عن متبرّجات داعش

]hua
image_pdfimage_print

عندما تساءلت المهاجرة التونسية في صالون الحلاقة النسائي في مدينة الرقة، موجهةً كلامها إلى زوجة قيادي بارز في تنظيم داعش والامتعاضُ بادٍ على وجهها: «دولة وكعب عالي يا شيخة؟»، ردَّت زوجة القيادي سورية الجنسية عليها: «كعب عالي، بس إسلامي وشرعي»، مرفقةً جوابها بابتسامة تشفٍ من المهاجرة رداً على التدخل السافر في شؤونها، معتمدةً في عدم اكتراثها على سلطة زوجها المطلقة في المدينة، أو كما تسميه صاحبة الصالون: «حاكم نصف الرقة».

راوية/اسم مستعار/ 44 عاماً، المقيمة الآن في إحدى المدن التركية، بدت لي محتارةً في موقفها، ما بين الاصطفاف إلى جانب المهاجرة التونسية التي تصفها، وكل التونسيات، بأنهن «أفضل وأرقى» نساء عناصر التنظيم من حيث طريقة اختيار نمط تجميلهن واهتمامهن بأنفسهن، والدخيلات في الوقت ذاته على المجتمع، وبين زوجة القيادي السورية التي لجمت تدخل المهاجرة التونسية في شأن صغير، بعد أن أصبح المهاجرون والمهاجرات الأجانب يأمرون وينهون في كبريات الأمور في بقاع واسعة من بلدها. ولكنها، أي زوجة القيادي السورية، تبدو من وجهة نظر راوية من صنف محدثي النعمة، بعد انضمام زوجها إلى داعش وتقلّده منصباً رفيعاً لاحقاً، ما جلب له مالاً وسلطةً لم يكن ليتحصل عليهما لولا ولاؤه المطلق للتنظيم.

تطلّبَ الأمر نحو شهرٍ من التواصل مع راوية بغرض الحديث عن فترة وجودها في الرقة حيث كانت تدير صالون تزيين للنساء، إلا أنها كانت ترفض ذلك لضرورات أمنية. كانت تخفض صوتها عندما تقول «إنهم موجودون هنا»، مشيرةً إلى لقائها بعدة عائلات لعناصر من داعش في تركيا بعد فرارهم من الرقة، وتضيف بأنه «ما زالت لديهم القوة والقدرة على الإيذاء».

قد يبدو غريباً بالنسبة لنا أن نعرف أنه في الرقة، عاصمة داعش حالياً، يتكرر أن تقف سيارة دفع رباعي أو سيارة أخرى فارهة لأحد عناصر التنظيم أمام صالون للتجميل النسائي وتصفيف الشعر، وتنزل منها امرأةً يغطيها السواد حتى أخمص قدميها. يلحق بها زوجها ويكون في الغالب من الأجانب أو المهاجرين، ليتفق مع القائمة على أمور الصالون من قبل التنظيم، حول نوع التجميل الذي يريده لزوجته التي لا تعرف العربية في الغالب كونها أجنبية هي الأخرى.

وصلت راوية إلى الرقة قادمة من دير الزور بعد دمار حيها جرّاء قصف قوات النظام السوري وطيرانه، وعن بدايات صعود داعش، تخطر لها ذكريات مشوشة عن تمزق حركة أحرار الشام في المدينة الصغيرة أمام ضربات التنظيم العنيفة، وأنها كانت وقتها بحاجة إلى عملٍ فقامت بفتح صالون حلاقة نسائية في المدينة، وكلها يقين أن داعش سوف تكون كابوساً عابراً لا أكثر، ولم يخطر في بالها آن ذاك أن الرقة سوف ترزح تحت الكابوس لسنوات، وأنه سيحمل أكثر مما يمكن لعقولنا تصديقه من انقلاب الحياة وتغيرها بشكل جذري. من الجدير بالذكر هنا أن راوية ليست محايدة تجاه قضية الثورة والموقف من النظام، فقد كانت من الثائرين الأوائل، شاركت في المظاهرات وعملت في الإغاثة، وشاركت أيضاً في عمليات كتابة شعارات مناهضة للنظام السوري على جدران دير الزور.

لم تعرف حينها ولم تتوقع أن التنظيم الذي يطالب النساء في مناطق سيطرته بارتداء الملابس الشرعية التي تغطيهن بالكامل بحيث تتعذر رؤية وجوههن وأيديهن، سوف يكون لديه نساء يداومن على التبرج وقص شعرهن وصبغه وفق أحدث صيحات الموضة.

