطاب تنبيهات ملك الأردن عبد الله الثاني حينما حذّر في العام 2004 من نيّاتٍ إيرانيةٍ بإنشاء «هلالٍ شيعيٍ» يضمّ نظام الأسد في سوريا؛ إضافةً إلى «اتهاماتٍ بالنشاط الدعوي ومحاولات التشييع في الشرق الأوسط العربي، إضافةً إلى حملةٍ شيعيةٍ تهدف إلى تدمير السنّة» في العراق وسوريا((هاتينا، ص 216، 2011.))، كان من أبرز الذين أثاروا الحديث عنها مجموعةٌ من رجال الدين السنّة التقليديين، مثل الشيخ يوسف القرضاوي.

وفي هذا الإطار، شكَّلَت الفتوى الشهيرة للإمام الراحل السيد موسى الصدر في أوائل سبعينيات القرن الماضي، والتي أكّد فيها وحدة العلويين «الطائفية أو [المذهبية]»((بطاطو، ص 20، 1999.)) مع المذهب الشيعي، نعمةً ونقمةً في آنٍ واحد. فمن جهةٍ، منحت هذه الفتوى تأكيداً على صحة إسلام الأسد الأب، والتي شكّلت في وقتها مسألةً شائكةً كان من شأنها أن تحول دون تسلّمه منصب الرئاسة، كما وأنها استطاعت أن تخفي، ولو ظاهرياً على الأقل، أثر تهمة الهرطقة والكفر التي وجّهها السنّة ضد العلويين على مدى فترةٍ طويلةٍ من تاريخهم في سوريا. ومن جهةٍ أخرى معاكسة، وخصوصاً إبان فترات التمرّد (في العام 1982 على سبيل المثال، ولكن اعتباراً من ثورة 2011 على وجه الخصوص)، فقد وضعت العلويين بصورةٍ مباشرةٍ في نطاق السياسات التي شكّلت أسس الحملة الإيرانية، ذات الصيغة المذهبية الفاقعة، للوصول إلى الهيمنة الإقليمية، بحسب نظرة السوريين السنّة. وما كان من شأن التحالف السياسي والعسكري العلني مع الجمهورية الإسلامية منذ مطلع ثورة عام 1979 وحتى الآن، وعلى وجه الخصوص اعتماد نظام الأسد المتزايد على الدعم الإيراني لكي يبقى واقفاً على قدميه منذ العام 2011 على شتى الصعُد، اقتصادياً، وأمنياً، وعسكرياً، وسياسياً، إلا أن يعزّز يقينية وجهة النظر هذه في أعين السوريين السنّة. وفي هذا السياق، يمكن أن نتبيّن كيف يعكس الرأي العام السوري في الواقع نتائج «استطلاعٍ موثوقٍ للرأي العام العربي، تم إجراؤه في العام 2009» أشار إلى كون الخلاف السنّي-الشيعي قد بات العامل الذي يشكّل «مشكلةً متنامية الأهمية في العالم الإسلامي»((بنجيو وليتفاك، ص 245، 2011.)). ومع قيام الثورة السورية، والتطورات المشار إليها أعلاه، تحوّلَت العداوة والخصومة الكامنة لتصبح نشطةً وفاعلةً، وليتم اعتبار العلويين، مثَلهم في ذلك مثَل كثيرٍ من الشيعة بشكلٍ عام، في نظر السنّة «طابوراً خامساً لأعداء الإسلام الحقيقي»، لا يقلّ خطرهم، بحسب وجهة النظر هذه «عن خطر اليهود والنصارى»((نصر، ص 246، 2006.))، إن لم يكن أكبر.

وتتم الإشارة اليوم بصورةٍ متزايدةٍ إلى «علَوية» [أو «نصيريّة»] النظام في سوريا في كثيرٍ من أدبيّات الحركات الجهادية السنّية المناهضة للنظام، باعتبارها واحدةً من أكثر جوانبه سوءً وشناعةً. ويتم تداول ألفاظٍ من قبيل وصف «يهود الداخل»؛ كسُبّةٍ بقصد الإساءة اللاذعة، وكمؤشّرٍ لفظيٍ على الخطورة الأكبر – في نظر أصحاب هذه الدعاية – التي باتت شرور هذا «الآخَر» الداخلي تمثّلها اليوم.

وقد بات، في نظر كثيرين من السوريين السنّة، كلٌ من لجوء النظام السوري منذ اللحظات الأولى لبدء الاعتراضات عليه إلى العنف لقمع ما كانت في أولها مظاهراتٍ سلمية؛ إضافةً إلى اللهجة الطائفية الصارخة لحملته ضد المظاهرات والمشاركين فيها وبيئاتهم؛ وأخيراً، التورّط الإيراني المكشوف – المباشر، أو عبر عملاء من ميليشياتٍ مدعومةٍ من إيران، ذات صبغةٍ وراياتٍ وشعاراتٍ وممارساتٍ طائفيةٍ فاقعةٍ – في النزاع؛ بات كله علامات ودلائل على عداء طائفيٍ شديدٍ، وغير قابلٍ للتغيير، يكنّه العلويون تجاههم، كما يرون. واليوم، باتت الشعارات نفسها التي كانت تُستخدم بصورةٍ حصريةٍ لوصف «الآخَر» الخارجي – إسرائيل، والغرب وإن وبدرجةٍ أقل – وبالمستوى نفسه من العداء والكراهية الشديدَين، تُستعمل في وصف «الآخَر» الداخلي العدو، العلويين وحلفائهم الإيرانيين الشيعة.

