جانب من لوحة «في غيابنا / In our absence»، ليسلي أولداكر / Lesley Oldaker، سويسرا.

مطاردة الغياب إلى بوابة سجن صيدنايا


كان صدور تقرير منظمة العفو الدولية عن سجن صيدنايا كارثةً حقيقية على السيدة سعاد التي تنتظر خبراً عن ولديها منذ أكثر من ثلاث سنوات، تركت مكانها الذي اعتادت الجلوس فيه كل يوم بالقرب من النافذة بعد أن أمضت ساعات في قراءة التقرير، مسحت دموعها وسلّمت أمرها لله.

سعاد أمٌ لشابين، استطاعت رغم مواردها القليلة التي كانت تحصل عليها من وظيفتها في معمل الشرق سابقاً في حي عين التل في حلب، أن تعلم طفليها ليصبح أحدهما طبيباً والآخر مهندساً للاتصالات. كانت الحياة قد بدأت تضحك لها على حد قولها، خصوصاً بعد أن أقامت عرساً مشتركاً لولديها ليتشاركا معها بيتها الكبير الذي تركه لها زوجها في حي الجابرية، بعد أن توفي وترك طفليه الصغيرين لتربيهما والدتهما التي رفضت الزواج مجدداً.

الولدان كل حياتها، حتى بعد أن زوجتهما في عام 2008 لم يكن أحدهما يستطيع مفارقتها، كان الدخول إلى غرفتها لأخذ الرضا هو الحدث الاعتيادي اليومي وقت الخروج والدخول إلى البيت.

مع بداية الثورة السورية في مدينة حلب كان الخوف يسكن سعاد على ولديها في كل لحظة، كانت تخشى أن يأخذهما الجيش «احتياط» كما كانت تسمع من الإشاعات التي راجت وقتها في المدينة، بالإضافة إلى تحول بيتها إلى مكان خطر نظراً لكونه قد أصبح قريباً من خط الجبهة، فالثوار في حي كرم الجبل على بعد 1 كم تقريباً من بيتها وربما أقرب من ذلك، والجيش في ثكنة هنانو التي لا تبعد عن بيتها مئات الأمتار.

انتشرت الحواجز وصار الدخول والخروج إلى الحي في عام 2013 أشبه بالدخول إلى حقل ألغام، كل هذه الظروف جعلت السيدة سعاد وولديها يتخذون قراراً بالرحيل نحو مناطق حلب الشرقية التي يسيطر عليها الثوار، فالخوف من الاحتياط كان أكبر من الخوف من الموت، ناهيك عن الروح الثورية والتعاطف الضمني الذي كان يملأ قلب ولديها.

حيّ طريق الباب، وتحديداً بناية الباخرة كما تسمى لكثرة عدد المساكن فيها، كان المكان الذي احتوى محمد وعروة وأمهما وعائلتيهما. كان الإجراء الأخير الذي على الشابين أن يقوما به استخراج جوازات سفر لهما ولعائلتيهما، بعد إصرار أمهما على ذهابهما واستخراج الجوازات، فربما دعت الحاجة للسفر خارج البلاد.

 

بداية الغياب

خرج الشابان ولم يعودا يوم 11/9/2013، لتبدأ رحلة بحث الأم عن ولديها مع تعاظم إحساسها بالذنب، ففي كل مرة كانت تحمّل نفسها المسؤولية عن اعتقالهما، دون أن تكتفي بذلك بل ترفقه دائماً بلطمة على الوجه، ودمعة لا تفارق وجهها.

في ذلك اليوم الذي لا يُنسى عند سعاد، تأخر الوقت ليلاً ولم يكن هناك اتصالات لتطمئن عليهما. لم تنم تلك الليلة، راودتها كثيرٌ من الأفكار، ظنت أنه من الممكن أن يكون الطريق قد أُغلق أو أن الليل منعهما من العودة. مفاتيح بيتها في حي الجابرية ما زالت معهما، ربما باتا ليلتهما هناك، وربما اعتُقِلا، وكلما خطر في بالها هاجس اعتقالهما كانت تزيحه عن بالها، رغم أن ثقله كان الأعظم على روحها والأكثر مراودة لها.

