الكتابة والأسماء

Wayang kulit- Yakarta MuseumWayang kulit- Yakarta Museum
image_pdfimage_print

هذا النص هو الأول ضمن ملف «عن الكتابة ومشاغلها»، والذي تُنشر مواده صباح كل يوم خميس خلال الشهور الثلاثة المقبلة. 

*****

 أفترضُ أن إنتاج الخطاب في كل المجتمعات مراقبٌ ومنتقى ومنظّم ويُعاد توزيعه عبر بعض الإجراءات، يكون دورها الأساسي هو الالتفاف على قوة ذلك الخطاب وأخطاره، والتحكم بالحدث الطارئ فيه والتخفيف من ثقله ومن ماديته المهدِّدة.

– ميشيل فوكو، المحاضرة الافتتاحية في الكوليج دو فرانس 1970

 

فأجابَ عوليس السيكلوب: اسمي «لا أحد»

الكتابة فعل. فعل مقاومة بكل المعاني، مقاومة سياسية ومقاومة نفسية ومقاومة تاريخية كذلك. أن يكتب الإنسان، أي إنسان، هو تعبيرٌ عن إرادته في وضع بصمته وإظهار وجوده ضمن الحدث الجارف والمتسارع حيث لا يصبح هناك قيمة للأفراد وحيواتهم، وتثبيتٌ لذاكرته في كثير من الأحيان، خوفاً عليها، وبهدف الشهادة والتوثيق وتأريخ ذاتيته الخاصة. وللكتابة واللغة المكتوبة سلطة تفوق الشفاه في ثقافتنا، حيث المقدّسات مرتبطة بالمكتوب، وحيث اللغة أنواع ودرجات، وبالتالي، تملُّكُ الكتابة هو تحصيلٌ لقيمة معنوية واجتماعية دون شك. في كل ما سبق تبدو الكتابة وثيقة الارتباط بالتوقيع وباسم الكاتب وشخصه. ولكن، عزيزي القارئ، دعنا هنا نشتغل بالتمرين التالي وننسى ما سبق: ألّا نفكر بمن كتب هذا النص، أنا وأنت كتبناه معاً، لا أهمية للموقّع.

غير مثير للاهتمام هذا التمرين؟ محبط؟ أو غير محتمل إلا بقدر ما هو لغز يستثير الرغبة بحلّه، كما يقول فيلسوفنا، أعلاه؟ مفهوم. كلّنا بحاجة لأن نتلمس تصوراتنا عن المحتوى قبل قراءته، إنه مبدأ أساسيٌ في المعرفة: لا معرفة مطلقة مستجدة، هناك دائماً معرفة قبْلية. ومعرفة موقِّع النص واحدة من هذه المصادر القبْلية. على سبيل المثال لا الحصر، لا يمكنك أن تقرأ كتاباً عن مشاهدات عيانيّة في شمال سوريا وثّقتها كاتبة امرأة، سمر يزبك في مثالنا، دون أن تعرف جنس المؤلف ولون شعره ومذهبه، وقد تغنيك هذه المعارف الثلاثة الأخيرة عن قراءة الكتاب بعينه، وقد يحدث أن تُستقبل ترجمة الكتاب نفسه بلغة أجنبية استقبالاً مغايراً تماماً، ليس لأن قرّاء اللغة الثانية أكثر خفّةً بل ربما لأنهم في حِلٍّ من كل المصفوفات والطقوس والإشارات المرتبطة باسم الشخص في محيطه وثقافته. غريب أمر اللغة! لمعرفة الأشخاص وللمعرفة الصرفة، تستخدم لغتنا ذات الفعل دون تمييز: «عَرِفَ، يعرف، معرفةً».

إننا نخضع ونُخضع الآخرين لنفس الترسيمة الخفيّة التي خطتها المنظومات التسلطية (أكره أن أقول الثقافة التسلطية مع أن التعبير يغويني هنا)، نؤطر من يقول الكلام بعناصره الذاتية كي نفهم ما يقول، و«نفهم» هنا تُقرأ «نحاصر»، «نسجن»، «نسجن استحساناً أيضاً»، «ندين»، «نقتل رمزياً»، «نعهّر»، والعناصر الذاتية الأوليّة بسيطة ومتاحة: الاسم، الأهل، الجنس، المكان الجغرافي، السيرة الذاتية الحقيقية أو المتخيلة، الزوج والحبيب والميول الجنسية والأم والأب وعشاق وعاشقات الأم وعاشقات وعشاق الأب. تحييز الكلام، بمعنى إضفاء حيّز رمزي مؤطر له، كان وما يزال لعبة كل منظومة قمعية، الاسم يساعد وقد يعفي النظام القمعي من عملية الإقصاء/ التحييز تلك، حيث يُستبطن مع الاسم كل المصفوفة السابقة الذكر ويصبح التأطير شبه استجابة طبيعية أثناء القراءة. ولم نظلم ثقافتنا وحسب؟ أوليسَ هذا التمرين المدرسي والجامعي هو التمرين الأساسي في القراءة، أن نضع النص في سياقه؟ والعنصر الجوهري في السياق هو اسم الكاتب وتاريخه؟