نساءٌ محلياتٌ ومهاجراتٌ ولكنهن بالمجمل سخياتٌ عند دفع الحساب، وهكذا كان التنظيم الذي كانت تعتبره في بداية افتتاحها لمشروعها الصغير «عاملاً معطِّلاً» مصدرَ الرزق الأبرز لراوية، فيما يبدو أنه من جملة المتناقضات التي بات السوريون عموماً يعايشونها منذ سنوات.

 بدأت راوية المقيمة في إحدى المدن التركية تتحدث باستفاضة عن تجربتها، استفاضةٌ استغربتُها جداً، خصوصاً بعد إلحاحي لأشهر كي تقبل التحدث معي عبر وسيط، وها هي اليوم تتحدث دون قيود تقريباً، عدا التحفظ على بعض الحوادث بداعي أنها أمور شخصية تخص الزبائن. تبدو راوية فرحة بخروجها من الرقة وخلاصها من قصف الطيران الحربي، سواء كان طيران التحالف الدولي أو طيران النظام السوري، ومن خوفها من تجاوزات عناصر داعش بحقها أو بحق عائلتها، خوفٌ كانت تعيشه كل يوم على ما يبدو.

كان أمرُ صداقتها لنساءِ مهاجرين وقياديين نافذين في التنظيم ملفتاً، ترى هل استطاعت هذه الصداقات أن تؤمن لها مزايا عن غيرها من المدنيين؟ أو هل شعرت عبرها بالأمان في الرقة؟ تردُّ رواية ببرود واضح: «الجماعة ما عندهم صداقات، وما ألهم رِبيع»، وتروي لي كيف طلبت منها النسوة الداعشيات ألّا تقول لأحد من عناصر جهاز الحسبة التابع لداعش إنها صديقة لهن أو تعرفهن، وذلك عندما حاولت الاستعانة بهن من أجل ابنها الذي قام عناصر الحسبة باعتقاله لأنه كان يتحدث إلى أحد أقاربه المقيمين خارج البلاد عبر برامج التواصل الاجتماعي، حينما أرسل إليه قريبه صورة ساخرة من داعش ما دعا الحسبة لاعتقاله بعد تفتيش هاتفه المحمول ورؤية الصورة. تم الإفراج عنه بعد اتباع دورة «شرعية» امتدت لأسبوعين في معسكر خارج الرقة، ويبدو أن ابنها الذي كان يعيش مراهقته في ظل مخاطر حكم داعش ومحاذيره، هو السبب الأهم الذي دفعها للخروج أو الهروب من الرقة، رغم ما كان يوفره عملها هناك من مردود مالي جيد، إذ قام بالخروج من الرقة باتجاه الأراضي التركية فور انتهاء الدورة الشرعية بتشجيع من الأم، التي لحقت به بعد ذلك.

ترى راوية أن هناك فروقاً واضحةً بين النسوة المقربات من داعش، اللواتي كنَ يتوافدن إلى صالون التجميل خاصتها، فالمحليات يظهرن بمظهر أقل غنى من الأجنبيات المهاجرات. وتضيفُ أن تصرفات معظم النساء المحليات هي تصرفات من «اغتنى بعد فقر»، وهو ما ينعكس على نمط تجميلهن وتصفيف شعرهن، إذ أنهنَّ يردنَ أن يقمنَ بكل شيء موجود في الصالون. تستذكرُ رواية كيف كانت تتصرف أم شعيب في الصالون، محاولةً تقليد الموجودات فيه بعد أن تلقت أموالاً طائلةً جرّاء تزويج ابنتها إلى مهاجرٍ من إحدى البلدان الخليجية، أو ما يسمى في أوساط التنظيم «الجزراوية». هكذا أصبحت أم شعيب تسمّى «حمات الجزراوي»، بما يحمله ذلك من صيتٍ بالغنى والثروة والسلطة، وباتت تتصرف بتعالٍ وتصنعٍ وتطلّب، على عكس النساء المهاجرات، خصوصاً المقيمات سابقاً في أوروبا، واللواتي يتمتعن بنظرة جمالية وذوق عالٍ، فهنَّ مطلعات على عالم التجميل وتصفيف الشعر بشكل أفضل من النساء المحليّات.

تتذكر رواية مرور ثلاث قاصرات شقراوات تقول إنهن فرنسيات في صالونها، لا تعرف عنهن إلا أنهن قَدِمن إلى الرقة للانتساب إلى داعش، وأنهن تزوجن من عناصر في التنظيم. وعند سؤالي: هل كن سعيدات؟ فاجئني الرد بأنهن «كن سعيدات بوجودهن في الرقة، وكن يحملن بنادق معهن أثناء وجودهن في الصالون، وهذه البنادق على ما يبدو كانت تبقى معهن ثلاثتهن»، وتقول إن أزواجهن من تنظيم داعش قاموا بإيصالهن للصالون، وتكلموا مع امرأة مقربة من التنظيم كانت تعمل معي كي تقوم بالاهتمام بهن، وشرح كل واحدٍ منهم لها كذلك الكيفية التي يحبذها لتجميل زوجته، لأن الفتيات لا يتكلمن العربية.

