من أجل سياسة ديموقراطية جذرية في شأن المسألة الإسلامية

«من خرجوا إلى الشوارع محتجين في الولايات المتحدة ضد حظر دخول رعايا سبع دول إسلامية هم شركاؤنا»
(KATHY WILLENS / AP)«من خرجوا إلى الشوارع محتجين في الولايات المتحدة ضد حظر دخول رعايا سبع دول إسلامية هم شركاؤنا» (KATHY WILLENS / AP)
image_pdfimage_print

ما هو الأساس الفكري الممكن لسياسة أو سياسات ديموقراطية في شأن الإسلامية المعاصرة، وتيارات الإسلاميين المتنوعين في زمن صعود الإسلامية العسكرية أو السلفية الجهادية؟ وكيف يمكن الربط بين هذا الموقف وبين نظر تاريخي أوسع أفقاً وأطول مدى، ينظر في المسألة الإسلامية ككل، ويقاوم التمييز ضد المسلمين أو المساس بكرامتهم؟ وبقدر ما إن المسألة الإسلامية ليست مسألة إسلام حصراً، وليس مسألة إسلام وسياسة فقط، وإنما هي مسألة إسلام في العالم، دين الإسلام ومجتمعات المسلمين وبلدانهم في العالم المعاصر الذي هم شركاء فيه، بقدر ما هي أيضاً مسألة العالم في الإسلام، أي تقبل العالم والمسؤولية عنه والشراكة فيه وتحمل أعبائه، فكيف يمكن العمل على أن تكون السياسات الجذرية حيال الإسلاميين سياسات ناجعة لمعالجة المسألة الإسلامية؟

هذه المقالة تنظر في أساسين فكريين محتملين، يصدر عنهما الموقف من الإسلام السياسي والعسكري. النقاش هنا مرتبط بصورة مباشرة بالصراع السوري في مساره طوال نحو ست سنوات، وفي طوره الحالي. السمة الحاسمة اليوم، بعد حلب، أنه تتعذر نسبة أي قضية عامة للإسلاميين العسكريين، تتجاوز المصالح الذاتية لمجموعاتهم أو لرعاتهم. أما الإسلاميون السياسيون، فهم من أوجه تداعٍ عامٍ للأجسام السياسة المعارضة، مما يستحق تناولاً مستقلاً.

وبنظرة عامة، يمكن القول إن البعد الاحتجاجي القوي للإسلامية المعاصرة، وما يسّرته من امتلاك السياسة من قبل مجموعات مهمشة، ووظائف دفاعية قامت بها في مواجهة العدوان الأسدي، انطوى مع صعود السلفية الجهادية التي هي مشروع فاشي هجومي، لاغٍ للسياسة، ومؤسس لنظام رقابة وتجسس شامل. عودة الدولة الأسدية إلى الإمساك بمناطق واسعة من البلد، مع بعد أمني وطائفي متضخم، وفي إطار سيطرة روسية وإيرانية، يدخل تعقيداً إلى هذا النظرة العامة، لكن المحتوى الديموقراطي للاحتجاجية الإسلامية يُهدَر كلياً على يد الإسلاميين العسكريين، ولا يبدو أن الإسلاميين السياسيين بمنازعهم الهوياتية والشرعية (من شريعة) مهتمون بغير استثماره الخاص أو وضع اليد عليه.

***

تخطيطياً، يمكن الاعتراض على الإسلاميين من موقعين مختلفين في المنطلقات والمآلات، هذا إن أغفلنا، خدمةً للنقاش، اعتراضات إسلاميين على إسلاميين. هناك اعتراض ماهوي، تحركه اعتبارات هوياتية أو طبقية تحيل على أنماط الحياة والأذواق الخاصة والتماهيات المرغوبة، وهناك اعتراض علائقي إن جاز التعبير، تحفزه اعتبارات تحيل إلى الدور الاجتماعي والسياسي العام الذي تقوم به جماعات الإسلاميين المنظمة. وبالنظر إلى أنه يزداد إلحاحاً اليوم، بعد فشل الثورة السورية، تطوير نقد تحرري متسق للإسلاميين وتعبيرات الإسلام العامة، فإن من المهم التمييز بين وجهي الاعتراض هذين. هذا كيلا نجد أنفسنا بعد خمس سنوات أو عشر وقد خمد الجدال دون ثمرة، مخلفاً فقط بعض كتابات منفعلة غاضبة.

يمكن للاعتراض الماهوي على الإسلاميين أن يكون بالغ الحدة، بل هو بالغ الحدة دوماً، يرفض تعبيرات الإسلام العامة قبل كل نقاش ودون نقاش. وهو لذلك قلّما يعبر عن نفسه في نصوص مكتوبة، مقالات أو دراسات أو كتب، تشتبك مع أوجه الشأن الإسلامي المختلفة، وتحاول تطوير تيارات تفكير وعمل مبنية على هذه المواجهة. الحدة هنا رفضية، وخارجية. وهي إن لم تصدر عن روحية عقيدة ضد عقيدة، فإنها لا تنصب أي عوائق في وجه هذا المنزلق. ثم إنها حين لا تكون تعبيراً عن كراهية هوياتية، فإنها لا تسهم في الحيلولة دون الكراهية الهوياتية، وقلما تنتقدها. الاعتراض الماهوي يشارك الإسلاميين أنفسهم في افتراض خصوصية جوهرية متأصلة في الإسلام، تفصله جوهرياً أيضاً عن ظواهر العالم الدينية والسياسية الأخرى. هذا تفكير عنصري، سواء رفع الإسلام فوق غيره على ما يفعل الإسلاميون، أو خفضه دون غيره على ما يفعل أخصامهم. وفي الحالين تجري محورة النقاش حول الدين، كأنه ليس من الدنيا وفيها.

وحين لا يسهم الاعتراض الماهوي في تغذية الإسلاموفوبيا عالمياً، فإنه يتعايش معها ولا يعترض عليها. ولن نجد هنا نقداً للحرب ضد الإرهاب أو لمفهوم الإرهاب، هذا حين لا يجري التطوع لتبرير حربٍ لا تُعرَف لها نهاية ولا تعريف للنصر فيها وليس في سجلها مثالٌ واحدٌ ناجح. وأخيراً، لم يكن لدى الاعتراض الماهوي على الإسلاميين ما يقوله، وليس لديه اليوم ما يقوله، عما حين يكون الإسلاميون في موقع الضحايا، يتعرضون للاعتقال والتعذيب والقتل على يد دول طغموية مثل دولة الأسديين. هذا أيضاً حين لا تجري مباركة ذلك والابتهاج به. لا شيء راديكالي هنا، لا شيء علماني تحرري أو ديموقراطي جذري.

وفي سورية، يخفي الانفعال الغاضب المنتشر اليوم حيال الإسلاميين والإسلامية الفارق بين اعتراض ديموقراطي على هياكل سلطة وممارسات إجرامية لإسلاميين، وبين كراهية مرضية لأية تعبيرات إسلامية عامة، لا يندر أن يتلطى وراءها عداءٌ لدين المسلمين نفسه. هذا مسلك نخبوي وتمييزي، يمتنع أن يكون تقدمياً أو تحررياً بحال، مهما كان مطلوباً نقد الإسلامية والإسلاميين، والإسلام ذاته، في مجالنا. بل إن ذلك العداء ميسور التجنيد في تسويغ أوضاع وبنى سياسة مثل الدولة الأسدية وحكم السيسي المصري وما شابهها، وفي موالاة البنى الدولية التمييزية القائمة اليوم، واعتناق سرديات المسيطرين، بما فيها «الحرب ضد الإرهاب».

ومن الأوجه الجوهرية للاعتراض الماهوي هذا أنه ينكر أي تمايزات بين أوساط الإسلاميين. الكل مثل بعضهم، والكل داعش، هذا حين لا تجري مطابقة داعش بالإسلام ذاته. هذا خاطئ كسياسة، يتبرع للأشد تطرفاً بالجميع، وخاطئ كمعرفة، يرفض أخذ العلم باختلافات وفوارق تاريخية وراهنة، لا جدال فيها، في صيغ التعبير الإسلامي العام. يرفض أخذ العلم أيضاً بأن المبادر في تشكلات الإسلام التاريخية المتبدلة هو التاريخ ذاته، أو أوضاع المجتمعات والجماعات في التاريخ، وليس معتقد الإسلاميين، خلافاً لما يعتقد الإسلاميون أنفسهم. ومن باب تقريب هذا الموقف إلى الأذهان فإنه يشبه موقف الإسلامي الذي يعتبر جميع العلمانيين أو جميع اليساريين موالين للدولة الأسدية.

