أناس من دمشق، كتابٌ فرنسي بلهجة سورية

غلاف كتاب أناس من دمشق 3
image_pdfimage_print

ربما تكون الأحداث الجارية في سوريا كفيلةً بأن تصبح في دائرة الاهتمامات الأدبية الفرنسية، إذ لطالما كان الأدب الوسيلة الوحيدة لتصفح الأحداث انطلاقاً من الداخل الاجتماعي، وبعيداً عن التفاهمات أو العراكات السياسية التي تجري في وسائل الأعلام.

تكتب ناتالي بونتان كتاباً تتحدث فيه بطريقة دمشقية، في وصفها للصور، عن «أناس من دمشق»، وهو عنوان الكتاب الذي أصدرته دار المنار الفرنسية للنشر، والذي يضع القارئ أم سؤال تحديد ماهيته ونوعيته، فيدخل في ثنائية جدلية: أهي رواية أم نثر؟

 

 أحياء دمشق وضواحيها

 ينقسم الكتاب الى ثلاثة أجزاء أساسية، يتناول الجزء الأول منها ستة أحياء دمشقية (جرمانا، مخيم اليرموك، ركن الدين، المهاجرين، السيدة زينب، المدينة القديمة)، وتتحدث فيه الكاتبة والمترجمة الفرنسية عن المدينة وضواحيها، بأسلوبها الفرنسي الجميل والنثري أحياناً، عبر إشارات بالغة الرهافة تغلب عليها لغة السرد باستخدام ضمير الغائب. ويبدو من خلاله كيف تتسم مرحلة ما قبل الثورة بحالة الانتظار والترقب، حيث هموم الناس وبحثهم الدائم عن امتلاك مسكن متواضع في دمشق أو ضواحيها، فيتم مزج الشخصي والذاتي مع سمات أماكن العيش.

 فرح، وهي الشخصية الأساسية في الكتاب، تنتقل من مدينتها السويداء الى حي جرمانا، حيث تواجه التنازع الطبقي وذاكرة الناس المليئة بالتهجير، وذلك مع قدوم العراقيين بُعيد الغزو الأمريكي للعراق. تضيف شخصية فرح إلى الكتاب البعد الشبابي السوري في مجتمع لطالما كان فيه الشباب ذكوراً وإناثاً ضحايا التحالف البرجوازي مع النظام القائم منذ ستينات القرن الماضي.

ترتبط قصص الأحياء في جزئها الأول بالمجتمع، وتحيك فيه علاقات تبادلية ممزوجة بالمعاناة وخفة الدم، أي الكوميديا السوداء. صور يغلب عليها الوصف الرومانسي والمأساوي، كصورة بائع الجرابات الذي خصص يوم الإثنين لقراءة وترجمة أعمال دوستوفسكي في حي ركن الدين. كما تتجاوز عبر نمط الكتابة والأسلوب التعبيري كل المتناقضات الدمشقية، حيث يتمازج ضغط الحياة في المدينة مع الطبيعة الهادئة للناس، سواء عبر نبرة الهدوء التي تحاكي المجتمع، أو عبر استخدام التعابير الدمشقية الملتوية، كما لو أنّ الحياة طبيعية.

ناتالي بونتان، وبين يديها كتابها، أناس من دمشق

ناتالي بونتان، وبين يديها كتابها، أناس من دمشق

جعلت بونتان من دمشق شخصية تتعايش مع الواقع كما لو أننا أمام رواية نفسية، لكن البطل هنا هي المدينة لا الشخصيات، ليصبح المعطوف «الناس»، جزءً من المعطوف عليه «دمشق»، في شكلٍ من الهرمية الواضحة قبل الثورة. أي دمشق أولاً.

تتناول الكاتبة، التي عاشت ثمانية أعوام في دمشق، وتجيد اللغة العربية بلكنتها الدمشقية، في جزئها الأول مأساة الهوية والذاكرة المنشطرة، ويتقدم في مستواها المضمر نشيدٌ حزين، ووصفٌ دقيقٌ لحال الفلسطينيين في مخيم اليرموك، ورغم التراكمات السريعة لمأساة الأشخاص في الكتاب، إلا أن علامات الفرح بدت على صورة الحي، أي مخيم اليرموك في جنوب دمشق، الذي أصبح، لأن الغلبة للزمن، الوطنَ البديل للفلسطينيين المقيمين في سوريا، دون تجاهل وجع الروح وأطياف الوطن الأم المتداخلة.

ينتهي الجزء الأول من الكتاب بفصل عنوانه «الخميس مساءً»، في إشارة واضحة وتمهيد دقيق لبداية اجتماعية وسياسية مختلفة في سوريا، أي قبل يوم واحد من نزول الناس إلى الشوارع، قبل يوم الجمعة.

 

الثورة ومطالب الحرية

يفضي مدخل الفصل الثاني من الكتاب الى رحلة «الجمعة صباحاً»، ليرمي بنا الى سهوب من ضبابٍ برائحة الترقب والانتظار، ومن ثم القلق المستمر، وهو قلقٌ اعتاد عليه السوريون يوماً بعد يوم في نضالهم ومناشدتهم للحرية. علاقةٌ واضحة بدأت تنشأ بين الأحياء والمدن، ففي ركن الدين يهتف الناس نصرة لدرعا ودوما، فتنتقل الشخصيات من مكانٍ الى آخر ومن زمن الى آخر، وكلّ ما كان لم يعد كما كان.

رحلة الخيبة والتساؤلات نشأت مع أول حاجز للنظام، لتكون شخصية السيد «فتوش»، الموظف الحكومي المجبر كغيره من الموظفين في سوريا على الخروج في مسيرات مؤيدة. هي شخصية الإنسان الرمادي الذي يفصح عن تردده المستمر، ليدخل هو ومن قرأ الكتاب الى العدمية. وتقوم بعدها بونتان باستخدام الصور المليئة بالأمل، ولما لا؟ لأن الكابوس يستدعي الصور، ولا تكفيه الكلمات.

حكاية تلد حكايةً أخرى، ويرتقي معها القارئ كدرجات السّلم الى مكانٍ معلوم، كما لو أنّ الحكاية مستقاة من كتاب بوليسي، تتكئ على خلفية زمنية متتالية، ويتواصل السرد بطريقته «التراجي/كوميدية»، إذ تلتقي عناصر المأساة بالملهاة.

 

حالة الاغتراب

حاولت ناتالي بونتان طوال سردها للقصص، ومنذ البداية، إضفاء حالة الاغتراب على جميع الشخصيات: غربة الناس، غربة الأحياء، غربة داخل الوطن، غربة داخل النفس، كما لو أنّ حالةً نفسيةً تعبر عن الغربة والنوستالجيا أصابت المجتمع السوري قبل محنته. لتطرح من خلال حالة الاغتراب مسائل ومواضيع مطابقة، لكن بدرجة أصعب، للإحساس بغربة الوجود واللاوجود، كالموت والاختفاء في أقبية النظام. كما يقتبس الكتاب كثيراً من الصور التي تعبر عن حب الرجوع أو العودة الى الوطن، وكذلك الحفاظ على هوية موحدة في مواجهة الاستبداد والتطرف، وهو ما يتغذى عليه الأمل السوري.

ينتهي الكتاب بجزئه الثالث والأخير، وعنوانه «2013»، أي التاريخ التي تم فيه خذلان الشعب السوري وتركه وحيداً أمام آلة القتل. هنا يصبح الزمن قاسياً على السوريين، وتنتقل فيه حكايات الناس الذين عاشوا في دمشق الى أرصفة حمص المحاصرة وساحات الغوطة الشرقية المدمرة، رافضاً أن يجتاز حدود عالمٍ مجنون لا ينتهي إليه سقم السقيم.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

مالك عيطة