لاهوت الاضطهاد القبطي، رد الفعل وضيق البدائل

من المظاهرات التي سبقت مذبحة ماسبيرو في القاهرة، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2011من المظاهرات التي سبقت مذبحة ماسبيرو في القاهرة، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2011
image_pdfimage_print

يُلام المسيحيون المصريون في بعض الأحيان على انسحابهم من المجال العام، وعلى لجوئهم إلى الكنيسة باعتبارها الملاذ الأخير الذي يلتمسون الحماية خلف جدرانه. وبنتيجة ذاك اللجوء، يصبح هؤلاء المسيحيون رعايا الكنيسة، التي تصبح بدروها ممثلهم الشرعي أمام الدولة.

في مقالته على موقع مجموعة الجمهورية، مروية الاضطهاد القبطية ولاهوتها، تناولَ الكاتب شادي لويس ما أسماه لاهوت البقاء، اللاهوت الذي يدعم مروية الاضطهاد، أو ما أفضل أن أسميه أنا لاهوت الاستسلام، الذي يسهّل من عملية الانسحاب تلك.

في هذه المقالة، سأحاول الرد على بعض الأفكار المطروحة في المقالة المذكورة أعلاه، أو بمعنى أصح، البحث في أسباب اللجوء إلى تلك النصوص التي تسهل من عملية التسليم بحتمية الاضطهاد. غير أن ما أود توضيحه قبل ذلك، هو أنني لا أرفض فكرة نقد الخطاب المسيحي المؤسس لمروية الاضطهاد تلك، بل أعتقد أنه أمرٌ ضروريٌ بكل تأكيد، لكن ما أحاول قوله هو أن النص اللاهوتي الذي يستند إليه ذلك الخطاب، يتم اللجوء إليه نتيجة عوامل وظروف محيطة، وفي ظلّ عدم توافر بدائل يمكن أن تغني عن هذا اللجوء، كما حدث ويحدث في حالات أخرى مغايرة لما هو عليه الواقع المصري.

***

جاء انسحاب الأقباط من المجال العام ولجوؤهم إلى الكنيسة خلال العقود الأربع الماضية، والتي شهدت ما يسمى بالصحوة الإسلامية، ليس فقط في مصر ولكن في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ردَّ فعلٍ على تصاعد المدّ الإسلامي، وبالأخص في فترة رئاسة أنور السادات، واستدعائه للإسلاميين والتحالف معهم لتضييق الخناق على معارضيه من اليساريين. إذن كان هناك فعلٌ أساسيٌ هو فعل طرد المسيحيين من المجال العام، وكان هناك استجابة المسيحيين على ذلك الفعل أنهم أخذوا خطوة للوراء، ثم تقدمت الكنيسة تلك الخطوة إلى الأمام، لتصبح هي الحائط الذي يصد عنهم تلك الهجمة. وبالتالي لم ينسحب المسيحيون طوعاً من المجال العام، ولكنهم دُفِعوا إلى ذلك نتيجة عدم توافر بديل حقيقي.

تواجدَ النص المسيحي على مدار ألفي عام في أماكن مختلفة، ولكن درجة اللجوء إلى ذلك النص تتناسب مع الظروف المحيطة به، وفي حالة المسيحيين المصريين يمكن القول إن معدل هذا اللجوء يتزايد بتزايد الاضطهاد الممارس بحقهم، وينخفض بانخفاضه. والأقباط الذين يعيشون اليوم في أمريكا أو أوروبا، لا أظن أنهم يلجؤون إلى آيات من نوعية «في العالم سيكون لكم ضيق» أو «طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم»، لأنهم في حقيقة الأمر تركوا مصر لأنهم مقتنعون أنهم سيذهبون إلى عالم لن يكون لهم فيه ضيق، بل سينعمون بحياة آمنة من الاضطهاد، ذلك بالطبع بالإضافة إلى الهدف الخاص بمستوى معيشة أفضل، والذي يتشاركه جميع الحالمين بالهجرة من مصر بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية. هنا في حالة هؤلاء الأقباط الذين هاجروا، كان البديل عن اللجوء إلى النص القائل بحتمية الاضطهاد هو الهجرةـ أي أنه إذن عند توافر البديل، يمكن التغاضي عن حتمية الاضطهاد.

