رزان صديقتي التي تعرّفت عليها يوماً، المرأة الهادئة الجريئة، ذات الضحكة الطفولية الخجولة التي تكشف عن مدينة مليئة بالألعاب وعن حبّ كبيراً للحياة والحلم، حبّها للقطط ولأزهار بنفسج الربيع يدلُّ على رزان الإنسان.

حلمها بتحقيق العدالة في سوريا طغى على أحلامها الشخصية. كانت تحلم بالسفر إلى إيطاليا، ولو حدث وسألتها: لماذا إيطاليا؟ ستجيبك: حتى يكون عندي حلم.

تلقّت دروساً في الرقص ساعتين في الأسبوع كي تعيش حلم الطيران، قبل أن تعود إلى قسوة العمل والحذر داخل نشاطها الحقوقي قبل الثورة. أسرّت لي بضحكتها المرحة وهي تشجّعني على الرقص بأنها الأسوأ في صفّها بالرقص، ولكنها ستستمرّ ليبقى لها شيء تنتظره بلهفة.

رزان أحبّت الموسيقى الغربية بشغف، وأهدتني سي دي لـ فايا كون ديوز بعد أن أعجبتني أغانيها التي أسمعتني إياها. قالت لي إنها تحلم بافتتاح مطعم صغير تضع فيه هذه الأغاني ويرتاده الناس الحقيقيون فقط.

لطالما آمنت رزان بأن الكتب والأغاني والأفلام وكل الأشياء الصغيرة التي نمتلكها وتشعرنا بالفرح يجب أن نتشاركها مع الآخرين بمجرد أن امتلكناها فترة قصيرة وأدخلت علينا سعادة مؤقتة. علينا أن نتشارك أسباب السعادة مع الآخرين فهي ليست ملكاً لنا.

رزان كانت تتكلم قليلاً وتصمت كثيراً. صمتها لغتها الأخرى، لم يكن فراغاً بل كان مليئاً بحضورها وإحساسها العميق بوجودها ووجود الآخر قربها. كانت تخبرني بأنها تفضّل مجالسة الناس الذين تشعر معهم براحة الصمت وتواصل استراحات الكلمات.

كانت تعمل دائماً حتى قبل الثورة لساعات متواصلة في المجال العام، وكل عملها كان تطوّعياً. الشيء الوحيد الذي كانت تتقاضى عنه مُقابلاً هو بعض مقالاتها الصحفية، بالرغم من وضعها المادّي المتواضع.

كانت تُستدعَى للتحقيق بشكل دائم قبل الثورة بسبب نشاطها الحقوقي. لم يكن الموضوع سهلاً عليها بشكل خاص لأنها ستضطر للكذب، الشيء الذي بمجرد معرفتك لرزان ستكتشف أنه نقيضها. مرة زرتها وأخبرتني بأنها تعاني من شَدّ عضلي في الرقبة، بعد انتظار وتحقيق دام أكثر من أربع ساعات. وكان قد أخبرني صديق مشترك لنا فيما مضى بأنها طردت رجال الأمن من مكتبها بعد أن بدأوا بزيارتها بشكل مستمرّ للتحقيق معها. أبلغتهم حينها بأن هذا مكتب محاماة وأنها لن تجيب عن أي سؤال إذا لم يكن ضمن إجراء رسمي تُستدعى إليه.

رزان، هذا التضادّ بين الرِّقّة والقوّة، قوية بما يكفي عندما تحتاج إلى القوة، ورقيقة عندما تكون قريباً منها كفاية. عندها ستلامس رِقّتها وخوفها فتبدو لك مجدّداً إنساناً قادراً على أن يكبر في داخلك يوماً بعد يوم دون أن تشعر بذلك.

قبل الثورة كانت تعمل كثيراً، وكانت مكتئبة من أن شيئاً لا يحدث رغم كل هذا العمل. لا شيء يتغير، ولا النظام يكفّ عن الظلم. لم تكن لرزان حياة شخصية إلا محدودة جداً. كان العمل حياتها. أعتقد أنها لم تستطع أن تتآلف مع حياة تعلم بأنها تخبئ –ليس بعيداً جداً عن السطح– كمّاً لا يحتمل من الظلم لبعض الحالمين بالعدالة مثلها.

رزان أحبت فارس مراد كثيراً (المعتقل السياسي الذي أمضى 29 عاماً في سجون النظام وخرج يعاني من المرض، ظهْره بقي محنيّاً رغم أن إرادته للحياة والحبّ لم تنحن يوماً). فارس كان شخصاً مميّزاً بحق. احتمل كل هذا الظلم وظلّ طفلاً يبحث عن الفرح في التفاصيل، لطالما رفض أن أناديه بكلمة «عمّو» وأصرّ بعناد طفولي بأنه فارس، ليس عماً لأحد. فارس لم يحقد، لطالما تساءلت كيف استطاع أن ينجو من الحقد.

عندما توفي فارس دخلت رزان بفترة كآبة نحتت عميقاً في داخلها. أحسّت بالعجز والخيبة وقدرة الظلم الرهيبة على القهر. سرق النظام من فارس عمره أمامنا جميعاً، ولم نستطع أن نوقف هذه السرقة أو نحاسب السارق. أحسّت رزان بالخواء كما أخبرتني عندما لم أجد الكلمات المناسبة لأواسيها بها، فاستعرْت صمتها المعبّر وصمتّ.

لم تشأ رزان أن تترك بلدها الذي أحبته كثيراً قبل الثورة أو بعدها. أحبّت المشي في شوارع باب توما القديمة وسِحر الحميدية وسوقها المغلق والحديقة البيئية… سوريا التي خنقتها أصرّت رزان على أن تضيف عليها من خيالها وتحبّها بطعم قهوة، مع القليل من حبّات الهيل تضيفها حسب المرارة التي تشعر بها.

عندما اشتعلت الثورة اشتعل معها الفرح والأمل داخلنا وداخل رزان. كانت تتابع نشرات الأخبار وتشارك في وسائل الإعلام الاجتماعي وتتواصل مع النشطاء. بيتها كان يبدو خلية نحل يغمرها السعادة والعمل وتبادل الأخبار. كانت رزان وزوجها وائل سعيدَين ومشغولَين كلياً… قالت لي بمرح: زوجي مشغول عني، مو فاضي لي عندو ثورة!

زرتها مرة وقت الثورة في أثناء تخفّيها. كانت تبدو مشغولة، مشتّتة الذهن، متفائلة ومشتاقة للأصدقاء. عانقتني بحرارة وصمتت معظم الجلسة. أحياناً نجحتُ بإضحاكها وأخبرتها عن حبّ ينمو في قلبي، حبّ وقت الثورة، ووعدتني بأن تزوّجني بنفسها في ساحة الأمويين. كان ذلك صيفاً وكانت ترتدي جوارب سميكة لفتت إنتباهي، سألتها فأجابت: هيك بحسّ بالأمان، رجليّ باردين.

رزان تعرّفت على زوجها وائل قبل عشر سنوات، في إحدى الاعتصامات القليلة التي كانت تحدث في دمشق قبل بداية الثورة. وائل كان سند رزان ودعمها الحقيقي الذي استمدّت منه قوتها. استطاع أن يقدّم لها الدعم والعناية دون أن يخنقها، محققاً بذلك معادلة يصعب تحقيقها في مجتمعنا الشرقي الذكوري بامتياز. عندما كان يتم تعريف وائل بلقب زوج الناشطة رزان، كانت رزان تسارع لتعرّف بنفسها كرزان زوجة الناشط وائل. حتى رزان كان حبّها زمن الثورة، الثورة التي بدأتها رزان ورفاقها قبل أن تولد الثورة السورية كما نعرفها اليوم. يبدو أن الثورة كانت فعلاً مستمراً في عالم رزان لم يتوقف يوماً.

رزان ثارت من قبل على مجتمعنا الذكوري وخرجت عن تقاليد العائلة لتختار طريقها بنفسها، كامرأة تعمل في أكثر المجالات خطورةً في مجابهة أشرس نظام في المنطقة، رغم معارضة محيطها التي كانت تصل حد المقاطعة. رزان قاطعتها العديد من رفيقات الطفولة بسبب الخوف من نظام قد يبطش بكل من حولها.

من أين امتلكت كل تلك الشجاعة؟ هذا ما ظل بالنسبة لي مبعثاً للدهشة المستمرة. منذ تعرفت على رزان رأيت فيها شخصية الليدي أوسكار النبيلة. كانت رزان بطلتي الشخصية وأوسكار السورية الذي حدث أن التقيتها يوماً.

 يوم اختطفت رزان ورفاقها (سميرة الخليل، وائل حمادة، ناظم حمّادي) انهار كل شيء بالنسبة لي، تبدّد إحساسي بالأمل، وأصبح كل شيء سواء، حتى لم أعد أشعر بأن للعدالة معنى. لاختطاف رزان معنى رمزي أخاف من التفكير فيه… هذه التي بحثت عن العدالة طويلاً وناضلت من أجل الناس المظلومين والمعذّبين في سجون النظام العفنة التي تخطف أعمارهم مع تواطؤ الصمت القاتل لجميع من حولهم، خطفها الحلم في غفلة منها.

رزان ستعود يوماً قوية كما كانت دائماً، حلمها الممتد لن يطفئه أحد… صار لدينا حلم بالعدوى.