عن دعاية الدّكتاتور في التسويق

عن موقع صحيفة دي التسايت

عندما تناقل اللاجئون السوريون في لبنان الأخبار التي تتحدث عن استعداد ألمانيا لاستقبال 5 آلاف من لاجئي الحرب الأهلية في سوريا، كان هناك الكثير من الحماس. إلا أن هذا الشّعور سرعان ما تبدّد عندما عُرف بأن وزير الداخلية الألماني بيتر-هاينز فريدريش وسياسيين آخرين يفكرون بشكل جدّيّ بإعطاء الأولوية للمسيحيين، لأنّ هؤلاء يعانون من «اضهاد خاص» على حدّ زعمهم.

لا شك بأنّ حماية الأقليات تشكّل إحدى الدعامات التي تقوم عليها سياسة حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك من يجادل بأنّ الأقليات في سوريا من الممكن أن تواجه أخطاراً على المدى البعيد. ففي هذا الصدد حذّرت منظمة العفو الدولية بأنه في حال سقوط النظام فإن العلويين، الذين ينتمي لهم الرئيس بشار الأسد، قد يتوجب عليهم الخوف من أعمال انتقامية يمكن أن تحصل بحقّهم.

حتى الآن ليس هناك من براهين على حدوث اضطهاد ممنهج ضد المسيحيين في سوريا، سواءً من منظمات حقوق الإنسان السورية أو الدولية. إذا كان لا بد من القول بأن جماعة معينّة في الوقت الحاضر قد تضررت وبشدة، فإنها الأكثرية السنّية لا شك. طبعاً فكرة أن الأكثرية يجب أن يتم حمايتها من أقلية لا تتوافق بالضرورة مع الصّورة التي في أذهاننا. إن الشكوى الدائمة التي يتم سماعها في ألمانيا عن اضطهاد المسيحيين المزعوم مردّها لا يعود فقط إلى الدّعاية المنظّمة التي تقوم بها دمشق: فمثلاً، في حين كان الشعار المفترض والدائم للمظاهرات السورية «علوية عالتابوت، ومسيحيين على بيروت» قد تم نسخه بسهولة من مقال إلى مقال، لم يكن يسمع به أحد في سوريا نفسها. هناك أيضاً بعض رجال الدين من المنطقة، بالإضافة إلى تقارير إخبارية تابعة للفاتيكان، لم يوفروا جهداً في ترويج روايات مرعبة عن عمليات تهجير وقتل جرت ضد مسيحيين سوريين، لم تكن مصدرها في الحقيقة سوى وكالة التسويق والدعاية التابعة للنظام، ولم يجر التحقق من صدقها أبداً.

إلا أنّ هناك بعض الشخصيات الاعتبارية المسيحية قررت مواجهة هذه الدّعاية الرسمية. لعلّ أشهرهم هو الأب باولو دالا أوغليو، الذي لمّا يزل مفقوداً في ظروف غامضة في سوريا حتى اللّحظة. لقد عاش هذا الرّجل 30 سنة في سوريا، كان خلالها يرعى مركزاً مميّزاً للتواصل بين الأديان في دير مار موسى بالقرب من مدينة حمص. منذ فترة ليست ببعيدة وجّه نداءً إلى البابا، رجاه فيه أن يقوم ما بوسعه للتصدي بشكل شخصيّ لـ«التزييف المنهجي للرأي العام الكاثوليكي» الذي يقوم به رجال الدين.

إن اختزال الموضوع وكأن الصراع في سوريا هو صراع طائفي مطلق يناسب تماماً طريقة الإدراك الغربية للأزمات في منطقة الشرق الأوسط. بناء على ذلك، يتم تقديم القصة على أنّ الإسلاميين الراديكاليين –أي الإرهابيين– يتسيّدون الانتفاضة ضد الأسد. إنّ وجود هؤلاء هو بلا شك مشكلة كبرى، إلا أنّ قوتهم الفعلية ليست بتلك الصورة التي توحي بها صفحات الإعلام الغربية، ومن بينها الألمانية أيضاً. فالأزمة التي اندلعت مؤخراً بين الجيش السوري الحر وبعض المجموعات الإسلامية أبرزت مجدداً أنّ السّلفيين ليسوا هم الطرف الأوحد، ولا المجموعة الأكثر أهمية في تكتل المعارضة.

إن النظام السوري يعرف جيداً التأثير الكبير الذي تتمتّع به تهمة الإرهاب. لقد كان هذا المفهوم ملازماً لدمشق فترة لا بأس بها. ففي الثّمانينيات كانت سوريا كغيرها من الدول متّهمة بالتوّرط بعمليات إرهابية دولية كان مسرحها مدن برلين وآخن. في التسعينيات كادت أن تؤدي الأزمة بين تركيا وسوريا إلى حرب بين البلدين، وذلك بسبب اتهامات لدمشق بدعمها حزب العمال الكردستاني. حتى في الفترة اللاحقة لعام 2005، كان النظام السوري يعاني عزلة سياسية كبيرة بسبب اتهامات له بالضلوع في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، فضلاً عن سلسلة عمليات حدثت ضد منتقدي النظام السوري في لبنان.

منذ العام 2011 فعل قادة النظام كل ما بوسعهم من أجل أن يكون لهم الغلبة. حتى في شهور الثورة السورية الأولى، وذلك عندما خرج الآلاف من الناس إلى الشوارع رافعين أيديهم إلى الأعلى لإظهار أنهم غير مسلحين وعزّل، وحتى قبل أن يوجد شيء اسمه الجيش السّوري الحر أو جبهة النصرة، كان الأسد يصف المتظاهرين بالإرهابيين.

لقد كان جليّا بأن المخابرات السورية، وابتداءً من سنة 2003، هي التي دعمت إنشاء شبكات الجهاديين الإرهابية. فبعد أن أسقط الأمريكيين الدكتاتور العراقي صدّام حسين، كان هناك الآلاف من الراديكاليين من المملكة السعودية وليبيا والكويت وبلدان أخرى ممّن آثروا التوجّه صوب العراق، وأخذوا طريق دمشق ممرّاً لهم. لقد تم استقبالهم في المطار ونقلهم بالحافلات إلى الحدود العراقية، وغالبا ما كان هناك معسكرات يتم فيها تحضيرهم للقتال أيضاً. في عام 2007 قام الأمريكيون باكتشاف أرشيف كامل حول معلومات تتعلق بمئات الجهاديين الأجانب ممّن تم إحضارهم إلى العراق عبر سوريا. في ذلك الوقت كان لدى دمشق مصلحة استراتيجية لإشغال وتصعيب مهمة القوات الأمريكية في العراق بأكبر قدر ممكن. كان يتوجب فعل أي شيء من أجل عرقلة أي مسعى للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن من أجل تغيير النظام في سوريا كما فعل في العراق.

في تلك الأيام كُتبت تقارير مفصّلة عن الدور الشيطاني لسوريا. أما اليوم فيبدو أن هذه التقارير قد تم تنحيتها جانباً بكل وعي من قبل واشنطن ولندن وبرلين. بدلاً من ذلك، هناك زيادة ملحوظة في عدد مؤيدي السيناريو الذي يزعم بأن الأسد وقواته العلوية يقاتلون من أجل سوريا العلمانية ضدّ الجهاديين الذين تتلاعب بهم جهات من الخارج.

وهكذا فقد تم استحضار آلية مخادعة عن الصراع في سوريا، سواءً في التقارير الإعلامية المنشورة عنه أم في الإدراك الذهني حوله. فبدلاً من فهم الثورة على أنها انتفاضة شعب تمّ قمعها بوحشية عالية من نظام شمولي، يتم تركيز جزء كبير من النقاشات في الغرب حول الأقلية الراديكالية من المنتفضين. لقد تمّ مماثلة الثورة بالسلفيين، أي أولئك الذين يسعون إلى اضطهاد المسيحيين قبل غيرهم، آجلاً أم عاجلاً.

إن الدّعاية الأسدية التي تلعب بالمخاوف الغربية تبدو وللحق موفّقة جدّاً. ورغم أنها لم تعد تقوى على كسب تعاطف له ولأعماله، إلا أنها قد نزعت القيمة عن المعارضة. فيما يبدو أنّ النقاش حول مواضيع مثل مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين، العدد المرعب للقتلى الذي وصل 100 ألف قتيل، التقارير التي تتحدث عن ضحايا التعذيب والمختفين قسرياً...، يبدو كل هذا وكأنه تراجع في سلم الأولويات منذ أمد. حتى التقارير والأخبار ذات المصداقية حول استخدام الأسلحة الكيماوية –في السنة الماضية كانت تعتبر هذه النقطة الولايات المتّحدة «خطاً أحمر»– لم تعد تستدعي صرخة مدوّية. غالباً ما يتم المحاججة بأنه ليس هناك من معلومات موثوقة من سوريا. حتى في ظل الواقع الذي يقول بأنه ما من مكان في سوريا يتواجد فيه النظام بتلك السّطوة المعهودة، نسمع الأسطوانة التالية: إن دمشق استطاعت استعادة أجزاء كبيرة من مواقع سيادية، هذه هي الحقيقة الأوحد في هذه الحرب.

حتى الآن هناك جزء كبير من المساعدات الإنسانية يتم تسييره عن طريق الأمم المتّحدة، وهذا يعني ببساطة تحت رعاية الحكومة السورية وفي معاقلها. أمّا ما يتعلّق بتلك المناطق المحررة في الشمال السوري، والتي يمكن الوصول إليها بسهولة مطلقة، فيتم هناك تتبّع وعرقلة كل قرش/سنت ممكن أن يُدفع، وذلك تحت ذريعة إمكانية وقوع هذه المساعدات في «الأيدي الخطأ». وهناك غالباً لا تصل تلك المساعدات، مما يؤدي في النهاية إلى تقوية ودعم الراديكالية والتطرّف، تلك المفاهيم التي يدّعي الغرب خوفه منها.

وهكذا لا يفعل الغرب في سوريا إلا أن يكون سجين توقّعاته السّيئة، بدلا من بذل محاولات جادّة من أجل منع حدوث الأسوأ.