في معنى أن يكفَّ اللاجئ عن كونه لاجئاً

لاجئون يعبرون أوروبا باتجاه ألمانيا مشياً على الأقدام / EAPلاجئون يعبرون أوروبا باتجاه ألمانيا مشياً على الأقدام / EAP
image_pdfimage_print

عندما قامت الثورة في سوريا كان السوريون يعرفون بثقة تقارب درجة اليقين، عند نسبة عظمى منهم، إلى أين ستفضي داخل سوريا تحديداً. هناك أقلية امتلكت السطوة والنفوذ والمال والسلاح على مدار عقود طويلة، وما كان من الممكن بأي حال من الأحوال لأي من «التطمينات» أن توصلهم إلى التخلي عن كل هذا دون قتال، والقبول بتلك «الأخوة» التي نادى بها السوريون، ما عداهم.

ما لم يتوقعه السوريون كان أمرين: الأول هو أن ذلك العالم «الحر»، كما يحبّ أن يصف نفسه دائماً بالمقارنة مع البقية، والسوريون كانوا من تلك البقية، سيقفُ موقف المتفرج من فظائع فاقت كل خيال مهما بلغت درجة مرض ذلك الخيال؛ والثاني هو أنهم، وعلى دفعات وبتسارع زمني مدوخ، سيجدون أنفسهم، من بقي منهم على قيد الحياة، وقد أصبحوا في غالبية كبيرة منهم لاجئين، داخل سوريا وخارجها على حد سواء.

كلاهما، موقف العالم «الحر» وحالة اللجوء، تراكبا بطريقة بات فيها من الصعب عليهم الفكاك من إحساسٍ بالنفي الكامل، دونهم ودون الخروج منه صعوبات ضاعفها هذا الصمت المريب فعلاً تجاه مأساتهم. بحيث إن تكلم أحد ما عن مأساتهم فإن الكلام بأكمله لم يعد يعني إلا شيئاً واحداً: هؤلاء لاجئون وعلينا أن نجد حلاً لمشكلتهم. أما عن الأسباب، وعن كون هؤلاء اللاجئين بشرٌ ثاروا من أجل حريتهم وكرامتهم، فتلك مسألة بات تغييبها مطلباً ملحاً بقدر إلحاح إيجاد حل لمشكلة باتت تقتصر فقط على جانبها الإنساني، وفيما يخص حالة اللجوء حصراً!

يدرك السوريون تماماً ما تعنيه كلمة «نذالة»، عاشوا في ظلها أربعة عقود طويلة كابوسية. ما لم يدركوه، ولن يفلحوا في هذا قط، هو ذلك الصمت الهائل الذي واجههم وهم يذبحون. وما زاد الطين بلة هو أن الأصوات عندما علت للتحدث في مأساتهم، جردتهم من صفتهم التي دفع كثيرون منهم حياتهم من أجلها، ثوار ضد نظام طاغوتي مجرم. صاروا مجرد لاجئين فارين من حرب أهلية!

لم تكن المسألة هكذا، أو على الأقل لم يتخيل أولئك السوريون تعيسو الحظ أن هذا ما سيحدث، أن الأمر سيؤول عندما يتناولُ العالم مأساتهم إلى الحديث بصوتٍ خافتٍ جداً عن السبب الحقيقي لتلك المأساة، وباعتباره واحداً فقط من بين أسباب أخرى.

كان الأمر، في بداياته، محسوماً: هناك طاغية معتوه يعرف العالم كله كم هو كذلك فعلاً، لكنه صامتٌ لأن السوريين ظلّوا صامتين. أما وأنهم تكلموا وخرجوا مستعدين لدفع كل ثمن مقابل حريتهم، فإن الأمر بات واضحاً، وما على العالم إلا إدانة المجرم والعمل على حماية المدنيين في أرضهم من وحشيةٍ كان السوريون يعرفون سلفاً إلى أي مدى يمكن أن تصل. وتلك الحماية، هي الحد الإنساني الأدنى المفروض على عالم يسمي نفسه حراً، هو ما لم يحصل حتى اللحظة.

النفي هنا يكتسب معنى جديداً لم يعهده السوريون، وهم الذين خبروا المعنى الذي اعتقدوا أنه أكثر بشاعة للنفي، النفي داخل بلادهم طيلة عقود. فأن تُصنَّفَ فقط بصفتك لاجئاً هارباً من حرب أهلية، لا يعلم أحد، ولا يريد أن يعلم، كيف اندلعت، هو إطلاق صفة عليك دون إرادتك تماماً كما كان يُصنَّفَ معظم السوريين، سابقاً، بصفتهم «محبيّن» أو «موالين» لنظام الأسد!

«ندرك تماماً صعوبة الأمر في بلدك الآن… ولكني مضطرة أن أسألك هذا السؤال… إن كان ردنا على طلب اللجوء الذي تقدمت به بالنفي، فهل ستمتثل وتعود إلى بلدك؟!»، تقول لي المحققة في جلسة التحقيق التي عُقِدَت للنظر في طلب لجوئي.

«هل ستضمنون لي بأن السفاح سيتوقف عن القتل، إن لم تتمكنوا من مساعدتنا في إزاحته؟»، أجبتها.

«هذا ليس موضوعنا… في كل الأحوال سؤالي روتيني ولن نتمكن من إعادتكم إلى بلادكم إلا بعد أن تتوقف الحرب هناك ويصبح الوضع آمناً»، أجابت المحققة وهي تبتسم وتنهي الجلسة.

الابتسامة «الذكية» للمحققة كانت واحدة من ابتسامات كثيرة، أغلبها متعاطف إذا أردتُ قول الحق، طالعتني بها الوجوه هنا وأنا أتحدث عما حصل لنا في تلك البلاد «الغامضة» بالنسبة لهم.

هذا التعاطف، الذي يلي عادة «الدهشة» عند الاستماع إلى بعض مما يعانيه السوريون حتى اللحظة في ظل نظام عصابة المعتوهين، كان ينعكس بدوره دهشةً مضادة من طرفي: «أيعقل أنهم لا يعرفون فعلاً حقيقة ما حصل، وفي زمن كزمننا هذا؟!»، كنتُ أسأل نفسي دائماً.

احتاجَ الأمر إلى وقت وإلى أسئلة مضنية من طرفي لأفهم في نهاية المطاف أن دور الضحية المكتفية بمأساتها، وبتكرار ما حصل دون كلل وبالطريقة نفسها، لن يقودني، في أفضل الأحوال، إلا إلى أن أصبح لاجئاً في ظروف أفضل! أما أن تكون خارجاً من بلاد خاض أبناؤها ثورةً كان لك شرف المشاركة في بعضٍ من وجوهها، فذلك أمر يتطلب موقفاً مختلفاً لن تطلب الإذن من أحد للأخذ به. إنه تماماً كما الثورة التي يفترض أنك شاركتَ بها، ولم تطلب إذن أحد.

يمكن لابتسامة ودودة وكلام لطيف أن يخفف من حدة إحساسك بأنك منفيّ. والمعنى الأشد إيلاماً للنفي، بالذات لأولئك الذين وصلوا إلى البر الأوروبي، هو أن لا أحد يفهم لمَ تركت بلدك إلا بسبب أن سكانها قرروا، فجأة، قتل بعضهم بعضاً. ولكن تلك الابتسامات الودودة والكلام اللطيف ليسا إلا تطييب خاطر مؤقت لن يلبث أن ينتهي مفعوله مع أول مواجهة لحقيقةِ أنك ما تزال في نظر كل من لم تلتقِ بهم بعد لتشرح لهم حقيقة ما حصل في بلادك، وهم الغالبية الكاسحة من الناس الذين تعيش بينهم الآن، ما زلت لاجئاً هارباً من حرب مجنونة يخوضها مجموعة من المجانين.

ما يضيف إلى الضيق ضيقاً حقيقةٌ أخرى أشد وطأة، وهي أنك بدورك تعيش على ما يدفعه أولئك، غير المعنيين بحقيقة مأساتك، من رواتبهم كضرائب يُحَوَّل جزءٌ منها لإعانة اللاجئين.

وربما كانت البداية الحقيقية لـ«موقفٍ»، حقيقيٍ بدوره، يجب أن تكون من هنا. الخروج من حالة اللجوء بمعناها المباشر كشخصٍ يعيش على المعونات، هو الخطوة الأولى باتجاه الخروج من حالة النفي.

منذ بضعة أيام حصل أحد أصدقائي على درجة لجوء متدنية في الدولة التي لجأ إليها، فقرر تقديم دعوى استئناف ضد هذا القرار مطالباً بدرجة لجوء أعلى. سأله صديق له من مواطني تلك الدولة عن السبب الذي دفعه لفعل هذا، إذ ما دام قد حصل على اللجوء ولو بدرجة متدنية، فيمكنه أن يبدأ منها للمطالبة بدرجة أعلى عبر نجاحه في مشروع الاندماج الذي تشرف عليه الدولة. طبعاً يمكن قول الكثير عن مشاريع الاندماج تلك ومدى جديتها، ولكن في سياق أوسع من موضوعنا هنا، وهو الأمر الذي لم يخطر في بال صديقي الذي كانت إجابته، العفوية، أنه تعب من الانتظار الطويل، وامتيازاتُ الدرجة الأعلى أفضل وبكثيرٍ من ناحية التعويض المالي والسكن!

كانت ردة فعل المواطن سيئة جداً، لدرجة أنه ردَّ مباشرة قائلاً إنه لم يتوقع تلك الإجابة مطلقاً، ومن شخص ظنه أقدر من غيره بكثيرٍ على الاندماج والدخول في سوق العمل بسرعة أكبر!

ربما كان بإمكان صديقي «الالتفاف» على السؤال بالقول إن الحماية التي تؤمنها درجة اللجوء الأعلى أكبر بكثير من تلك التي تؤمنها الدرجة التي حصل عليها، وهو في كل الأحوال لن يكون كاذباً كونه إن أعيد إلى سوريا، حسب ما تقتضي درجة اللجوء التي حصل عليها في حال قرر المجتمع الدولي أن الوضع في سوريا صار سليماً حتى مع بقاء الأسد وعصابته في السلطة، فإنه سيصبح في خطر محقق هو وأفراد أسرته. ولكنه اختار ما كان يراه أكثر أهمية لحظتها، التعويض المالي الأكبر والسكن الأفضل!

الحادثة هذه تضيء على حالة معظم اللاجئين السوريين في الدول الأوروبية للأسف الشديد. أصبحَ «النضال» هنا مقتصراً على ذلك الذي سيقود إلى خلاصٍ فردي دون أي تفكير بأفق حقيقي، فردي قبل أن يكون جماعياً مثل ذلك الذي خاطر السوريون بأرواحهم من أجل الوصول إليه في بلادهم. اللجوء حالة ركون واستكانة لن تلبث بدورها أن تتحول إلى «مهنة» إن بقي اللاجئ مصراً على أنه جاء من ثورة عظيمة تنكَّرَ لها العالم كله، دون أن يقدم أي مثال يدعم «فرضياته» أمام من هم معنيون أولاً وقبل أي شيء آخر بالتخفيف من عبئ مصاريفه على كاهل ميزانيات دولهم، التي يدفعونها من جيوبهم.

الأهم أن حالة الركون تلك تصيب صاحبها ببلادة لا يمكن تقدير عواقبها، إلى درجةٍ تفقده حتى الإحساس بالخطر، الذي يفترض أنه داهمٌ في حالة صديقي أعلاه واحتمالُ إعادته إلى سوريا قائمٌ مع بقاء نظام العصابة الأسدية، إلى درجة أنه ينسى ذلك الخطر ويظن أنه وصل إلى بلاد الحليب والعسل، وما عليه إلا الاستزادة.

والنتيجة هنا ستصبح اسطوانة مكرورة لن يلبث أن يمل أصحابها أنفسهم منها، ويبقونها للعرض في المناسبات. يتباكون قليلاً ويضحكون أكثر على حظٍ أصابهم وجعلهم في مأمن مما تعرض له غيرهم من أهوال، من أصحاب الحظ السيء الذين لم يستطيعوا تأمين لجوء «مريح ومربح» كما فعلوا هم!

والحق أن مقارنةً بين «امتيازات» اللجوء التي تبقي اللاجئ المعني يعيش في إطار الحد الأدنى الممكن للحياة بمقاييس الدول التي لجأ إليها من ناحية السكن والمعيشة والتأمين الصحي، وبين الجهد الذي كان يبذله الشخص المعني للوصول إلى هذا المستوى في بلده الأم، سوريا في حالتنا، لن يكون لصالح الحالة الثانية إطلاقاً. «هنا» يمكنكَ أن تصل وبدون أي جهد إلى ما كنتَ تبذل جهداً خارقاً للوصول إليه «هناك».

يمكن لمن يشاء أن يقف بالمقارنة عند هذه الحدود. ولكن عليه بالمقابل القبول بحالة النفي التي فُرِضَت عليه، مجرد لاجئ من حرب أهلية أشعلها مجانين، كان هو واحداً منهم. وهو فوق هذا يعيش عالة على نظام مساعدات قد يئن في يوم من الأيام تحت وطأة أفواج لاجئين آخرين من دول أخرى تتحكم بها عصابات أخرى تأثرت بكون الأسد وعصابته قد نجوا بفعلتهم، ويلقيه خارجاً دون أي لحظة تردد.

قد تأتي هذه اللحظة وقد لا تأتي. والحق أن أكبر مخاوف «أصحاب النعم» من الراضين بنفيهم ولجوئهم، في أوروبا، تكمن في هذه النقطة بالذات. والعيش في ظل هكذا مخاوف له ما يبرره وهم يرون بأم أعينهم ما هو حجم الجهد الذي يبذله المواطن، جارهم، للعيش في ذلك المستوى الذي يعيشون على حافته بفضل جهد هذا الجار. والعيش في ظل الخوف يعني أن من خرج ثائراً يوماً، ورضي بالتوقف عند كونه لاجئاً في اليوم التالي، عاد إلى أسوأ مما كان عليه قبل أن يثور.

هنا ستفقد المقارنة أعلاه بين «هنا» و«هناك» أي معنى لها، وتتحول وبالاً على رؤوس من اكتفوا بالوقوف عندها. ليس لأن احتمال طردهم خارج «جنة» اللجوء، أو حتى تقليص مصاريفهم إلى الدرجة التي يصبحون فيها مضطرين إلى التسول فعلاً، بات مؤكداً، وهو ما قد يحدث أو لا يحدث أبداً، وتباشيرُ صعود اليمين في أوروبا والغرب عموماً تلوح في أفقٍ كالحٍ وشديد التجهم في وجوه الوافدين الجدد من أفواج اللاجئين، بل لأنهم سيعيشون في ظل هذا الخوف دائماً وأبداً طالما لم يقدروا على الخروج من حالة اللجوء تلك؛ وهي نفسها حالة الخوف التي خبروها في ظل النظام الهمجي الذي فروا منه. وهنا يصبح النفي مضاعفاً، نفيٌ أوليٌّ فُرِضَ على اللاجئ حين وصوله، وآخر اختياري رضي اللاجئ أن يبقى فيه في ظل خوف وقلق لن ينتهيا.

المخرج من تلك الحالة، ومن النفي بكل معانيه، بما فيه ذلك المعنى الذي يحرمك الحق في أن تقدم نفسك كما تراها فعلاً، لا يمكن أن يتم إلا عبر المسلك المتاح، وهو متاح وميسر أكثر لـ «أصحاب الحظوظ» ممن استطاعوا الوصول إلى البر الأوروبي. أي أنا لستُ لاجئاً، أنا شخصٌ فاعلٌ في المحيط الذي وجدتُ نفسي فيه، ولو بدون إرادتي، وعليَّ أن أتابع طريقي ما دامت الفرص مفتوحة أمامي لذلك، ولن أصمت عن أي من الانتهاكات التي حصلت بحقي في بلدي الأم، وسيكتسب كلامي عن تلك الانتهاكات معنى أكبر وأكثر وضوحاً وفعالية ما دمتُ قد أصبحتُ جزءً من المجتمع الجديد الذي وجدتُ نفسي فيه. ولهذا بالذات لن أصمتَ عن أي انتهاك قد أراه في البلد الذي استقبلني، كل هذا لأنني خرجتُ يوماً وقلتُ كلمة حق، ومنذ تلك اللحظة ولدتُ فعلاً من جديد. بهذه الطريقة نحن لا نخدم أنفسنا فحسب، بل وإخوتنا ممن تعثرت بهم السبل ولم يستطيعوا الوصول إلى ما وصلنا إليه.

بغير هذا لن نتمكن من الخروج من تلك الحالة ومواجهتها، اللجوء الذي تحول إلى نفي كامل. وبهذا سنتمكن من أن نفرض على الجميع أن ينظروا إلينا بعين الاحترام، ذلك المطلب الذي دفعنا من أجله ثمناً باهظاً في مواجهة من كان يفترض بهم أن يكونوا جيراننا وأصدقاءنا، وحتى إخوتنا في وطننا الأم.

الشعور بالغدر، وبالذات من «ذوي القربى»، مؤلمٌ جداً، ولن نتجاوز هذا الشعور أبداً، شعور الضحية التي لم تفهم لماذا أصبحت كذلك، إلا عبر الاندماج في ذلك الأفق الجديد الذي شاءت، ربما، الصدف وحدها أن يُفتَحَ أمامنا.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري من مواليد دمشق. مهتم بالقطاع الإعلامي بحكم عمله السابق فيه خلال تواجده في دمشق قبل اللجوء.