مرَّ اليوم الثاني ولم يعد محمد وعروة، فقررت الذهاب للبحث عن ولديها. في المبنى سألت جيرانها الذين أكدوا عدم رؤية الشابين، زاد الخوف وبدأ قلبها يهبط إلى الأرض، ركبت سيارة تكسي نحو مبنى الهجرة والجوازات، ولكنها أيضاً وجدت الطريق مسدوداً والأجوبة متشابهة، لم يأت ولداها إلى هنا.

لم تستطع سعاد تحديد المكان الذي اعتُقِلَ فيه ولداها، عادت إلى طريق الباب، أوقفت سائقي السرافيس في اليوم التالي ومعها صورهما، ولكن لا فائدة إذ لم يستطع أحد التعرف عليهما. وحتى لو أن أحداً كان قد رآهما، فالحافلات لا تمرُّ نحو مناطق النظام في القسم الغربي من المدينة، بل تصل إلى معبر بستان القصر أو معبر الموت كما كان يسمى، هناك ينزل الجميع ويبدؤون رحلة قطع الكيلومتر الأصعب في حياتهم أمام رصاص القناصة في أيامٍ تشبه القيامة.

أمضت سعاد ثلاثة أيام في حي طريق الباب، عادت بعدها إلى بيتها في حي الجابرية الخاضع لسيطرة النظام مع عائلتي ولديها، فرحلة البحث عنهما ربما تطول، وربما يغلق الطريق نحو الأحياء الغربية، ولذلك قررت العودة مجدداً إلى بيتها: «كنت أعرف أن العودة ستزيد من ألمي، كل ركن في البيت يحمل رائحة ووجه أحدهما، صورهما كانت تلاحقني في نومي، وكنتُ أسمع أصواتهما في أذني كيفما اتجهت».

 

مطاردة الغياب في حلب

راجعت سعاد فرع الأمن الجنائي، وطُرِدَت من أمام فرع الأمن العسكري، ولم تستطع الوصول إلى بوابة فرع المخابرات الجوية، ولكنها لم تيأس. في السادسة صباحاً من كل يوم تخرج لتعيد الكرة نفسها، ورحلة التنقل بين الأفرع، معظمهم كانوا يشتمونها ويشتمون أولادها، وفي أحسن الأحوال يكتفون بالقول: «ليسا عندنا».

ما الذي يمكن أن تفعله امرأة ستينية سوى الانتظار، وملاحقة كل بصيص ضوء مهما كان صغيراً، والمضي خلفه والتملّق له، وربما الدعاء له.

من خلال رحلاتها البحثية المكوكية التي لم تتوقف طوال الشهرين التاليين، تعرفت على كثيرٍ من النساء والرجال الذين يكادون يتطابقون معها في المصيبة، ويختلفون في الأسماء، هناك لا وقت لسماع القصص، الجملة الأكثر تعبيراً وتردداً على الألسنة: «أبنك هون؟»، والاكتفاء بإيماءة من الرأس بالموافقة.

اكتشفَت بعد فترة قصيرة أن بعض الذين يسألون لم يكونوا من الذين لديهم أبناء في المعتقلات، وإنما كانوا عبارة عن أشخاص مزروعين في المكان للقيام بعمليات النصب لصالح شخص ما أو جهة ما. يصطادون «زبائنهم» ويستغلون الحاجة والألم الذي يعانيه أهالي المعتقلين، يبيعونهم الأمل بمبالغ كبيرة، ثم يقفلون خطوطهم الهاتفية، ويغيرون أماكن تواجدهم، ليبحثوا عن أشخاص جدد يعيدون عملية النصب عليهم، وبيع الحلم مرة أخرى.

هم أشبه بما كان يسمى في السابق «وشيشة الكراج»، الذين يصرخون بملء أصواتهم على الرحلات المتجهة للمحافظات، أحياناً يقسرون المسافر على الركوب في إحدى الحافلات، يحملون حقيبته رغماً عنه ويوصلونه إلى مكتب الحجز، ويشيرون إلى حافلة فخمة على أنها للرحلة القادمة، وبعد أن يدفع المسافر المال يتركونه للبحث عن مسافر خجول آخر، يتركونه ليسافر في حافلة تشبه باصات «الهوب هوب»، يعاني تعب الطريق.

الوشيشة في كل مكان ومن كل الشخصيات، نساء اعتدن التمثيل، يبكين بحرقة على أبناء وهميين، وعلى قصص استعرنها من أشخاص آخرين كانوا ضحية مصائدهن، أو رجال ببدلات رسمية ووقار.