تشكّل هذه الظاهرة المؤسفة واحدةً من النتائج غير المقصودة، والمأساوية للغاية، لخيار العنف المفرط الذي انتهجه النظام، ولجهوده الحثيثة في حشد التضامن والتعاضد الطائفي للدفاع عن سيطرته الهشّة والمقلقلة على السلطة. لقد قام النظام بخياره هذا – عن غير قصدٍ، بحسب ما نعتقد – باستبدال إسرائيل بالعلويين اليوم في تصوّرات جمهورٍ واسعٍ من السوريين السنّة، باعتبارهم الخطر القاتل والداهم، والعدو اللدود لهم. ولن يكون من شأن هذا التطوّر المأساوي أن يؤدي إلّا إلى تصلّب المواقف لدى طرفي النزاع الدموي الدائر، وأن يبشّر بمستقبلٍ سيءٍ للغاية فيما يخصّ مستقبل العلاقات بين السنّة والعلويين في سوريا، بعد انطواء صفحة النزاع. ومن المرجّح أن تعني فاتورة الدم المرتفعة، والمتزايدة بصورةٍ مفجعة، أن «سقوط العلويين [في حال وقوعه، في المستقبل] من المرجّح أن يشبه صعودهم» في ضخامة أثره ودمويّة ما سينتجُه على جميع الجهات والصعُد في سوريا((بايبس، ص 145، 2015.)).

على أن مصير ذلك، في يد المستقبل وأقداره، وتطوّراته.

 

المراجع

–     Ajani, Malik. 2015. Citizenship, the Self and the Other: Critical Discussions on Citizenship and How to Approach Religious and Cultural Difference. Cambridge: Cambridge Scholars Publishing.

–     Batatu, Hanna. 1999. Syria’s Peasantry, the Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics. NJ: Princeton University Press.

–     Bengio, Ofra and Meir Litvak. 2011. “Epilogue: The Sunni-Shi’i Paradox,” in The Sunna and Shi’a in History: Division and Ecumenism in the Muslim Middle East, 243—252. NY: Palgrave Macmillan.

–     Esposito, John L. and Emad El-Din Shahin. 2013. “Introduction,” in The Oxford Handbook of Islam and Politics, edited by John L. Esposito and Emad El-Din Shahin, 1—6. NY: Oxford University Press.

–     Friedman, Yaron. 2010. The Nusayri-‘Alawis: An Introduction to the Religion, History and Identity of the Leading Minority in Syria. Netherlands: Brill.

–     Halm, Heinz. 2007. The Shi’ites: A Short History. NJ: Markus Wiener Publishers.

–     Hashemi, Nader. 2009. Islam, Secularism, and Liberal Democracy: Toward a Democratic Theory for Muslim Societies. Oxford: Oxford University Press.

–     Hatina, Meir. 2011. “Debating the “Awakening Shi’a:” Sunni Perceptions of the Iranian Revolution,” in The Sunna and Shi’a in History: Division and Ecumenism in the Muslim Middle East, 183—202. NY: Palgrave Macmillan.

–     Joseph, Suad. 1978. “Muslim-Christian Conflicts: A Theoretical Perspective,” in Muslim-Christian Conflicts: Economic, Political, and Social Origins, edited by Suad Joseph and Barbara L. K. Pillsbury. CO: Westview Press.

–     Louër, Laurence. 2012. Shiism and Politics in the Middle East. NY: Columbia University Press.

–     Mansur, Salim. 2009. Islam’s Predicament: Perspectives of a Dissident Muslim. ON: Mosaic Press.

–     Nasr, Vali. 2006. The Shia Revival: How Conflicts Within Islam Will Shape the Future. NY: W.W. Norton & Company.

–     Nazir-Ali, Michael. 2006. Conviction and Conflict: Islam, Christianity and World Order. UK: Continuum.

–     Nisan, Mordechai. 2002. Minorities in the Middle East: A History of Struggle and Self-Expression. NC: McFarland & Company, Inc. Publishers.

–     Pipes, Daniel. 2015. Nothing Abides: Perspectives on the Middle East and Islam. NJ: Transaction Publishers.

–     Rabinovich, Itamar. 1972. Syria Under the Ba’th 1963—66: The Army-Party Symbiosis. Jerusalem: Israel University Press.

–     Rodriguez, Jarbel. 2015. Muslim and Christian Contact in the Middle Ages—A Reader. ON: University of Toronto Press.

–     Salibi, Kamal. 1990. A House of Many Mansions: The History of Lebanon Reconsidered. CA: University of California Press.

–     Salzman, Philip Carl. 2008. Culture and Conflict in the Middle East. NY: Humanity Books.

–     Van Dam, Nikolaos. 1979. The Struggle for Power in Syria: Sectarianism, Regionalism and Tribalism in Politics, 1961—1978. London: Croom Helm Ltd.

–     Von Grunebaum, G. E. 1962. Modern Islam: The Search for Cultural Identity. NY: Vintage Books.