أقجا قلعة / مصدر الصورة: HABERLER.COM

تل أبيض التركية، المدينة التي تكبر سريعاً


بينما قد يخلق اللجوء مشكلات في العلاقة بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة، تنشأ عن التناقضات الاجتماعية والسياسية والتزاحم على سوق العمل، فإنه قد يكون عاملاً إيجابياً في ظروف خاصة، وربما تكون أقجا قلعة، أو تل أبيض التركية كما يسميها السوريون، مثالاً على هذا.

هي مدينة حدودية صغيرة تقع على الجانب التركي، محاذية لمدينة تل أبيض السورية التابعة لمحافظة الرقة، وكأنها الشقيق المتمم. هي امتداد جغرافي وديموغرافي لها، وكانت قبل الثورة السورية بلدةً صغيرةً يسكنها عدد كبير من أهالي القرى المجاورة لها، ولا يتجاوز عدد سكانها 65 ألف نسمة حسب من التقيتهم من أهلها. يتحدث معظم سكانها العربية بطلاقة، إذ كانت المدينتان، تل أبيض التركية وتل أبيض السورية، مدينةً واحدة، في وسطها سكة قطار قسمتها إلى مدينتين منذ اتفاقيات ترسيم الحدود في أربعينيات القرن الماضي.

تنحدر العائلات في المدينتين من الأصل ذاته، ويلتقي بعضها في الجد الرابع أو الخامس، وهكذا فإن العلاقات الوطيدة بين أهالي المدينتين لم تكن وليدة الثورة السورية وما تبعَ قيامها من ظروف، وإن كانت قد زادت وباتت أكثر تشابكاً بعد اندلاعها ونزوح كثيرٍ من سكان تل أبيض السورية إليها هرباً من المعارك. وكان هناك فضلاً عن العلاقات الاجتماعية علاقاتٌ اقتصادية بحكم القرب الجغرافي الشديد، لعل من أبرز مناحيها عمليات التهريب عبر الحدود.

يعمل كثيرٌ من أهالي تل أبيض التركية في الزراعة والرعي، وكانت محلاتها ومشاريعها التجارية قبل بضعة أعوام قليلة ومتناثرة، ونشاطها الاقتصادي متواضعاً، ولم يكن كثيرٌ من أبنائها يعملون في دوائر الدولة الحكومية. كان فيها مشفى حكومي واحد يقدم خدماته لأهلها، وكانت الأبنية فيها متواضعة، حتى أنه قلما كان يشاهد المرء فيها بناءً طابقياً.

لكن البلدة كانت قد بدأت تبدل ثوبها القديم في السنوات القليلة السابقة على قيام الثورة السورية، وخاصة مع عمل الحكومات المتعاقبة التي شكلها حزب العدالة والتنمية على تحسين أوضاع الأرياف والأطراف، إذ بدأت البنية التحتية تتحسن، ولعبت سياسة القروض الزراعية والإنمائية دوراً بارزاً في تحسين أوضع البلدة وسكانها.

لكن تطوراً مؤثراً حصل بالقرب من أقجا قلعة بالتزامن مع تحسن أوضاعها، وهو قيام الثورة السورية وتحولها إلى حرب عنيفة متعددة الأطراف، خاصة في شمال البلاد وشمالها الشرقي، إذ كانت الوجهةَ المفضلةَ للاجئين القادمين من دير الزور والرقة لعدة أسباب، أبرزها: 1- قربها من المحافظتين وإمكانية الدخول إليها في أي وقت، ذلك قبل سيطرة تنظيم الدولة على محافظة الرقة ومنعه الدخول إليها، ثم بعد انسحابه سيطرة قوات حماية الشعب الكردية على تل أبيض السورية. 2- سهولة الحياة فيها، خاصة أن أهلها يتكلمون اللغة العربية، فلا يحتاج من يسكنها لتعلم اللغة التركية. 3- افتتاح واحد من أكبر مخيمات اللجوء في تركيا، وهو مخيم سليمان شاه للاجئين السوريين.

مخيم سليمان شاه/ AFAD

مخيم سليمان شاه/ AFAD

يبلغ عدد اللاجئين السوريين في تل أبيض التركية ما يزيد على 60 ألفاً وفق تقديرات غير رسمية، يسكن أغلبهم في مخيم سليمان شاه، الذي يبلغ عدد قاطنيه نحو 50 ألف نسمة وفق تقديرات الجهات والمنظمات العاملة فيه، أما باقي اللاجئين فيستأجرون بيوتاً في المدينة، وتمثل محافظتا دير الزور والرقة المصدر الأساسي لهؤلاء اللاجئين. وقد عانى المخيم من مشكلات متفاوتة خلال مراحل مختلفة، ولا يزال، أبرزها الازدحام الشديد الذي يفوق طاقة المخيم الاستيعابية، وسوء الإدارة الذي يفاقمه الاكتظاظ الشديد، وتحديد حركة قاطنيه من وإلى خارجه بأوقات معينة ومتغيرة، فضلاً عن بعض المشكلات الأمنية والصحية، ولكن هذا لم يؤثر كثيراً على تواجد قاطنيه في سوق العمل في أقجا قلعة، إذ يحصل العاملون منهم على أذونٍ تسمح لهم بالخروج منه إلى العمل والعودة إليه، كما أنه لم يكن له تأثيرات سلبية ظاهرة على العلاقة بين اللاجئين السوريين وأبناء المنطقة.