يكفي أن يقذف أحدهم اسماً لشخصية عامة أو محامٍ كبير على حد قولهم، لتتمسك أنت بهم وتلاحقهم وترجوهم إخبارك عن المكان والطريقة.

التقطت سعاد بسرعة اسم المحامي علاء من مدينة حلب، الذي ربما كان اسمه مستعاراً. تقول إنها شاهدت بعينها اسمه مكتوباً على لافتة أمام مكتبه في الطابق الثالث من أحد المباني في حي الجميلية، بعد أن أوصلتها إليه امرأة التقتها بالقرب من فرع الأمن العسكري، أخبرتها أن المحامي الآن في الفرع لرؤية ابنها المعتقل والاطمئنان عليه، وأنه سيأتيها بصورة له أو تسجيل صوتي. انتظرت سعاد مع «الوشيشة» لأكثر من ساعة، لتأتيها عبر الواتس آب صورة لابنها المعتقل كما قالت، بكت واحتضنت الهاتف، دعت للمحامي وكادت يدها تطال السماء وهي تقفز.

مئة وخمسون ألف ليرة كان المبلغ الأولي الذي على سعاد أن تدفعه للمحامي للقبول بالبحث في البداية عن مكان تواجد ولديها، وبعد محاولات من الشكوى والبكاء قبل بمئة ألف.

عندما خرجت سعاد من مكتب المحامي بعد أن دفعت النقود، كانت سعيدة وموقنة أنها ستسمع خبراً عن مكان أولادها خلال ساعات أو ربما أيام على أكثر تقدير. عادت إلى البيت ووضعت هاتفها الخليوي قرب النافذة حتى لا يضيع برج التغطية: «كنتُ أنظر إلى الهاتف كل دقيقة، وأشعرُ أن عمراً كاملاً قد مضى. مرَّ يومان ولم أتلقَ اتصالاً هاتفياً، فعدتُ إلى مكتب المحامي الذي أخبرني أنه ما زال يبحث، وأن ولديَّ غير موجودان في ثلاثة أفرع بحث فيها، وأن كل عملية بحث تقتضي أن يدفع النقود، وأن عليَّ الانتظار حتى يتصل بي».

جارتها في الطابق الثالث أخبرتها عند عودتها إلى البيت أن هناك كثيراً من حوادث النصب التي سمعت عنها، راجيةً أن يكون هذا المحامي من الشرفاء القليلين الذين بقوا في المدينة. وبدون تفكير وجدت السيدة سعاد نفسها تدافع عن المحامي، ساردةً قصة المرأة التي رأتها أمام الفرع، وأن لهذا المحامي مكتبٌ معروف واسمٌ شهير.

كانت تدافع عن نفسها ربما أكثر من دفاعها عن المحامي، كانت تريد للأمل أن ينمو في داخلها، وربما بالأصح كانت تدافع عن حقها في التشبث بحياة ولديها.

أسبوعٌ مرَّ ولم يتصل المحامي فعادت إليه سعاد، هذه المرة كان وجهه حزيناً. نفخ في الهواء وفرك يديه إحداهما بالأخرى، وأشعل سيجارة وبدأ حديثه عن اللصوص والمرتزقة والبلد التي لا يحكمها قانون، وأكمل أنه لم يجدهما في أي من الأفرع، وأن ولديها ربما اختطفا من قبل الفصائل المسلحة على حدّ قوله، أو ربما تم ترحيلهما إلى مدينة دمشق حيث محكمة الإرهاب، ونادى سعاد بـ «أمي» مؤكداً أنه سيقف إلى جانبها وسيبحث عنهما في مدينة دمشق، ولكن مثل هذه الأمور تتطلب جهداً إضافياً وأموالاً أكثر.

هذه المرة أخذ خمسين ألفاً فقط لأنه تعاطف مع الحالة، مؤكداً أن هذه النقود ليست له ولكنه سيرسلها لصديق له في دمشق يعمل في المخابرات للسؤال عن ولديها.

شهرٌ واحدٌ كان كفيلاً بأن تفقد سعاد الأمل من هذا المحامي، وتعاود البحث عنهما وتذهب مرة أخرى لتطرق أبواب الأفرع الأمنية، هذه المرة هددها أحد العناصر الذين يحرسون مبنى فرع أمن الدولة في المحافظة طالباً منها عدم العودة إلى الفرع، وأنه في المرة الأخرى سيعتقلها إن رآها.

معظم معارفها لم يستطيعوا مساعدتها في أي شيء، بعضهم كالمهندس الذي كان رئيسها في عملها السابق، وهو من «أهل الساحل»، قال لها ألّا تعاود الاتصال به مجدداً، وكثيرٌ من معارفها كانوا يرجونها ألّا تفتح هذا الحديث مرة أخرى «فالحيطان لها آذان».

في نهاية عام 2015، وبعد مرور سنتين على اختفاء ولدي سعاد، وبعد أن استكانت واستسلمت لليأس ونفذت نقودها، عادت فكرة البحث عن ولديها للظهور على السطح، هذه المرة عن طريق «أحمد.خ» أحد أبناء الحي الذي كان قد التحق بإحدى مجموعات الشبيحة. هو من اعترض سبيلها هذه المرة، وأخبرها عن محبته لولديها ويقينه أنهما لم يفعلا أي شيء، وأن اعتقالهما ربما يكون خطأً أو إخباريةً من أحدٍ ما، وأن معلمه «واصل» ويستطيع بهاتف واحد إخراجهما إن لم تكن أيديهما «ملوثة بالدماء».

في بيت «المعلم» في حي ميسلون القريب من مكان سعاد، استقبلها الرجل المحاط بالجنود برأس حليق وذقن طويلة ومنظر مرعب. كان الرجل ضخماً إلى درجة مخيفة، عرَّف عن نفسه بأنه «أبو حيدر» وطلبَ منها أن تخبره بقصتها. حكت سعاد وأعطت للمعلم صور ولديها وأخبرته عن تربيتها لهما، وعن ابن بكرها محمد الذي ينتظر والده، فهو لم يره إذ أبصر النور بعد اعتقاله بثلاثة أشهر. دعت للرئيس الأسد، وطلبت من الله إطالة عمره أيضاً، فربما تفلح هذه المحاولة.

قبل خروجها قال لها المعلم: «سأرسل لك الخبر مع أحمد». مرت ثلاثة أيام ليأتي أحمد ويخبرها أن المعلم يحتاج لمبلغ مليون ليرة عن كل ولد من أولادها، وأنهما اعترفا بجرائمهما وأنهما كانا منتميان إلى صفوف الجيش الحر.

من أين تأتي بمليوني ليرة، هي لا تملك في بيتها سوى نقود قليلة لا تكفيها للحياة، راتبها التقاعدي 16000 ليرة لا يكفيها لشراء أنبوبة غاز. كانت تقف على دور المساعدات الطويل ومؤسسات الإغاثة لتستطيع العيش مع زوجتي ولديها وحفيدها الصغير، شكت إلى الله حالها، وقررت أن تبيع إحدى الشقتين المتواجهتين اللتين تشكلان معاً بيتها الكبير الذي تركه زوجها.

طلبت من «أحمد» أن يأتيها معلمه بعلامة من أحد ولديها، صورة له أو تسجيل صوتي يظهر أنهما على قيد الحياة، وبعد أن يخرجا ستدفع النقود. غضب أحمد وجن جنونه، وأخبرها باستحالة أن يطلب من معلمه ذلك: «ربما يحرقنا أنا وأنت أحياء».

وضعت سعاد شقة ابنها المؤلفة من ثلاثة غرف للبيع، كان سوق العقار كاسداً في البيع، أما في الشراء فقد كانت الأرقام مخيفة، حتى أن إيجار البيت في منطقتها الذي لم يتجاوز على مدى عمرها مبلغ الخمسة آلاف، قد وصل إلى أكثر من ثلاثين ألفاً.

أخيراً استقرَّ بيعها على رقم مليونين ونصف، كان المبلغ كفيلاً بإخراج ولديها ورحلة الهرب بهما كما كانت تفكر في سرّها.

عاد أحمد ليطلب مبلغ مئتي ألف ليرة ليأتي لها بالصور، قائلاً إنه وفي جلسة سكر على حسب تعبيره استطاع أن يخبر معلمه بطلب سعاد، وأنه حاول كثيراً أن يحدَّ من غضبه، وأن يقبل بمبلغ المئتي ألف ليرة مقابل صورٍ لولديها.

أخذ أحمد ومعلمه النقود دون أن يأتيا بشيء، وعند ذهاب سعاد إلى بيت أحمد للسؤال عن الصور طردها، ونعتها بـ: «أم الإرهابيين التي يجب أن لا تسكن في الحارة».