الاختفاء، دون اسم أو باسم مستعار، هو التفافٌ على عملية الالتفاف القمعية التي تحدّث عنها فوكو في اقتباسنا السابق، هي رسالة للبداهات الاستبدادية المتشربة فينا، فحواها: «أنا موجود في كل مكان، لست وحدك أيها القمع إلهاً نفوذاً في كل الأمكنة، أنا أيضاً إلهٌ منتشر في كل الفضاءات لن تسجنني في اسمي، في جرحي».

مرة أخرى، غريب أمر اللغة! يذكّرني صديقي الشاعر أن الاسم في اللغة العربية من مصدر «وسم»، جرح. الاسم جرح. من يعرف ذلك أكثر من نظامنا السياسي «التجريسي»؟ كان ياسين الحاج صالح قد كتب مقالاً، عقب مظاهرات ربيع دمشق ومظاهرات عام 2005 أمام قصر العدل عن كيف يمارس نظامنا «التجريس» بحِرَفيّةٍ قل نظيرها؟ هذا مضمون رسالة النظام من إظهار الناشطين المعارضين المعتقلين، على شاشات التلفزيون: «اسمكم ووجهكم هما جرحكم». هل تذكرون كيف أضحت نساؤنا المعارضات في بداية الثورة عاهرات على وسائل التواصل الاجتماعي بفضل تقافز الأسماء المستثيرة لفعل التعهيّر على ما يبدو؟

قوة الاختفاء ليست بدعة، وليدة المقال هذا. النساء والرجال «البخاخون» في الثورة السورية أدركوها. العمل الحزبي القاعدي البسيط من كتابة البيانات والمانيفستات والمناشير إلى مقالات هيئات التحرير في الدوريات الحزبية، قبل اختراع الفيسبوك واندباج النرجسيات، يعرفها. الجمعيات السرية في عصر النهضة العربية، قبيل سقوط الدولة العثمانية، كانت توزع مناشيرها في شوارع بيوت ودمشق دون توقيع. ليلى الشامي، السياسية الكاتبة البريطانية السورية التي لا نعرف، نحن القراء البعيدين عن عوالمها، تفاصيل عن هويتها، تدفعنا لقراءتها لنكتشف أكثر قوة نصها.

صدر حديثاً في فرنسا كتاب بعنوان عن الثورة السورية، ناشره مغفل الهوية، كتبت مقدمته ليلى الشامي مع روبن ياسين قصاب ووُقعت مقالات في داخله بأسماء وهمية، مثل «أبو نظمي» على سبيل المثال، إن انعتاقنا من هوية «أبو نظمي» مثلاً يعطي وجهاً جديداً لتمثلنا وفهمنا للنص. هناك رغبة غير ملبّاة في هذه القراءة، هناك نقص. هذا النقص يعطي كل القوة، كما في رواية «الاختفاء» لجورج بيرك حيث اختفى حرف «e» من كل الرواية فكان بالتالي حاضراً بإلحاح. عدم تلبية هذه الحاجة البدئية الطفلية بتأطير الأشياء يخلخل آليات قراءاتنا، وما أحوجنا لذلك. هل نريد حقاً أن نعرف أسماء صانعي الأفلام القصيرة في مجموعة أبو نضارة؟ اختفاء تواقيعهم هو جزء من رسالتهم، بل يكاد يكون رسالتهم كلها، وأسمح لنفسي أن أترجمها كما أراها: في سياقٍ حاولت المنظومة التسلطية فيه أن تجعل شعباً بأكمله غير مرئي ومجرد كومبارس في بطاقات بريدية لمدينة تدمر، يجرُّ جَمَلَ سائحة أجنبية تستمتع بالمدينة الخلّابة، في سياق كهذا، اسمنا عارّ علينا، اسمنا تهريج مبتذل، وسلاح السلطة بجعلنا وجعل شعبنا لامرئيين سنردّه عليها، بتواجدنا في كل مكان من سوريا دون اسم. ولكن قبل كل ذلك هو خفر في حضور موت كثيف، جماعي، غفل الاسم، هو احترام لأهل شهيد وُضِّب على عجل مع عود آسٍ رُمي بسرعة على جثمانه، ليخرج من مستشفى ميداني خلال دقائق إلى المقبرة، دون استذكار اسمه مئات المرات ليبقى مؤبداً. رشةُ ماء فوق كثبان رمل أصبحت أسماءُ السوريين، وأن نقضي ساعات في شخصنة المكتوب والمصور والمرسوم بسبب مقترفه ليس إلا خفةً وعريّاً.

لن أنسى ردة فعل شابٍ على مقابلة أجريتها معه بهدف كتابة نص، حين قال «نحن نتألم وأنتم تكتبون النصوص، كان يمكنني أن أكتبه أنا… لهذا النص!»، يعرف أن التوقيع امتياز. كيف يمكن لأسمائنا أن تكون وساماً في بحر الغفلة والموت؟ يا لسحر بدايات الانتفاضة الأولى، مع أسماء تنتهي بياء النسبة دون مرجعيات، إلّا الأرض: «أبو فلان الديري» و«أبو فلان الحلبي»! كمّ من السوريين كان يعرف اسم عمر عزيز، كأحد أهم مهندسي المجالس المحلية والإدارة الذاتية في المناطق المحرّرة قبل وفاته في سجنه الدمشقي؟

المواقفيون (مبتدعو المواقف) الأناركيون يعونها تماماً، تلك القوة الكامنة بالاختفاء. بعد الحركة الاجتماعية التي حدثت في فرنسا عام 2005 واندلاع النيران في ضواحي كليشي القريبة من باريس، صدر كتاب ثوري يحكي عن فكرة الثورة القادمة لا محالة، الانتفاضة القادمة، وُقِّعَ هذا الكتاب باسم «اللجنة اللامرئية»، ويبدو أنه تجمّعٌ مغفل الهوية لعدة كتّاب، أناركيي التوجه السياسي. أكثر ما هو ملفت في تلك الحادثة وما تبعها من أحداث ومن اعتقالات، هو أن ثورية مضمون الكتاب لا تبرّر ولا تفسّر جنون الأجهزة الأمنية في فرنسا واستعارها في التحقيق الطويل الذي استمر سنوات، حيث كانت فرضيتها أن التجمع هو منظمة إرهابية مخربّة. لقد جعلت ميشيل أليو ماري، وزيرة الداخلية حينئذ، من نفسها أضحوكة. فقد عبّرت بكل صراحة عن جنون السلطة حين لا تتمكن من مسك كل خيوط المواقع، كل خيوط التواقيع. لقد فهمت السلطة أن هناك دينامية مضادة بدأت ترتسم. في الفعل السياسي المباشر بعيداً عن الكلام والكتابة، يبدو إغفال الاسم أكثر انتشاراً. «آنينمس»، ولكن داعش كذلك تعتمد على حجب الهويات لفعاليّة أكبر.

 

لست وريثاً ولا أسيرَ من يتلقفني، أنا أملك المدى

استثارت أعمال «بانكسي»1جزء كبير مما نقوله عن بانكسي هو مستخلص من المقالة التالية: Marie-josephe Bertini (2015), Figures de l’anonymat, de quoi Banksy est-il le non ? Une économie politique du visible, in cahiers de narratologie، فنان الشارع، فضول كثيرين. ما أثار الفضول في الحقيقة هو إصرار الفنان على حجب هويته بحرصٍ شديد، في تضاد واضح مع فضاء عرض أعماله، أي الشارع والأمكنة العامة المفتوحة للجميع وعلى المدى. ما أتاح له هذا الفضاءَ للعرض هو اسمه المحجوب، اسمه المحجوب جعله يتنقل أينما شاء ومتى شاء، اسمه المحجوب هو وكيل أعماله الذكي. حجبُ هويته هو فعل مقاومة لسياسة العرض الفني، فحين يسلك الفنان الطريق التقليدي لتقديم أعماله، على اسمه أن يكون مراكماً لثقل رمزي ما حتى يُستقبَل، أو أن يرتبط بشبكة من شبكات السوق الفني كي يتم تبنيه. في كلا الحالتين سيبقى حبيساً، حبيس الاسم وآليات وأماكن العرض وآليات الإعلام السلطوية، حيث لا أحد يحق له التمرد على «الستار-سيستم». كي تُعرض، أي تُعرض أعمالك، عليك أن تقيم معرضاً في أماكن مخصصة ومع أناس مختصين ووفق مسارات والتزامات مرسومة مسبقاً قد تلتهم كل وقتك، ولا تناسب شخصيتك إن كنت خجولاً أو انطوائياً مثلاً. وفي النهاية ما تؤديه، هو تكريس الحدود بين مكان المعرض والجمهور الذي توجه إليه رسالتك الاجتماعية والسياسية، إن كان لديك رسالة. بانكسي وأمثاله من الفنانين لن يتمكنواً يوماً من جعل أسمائهم وما يتعلق بها قيمة اقتصادية تُباع في المزادات أو على مواقع «اي باي»، ولكنهم أعلنوا موقفاً سياسياً.

قد يختلف الأمر بين عالم الفن وعالم الكتابة، إلا أن هناك الكثير من النقاط المشتركة، حين لا يحمل الكاتب أي رأسمال رمزي مسبق ويرسل نصه دون اسم معلن، إلى ناشر أو دورية، فهو يتحول إلى كلمات، إلى وظيفة خطابية، متحرراً من كل أعباء الرفض أو القبول النفسية ومعاييرهما المرتبطة باسمه وتاريخه وشبكته الاجتماعية. وربما لترشيد الحياة المترتبة عن حجب الاسم، أي التقشف في الاستزادة من حب الجمهور القارئ. ربما أن هذا التمرين الروحي القاسي لكاتب، من شأنه تغيير شيء ما في المكتوب نفسه. لا نعرف.

 

جبن أم شجاعة؟

حسناً، لا بأس من الأسماء المستعارة التي استخدمها الكتاب المعاصرون، لبنانيون وسعوديون وعراقيون، لا بأس من اختفاء حرف «e» في كل رواية جورج بيرك «الاختفاء» أو عنونة إيتالو كالفينو لروايته بـ «المدن اللامرئية» أو اسم جورج صاند المستعار أو محاولات دوريس ليسنغ للكتابة باسم مستعار لدور النشر كي تهزأ منها ومن زبائنيتها في سياسات النشر، أو تمسّك إيلينا فيرانتا، الكاتبة الإيطالية، الشديد بهويتها المزيفة، فذلك بمجمله يقع في حيّز الأدب والجماليات، ولكن في السياسة وفي السجالات ذات الطابع العام، هناك مسؤولية معنوية وأخلاقية تقع على عاتق من يكتب فيها.

هل المحجوبون يتملصون من مسؤوليتهم عن مضمون ما يكتبون؟ دعونا من الإجابة عن هذا السؤال ولنتابع التمرين، عن أي مسؤولية نتحدث؟ في الحدث السوري مثالاً، هناك العشرات ممن وقعوا باسمهم بيانات وتهديدات وتحريضات على القتل والخطف والإخفاء القسري ولم يحاسبهم أحد، مازالوا يتفوهون بما هو خطير وغير مسؤول دون محاسبة. على العكس تماماً، انقلبت اللعبة المنحرفة، اللعبة التسلطية إياها لصالحهم، أصبح اسمهم، بفعل الحضور الدائم على وسائل التواصل الاجتماعي وآلاف اللايكات، حصانة رمزية تحميهم من المحاسبة. تصوّر لو أنهم هدّدوا وحرّضوا دون اسم، لكنّا تيقظنا وتوجسنا وحاربنا بياناتهم بسبب عدم وجود الاسم الصريح. من المسؤول إذن؟ ما معنى مسؤولية؟ من تحمل فعلياً مسؤولية مقاله واعتذر عنه حين تبينت مجانبته للصواب؟ اللهم إلا إذا كانت المسؤولية تعني تلقي المكافأة والتعزيز النفسي نتيجة الكتابة والتوقيع. قد تكمن الشجاعة في القدرة على الانشقاق عن منظومة قائمة أضحت بداهة، للظهور فيها الكلمةُ العليا.

التمرين وكل ما قلته ليس بذي أهمية. هي رغبة بتفكيك ما نطلق عليه عادةً «شخصنة»، كآلية قمعية معقدة مستبطنة. ولنعلم أن الاختفاء هذا، في عصرنا هذا، أضحى امتيازاً لا يتمكن منه الجميع.

طوبى لأولئك ممن ليس بوسعهم أن يقولوا للسيكلوب «أنا لا أحد». طوبى للاجئٍ سوريٍ في هذا العالم الشاسع لا يمكنه حتى أن يقول «أنا لست لاجئاً، أنا لا أحد».

image_pdfimage_print
The following two tabs change content below.

مجهول

آخر مقالات مجهول (استعراض الكل)

هوامش   [ + ]

1. جزء كبير مما نقوله عن بانكسي هو مستخلص من المقالة التالية: Marie-josephe Bertini (2015), Figures de l’anonymat, de quoi Banksy est-il le non ? Une économie politique du visible, in cahiers de narratologie