هل النص القائل «في العالم سيكون لكم ضيق» ممحيٌ من الإنجيل الذي يقرأ منه الموارنة؟ الذين مكنتهم الطبيعة الجبلية الوعرة التي عاشوا فيها، كما مكنتهم كثافة تواجدهم في مكان بعينه من مقاومة ما يمكن اعتباره «تهديداً وجودياً»، تماماً كما مكنت تلك الطبيعة وكثافة تواجد الدروز في لبنان من مقاومة ما كان يتهددهم. أظن أن الأقباط تاريخياً كان يمكن أن ينحوا منحى الموارنة أو غيرهم من الأقليات الدينية التي مكنتها الطبيعة الجغرافية التي تعيش فيها من المقاومة، وهو ما لدينا عليه واقعة تاريخية بالفعل، فثورة البشموريين في العهد العباسي دليل على ذلك الأمر، لأن تلك المجموعة من المسيحيين القاطنين في ساحل الدلتا بين فرعي رشيد ودمياط تمكنت بمساعدة الطبيعة الجغرافية للمكان، حيث الأرض الموحلة والمستنقعات والأحراش، من مقاومة قوات الخليفة العباسي المأمون، ولكن في نهاية الأمر تم القضاء على تلك الانتفاضة. لكن الأقباط فعلياً متوزعون على مختلف أنحاء مصر، وليس لهم درجة كثافة كبيرة في منطقة بعينها، وحتى في الصعيد الذي يعدُّ منطقة تركز قبطي تاريخياً، غير أنه ليس منطقة تتميز بالوجود القبطي حصراً.

هل تلك النصوص التي تشجع على قبول الأمر الواقع من الظلم والاضطهاد كانت ممحية من الأناجيل التي قرأ منها الكاثوليك والبروتستانت، قبل أن يفتكوا ببعضهم بعضاً في مختلف ربوع أوروبا على مدار مئات السنين؟ هل لم يقرأها القساوسة الذين باركوا وأيدوا الحروب الصليبية؟

وكما أن هناك ذلك النص الذي يدعو إلى قبول الاضطهاد والاقتناع بحتمية حدوثه، فإن هناك أيضاً آيات ونصوصاً، في العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس، تتحدث عن حماية إلهية يوفرها الله. نجد ذلك حينما تحدث يسوع المسيح لأبيه في السماوات وطلب منه حماية تلاميذه، حوارييه: «لست أسال أن تأخذهم من هذا العالم بل أن تحفظهم من الشرير»1إنجيل يوحنا، الإصحاح السابع عشر، الآية 15.. سفر المزامير أيضا ملئ بالنصوص التي تدل على عناية الرب بأبنائه وحمايته لهم، منها على سبيل المثال لا الحصر: «لا تخشى من خوف الليل ولا من سهم في النهار. ولا من وباء يسلك في الدجى ولا من هلاك يُفسد في الظهيرة. يسقط عن جانبك ألف وربوات عن يمينك. إليك لا يقرب. إنما بعينيك تنظر وترث مُجازاة الأشرار»2المزمور 91، الآيات 5-8..