 

البحث في العالم الافتراضي

اشترت الأم جهاز خليوي حديث، وقامت بإنشاء صفحة على فيس بوك بعد أن نصحها أحد أقربائها بذلك، وأن بعض صفحات المعارضة تقوم بإيراد بعض أسماء المعتقلين وأماكن تواجدهم من خلال بعض الأشخاص الذين يخرجون من المعتقلات، فيذكرون أسماء من كان معهم في سجنهم.

لم تترك صفحةً تعتب عليها، ولم تترك اسماً إلا وقرأته دون جدوى، حاولت أن تبحث عنهما بين أسماء المعتقلين الذين وثقهم مركز انتهاكات حقوق الإنسان، راسلت أصحاب الصفحات وأضافت أسماء ولديها بكل الطرق، مرةً بأل التعريف ومرة بدونها، مرة بحثت باسم الأم ومرة باسم المحافظة، ولكن دون جدوى.

كانت تقضي ساعات طوال كل يوم وهي ملتصقة بالهاتف المحمول، لا ترفع رأسها حتى للطعام أحياناً، وغالباً ما كانت تنام وهي تقلب الأسماء.

حاولت تقليب الصور التي سربها «القيصر»، رغم أنها قرأت أن هذا التوثيق بالصور لأحد عشر ألفاً قضوا تحت التعذيب في سجون الأسد يعود فقط حتى شهر آب من عام 2013، أي قبل اعتقال ولديها بنحو شهر، ولكنها كانت تحاول في كل يوم تقليب بعض الصور.

لم تكن تستطيع إكمال الصور، وكلما وصلت إلى الصورة 20 كانت تقف وتتقيأ ما في داخلها، وكأنها كانت ترى مصير ولديها لا صوراً لأشخاصٍ لا تعرفهم فارقوا الحياة.

استجمعت قواها فوصلت حتى الصورة خمسين في إحدى المرّات، علامات التعذيب التي كانت تبدو على الصور، ومقاطع الفيديو التي انتشرت لحالات تعذيب في سجون الأسد كانت ترافقها في نومها، في كل ليلة كانت تعيد ترتيب الأحداث وتتخيل وجهي ولديها وظهريهما وآثار التعذيب البادية عليهما.

تستيقظ مبتسمةً أحياناً حين يكون حلمها بخروجهما قد رافقها، وحزينةً في الغالب لرؤيتهما في منامها حزينين يحملّانها مسؤولية اعتقالهما أو تركهما لقدرهما دون السؤال عنهما، لتبدأ برواية منامها لزوجتيهما والبحث عن تفسير لأحلامها عند ابن سيرين عبرَ «غوغل».

 

مطاردة الغياب إلى دمشق

تفكيرها بأنه قد يكون تم ترحيل ولديها من حلب إلى العاصمة دمشق دفعها للاستعداد لرحلة بحث جديدة عنهما هناك، قررت سعاد الذهاب إلى دمشق وطرق أبواب الأفرع والذهاب إلى سجن صيدنايا للبحث عنهما، فقد تواردت أخبار كثيرة عن أن معظم المعتقلين الذين يرحلون من الأفرع يأخذونهم إلى سجن صيدنايا، وأن بعض الأهالي يزورون أبناءهم هناك.

في تشرين الثاني 2016 قررت سعاد الذهاب إلى العاصمة، كان الطريق إلى هناك طويلاً أتاحَ لها التفكير وتجديد أحلام اليقظة التي تسكنها، لم تُعِر انتباهاً للطريق، ولم تنظر في وجوه الأشخاص في الحافلة ولم تشترك بأي حديث.

سلّمَت هويتها لمعاون الحافلة منذ بداية الطريق، واكتفت بإغماض عينيها ليتاح لها تخيل ما تريد. ثلاث عشرة ساعة في الحافلة حتى وصلت إلى دمشق في التاسعة ليلاً، بعد عبور عشرات الحواجز التي شعرت بوجودها في الطريق بسبب توقف الحافلة المتكرر.

كانت تلك المرة الأولى التي تزور فيها دمشق، لم تكن تعرفُ أن هناك حياةً خارج أسوار مدينة حلب، اكتفت منذ ولادتها بالتنقل بين بضعة شوارع في المدينة، تشتري حاجياتها من دكاكين محددة، وتعرف بعض أبناء حارتها وتزور جيرانها، نادراً ما خرجت من هذا الروتين اليومي. تتذكر فقط أن زوجها أخذها مرةً إلى أحد المطاعم في شارع بارون، ولم يعجبها الطعام وقتها.

أوصلَ سائقُ التاكسي سعاد إلى أحد البيوت التي تحولت إلى فنادق في الآونة الأخيرة في منطقة القصاع، بعد أن أخذ منها مبلغ 2000 ليرة على توصيلته التي لم تتجاوز عشر دقائق.

في الفندق كانت الليلة الواحدة بـ 5000 ليرة، نامت سعاد ليلتها في الفندق بعد أن دفعت إيجار ثلاث ليال، لتبدأ في الصباح رحلتها إلى الأفرع الأمنية. زارت معظم الأفرع، من المخابرات الجوية حتى فرع الدوريات ففرع فلسطين والأمن العسكري، وتلك الأفرع التي لها أسماءٌ على شكل أرقامٍ أيضاً، والتي كان يوصلها إليها سائقو سيارات الأجرة بعد أن تخبرهم بأنها قادمة للبحث عن ولديها، ولكن دون جدوى.

في دمشق بدا الأمرُ أكثر تعقيداً من حلب، فهناك عشرات الأفرع والطرقُ إليها في الغالب مغلقة ولا يستطيع الناس الوصول إلا إلى الحاجز الأول الذي يحرس مباني تلك الأفرع، عليها جنودٌ يكتفون بالإشارة للناس بالابتعاد، وبأن أولادهم ليسوا هنا.

لم تفلح سعاد بالوصول إلى أي مسؤول في هذه الأفرع، فقررت الذهاب إلى سجن صيدنايا الذي يقع في قرية صيدنايا الجبلية على بعد 30 كم من العاصمة دمشق.

على بعد أمتار من باب السجن الرئيسي نزلت سعاد ومشت نحو الحراس، ليطلب أحدهم منها هويتها وورقةً من القضاء العسكري مختومةً تؤهلها لزيارة المعتقل، وحين أخبرته أنها قادمة للسؤال عن ولديها سخرَ منها وطردها. سألت سعاد القادمين لزيارة أبنائهم، فأخبروها أن عليها التوجه نحو إدارة القضاء العسكري في منطقة المزة، وتقديم طلبٍ حتى يُسمَح لها بالزيارة في سجن صيدنايا.

عادت سعاد إلى الفندق، وفي اليوم التالي توجهت نحو القضاء العسكري حيث كان عليها أن تمشي ما يقارب الكيلومتر للوصول، إذ لا يُسمَح بمرور السيارات إلى هناك. قامت بتقديم الطلب، وانتظرت مع جموع المنتظرين الذين أعياهم التعب والطقس السيء.

ساعاتٌ مرّت ليأتي أحد الجنود ويقوم بتوزيع الطلبات، جاء طلبها مع الرفض فولداها على حدِّ قول القضاء العسكري غير موجودين في سجن صيدنايا.

أحد سائقي التاكسي الذين صعدت معهم سعاد وسألها عن سبب قدومها، أرشدها إلى أحد المطاعم الذي قال إن صاحبه يعمل على إخراج المعتقلين مقابل مبالغ مالية، وفي المطعم طلب صاحبه الذي رأته سعاد أكثر من مرة في برامج على شاشة التلفاز مبلغ ستة ملايين ليرة لإخراج ولديها في حال تم الوصول إليهما، وأن عليها أن تضع المبلغ مع شخص ثالث وعند خروجهما يأخذ المبلغ.

قررت سعاد أن تبيع الشقة الثانية وتضع ثمنها فوق ما تبقى من النقود التي كانت قد وضعتها في البنك بعد بيعها الشقة الأولى، واتفقت مع صاحب المطعم، لكنه في اليوم التالي أخبرها أنه لا وجود لولديها بين أسماء المعتقلين.

عادت سعاد إلى بيتها في حلب، وفي هذه المرة كان اليأس قد ملك قلبها، بدأت المرأة تشيخ وفَترت همتها، وصار الحديث عن بصيص ضوءٍ جديد يحتاج إلى معجزة، معجزة تدفعُها بعيداً تلك الكلماتُ التي قرأتها في التقرير الذي صدر حول إعدام ثلاثة عشرَ ألفاً من المعتقلين في سجن صيدنايا.