سترايتشي وتورينج أثناء العمل على فيرانتي مارك 1، عام 1952

موّلد رسائل حبّ الكارثة


غالباً لم يكن كريستوفر سترايتشي (Christopher Strachey) عالم الحاسوبيات البريطاني، يعلم أنّه على وشك وضع أساس ما اصطُلِحَ على تسميته فيما بعد بالأدب الإلكتروني، وهو يجرّب إعداد برنامج حاسوبي عام 1952 في جامعة مانشستر، بالتعاون مع آلان تورينج قاهر آلة الأنيجما الألمانية في الحرب العالمية الثانية وأحد مؤسسي علوم الحاسوب النظرية، ذي النهاية المأساوية.

ما كان سترايتشي يسعى إليه هو اختبار ما إذا كان الحاسوب الموجود في مختبر الجامعة، والمسمّى وقتها بـ «فيرانتي مارك 1» -أول آلة من نوعها أتيحت للاستخدام في الأغراض العامّة- قادراً على الإنتاج الذاتي لمعطيات جديدة بعد تغذيته ببيانات محدّدة. لم يكن سترايتشي بصدد إنجازٍ فتح أدبي مؤسساً لجنسٍ تجريبي سيستمر حتى يومنا هذا، كل ما كان يثير اهتمامه في هذه التجربة هو إمكانية تنصيب برنامجٍ بأسس بسيطة وقاموس من الكلمات لا يتعدى سبعين كلمة مصنّفة ما بين أسماء وأفعال مساعدة وصفات، إضافة إلى أنماط جُملٍ جاهزة، ليتمكن البرنامج الذي حمل اسم «موّلد رسائل الحب / love letter generator» من كتابة عدد هائل من رسائل الحب. عشرات؟ آلاف؟ لنجرّب مجدداً. ذلك أبعد تقدير قد يذهب إليه ذهن المرء غير المتخصص في الحاسوبيات، على عكس الشاغلين في هذا المجال والذين لن يدهشهم المدى الذي قد تصل إليه عملية مضاعفة الاحتمالات: ثلاثمائة مليار رسالة مختلفة.

كل الرسائل التي أنتجها برنامج موّلد رسائل الحب، كانت تُذَيّل بالأحرف: (M.U.C) في مكان اسم المُرسل، اختصاراً لوحدة الحاسوب في جامعة مانشستر، بعضها وجد طريقه للنشر في مجلات مثل مجلة إنكاونتر (Encounter) الأدبية التي كانت حديثة العهد في وقتها. من الأمثلة على الرسائل:

عزيزتي الغالية:

عاطفتي الودودة تجذب بجمال حماسك الحنون، أنت افتتاني الشغوف، عشقي الحابس للأنفاس، المشاعر التي ترافقني تواقة إلى شوقك الغالي. شغفي المدلّه متعلّق بحماسك المتعطش.

المخلص لك «بحكمة»

M.U.C

حسناً، ليست أفضل رسالة عاطفية يتمنى أن يتلقّاها المرء، بعض التنظيرات بشأن موّلد رسائل الحب تذهب إلى أنّ سترايتشي تعمّد محاكاة الكليشيهات الرومانسية من باب الفكاهة كما نأمل. لم تتوقف محاولات إنتاج الأدب والنصوص الإبداعية المبرمجة حاسوبياً بعد ذلك، في تجربةٍ أخرى تمكّن برنامجٌ حاسوبيٌ من إنتاج سيناريوهات أفلام كاوبوي قصيرة. وفي العقد الأول من القرن الحالي كانت المحاولات أكثر طموحاً وتهدف إلى إنتاج روايات مكتوبة بالكامل من قبل الكمبيوتر. أول رواية من هذا النوع كانت رواية روسية بعنوان الحب الحقيقي أُنجزت في العام 2008. عبر 320 صفحة ستقرأ معارضة أدبية لرواية تولستوي آنّا كارنينا، مكتوبةً بأسلوب الياباني هاروكي موراكامي. تقول السطور الافتتاحية لهذا العمل:

«لا شيء هنا سوى البحر اللعين والصخور اللعينة، وفي مكانٍ مأساوي كهذا سأقوم بقتلك»، همهمت المرأة.

وهذا فيلم قصير مكتوب بواسطة الكومبيوتر أيضاً:

https://www.youtube.com/watch?v=LY7x2Ihqjmc

 

من الصعب ألا يفكّر المرء باستلهامٍ آخر لموّلد رسائل حبّ سترايتشي إثر التعرّض لخطابٍ يتكرر في عددٍ من الحوارات والمداخلات في الوضع الحالي، ويبدو نتاجاً مشابهاً إلى حدٍ بعيد لنتاج الآلية التي استخدمت لتصنيع برنامج موّلد الرسائل الحاسوبي، المغّذى بعدد من الكلمات وصيغ الجمل التي شكّلت قاعدة بيانات يستطيع البرنامج أن ينطلق منها لينتج عدداً هائلاً من رسائل شرح المعضلة السورية، دون القدرة على شرحها. هذه الرسائل بدورها تبدو أحياناً محاكاة ساخرة للكليشيهات الإنشائية كما تقصّد سترايتشي أن يفعل في برنامجه.

إضافة إلى ذلك، هذه الرسائل مصممة لتكون مرنة وآمنة للمستخدم. يصعب نقاشها أو المجادلة فيها. من الممكن أن يستخدمها بالقدر نفسه من الثقة والارتياح سياسيٌ من صفوف المعارضة في مداخلة تلفزيونية، أو أحد الإخوة العاملين على الحواجز الأمنية. إذ ما هو الرّد الممكن للاعتراض على جملة منتجة من قبل موّلد الكلمات مثل: «سعير الحرب يطال الأبرياء». أو «كفى دماً»، «عويل الثكالى» بالطبع سيكون «السندان والمطرقة» المحبوبان حاضرين للنجدة، وكذلك «كرة الثلج التي تتعاظم كلما تدحرجت للأسفل»، ربما «ورقة التوت» أيضاً. هذا يعني أنّ المسارعة لإنتاج موّلد رسائل حب الكارثة، إجراء ضروري ليس من باب الفائدة والتجريب وتوفير الوقت بتحضير نصوص جاهزة للاستخدام في الندوات والمداخلات والمقالات الصحفية وحسب. إنّما ستشكّل هذه النصوص أيضاً إضافة غنية لمحتوى نتاج الذكاء الاصطناعي العالمي بصيغ ومصطلحات فريدة كهذه، خصوصاً بعد ترجمته وتصديره للاستخدام من قبل آخرين حول العالم في أزماتهم المشابهة بغرض التنكيد عليهم فيها، إذ يعتبر التنكيد على الشعوب الأخرى ممارسة أنثروبولوجية هامّة تهدف إلى التقرّب من الآخر عبر الضغط النفسي عليه لاستبيان خصائصه التي يعبّر عنها في انفعالاته.

للاستفادة القصوى من موّلد الرسائل، من الأفضل تقسيم البرنامج إلى أربعة إصدارات وتوزيعها منفصلة بحسب حاجة المستهلك:

1- موّلد رسائل حبّ الكارثة / نسخة الشخصية العامّة

مخصصة للناشطين في الشأن العام، يميّز أولئك عن الدهماء والعامّة حضورُهم في المناسبات السياسية ومشاركاتهم الإعلامية. تصاغ أنماط الجمل باللغة الفصحى على نحوٍ يمكّن من استخدامها في البيانات الصحفية والمداخلات الرسمية وجلسات النقاش العامّة، مع هديةٍ مجانية مرفقة بالإصدار هي صيغ جمل عصرية بالعامّية تحمل شيئاً من حسّ الدعابة بهدف إحداث تأثير كاريزماتي في بعض الإطلالات الإعلامية من باب التنويع.

كلمات وعبارات التغذية المقترحة:

من المؤسف – أطفال – الأبرياء – الأطراف – العنف – القمع – التطرّف – المأساة – دم – الصراع – يتقاسمون الكعكة – القتل – الديكتاتوريات – المجتمع الدولي – مصالح – ميليشيات – نبذ – طريق الحل.

2- موّلد رسائل حبّ الكارثة / نسخة الكتّاب والفنّانين

مخصّصة لتسهيل المشاركات المستقبلية في أنشطة أو ملفات صحفية تحمل عناوين: الكتابة في المنفى، الفن والتغيير، ما بعد الربيع العربي.

كلمات وعبارات التغذية المقترحة:

المقاومة بالفنّ – قوّة الكلمة – المنفى – الألم – جذور – الأصوات الجديدة – منابر – التعبير – فضاءات بديلة.

3- موّلد رسائل حبّ الكارثة / نسخة الحوارات اليومية

هذه النسخة تستخدم أكثر لداعي منع الآخرين من فرصة الحديث إليك بالشأن السوري وإنهاء النقاش على الفور، بسبب مزاجك المتكدر أو عدم اهتمامك بالحوار مع الشخص الموجود أمامك. في النهاية، حتى أكثرنا رغبةً بالكلام سينهار في النهاية إذا تعرّض للمباغتة طيلة الوقت أثناء ممارسته لحياته الطبيعية ككائن يركب سيارة أجرة أو يبتاع مشترياته، بأسئلة كسولة تتطلب إجابات طويلة من نوع: «ما الذي يحدث حقاً في سوريا؟».

كلمات وعبارات التغذية المقترحة:

المساكين يدفعون الثمن – لا ينتصر أحد في الحرب – المال جذر الشرور – مطامع الدول الكبرى – أمراء الحرب – تحت الطاولة – السياسة مزبلة – لا أحد يريد سوى مصالحه.

4- موّلد رسائل حبّ الكارثة / نسخة رسائل حب الكارثة

حتى لو لم تكن بالغ الموهبة يحقّ لك أن تقلّد رسائل الأدباء المحبوبين التي لطالما طالعتها، رسائل بوكوفسكي إلى ليندا كينج (التي تنال ثلاجتها نصيباً منها أيضاً)، وطبعاً رسائل جيمس جويس غير المبهجة كثيراً للضحية نورا. الإصدار قابل للاستخدام لإنتاج رسائل حبّ عادية مطرّزة بالفاجعة من وحي الحدث، وكذلك لدواوين شعرية تستخدمها الشريحة المستهدفة بنسخة الكتّاب والفنّانين في التصنيف الثاني.

كلمات وعبارات التغذية المقترحة:

حاجز – توماهوك – الحب والحرب – نهد – قذيفة – قلب – رحم – قضبان – الحرية – سبطانة – العشق – أصفاد – استبداد – وطن.