هناك أيضاً نصوصٌ يمكن أن يقال إن فيها بعض التناقض، بين ما هو استسلامٌ أمام عسفٍ قد يحدث، وبين حماية إلهية متوقعة في الوقت نفسه. في رسالة بطرس الأولى نجد ذلك النص: «لآن عيني الرب على الأبرار وأذنيه إلى طلبتهم. ولكن وجه الرب ضد فاعلي الشر. فمن يؤذيكم إن كنتم متمثلين بالخير. ولكن إن تألمتم من أجل البر فطوباكم»3رسالة بطرس الأولى، الإصحاح الثالث، الآيات 12-14.، هنا يقول بطرس أنه لن يكون هناك أذى، ولكن إن حدث فطوبى لكم. وفي إنجيل لوقا نجد النص الآتي: «وسوف تسلمون من الوالدين والإخوة والأقرباء والأصدقاء ويقتلون منكم. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل أسمي. ولكن شعرة من رؤوسكم لا تهلك»4إنجيل لوقا، الإصحاح الحادي والعشرين، الآيات 16-18.. كيف يُقتلون وكيف لا تمس شعرة من رؤوسهم؟

ذلك التناقض يصيب بعض المسيحيين بالحيرة، فتجدهم يقولون: أين الرب من كل ما يحدث لنا؟ ولماذا يتركنا هكذا؟ في الوقت الذي يدركون فيه تواجد آيات من نوعية «في العالم سيكون لكم ضيق» أو «طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم». هل يتدخل الله لحماية مؤمنيه، أم أنه يتركهم ليمروا بالتجربة؟ هذا سؤال يدور في أذهان كثيرٍ من المسيحيين، ورأيت بنفسي نقاشات كثيرة من هذا النوع.

المسيح نفسه، وبالرغم من أنه قال: «من ضربك على خدك الأيمن أدر له الآخر أيضاً»، حين تم لطمه من أحد الخُدام عندما كان يتحدث لرئيس الكهنة، لأنه رأى أن طريقة حديث المسيح مع رئيس الكهنة لم تكن لائقة، قال أيضاً: «إن كنتُ قد تكلمتُ ردياً فاشهد على الرديّ، وإن حسناً فلماذا تضربني؟»5الواقعة مذكورة في إنجيل يوحنا، الإصحاح الثامن عشر، الآيات 19-23..

وبالمناسبة، فإن الجزء المكمل من نص: «في العالم سيكون لكم ضيق» هو الآتي: «ولكن ثقوا. أنا قد غلبت العالم». إذن فالآية كاملة تصبح كالآتي: «قد كلمتكم بهذا كله ليكون لكم في سلام. في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا. أنا قد غلبت العالم». كيف غلب المسيح العالم؟ هل كان ذلك من خلال موته على الصليب؟ وإذا كان قد غلب العالم، فلماذا يكون للمسيحيين ضيقٌ إذن؟

***

الإنجيل ملئ بالنصوص التي تحتمل كثيراً من التفسيرات، وهو ليس ما أستطيع أن أفتي فيه، لكن ما يعنيني هنا في حقيقة الأمر ليس النص، ولكن كما أشرتُ منذ البداية، ما يعنيني هو أن كيفية اللجوء إلى النص مرتبطة بالواقع الذي يعيشه الأقباط، بالاضطهاد الذي يُمارس بحقهم، وانعدام البدائل.

يذكرني هذا بالسوريين الذين يتعرضون للقصف يومياً، وتجدهم يتقربون من الله أكثر كلما أقترب خطر الموت، فيقولون: «يا الله مالنا غيرك يا الله»، ذلك الهتاف الشهير الذي ردده كثير من المنتفضين في وجه نظام بشار الأسد. إذ كيف يستطيع أن يقاوم رجل عجوز أو امرأة تحتضن طفلها ذلك البرميل الساقط فوق رؤوسهم من السماء بغير الدعاء والصلاة والسجود؟ شعر كثيرٌ من السوريين أن العالم أجمع تخلى عنهم، وليس فقط شركاؤهم في الوطن الذين أصبحوا يد النظام في التنكيل بهم.