ومن باب ذكر مثال واحد، يبدو ظاهراً اليوم أن صعود السلفية الجهادية وانتشارها أدخل الإسلاميين السياسيين من النموذج الإخواني في أزمة، فلا هم يستطيعون الانضواء ضمن النموذج الجهادي الأممي، ولا هم يستطيعون بلورة خط واضح لأنفسهم في مواجهته. لا نعرف أي مسارات يمكن أن تسلكها الأزمة، لكن لا نساعد أنفسنا في شيء إن أغفلنا توترات في المجموع الإسلامي وتفاعلات حرجة وعلاقات قوة وصراع، وأن ذلك متولد عن تطورات تاريخية (احتلال العراق من قبل الأميركيين مثلاً، ومسارات الثورة السورية وتفجر الصراع السني الشيعي في سورية…)، مما لم يكن مطوياً كبذرة في مفهوم الإسلام، لا ينتظر إلا أن ينتش وينمو، ليكون الشجرة التي نراها اليوم.

يمكن تعريف الاعتراض العلائقي، بالمقابل، بأنه يشتبك مع أوجه الإسلامية المختلفة، ويعمل على تطوير تفكير وثقافة وسياسة مؤسسة على هذا الاشتباك. والأساس هنا هو النظر التاريخي إلى الظاهرة، الذي يتقصى شروطها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، محلياً ودولياً، كما ينظر في بنيتها الذاتية وصيغ تنظيمها وخطاباتها وشرعياتها، ويتعامل معها كظاهرة دنيوية، تُقارَب بمناهج دنيوية، علمانية، مثلما تُعالَج كل الظواهر الاجتماعية الدنيوية. لدينا منذ الآن سجّلُ مشاهداتٍ وتحليلاتٍ يمكن أن يبنى عليه، لكن لا يزال هناك الكثير مما يلزم القيام به على مستوى توفير المعطيات الواقعية وعلى مستوى التحليل النقدي، وعلى مستوى بلورة الأفكار والمواقف والسياسات الأنجع.

لا نمارس هنا رفضاً خارجياً غير ناطق، بل ننخرط في صراع مع بنى الإسلامية المعاصرة وممارساتها وخطاباتها، ونعمل على إظهار منازعها التسلطية أو الفاشية العميقة، وننتج أفكاراً ونطور ممارسات وسياسات في مسار هذا الصراع. يميز الاعتراض العلائقي ضمن الظاهرة الإسلامية بين تيارات وتوجهات، بما يناسب العمل على عزل الأشد تطرفاً بين الإسلاميين. على أن الاعتبارات العملية ليست وحدها ما تحفز إلى ضرورة ذلك التمييز، وإنما كذلك مقتضياتُ معرفةٍ عن كثب بالمجمل السياسي والإيديولوجي الإسلامي المعاصر.

وفقط على هذا الأساس العلائقي، يمكن أن تقوم سياسة ديموقراطية راديكالية بصيرة حيال الإسلاميين، تعمل على كسب المعركة الفكرية والقيمية والاجتماعية، والسياسية، في مواجهتهم. العلمانية التحررية تتكون عبر الصراع الفكري والسياسي مع الإسلاميين، وهي في الوقت نفسه في تقابلٍ مع العلمانية التسلطية التي تُحفز نسخاً رائجةً منها اعتباراتٌ هوياتيةٌ أو طبقية، وليس بحال اعتباراتٌ ديموقراطية، تحيل إلى المساواة بصرف النظر عن الدين والمذهب، وإلى توفير تماهيات متقاربة للسكان ذوي المنابت الخاصة المختلفة في الدولة العامة.

***

كان الاعتراض الماهوي على الإسلامية، المراوغ والتكفيري بطريقته، قد أفسد النقد الديموقراطي والتحرري للدين، بخاصة بفعل اقترانه مع تسويغ هياكل سلطة طغيانية وتمييزية مثل الدولة الأسدية وشبيهاتها. ولذلك فإن نقد الإسلامية الملحّ اليوم يمر بالضرورة عبر نقد النقد الماهوي والقطيعة معه. هذا النقد يؤول نسقياً إلى ظلامية قد تكون باسم التنوير، ولا يوفر أساساً صالحاً لمعرفة، ولو بدائية، بالإسلامية المعاصرة. انقضت سنين وعقود دون أن ينتج الاعتراض الماهوي شيئاً فكرياً مهماً بخصوص الإسلاميين والإسلام. هذا الضرب من الاعتراض عاجز عن التحول إلى نقد جذري تحرري. يبقى رفضاً برانياً كما سبق القول، ويسهل تجنيده في منازعات الطوائف.