من رأى تل أبيض التركية، أو كما يلفظ أهلها الاسم «أقشقلا»، قبل انطلاق الثورة ونزوح السوريين إليها، يكاد لا يعرفها اليوم. ازداد عدد الأبنية فيها بشكل مضطرد، وارتفعت فيها أبنية تعددت طوابقها، وامتلأت أسواقها بمختلف أنواع البضائع.

افتتح السوريون فيها مطاعم وورشاً ومحلاتٍ مختلفة، ومراكز طبية بلغ عددها ثمانية مؤخراً، وتحمل كثيرٌ من هذه المحلات والمشاريع أسماءً سورية، مثل مطعم حلب وحلاق الفرات ومشفى الشام.

***

أيهم، الحلاق الرجالي، حدثنا بكثيرٍ الشوق والأسى عن مدينته دير الزور: «كنتُ أملك صالون حلاقة رجالي في منطقة الجبيلة بدير الزور، التي تحولت الآن إلى كتلة من الأنقاض كونها كانت مسرحاً لأعتى المعارك ضد النظام. حملتُ اسم محلي ومهنتي فقط، وتركتُ الباقي مجرد ذكريات. لم أحمل أي شيء من بيتي ومحلي إلى هنا، لكنني والحمد لله استطعت أن أبدأ من جديد، والكثير من زبائني الآن هم أصلاً أصدقائي من مدينتي، كما أنني استطعتُ أن أكسبَ زبائن كثراً من أهل المنطقة».

ويقول محمد، وهو بائع جملة في أحد المحلات: «كثيرٌ من البضائع الموجودة ذات منشأ سوري، بعض المصانع السورية قد نقلت عملها إلى الأراضي التركية، وهي تتميز بجودتها إذ فرضت نفسها كمنافس للبضائع التركية في مجال المنتجات الغذائية على وجه الخصوص، وأدخل السوريون أصنافاً جديدة من الطعام والحلويات لم تكن موجودة قبلاً، ما جعل الأتراك يقبلون عليها».

لكن أكثر ما يثير الانتباه وأنت تسير في أقجا قلعة هو العدد الكبير لورشات البناء، إذ تكاد لا تخلوا حارة أو منطقة من عدد منها، وأغلب عمالها من السوريين الذين نقلوا طريقة عملهم في البناء، خاصةً أن هذه المدينة لم تكن تعرف البناء الطابقي تقريباً قبل بضعة سنوات.

ومن الأشياء التي تلفت الانتباه أيضاً، الازدحام الشديد على المطاعم التي يملكها السوريون التي يرتادها أتراكٌ أيضاً، جاءوا في البداية كما أخبرنا صاحب أحد هذه المطاعم لاستكشاف الطعام السوري، لكنهم بعد ذلك أصبحوا زبائن دائمين. كذلك تشهد محلات الحلويات السورية إقبالاً شديداً من قبل الجميع على أنواع الحلويات التي أعادتني بطعمها إلى سوريا. كذلك تنتعش الذاكرة بروائح محلات العطور السورية التقليدية، روائح الياسمين والريحان، التي جعلتني أنسى لوهلة وأنا أتجول في الأسواق أنني الآن خارج البلاد.

الأثر الاقتصادي للوجود السوري بدا واضحاً للعيان من خلال النمو العمراني والتجديد في مختلف نواحي الحياة. ازداد عدد السيارات الخاصة والمحلات الكبرى نتيجة رؤوس الأموال التي أدخلها السوريون معهم واستثمروها في مجالات عدة، وارتفعت إيجارات المنازل والمحلات التجارية أضعافاً خلال السنوات الأخيرة، وتنشطت حركة الأسواق وما يتبعها من لوازم كمحطات الوقود وورشات تجهيز الأبنية والإكساء، ووسائط النقل العمومي الجماعي التي بات لها خطوط سيرٍ جديدة.