أظن أنه الشعور نفسه الذي يشعر به المسيحيون عندما يرون أن الدولة والمجتمع تخليا عنهم، لا بل تحالفا ضدهم، وهو ما رأيناه في واقعة ماسبيرو عندما تم دهس المتظاهرين المسيحيين بالمدرعات أمام مبنى التليفزيون المصري، ثم خرج مواطنون مسلمون ليضربوا مواطنين مسيحيين في منطقة رمسيس عندما ذهب قسمٌ كبيرٌ من المصابين والجثث للمستشفى القبطي القريب من تلك المنطقة.

هنا يجب أن نأخذ في اعتبارنا أن فعلة الاحتجاج تلك دعت لها حركة مسيحية شبابية6اتحاد شباب ماسبيرو، وهناك من يرى أن خطاب تلك الحركة كان خطاباً طائفياً في حد ذاته.، حاولت أن تخرج من أسوار الكنيسة، ولكن جاءت الإجابة من الدولة والمجتمع معاً بأن عليكم أن تعودوا مرة أخرى إلى داخل كنيستكم، لأنه ليس لكم مكان في الشارع.

واقعة الاحتجاج تلك كانت بديلاً عن اللجوء للنص والاستسلام لفكرة لحتمية الاضطهاد، ولكن ما نتج عنها أدى إلى ترسيخ الفكرة القائلة بحتمية الاضطهاد، كما أثّرَ على المواقف التي اتخذتها جموع الأقباط فيما بعد، حتى عندما شملت تفضيل من ارتكبوا المجزرة في ماسبيرو على الإسلاميين، عملاً بمبدأ أخفّ الضررين.

هناك بديلٌ آخر، يمكن أن يقول البعض، وهو أنه كان على المسيحيين التعبير عن أنفسهم من خلال الأحزاب والحركات السياسية التي انتشرت بعد ثورة يناير، لكن بعض تلك الأحزاب والحركات السياسية دعمت مرشح الإخوان المسلمين فيما عُرِفَ بمؤتمر فيرمونت، وهو أمرٌ محيرٌ بالطبع، فهل يذهب الأقباط إلى صناديق الاقتراع لدعم مرشح جماعة طالما عبرت عن نفسها على أرضية دينية إسلامية؟ وهنا أودّ أن أنتقل إلى ما ذكره شادي لويس في الجزء المتعلق بـ «معجزة الرب في مصر»، إذ يقول إن مروية الاضطهاد القائمة على أنه «في العالم سيكون لكم ضيق»، تستتبع أن الأقباط لا ينتظرون من الدولة مواطنةً، ولا من أبناء وطنهم إنصافاً ولا تعاطفاً.

المسألة في الأصل أن الأقباط لجأوا إلى ذلك النص أساساً، لأنهم لم يجدوا تلك المواطنة في دولتهم، ولم يجدوا ذلك التعاطف أو الإنصاف من مواطنيهم. أعتقدُ أن الأمر من المفترض أن يأتي بتلقائية من الطرف الآخر، الذي لم يبادر هو بإيصال رسالة للأقباط تفيد بـ «إنكم مثلنا، مواطنون مصريون». وإذا افترضنا أن الأقباط تنازلوا طوعاً عن حقوقهم كمواطنين، فهل يعني ذلك أن تقرر الدولة والمجتمع معاً التعامل مع الأقباط باعتبارهم ذميين، طالما أنهم ارتضوا ذلك تحت تأثير بعض الآيات والنصوص؟

عندما نرى المصابين في التفجيرات الأخيرة التي حدثت في طنطا والإسكندرية يقولون إنهم يسامحون من فعل تلك الفعلة ويصلّون من أجله، هل ينبغي أن يعني ذلك أن تقررَ الدولة ويقرر المجتمعَ مسامحة من قاموا بتلك الفعلة؟ عندما يجلس الأقباط في جلسة صلح عرفي بعد أن تم الاعتداء عليهم، هل يعني ذلك أن تبارك الدولة جلسةَ الصلح تلك، وتقرَّ بنتائجها وتتغاضى عن كل ما حدث؟

فعلُ الاضطهاد مؤسس لما يأتي بعده من وجهة نظري، وحتى الكنيسة الإنجيلية في قصر الدوبارة، التي تحدث عنها شادي في مقاله باعتبارها منبراً للخطاب المقاوم المختلف عن خطاب البقاء، حتى تلك الكنيسة شهدَ خطابها اختلافاً، بالأخص بعد العام الذي قضاه الإخوان المسلمون في سدة الحكم.

