(Zoe Buckman)

لا للاحتفال، نعم للعصيان


النص باللغة الإنكليزية: RIOT, NOT CELEBRATE

 

انتبهتُ مؤخراً إلى أن بعض أصدقائي لا يعتقدون أنني أعرّفُ نفسي كنسوية. أعترفُ بمسؤوليتي الجزئية عن هذا الخطأ، فأنا لست تلك النسوية «النشيطة»، لا أنتمي إلى أية مجموعة نسائية ولست مهتمة بإعادة قراءة أدبيات الموجة النسوية الثالثة للمرة الرابعة. لكني أفترض دائماً أن النسوية ليست صفةً أدّعي حملها، بل هي طريقة حياة أختارُ عيشها.

كان ذلك الافتراض مهيناً بشدّة، بالنسبة لشخص يعرّف نفسه اجتماعياً وجنسانياً كأنثى كويرية، لكنه أيضاً ذكّرني بالمعضلة التي سأواجهها هذا الأسبوع.

اليوم هو يوم المرأة العالمي، وإذا لم أرسل إلى أمي رسالة حارّة عبر الواتس آب قد تقاطعني لمدة شهر. هي تحب الورود واللفتات اللطيفة، ورغم أن هذا اليوم بالنسبة لها توقف منذ زمن طويل عن كونه رمزاً لنضال العاملات السوفييتيات، إلا أنها تبقى، كالملايين من نساء جيلها، مؤيدة صميمة للحركة النسوية حتى دون أن تدري بذلك.

نختلفُ أنا وهي حول أشياء كثيرة، بما في ذلك حول عيد الحب، وآمل حقاً أن تغفر لي غياب الروح الاحتفالية لديّ في هذا العام تحديداً. ما بدأ كحركة سياسية لمنح النساء، النساء العاملات، حقوقاً متساوية، لم يعد اليوم يعدو كونه مجرد مناسبة، وأحياناً عطلة وطنية، تُشتَرَى فيها الورود للأخوات والبنات والأمهات والزوجات اللواتي يشتركنَ في تضاريس جسدية معينة.

هذا اليوم أيضاً يعطي النساء مناسبة للاعتزاز بأنوثتهن وبدورهن في المجتمع، لكنه بذلك يؤكد على أنهن الطرف «الآخر» والمختلف. بخلاف يوم الرجال الدولي، الذي يصادف 19 تشرين الثاني ويمر مرور الكرام عملياً على وسائل الإعلام. يتحول اليوم العالمي للمرأة إلى مهزلة سنوية، تدعمها الحكومات والجماعات الحقوقية على حد سواء. الفرق بين المناسبتين ليس فقط أن كل يوم هو يوم للرجال (كلا، ليس كذلك)، بل أيضاً أن نجاح الرجال في الحياة المهنية والاجتماعية ليست مسألة كبرى تستحق الإشادة والاحتفال، لا من قبل الرجال ولا النساء؛ نجاح الرجال هو القاعدة.

عندما نعترض على الاحتفالات الرمزية بأية قضية تاريخية، يوم المرأة العالمي في سياقنا هذا، تكاد تنحصر الردود المبتذلة في عبارات من قبيل «انظري إلى العالم الذي نعيش فيه» أو «لكن ما الذي سنخسره؟» أو «الهدف مجرد إظهار الدعم والتقدير». لكن ما لم تكن «رجالجياً» بغيضاً لديه مشكلة مع النساء اللواتي يتناولن أي دور قيادي في الحياة العامة، فجوابي هو: لا تحتفل، تمرّد.

فكرة أنه ما يزال لدينا يوم يضعنا فيه الرجال على المنصّة ليحتفلوا بتضاريسنا الجسدية هي فكرة مثيرة للسخرية في أحسن الأحوال، ومدمّرة في أسوأ الأحوال. هي لا تأخذ بعين الاعتبار أنه ليس كل الإناث يعرّفن أنفسهن كنساء، ولا كل النساء يعرّفن أنفسهن كنسويات، ولا كل النسويات يشتركن في القيم الاجتماعية والسياسية نفسها، وقبل هذا وذاك، لا تسعى جميع النساء وراء رضا وتقدير الرجال.

سرعان ما تسطو الرأسمالية على أية قضية ذات قيمة اجتماعية وأخلاقية، والنسوية الليبرالية هي المسؤولة عن تأليه وتبجيل السيدات الحديديات اللواتي يقمن بقيادة الشركات وإشعال الحروب. هل يشيد أحد بالرجال الذين يشغلون مناصب اقتصادية وسياسية رفيعة لأنهم «عصاميون»؟ لِمَ الاحتفال بنساء يشغلنَ مناصب مماثلة ويساهمنَ في مظالم العالم؟ لا، هيلاري كلينتون وشيريل ساندبرج وكريستين لاغارد وإندرا نويي ولبنى القاسمي لسنَ رموزاً لنجاح النساء؛ بل هنّ أعراضُ المشكلة.

ليست النساء الناجحات من يصرخنَ على المتدرّبين والمتدرّبات ويسمسرنَ لعمالة الأطفال في الصين، ولا أولئك اللواتي يعقدن حوارات مفتوحة مع الطغاة وصنّاع السلاح. النساء الناجحات اليوم هنّ من يستعدنَ الفضاءات العامة بالتمرد والكتابة على الجدران، وبأقنعة الغاز. لا يحاولن بسذاجة تغيير النظام من الداخل؛ بل يخلقن نظاماً بديلاً لا تُعفَى فيه الأنثى من الانتقادات لأنها أنثى، ولا يُناصَبُ فيه الذكرُ العداءَ لأنه ذكر. النجاح هو أن يلوّح لكِ النظام بجوائز الشركات المبهرجة أمام عينيك، وأن تشيحي بنظرك في الاتجاه الآخر كل مرة.

بالنسبة للرجال الذين يريدون حقاً إظهار التقدير في هذا اليوم، إليكم هذا: نحن لا نريد من يشيد بنا. نحن لسنا قططاً تجلب صيداً إلى المنزل كي يربّت أحدهم على ظهورنا. نحن لسنا أطفالاً نتعلم كلمات جديدة. نحن لا نحب أن يشكرنا أحد على دورنا في مجتمعكم (استخدام عبارات مثل «مجتمعنا» يوحي بأن النساء أشبه بمواهب إضافية في مشهدكم أنتم). في الحقيقة نحن نطمح للعيش في عالم لا يُنظَر فيه إلى إنجازاتنا بفخامة مبتذلة، بل كأشياء نقوم بها بشكل اعتيادي.

لا، شكراً، لا نريد وروداً رهيفة ولا علب شوكولا. نريد أن نغضب. نريد أن نتمرّد. نريد أن نطالب ونأخذ، لا أن نطلب ونتلقى.

مرحباً بكم معنا، فقط إن كنتم غاضبين بالقدر نفسه.