يحدثنا أحد سائقي سيارات النقل الجماعي، التي يسميها الأتراك «دلمش»: «قبل قدوم السوريين كان عدد الحافلات قليلاً جداً، وخطوط سيرها قليلة إذ كان النقل مقتصراً على خط أورفا والقرى المحيطة بها، لكن قدوم السوريين وافتتاح مخيمات لهم وازدياد عددهم انعكس على زيادة الخطوط وبالتالي عدد الحافلات، وهذا تبعه زيادة في محطات الوقود ومحلات الإصلاح ومغاسل السيارات ومكملاتها. انعكس هذا كله على الناحية المادية لأهل المنطقة، إذ تطورت المنطقة الصناعية في آغجا قلعة، وافتتح الصناعيون والحرفيون السوريون محلات خاصة بهم، وبذلك اختصروا المسافة على أهل المنطقة الذين كانوا يذهبون إلى أورفا لإصلاح سياراتهم. كذلك هناك محلات بيع الذهب، أو ما يسمى بمحلات الصياغة والتي يصل عددها إلى أكثر من 7 محلات تعود لسوريين أو بالشراكة مع أتراك، وأدخل هؤلاء الصاغة أيضاً موديلات جديدة للحلي الذهبية. كما انتشرت محلات الصرافة التي تتلقى الحوالات من مختلف بقاع العالم التي يتواجد فيها السوريون».

كذلك عمل قسمٌ من اللاجئين في استثمار الأراضي الزراعية التي لم تكن مستثمرةً قبلاً، وتمت زراعتها بمختلف أنواع المحاصيل كالقمح والقطن والخضروات، بالإضافة إلى تربية المواشي والأبقار، وإنشاء مشاريع صغيرة لصناعة الألبان وتسويقها، وافتتح سوقٌ جديدٌ في المدينة، تُباع فيه كل منتجاتهم الزراعية والحيوانية.

هذا الاندماج ترافق مع علاقة جيدة بين اللاجئين وأهل المدينة، انعكست على الجانب الاجتماعي عبر المصاهرات التي زادت منها صلات القربى بين السكان واللاجئين من مناطق الحدود القريبة، بحكم الحالة العشائرية التي تحكم المنطقة. لم تشهد المنطقة حالات صراع أو خلافات كبيرة بين القادمين الجدد وسكان المدينة، لكن لا يخلو الأمر من بعض الحالات الفردية التي سرعان ما كان يتم تطويقها وحلها اجتماعياً.

الأستاذ خليل، وهو خريج اقتصاد يعيش في أقجا قلعة، حدثنا عن الانعكاس الايجابي لوجود السوريين فيها، وبدأ حديثه بالأرقام البسيطة المتوفرة لديه: «بلغ عدد السوريين المتواجدين في مدينة تل أبيض التركية نحو 60 ألف نسمة، يسكن أغلبهم مخيم سليمان شاه الذي يبعد عنها حوالي 3 كم، ويقطنه ما بين 48 و50 ألف نسمة، وهم يشكلون مدينة صغيرة جديدة وكتلة مالية واقتصادية جيدة، تتضمن يداً عاملة كبيرة وخبيرة تنعكس إيجاباً على أي مجتمع تدخله، خاصة إذا كان هذا المجتمع ناشئاً.

أحدث هذا فرقاً سريعاً في الحالة الاقتصادية، لأن السوريين لم يدخلوا إطار المنافسة مع السكان الأتراك خاصة في وظائف الدولة، لكنهم دخلوا العمل الخاص بعمالة رخيصة وماهرة في الوقت ذاته، وفي قطاعات لا يعمل فيها سكان المدينة أصلاً بكثرة، خاصةً في مجال البناء وصيانة السيارات».

يتابع خليل: «زاد العددُ الكبيرُ للسوريين في تل أبيض التركية، قياساً إلى عدد سكانها الأصلي، من حجم الأموال الداخلة إليها. وليس لدينا أرقام دقيقة هنا، لكن يمكن لنا أن نتخيل الأموال التي أدخلها السوريون معهم، والتحويلات المصرفية التي تأتيهم بشكل شهري من العاملين في مناطق أخرى متفرقة من تركيا كمدن اسطنبول وأنقرة، ومن بلدان الاغتراب.

لكن الأرقام التي لدينا هي قيمة البطاقات التموينية مسبقة الدفع التي توزعها جهات إغاثية مختلفة على اللاجئين، والتي يبلغ متوسط قيمتها 15 دولاراً شهرياً للفرد الواحد، يتم شراء المواد الاستهلاكية بقيمتها من مولات ومحلات كبيرة.
بعملية حسابية بسيطة، وإذا عرفنا أن أي شخصٍ يدخل المخيم، يحصل مباشرةً على بطاقات تموينية بعدد أفراد أسرته، يكون المبلغ الذي يتم إنفاقه عبر هذه البطاقات في أسواق تل أبيض التركية: 15 x 50000 = 750 ألف دولاراً أمريكياً في الشهر الواحد.

هذا لوحده مبلغٌ كبيرٌ جداً في سوقٍ صغيرة كسوق تل أبيض التريكة، يضاف إليه كل ما قلناه عن سوق العمل والتحويلات المصرفية، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فإننا سنشاهد في المستقبل القريب نمواً أكبر لهذه المدينة».

تكبر أقجا قلعة وتزدهر التجارة والحركة الاقتصادية فيها كل يوم، وهو ما يجعلها، بالإضافة إلى العلاقة الاجتماعية الوثيقة بين أهلها واللاجئين السوريين، نموذجاً إيجابياً من نماذج العلاقة بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة.