فالنتاين الأتارب

الأتارب
image_pdfimage_print

إلى أخي أحمد

 

يدلّعها أهلها بـ «التيرب»، ويطلقُ جيرانها النكات على تلّها الصغير، وكيف أن أهالي التيرب حاولوا تحريكه بخيط «سلوك»، وهو التل الذي يتغنى به مطربو التيرب: «يا تيرب يا أم البلادِ، فيك تل وخلف التل وادِ». يشرح كبارها الذين يدخنون «التتن» ويحبون البصاق على الأرض والشتم البذيء ولعب ورق الشدة وأحياناً الكفر، أن اسم التيرب جاء من ترابها الأحمر أو من عنبها.

لم يحدثني أحدٌ عن يوحنا الأتاربي، العمودي الذي قضى حياته متعبداً على عامود لكنه لم يحظَ بقلعةٍ تحمل اسمه كما حدث مع سمعان العمودي. اكتشفتُ ذلك بنفسي حين دخلت عالم الإنترنت في الجامعة، واكتشفتُ أيضاً أن مدرستي الإعدادية بُنيَت فوق عمود يوحنا، وسمعتُ قصصاً عن أن البئر الموجود في ساحة المدرسة الخلفية، والذي كان يستخدمه يوحنا للشرب، قد رميت فيه جثث من اتهموا بانتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين في الثمانينيات. واكتشفتُ أن القرية كانت مشهورة بكتابة التقارير الأمنية، هذا ما أخبرني به مقدم في الأمن السياسي في حلب بعد منعي من السفر عام 2007.

في الأتارب ايضاً جوامع كثيرة، كان أحدها لجدي عبد الله، الذي أصرَّ مرةً على تعليمي الأذان على الهواء مباشرةً، وبقيت أؤذن العشاء لنصف ساعة، وهو يصحح لي ويجبرني على الإعادة من جديد، وحين عدتُ إلى البيت زغردت أمي وهي تقول: «يسلملي هالصوت».

أغلبُ جوامع المدينة لا تؤذن مع بعضها في الوقت نفسه، لأن كل جامع يريد أن يستفرد بالأذان ليسمعه أهل التيرب بعزفٍ منفرد، لذلك لا يعوّل الناس إلا على أذان الجامع الكبير، ولا يفطرون في رمضان إلا على أذانه، بمن فيهم جدّي. لم يتظاهر أهالي التيرب في الجامع، إنما في ساحة سموها ساحة الحرية، ورغم ذلك لم يسلم الجامع الكبير بعد ذلك من القصف.

بعد انقطاع أخبار أهلي في التيرب لعدة أشهر عام 2012، قررنا أنا وأخي حايد أن نتوجه في آب من بيروت إلى الحدود التركية ثم التيرب. التقينا مع أخوي الآخرين في معبر باب الهوى، لم نتحدث بل تعانقنا بصمتٍ فقط، وبكى أخي الكبير. في الطريق الى البيت كنتُ مصدوماً من مشاهد الدمار والمركبات المحطمة، ومن انتشار السلاح.16729609_10154839310040168_1849963735_n

كانت بواريد الكلاشنكوف تتدلى على الكتف، وتم استبدال الموبايل بـ «القبضات». حين وصلنا الى الأتارب التفّت السيارة عند مفرق قرية السحارة مقابل مخفر المدينة المحروق، وعليه مزيجٌ من كتابات «المخابرات الجوية مرت من هنا»، وكتابات «حرية» و«لا للطائفية». حين سألتُ أخي لماذا غيرّ الطريق، أجابني بأنهم تركوا منزلنا في المدينة، ويقيمون الآن في قرية أخرى ريثما تهدأ الأوضاع. كانوا 12 شخصاً يقيمون في بيت من غرفتين وصالون، والبيت محاطٌ بخمس حفر صغيرة علمتُ لاحقاً أنها أماكن سقوط قذائف. أمام المنزل سيارة أخي «الرينو»، وهي محروقة بالكامل نتيجة سقوط صاروخ عليها.

حين دخلنا البيت بكى أبي، وضمتنا أمي دون أن تتحدث. خافت زينة، ابنة أخي أحمد، وليمار، ابنة أخي الكبير، واختبأتا. ابن أخي مهدي حدّثني عن الطيران والقصف، أما حمودة فأراني قصيدة كتبها عن الحرية والأغاني التي ألّفها للمظاهرات. أمي قالت إنها ستطبخ «كبة» على شرفنا، وأبي يحدّق بنا بحزنٍ ويبكي مجدداً.16754104_10154839305475168_2019868241_n

خلف المنزل سيارة «بيك آب» معطلة، فيها ثقبٌ في الزجاج الأمامي نتيجة رصاصةٍ قتَلَت ابن صاحب البيت. كانت هناك قطة سوداء تجلس على «البيك آب»، في مشهدٍ اعتبرتُه أبلغَ ما يمكن أن يصف شعوري حينها. نظرتُ في عينيها الثابتتين لثوانٍ رأيتُ فيها أعماق رأسي. جفلتُ على صراخ حمودة: «هيلوكبتر». قلتُ له: «أنت تتوهم…. لا يوجد شيء»، فاصطحبني الى السطح وأشارَ الى السماء، لم أرَ شيئاً. أصرَّ عليّ فدققتُ أكثر وشاهدتها ثم سمعتُ صوتها، باتَ الذين يعيشون هنا يسمعون ويرون أقوى مما أفعل، غريزة البقاء ربما.

جلسنا جميعاً في غرفة واحدة، 14 شخصاً. فكرت: صاروخٌ واحد ونفنى جميعاً، صاروخٌ واحد وينتشر فيديو إضافي على اليوتيوب، والمصور يقول: «هي إصلاحاتك يا بشار»، ويتبعها نعواتٌ على فيسبوك: «مصطفى… شهيداً جميلاً».

قاطعتني زينة: خالو….

صحّحَ لها أبوها: عمو.

قالت زينة: عمو… شكّت.

لم أفهم، فسألتها: شو؟

فأجابت أمي: قصدها عالطيارة.

شرحَ لي أخي أحمد أن طائرة الميغ حتى تهاجم عليها أن تميل بمقدمتها نحو الأسفل كأنها تهبط حتى تتمكن من إطلاق الصورايخ على الأهداف، ويقول الناس عن هذه الحركة: «شكّت الميغ»، ويميزونها من صوتها، فإذا «شكّت» الميغ يخبر الناس بعضهم بذلك، دون أن يأخذوا حذرهم أو يوقفوا ما يقومون به. يقولن «شكّت» وكأنهم يلقون التحية أو يسألونك «شلونك؟». تعرفُ زينة بضع كلمات فقط، ومنها هذه المفردة، «شكّت».

مساءً، نتبادلُ أنا وأخي حايد الأدوار، بين اللعب مع الأطفال والحديث مع باقي أفراد العائلة. جلستُ بين زينة ومهدي وليمار، ورويتُ لهم قصصاً «شكت» فيها السكاكر و«الجوكولاتا» من السماء.

لا يوجد كهرباء هنا، جلسنا على ضوء الشمعة من دون «رومانس». كان السواد بليغاً ويغني عن الكلام، بدت وجوه أهلي كأنها تماثيل من الشمع. جلسنا نشرب الشاي بصمتٍ ونحن نسمع صوت انفجارات بعيدة، وأمي تقبلني أنا وحايد من وقتٍ لآخر. لم أشعر بحزنٍ وانقباضٍ بهذا الحجم من قبل. نامت أمي بيني وبين حايد، وأحسستُ عليها ليلاً أكثر من مرة وهي تقبلني وأنا نائم. استيقظتُ على صوت دعاء أبي وهو يصلي الفجر، ويسألُ الله أن يحمينا مردداً الأسماء اسماً اسماً، ليتأكد من أن دعائه قد وصل وأنه يشمل الجميع فرداً فرداً.

في اليوم التالي ونحن نتجول في سوق المدينة ونشاهد آثار البراميل والرصاص، سمعتُ قصصاُ مختلفة عن اقتحام الجيش والأمن للأتارب. يومها سمعتُ لأول مرة عبارة «فالنتاين الأتارب»، وتكررت العبارة في أكثر من مكان. لم نستطع حينها رؤية كامل المدينة، لأن قسمها الشرقي كان ما يزال تحت خط نار القناصات. أتذكرُ أنني تعلمتُ في الثانوية في أحد دروس «التربية العسكرية» أن ذلك يدعى «المدى المجدي للسلاح»، أي آخر نقطة يمكن للسلاح أن يقتل فيها. كانت المنطقة الشرقية من الأتارب ضمن المدى المجدي للقتل، وستبقى كذلك لسنوات بعد ذلك.

مساءً حين جلسنا نحن الأخوة الأربعة نشرب الشاي وندخن «التتن»، سألتُ أخي أحمد عن «فالنتاين الأتارب». أخبرني أن الجيش اقتحم المدينة في 14 شباط، لذلك أطلق الناس على هذا الحدث اسم «فالنتاين الأتارب».

وأنا أقطعُ الحدود السورية التركية، ذاهباً إلى المطار حيث الطائرة التي ستعيدني إلى بيروت، متحدثاً عن «المساءلة» في بروكسل، متجولاً أمام الورود الحمر في اسطنبول، لم أتوقف عن التفكير في هذه المفارقة: البلدة التي لم تشهد في تاريخها أي مظهر من مظاهر الفالنتاين، أطلقت هذا الاسم الرومانسي على ذاك الحدث الدموي. مفارقة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة من تاريخ البلاد في السنوات الستة التي مضت. في كل شباط أتذكر «فالنتاين الأتارب» كما يتذكره أهلها، وفي هذه المناسبة لا أقول «هابي فالنتاين» لأهلي وإنما «تنذكر وما تنعاد».

في هذه السنة يمرّ «فالنتاين الأتارب» الأول بدون أخي الصغير أحمد، الذي قتلته قذيفة على أطراف حلب، وبدون ابن اختي، ذي السنة، الذي قتله برميل متفجرٌ في حلب أيضاً. لم أستطع أن أودع أحمد، ولن نعيش لنعمل معاً على جعل الفالنتاين جميلاً كما ينبغي. فالنتاين نتبادل فيه الورود، وأقول فيه لأخي «هابي فالنتاين أبو حميد»، فيبادلني بإشارة بذيئة ساخراً وهو يضحك.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

مصطفى حايد

آخر مقالات مصطفى حايد (استعراض الكل)