لم يتكرر مجيئهن بعد ذلك إلى الصالون، وترجّح رواية أنهن غادرن الرقة بعد ذلك، لأنه كان من المفروض أن يأتين إليها مرة أخرى لو أنهن كنَّ في الرقة.

أبرز الوافدات إلى صالون راوية كنّ من البنات اللواتي يتزوجن من عناصر التنظيم، يأتين للقيام بما يعرف بـ«تجهيز العروس»، وتضيف إنها جهزت كثيراتٍ منهن للزفاف أكثر من مرة بعد مقتل أزواجهن سريعاً في معارك داعش الكثيرة. وعلى عكس من يرى أن النساء هن الضحايا في هكذا حالات، ترى راوية أن الضحايا هم الرجال الذين يقتلون في المعارك، وتشبههم بـ «الصيصان الملونة التي يشتريها الأولاد لتموت سريعاً لاحقاً». ومع معرفة معظم من يُقدِمن على الزواج بهم بإمكانية مقتل الزوج في أي لحظة بعد عقد القران، إلا أنهن يتزوجن في بما يشبه المشروع الميت قبل تُكتَب له الحياة.

بالإضافة إلى أولئك النسوة، تأتي فئة أخرى من الزوجات اللواتي يقدمنَ على تزويج أزواجهن مرة أخرى. تبحث الواحدة منهن عن زوجة تكون شابة غالباً لإرضاء زوجها وتشرف على تجهيزها وتجميلها، وهي تتذكر منهنَّ امرأةً مغربيةً جاءت بـ«ضرتها» البلجيكية الأصل إلى المحل لتجهيزها كعروس لزوجها. تقول راوية إنهم لاقوا مصرعهم جميعاً لاحقاً، المرأتان وزوجهما وباقي العائلة، أثناء قصف لطيران التحالف بالقرب من الطبقة.

عندما يُقتَل زوج امرأةٍ مهاجرة، يقوم التنظيم بنقلها إلى بيوت مخصصة للنساء الأرامل الأجنبيات، لقضاء فترة «العدة» بإشراف نساء أخريات مقربات من التنظيم، وهناك تسارع الأرملة للبحث عن زوج جديد من عناصر التنظيم يقوم بإعالتها بدلاً من الحياة في «وسط زحام المنازل المشتركة مع النساء الأخريات وأطفالهن»، هذا ما كانت تقوله إحداهن لراوية.

ويبدو أن الرقة أصبحت سوق جيداً لمواد التجميل والخبرات المرتبطة بهذا المجال، فقد ذكرت راوية أن طبيب تجميل من مدينة منبج ترك لبنان حيث كان يقيم لسنوات ماضية، وجاء إلى الرقة بغرض العمل بسبب ما سمعه عن كثافة الطلب ونوعيته فيها، والذي يعود لكون نساء عناصر التنظيم يدفعن بشكل مجزٍ لقاء العلاج التجميلي.

لا يسمح التنظيم بعمليات التجميل غير العلاجية، لكن سوق العلاج التجميلي الذي لا يغير في الشكل كان مزدهراً في الرقة، بالإضافة إلى حاجة التنظيم فيها إلى أطباء تجميل لعلاج عناصره المصابين في المعارك، والذين يقوم بدفع تكاليف تجميل إصاباتهم بشكلٍ مجزٍ أيضاً.

تقول راوية إن الطبيب طلب منها الاشتراك معه في افتتاح مشروع مركز تجميل في الرقة، وكانت الشراكة معها ضرورية بالنسبة له كي يتجاوز القيود المفروضة على معاينة الأطباء الرجال للنساء، إلا أنه اعتُقِلَ لاحقاً بسبب شكوكٍ حول قيامه بعمليات تجميل لغير المصابين بما يخالف الشريعة الاسلامية حسب جهاز حسبة داعش، ثم طُلِبَت راوية للشهادة بخصوص الموضوع، وقد أكدت لهم أنها لم تشاهد أي شيء من ذلك، ولاحقاً أفرج التنظيم عنه بعد دفع غرامة قيمتها خمس ملايين ليرة سورية، وذلك بعد اكتشاف أن شهادته مزورة حسب التنظيم كذلك. لا تعرف راوية تفاصيل أكثر حول حقيقة المسألة، وحول ما إذا كانت رواية حسبة التنظيم حول شهادته المزورة صحيحةً، أم أنه كان ضحيةً لجهاز الحسبة مثل ضحايا كثيرين قُطِعَ مصدر عيشهم وتوقفت أعمالهم بقرار منه.

طوال الحديث مع راوية كان يدور في رأسي سؤال: من أين كانت تجلب مستحضرات التجميل؟ هل يسمح التنظيم بدخول مواد التجميل الى عاصمته؟ هل تباع سراً في الرقة؟ كانت الإجابة إن «كل شيء متوفر في الرقة»، من مواد الكيراتين والبوتكس والزنك الذي يستعمل لتجديد خلايا البشرة، إلى سائر أنواع مستحضرات الماكياج. بالإضافة إلى أنه يمكن الحصول على كل المستلزمات والمواد فور طلبها، وبإمكان النساء في تنظيم داعش سواء المهاجرات أو المحليات الحصول على أصناف غالية من العطورات والبخور وماء زمزم ومستلزمات أخرى. تتوافر هذه المواد في محل تجاري في وسط الرقة، يسميه عناصر التنظيم محل «الفتنة» للتعبير عن عدم رضاهم عنه كونه يبيع مواد التجميل والتزيين، وهو عائد بملكيته لمدنيين من أهالي الرقة. لا تعرف راوية شيئاً عن المحل في الوقت الحالي، هل أغلق أم بقي على حاله التجاري النشط كما كان سابقاً؟ لكنها تعرف أن التنظيم لم يتعرض للقائمين عليه ولم يقم بإغلاقه خلال فترة وجودها في الرقة.

في الرقة تتحدث نساء داعش عن خطب العدناني، وعن تبريره لانسحاب التنظيم من كوباني بأن داعش سلمها «حجراً على حجراً»، وكنَّ يتحدثن أيضاً في صالون راوية عن بلدانهن الأصلية والفروق ما بينها في التجميل والموضة والأوضاع السياسية. نساءٌ مؤيدات لسياسية التنظيم حتى النخاع، وبعضهن يضعن صورة البغدادي كخلفية لهواتفهن الذكية، كما أن شتم زهران علوش وأبو محمد الجولاني وفصيليهما جيش الإسلام وجبهة النصرة أمرٌ معتاد من النساء في الصالون. يشتمنَ أيضاً فصيل الزنكي الذي يعتبرنه أحد أهم أقطاب المرتدين في حلب، أما راوية فلا تناقش في هذه المواضيع ولا غيرها، فقد «يأخذك لسانك إلى ما لا تحمد عقباه» حسب قولها.

كان أقارب عناصر تنظيم داعش المهاجرين يقومون بزيارة ذويهم، وتتحدث راوية عن امرأة تونسية قدمت من أجل رؤية ابنتيها الاثنتين في الرقة، اللتين تزوجتا من عنصرين في التنظيم والتحقنَ به. ومما روته لها تلك المرأة التونسية أنها كانت مضطرة للالتزام بقيود داعش بخصوص رداء النساء من أجل «أن ترى ابنتيها الاثنتين»، وأنها سوف تعود إلى تونس.

كانت خلال وجودها في الصالون تقوم بارتداء ثيابها العادية دون الالتفات لقوانين داعش، وتقول إنها ذات مرة وجدتها تدخن هي وصديقتها، وعندها طلبت لفافة تبغ ودخّنت معهما. لاحقاً غادرت المرأة بعد أن اطمأنت على ابنتيها، كانت التنقلات سهلةً خلال السنة الأولى من إعلان داعش، كان سهلاً الانتقال من مناطق داعش باتجاه مناطق الجيش الحر أو الأراضي التركية مقارنةً بالصعوبات الحالية.

تعيش راوية حالياً بهدوءٍ في صالونها الجديد في تركيا، تمرُّ بها لاجئات سوريات ميسورات الحال وقادرات على الحصول على رفاهية ارتياد صالونات التجميل النسائية، ونساءٌ تركيات، وأخرياتٌ في مقتبل العمر تزوجن ويحاولن الحصول على أقل ما يمكن من طقوس الأعراس التي كانت تقام في سوريا، والتي يشكل الذهابُ إلى صالون نسائي برفقة أخواتها أو صديقاتها أبرز فصولها.

في وسط كل هذا المشهد الجديد بالنسبة لراوية عما ألفته في الرقة، تمرُّ بها نساءٌ من أرث معارفها القديم في تنظيم داعش، بعضهن أرامل، وبعضهن في طريق عودتهن إلى بلادهن، وأخرياتٌ محلياتٌ غادرنَ مع أزواجهن أو بدونهم مناطقَ داعش إلى تركيا.

image_pdfimage_print