وبالمناسبة، ليس في تكوين الاعتراض الماهوي ما يحول بينه وبين الانقلاب في شروط معينة إلى وفاق ماهوي، أخوة هوياتية قائمة على التكاذب، وليس على الحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية. هذا هو نموذج «الوحدة الوطنية» الأسدية مثلاً. وهي «وحدة» قامعة للمعرفة الاجتماعية، بقدرٍ لا يقل عن قمعها للتعبيرات السياسية المستقلة.

وفي السياق السوري لم ينتج هذا التيار شيئاً يذكر عن الدولة الأسدية، لا كتب ولا دراسات، ولا حتى مقالات تقول كلاماً واضحاً. لا تتأسس معرفة اجتماعية على مقدمات ماهوية.

وخلافاً لما يفضل الماهويون إيهام أنفسهم وغيرهم، لا تتولد داعش وجبهة النصرة وأضرابهما عن الإصرار على تعامل دنيوي مع التشكيلات الإسلامية، يقاوم شرحها بمنهج خاص غير ما تُشرَح به ظواهر اجتماعية سياسية أخرى، الترَمبية اليوم مثلاً، أو يرد سلوكها إلى تكوين ذاتي مضروب، فلا يقترح سياسةً في مواجهتها غير الإبادة. فُرَص داعش والقاعدة في الظهور والانتشار، بالعكس تماماً، تتناسب طرداً مع هيمنة المناهج الفكرية والسياسات التي تجرد الإسلاميين، والمسلمين، من كل عقل وكيان، أي المناهج الماهوية التي تسجل صعوداً عالمياً اليوم، متوافقاً مع انكفاء عن العالمية وتزكية للقومية والمواريث الثقافية الخاصة.

هذا التمييز بين اعتراض ماهوي لانقدي، واعتراض نقدي علائقي، راهنٌ جداً في سورية اليوم. وليس لتعاظم النفور المستحق من الإسلاميين أن يحجب الفرق بين نفور أقدم وأعمق، ينتهز فشل الثورة السورية ليعيد الاعتبار إلى تفكير تحديثي علماني في الظاهر، لكنه قائم على التمييز والعنصرية في العمق، وبين منازعة فكرية وسياسية وأخلاقية للإسلاميين قائمة على أدوارهم الفعلية. ليس هناك جبهة واحدة ممكنة بين التيارين، ولا قضية مشتركة بينهما.

في الوقت نفسه يُظهِرُ مسار نحو ست سنوات من الثورة السورية المحطمة أنه لا جبهة مشتركة ممكنة مع الإسلاميين، وهذا لضمور المضامين التحررية حتى عند الأشد اعتدالاً منهم. الأمر عقيم على المستوى السياسي على ما تشهد تجربة الثورة، هذا بينما عرضت تشكيلات الإسلاميين العسكرية ممارسات فاشية، معادية للحريات الاجتماعية والحياة العادية، دون أن تستطيع مجموعات الإسلاميين «المعتدلة» أن تصوغ اعتراضاً تحررياً واضحاً على ذلك. وفي سجل الإسلاميين العسكريين جرائم موصوفة، بينما يفتقر الملاحظ إلى أمثلة إيجابية تُظهِرُ حرص الإسلاميين على مجتمع ينشط وبيئة محلية حية، وعلى كرامة الأفراد والمجموعات الذين وقعوا تحت سلطتهم.

وفوق ذلك هناك حاجة ملحّة إلى تنشيطٍ أكبر للجبهة الفكرية والقيمية عموماً، بما في ذلك في مواجهة الإسلاميين، وإلى العمل على كسب قطاعات أوسع من السكان، ومن أولهم مسلمون مؤمنون، إلى صف تصورات اجتماعية وسياسية وأخلاقية تحررية. نقد الاعتراض الماهوي على الإسلاميين وكشف تهافت منطقه يجنبنا أسوأ الأخطاء في هذا المسعى.