الكنيسة7تقع كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية على بعد أمتار قليلة من ميدان التحرير في وسط العاصمة المصرية القاهرة، وتعد من أشهر الكنائس في مصر. التي تبعد فقط بضعة أمتار عن ميدان التحرير في وسط القاهرة، شاركَ كثيرٌ من مرتاديها، وبالأخص الشباب منهم، في فعاليات الثورة المصرية، وكان خطاب معظم قساوستها منفتحاً على التغيير السياسي الحادث ومرحباً به. لكن في الوقت نفسه كان هؤلاء القساوسة، ومن على منبر الكنيسة، يتحدثون على أن ما يحدث في مصر من تغيير يتم من أجل إعلاء اسم الرب في أرض مصر، أي أن هؤلاء القساوسة كانوا يحاولون بثَّ الطمأنينة في أنفسهم قبل مرتادي الكنيسة، والقول إن المستقبل الغامض الذي يتخوف منه جميع الأقباط سيشهد عملاً إلهياً عظيماً. التخوف كان موجوداً حتى في ظل الانفتاح من جانب الكنيسة الإنجيلية على التغيير، ولكن سرعان ما طرأ التغيير على الموقف المنفتح نفسه، ويمكن القول إن الخطوة التي أخذتها الكنيسة الإنجيلية للأمام سرعان ما تم التراجع عنها، وبالأخص بعد فترة حكم محمد مرسي التي شهدت حصار وضرب الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وهي مقرّ أكبر طائفة مسيحية في مصر، الطائفة الأرثوذكسية8تناولتُ تأثير تلك الحادثة على الوعي الجمعي القبطي في إحدى المقالات، مسيحيو الشرق، ما لهم وما عليهم..

هكذا سيطر الخوف والشعور بعدم الأمان، فبدأ الجميع بالعودة إلى قواعده «سالماً»، وأتذكرُ هنا أنه في آخر العظات التي سمعتها في مقر كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية، وفي ذكرى فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، قال القسّ الواقف على المنبر إن ما حدث في رابعة والنهضة هو تدخلٌ إلهي، وطلبَ من الجميع الصلاة من أجل تجفيف منابع الإرهاب في سيناء، وكذلك الصلاة من أجل القيادة السياسية والجيش الذي يحارب هناك.

هناك تفصيلٌ صغير أظن أن ذكره قد يكون مفيداً هنا، وهو أن الزيّ الذي يرتديه القساوسة الأرثوذكس زيٌّ موحدٌ ومميزٌ يعرفه جميع المصريين، وهو عبارة عن عباءة سوداء وعمة سوداء أيضاً، وفي الغالب يرتدون صليباً كبير الحجم بعض الشيء على صدورهم، أو يمسكون صليباً في أيديهم. يتعرض بعض هؤلاء القساوسة لمضايقات في الشوارع نتيجة لتميز زيهم، ولنا أن نتخيل الخطاب الذي قد يوجهه القسّ الذي قد يتعرض لمضايقات في الشارع للمرتادين في الكنيسة، التي يخدم بها الذين يتعرضون بطبيعة الحال لمضايقات في الشوارع أيضاً، بالأخص البنات حيث يسهل تمييزهم من مظهرهم الخارجي. إذن هي حلقة مفرغة من الإحساس بالاضطهاد، والخطاب المصاحب لها.

ذلك على عكس الكنيسة الإنجيلية على سبيل المثال، التي لا يرتدي قساوستها زياً مميزاً، بل تجدهم على المنابر بزي لا تستطيع أن تفرقه عن زي أي شخص يسير إلى جانبك في الشارع.