على أن هذا لا ينبغي أن يمنع عملاً مشتركاً مع إسلاميين بعينهم في شؤون محددة يُتّفَق عليها، وإن ليس بأي ثمن، وحتماً من موقع الندية. وما يمكن أن يكون معياراً في شأن من يمكن أن يكون شريكاً من الإسلاميين في عمل عام هو الموقف الواضح من حرية الاعتقاد الديني، بما في ذلك حرية عدم الاعتقاد وحرية تغيير الاعتقاد، والتعبير عنهما في كل حال علناً. أي أيضاً الإقرار الواضح بأن لا إكراه في الدين وعلى الدين وباسم الدين وبالصلة مع الدين. وهو ما يعني في حقيقة الأمر نزع الصفة العامة للشريعة، وحصرها في النطاق الطوعي والخاص. «الشريعة» و«تطبيق الشريعة»، ومثلها «الحاكمية الإلهية» من وجه آخر، هي إيديولوجيةُ إضفاءِ شرعية عامة على صعود نخب خاصة، والبرنامجُ السياسي لهذا الصعود. ليس هناك جبهة مشتركة ممكنة مع أصحاب هذا البرنامج.

هذا وجهٌ أساسيٌ للمسألة الإسلامية، الوجه الإيديولوجي السياسي، مما لا تستقيم سياسات ديموقراطية دون بلورة إشكاليته بوضوح اليوم، والعمل بمقتضاها سياسياً. لدينا تجربة واقعية كبيرة في السنوات الأخيرة لم توصف وتحلل بعد بالقدر الكافي، ولا يمكن صوغ سياسات عملية ما بعد الثورة المحطمة دون وضوح في هذا الشأن.

لكن المسألة الإسلامية مسألة عالمية، كما سبق القول. وهو ما يعني أن صوغ سياسات ديموقراطية جذرية حيال الأوجه الدينية والسياسية للمسألة ينبغي أن يكون في الوقت نفسه تفكيراً في عالم اليوم، وسياسةً في عالم اليوم. بأوجه تمييز متعددة فيه، وفي ظل صعود النزعات القومية والعنصرية، ليس عالم اليوم سنداً لمعالجة المسألة الإسلامية. بالعكس، إن تكوينه التمييزي، وخاصة في الشرق الأوسط، هو أحد مصادر تغذيتها واستعصائها.

وبقدر ما أن الديموقراطية في خطرٍ في العالم ككل، وأن الإسلام مسألة عالمية، فإن أية سياسات ديموقراطية حيال المسألة الإسلامية لا بد لها أن تطور لنفسها بعداً عالمياً، بما في ذلك الشراكة مع قوى ديموقراطية وتحررية في مختلف البلدان. من خرجوا إلى الشوارع محتجين في الولايات المتحدة ضد حظر دخول رعايا سبع دول إسلامية هم شركاؤنا. وبالمناسبة، اختبار عبّاد الشمس الذي يميز موقف الاعتراض الماهوي على الإسلاميين هو قُربُ أصحابه من ترَمب ونفورهم من المحتجين ضده. ومن بين الإسلاميين، وحدهم غير الانتهازيين في الاعتراض على ترَمب هم شركاء حقيقيون. الإسلامي الانتهازي هو الذي ينتهز السياسات التمييزية لترَمب وغيره للتشكيك في الديموقراطية وتغذية معاداة هوياتية للغرب، بينما هو يسكت عن أوجه أفدح من التمييز يمارسها مسلمون وإسلاميون في بلداننا.

***

اختصاراً، تقوم السياسة الديموقراطية التحررية على نقد جذري للإسلامية بأوجهها الفكرية والسياسية، وعلى نقد جذري للعالم المعاصر، وضمن أفق تغييري في الحالين.

نحن في وضعٍ عضال: نعترض على الإسلامية دون سند من العالم، ونعترض على العالم دون سند عقدي محلي. هذا وضعٌ جذري، ويفرضُ الجذريةَ تفكيراً نظرياً وسياسةً عملية. فإذا وضعنا في بالنا أن حقل العمل الرئيس لكثيرين منا لا يزال نطاقات محلية، أي في ظل دولٍ يتطور أكثرها ديموقراطية في اتجاه المركزية الأمنية سياسياً، وكلها وكالات عنف تحتكر الإرهاب المشروع، كان لا بد لسياسة ديموقراطية في بلداننا أن تقوم على ثلاثة ركائز: اعتراضٌ جذريٌ على وكالات الإرهاب الحاكمة، اعتراضٌ جذريٌ على الإسلامية، واعتراضٌ جذريٌ على العالم المعاصر.

هذا كثيرٌ جداً، لكن لا يبدو ما هو أقل منه متسقاً، ولا مثمراً. وسورية مثالٌ ناطق.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.
ياسين الحاج صالح

ياسين الحاج صالح

كاتب سياسي ومعتقل يساري سابق، مؤلّف مشتغل بالشؤون السورية ونقد الثقافة والإسلام المعاصِر.