***

وبالمناسبة، فإن الدكتور إيهاب الخراط، الذي ذكر شادي لويس اسمه في مقالته، وذكر واقعة قيامه بإلقاء كلمة على إحدى المنصات بميدان التحرير خلال الأيام الأولى للثورة، شبه فيها المسيح بأنه كان ثائراً أيضاً، ومات شهيداً مثل هؤلاء الذين ماتوا أثناء الثورة، ليس قساً كما تفيد المقالة، بل هو طبيبٌ نفسي، وكان عضواً في أحد الأحزاب9الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي. المصرية التي نشأت بعد ثورة يناير، وكان عضواً بمجلس الشورى الذي تشكل بعد الثورة، كما ترشح فيما بعد لعضوية البرلمان المصري. إذن هو ليس رجل دين بالأساس، ولكنه بالفعل يقوم بإلقاء بعض العظات الدينية في كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية، أو أماكن أخرى، وقد حضرتُ أنا شخصياً أحد تلك العظات. إذن لم تكن تلك الخطبة في ميدان التحرير صادرةً عن رجل دين مسيحي إنجيلي، بل كانت صادرة عن شخصٍ مسيحي إنجيلي، منفتحٍ على العمل العام إذا صح القول.

 يذكر شادي في مقالته ما مفاده أن مروية المواطنة تغلبت على مروية الاضطهاد، أو احتوتها على الأقل، في بعض لحظات المواجهة بين الأقباط والأنظمة المصرية. لكن وجهة نظري أنه لم تتغلب مرويةٌ على أخرى أو تحتويها، وما حدث وبفعل تشكل الدولة الحديثة أن المرويتين تعملان بشكل متوازٍ، وتحضران معاً دون أسبقية إحداهما على الأخرى. ففي الوقت الذي لا ينكر فيه المسيحيون أن في العالم سيكون لهم ضيق، نجدهم يطلبون من الدولة حمايتهم باعتبارهم مواطنين مصريين لهم حقوقهم التي من بينها حقهم في الحياة، وحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية دون مضايقات. وأيضاً في الوقت الذي نجد فيه تمجيدَ من ماتوا في أحداث عنف طائفي باعتبارهم شهداء و«عرسان السماء»، نجد الأشخاص أنفسهم الذين يحسدون هؤلاء على أكليل الشهادة، يطالبون الدولة بحمايتهم حتى لا يتعرضوا للمصير نفسه الذي تعرض له هؤلاء الشهداء.

إذن هو الفعل ورد الفعل، والسياق التاريخي الذي يمكن أن يساعدنا على فهم بعض إشكاليات الانسحاب القبطي من الشأن العام، الذي أرى بخصوصه أن اللجوء إلى النصّ كان، ولا يزال، مجرد وسيلة لانعدام البدائل المتاحة أمام جموع الأقباط.

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

بيشوي مجدي

كاتب من مصر.

هوامش   [ + ]

1. إنجيل يوحنا، الإصحاح السابع عشر، الآية 15.
2. المزمور 91، الآيات 5-8.
3. رسالة بطرس الأولى، الإصحاح الثالث، الآيات 12-14.
4. إنجيل لوقا، الإصحاح الحادي والعشرين، الآيات 16-18.
5. الواقعة مذكورة في إنجيل يوحنا، الإصحاح الثامن عشر، الآيات 19-23.
6. اتحاد شباب ماسبيرو، وهناك من يرى أن خطاب تلك الحركة كان خطاباً طائفياً في حد ذاته.
7. تقع كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية على بعد أمتار قليلة من ميدان التحرير في وسط العاصمة المصرية القاهرة، وتعد من أشهر الكنائس في مصر.
8. تناولتُ تأثير تلك الحادثة على الوعي الجمعي القبطي في إحدى المقالات، مسيحيو الشرق، ما لهم وما عليهم.
9. الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي.