رحلت رغد عن منزلها في مدينة أدلب السورية تاركة خلفها داراً وأصدقاء، ورماد دفاترها الصغيرة التي أحرقتها والدتها في مدفأة وحيدة حينما وصلت دبابات الجيش لمحيط المدينة. توسلت لوالدتها أن تُبقي كلماتها على قيد الحياة، لكن خوف الأم على ابنتها من عواقب وقوع مذكرات فتاة كان عمرها أربعة عشر عاماً آنذاك في يد قد تستخدمها كدليل إدانة على جرم ما، جعلها تتعجل في إبادتها. «حسيت قلبي بينحرق مع الصفحات، صفحة صفحة»، قالت رغد بعد عامين على الرحيل من سوريا، وفي عينيها ارتعاشة تشبه من رأى لتوه ناراً تلتهم عزيزاً. «زعلت زعلت وانحرق قلبي وبكيت وماعاد بدي اكتب أبداً». كان حلم رغد أن تصبح كاتبة، وشعرت يومها أن حلماً احترق مع الصفحات.

الكثير من الحكايات المشابهة تجمعها جدران مدرسة السلام في مدينة الريحانية في جنوب تركيا، التي يفصلها عن سوريا معبر باب الهوى. وقد تأسست هذه المدرسة عام 2012 لاستقبال الأطفال السوريين الذين نزحوا إلى المدينة مع عشرات آلاف اللاجئين.

اليوم، تجاوز عدد السوريين في تركيا المليون. سبعة بالمائة منهم، أي ما يعادل السبعين ألفاً، في سن المراهقة، أي ما بين الثانية عشر والثامنة عشر من العمر، بحسب منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. رغد هي إحداهم، ومعها أكثر من ثلاثمئة زميل وزميلة من طلاب المرحلة الثانوية في مدرسة السلام. يواجهون جميعا مستقبلاً غامضاً وسؤالا ملحاً: ماذا بعد المدرسة؟ أي اتجاه نسلك الآن؟

 من اليمين مهند الإبراهيم، أكرم حمادي وإبراهيم ديكو، طلاب الصف الثالث الثانوي العلمي في مدرسة السلام. سيتم مهند الدراسة هذا العام ويأمل أن ينتسب لأحد الجامعات التركيّة لدراسة الهندسة المعمارية (محمد عجة)
من اليمين مهند الإبراهيم، أكرم حمادي وإبراهيم ديكو، طلاب الصف الثالث الثانوي العلمي في مدرسة السلام. سيتم مهند الدراسة هذا العام ويأمل أن ينتسب لأحد الجامعات التركيّة لدراسة الهندسة المعمارية (محمد عجة)

تحاول العديد من المنظمات الإنسانية أو التربوية البحث عن أجوبة وحلول لهؤلاء الطلاب وغيرهم في دول الشتات السوري، تقدم بعضها منحاً دراسية للمتفوقين منهم، بينما تقدم أخرى برامج إرشاد أكاديمية للراغبين بالإلتحاق بجامعات في الخارج.

لهذا السبب تحديداً أتت لينا سيرجية وكندة هبراوي مع واحد وعشرين متطوعاً إلى مدرسة السلام

سيرجيّة وهبراوي سيدتان من أصل حلبي تسكنان في الولايات المتّحدة، أقمن برنامج للريادة مخصصاً لطلاب المرحلة الثانوية كجزء من جهود مؤسسة كرم، وهي مؤسسة خيرية مسجلة في الولايات المتّحدة وتعمل على إغاثة ومساعدة أطفال سوريا.

يهدف برنامج كرم للريادة إلى تعليم الطلاب في خمسة أيام مهارات لا توفرها لهم ظروفهم أو مدارسهم الحالية، كإتمام عشرين ساعة برمجة، أو أساليب البحث عن طرق بديلة لتعلم اللغة التركية والإنجليزية، أو الحصول على تمويل للبدء بمشاريع صغيرة.

ولدت فكرة البرنامج بعد صدفة جمعت بين منظمي البرنامج وشابة اسمها صباح. هي طالبة في الصف الثاني الثانوي في مدرسة السلام، استطاعت أن تلخص لهم هموم جيلها من اللاجئين.

 في مدرسة السلام بالريحانية، قرر بعض طلاب المرحلة الثانوية الانضمام لدورة تعليم الشطرنج التي<br /><figcaption id="caption-attachment-17831" class="wp-caption-text"> في مدرسة السلام بالريحانية، قرر بعض طلاب المرحلة الثانوية الانضمام لدورة تعليم الشطرنج التي<br />تنظمها مجموعة كرم (محمد عجة)</figcaption></figure><figcaption id="caption-attachment-17831" class="wp-caption-text"></figcaption></figure>
</p>
<p>«خاطبتنا صباح باللغة الانكليزية وقالت لنا أنها تريد أن تحقق شيئاً في المستقبل… كانت تريدنا أن نعطيها حياة جديدة، أن نعطيها حلاً»، قالت سيرجية وهي تسترجع ذلك اللقاء، وأضافت: «سألتنا لِم لا نبني لهم جامعة تستقبلهم؟».</p>
<p>كانت صباح قد أدركت أن ركب المدرسة شارف على التوقف، وأنها ستضطر للنزول في محطة ما حينها. لكن لا محطات تستقبل صباح، فطموحها كبير وأوسع من مجرد تعلم حرفة تمكنها من مساعدة أهلها، ثم الزواج والعمل بحرفة أخرى لمساعدة زوجها. تريد أن تلتحق بالجامعة وتعمل وتحصل على شهادات عليا.</p>
<p>«لم أتمكن من النوم تلك اللية» قالت هبراوي عن ذلك اللقاء، «كان لابد من العثور على حل لهم».</p>
<p>يحصل طلاب مدرسة السلام، كغيرها من مدارس اللاجـئين في تركيا، على شهادة المرحلة الثانوية التي تصدقها حكومة الائتلاف الوطني السوري المعارض، وتعترف بها الجامعات التركية فقط. أي أنها لا تتيح للطالب إمكانية إتمام الدراسة في دولة أخرى، وبذلك لا يستطيع الاستفادة من منح تقدمها بعض المنظمات  للدراسة في أوروبا أو أميركا، على سبيل المثال.</p>
<p>الخيار المنطقي في هذه الحالة هو الانتساب للجامعات التركية، إلا أن القبول يتطلب أولاً إتمام أحد امتحانات اللغة الإنكليزية المعروفة، كـ «توفل» أو الـ «س آي تي». الأمر الذي لم يكن مطلوباً للقبول في الجامعات السورية، فلم يتم إعداد الطالب له.</p>
<figure id="attachment_17829" aria-describedby="caption-attachment-17829">
<figure id="attachment_17829" aria-describedby="caption-attachment-17829">
        <img decoding="async"   loading="lazy" class=" size-full wp-image-17829" src="https://aljumhuriya.net/wp-content/uploads/2017/09/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D9%A5.jpg?x92928" alt=
تعشق آسيا، طالبة مدرسة السلام، غرفة العمليات، وحلمها أن تصبح جراحة (سيليا بيترسون)

ثانياً، وهو الأمر الأكثر تعقيداً لدى معظم الطلاب، إمتحانات اللغة التركية. إذ يتضمن القبول امتحان «يوس»، وهو امتحان رياضيات باللغتين التركية والإنكليزية. والامتحان الأكثر صعوبة، وهو الذي يهابه طلاب مدرسة السلام، «تومر»، الذي يقيس مدى تقدم الطالب بمعرفة اللغة التركية. تحاول مدرسة السلام توفير أساتذة لتعليم اللغتين، لكن الأمر ليس سهلاً، وهو تحدٍ يفشل العديد من الطلاب باجتيازه، أو يتقاعسون ويفضلون البحث عن صنعة أو مصدر دخل سريع.

عند هذا المفترق، يُطلب من شاب صغير تحت ضغط ظروف اللجوء التي لا ترحم أن يختار بين الطب مثلاً، أو البيع في دكان. وتقرر شابة أن تسعى إما وراء الزوج المناسب، أو المجال العلمي الملائم.

يحاول المرشدون في برنامج كرم للريادة أن يوسّعوا آفاق الطالب وطموحه. بالطبع ينبغ من بين الطلاب أفرادٌ يتميزون بكم من المثابرة والذكاء، وهم بذلك الأكثر استفادة من هذا النوع من البرامج. لكن يبقى الطلاب الأقل تميزاً، أو من هم رهينة ظروف أكثر قسوةً. هؤلاء ستصيبهم خيبة أشد من تلك التي كانوا سيواجهونها لو أنهم لم يطّلعوا على هذا العالم من الخيارات.

والطلاب يدركون تماماً دقة المرحلة التي يواجهونها، فيظهر ذلك في أسئلتهم الملحة وتوترهم بل وغضبهم أحيانا. «أستطيع أن أنظر في عيني ولد في الخامسة من عمره وأقول له بكل صدق: بوسعك أن تحقق ما تشاء» قالت سيرجية، وأضافت: «لكنني لا أستطيع أن أقول هذا لطالب في البكالوريا، الوقت يلاحقهم، وليس أمامهم سوى بضعة أشهر».

 من اليمين أحمد جلول وحمود الأشتر طلاب الصف الأول الثانوي من مدرسة السلام (محمد عجة)
من اليمين أحمد جلول وحمود الأشتر طلاب الصف الأول الثانوي من مدرسة السلام (محمد عجة)

تختلف مخاوف الشباب في هذه المرحلة العمرية بحسب ظروف وأوضاع الأماكن التي نزحوا إليها،  فبينما يخشى محمد نجيب، طالب الثاني الثانوي في مدرسة السلام، والذي يحلم أن يصبح طبيباً «من الفشل الأسود..الذي لا ملامح له» على حد قوله،  يخشى طلاب آخرون من ما هو أشد ظلمة ومقتاً: الخروج من المدرسة والعمل في الشارع.

على بعد بضع كيلومترات من الريحانية، يقبع تجمع هبة في مخيم أطمة على الأراضي السورية، والذي تعددت وتبدلت أسماؤه فعُرف تارة بتجمع «أورينت» أو حيناً بتجمع «المطبخ». لا وجود لمدرسة ثانوية، وهو ما شكت منه المحامية لمياء نحاس التي تدير مدرسة تستقبل الطلاب حتى الفصل الرابع، تدعى مدرسة الحكمة. «أذكر وجه طالب قال لي أنا لا أريد أن أنجح هذا العام.. أعيديني للمدرسة» قالت السيدة نحاس. فالتلميذ يعلم أن لا فصول دراسية تستقبله بعد عامه هذا، وأن عليه مواجهة الشارع أو العمل.

«إبني تعلم التجارة وأصبح يبيع المعونة ويشتري الجوالات ويبيعها» شكت والدة أحد الأطفال ابنها للسيدة نحاس. إبنها اليوم لا يفكر بالمدرسة بتاتاً، بعد أن كان طالبا لسنوات قبل النزوح من سوريا.

 رغد، طالبة مدرسة السلام ذات ال 16 عاماً، والتي تحلم بأن تصبح كاتبة في يوم من الأيام (سيليا بيتيرسون)
رغد، طالبة مدرسة السلام ذات ال 16 عاماً، والتي تحلم بأن تصبح كاتبة في يوم من الأيام (سيليا بيتيرسون)

جهود مجموعة كرم للريادة لم تنجح بانتشال صباح، التي جاؤوا من أجلها، من إحباطها، بل تحول هذا الإحباط إلى غضب ومرارة بعدما فقدت الكثير من الأمل في تحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة. لكن رغد، التي أحرقت والدتها مذكراتها، تصالحت مع الكتابة بعض الشيء، حيث أتمت دورة التدريب على الكتابة الصحفية في برنامج كرم، وحصلت على دفتر بنفسجي صغير لتدوين خواطر جديدة. باتت تجرؤ على الحلم بأن تصبح كاتبة من جديد.

لكن يبقى مستقبل طلاب مناطق ومدارس أخرى شاحباً، ففي مخيم أطمة يزور أعدادٌ من المراهقين السيدة نحاس في المدرسة بين الحين والآخر، يسألونها بإلحاحٍ عن إمكانية فتح فصول دراسية لهم. «أرى في عيونهم الحزن والخوف… وأبكي حينما أتذكر نظرتهم». وأكثر ما تخشاه السيدة نحاس هو فتور الإلحاح، وعدم عودتهم إلى مكتبها في خيمة على أرض أطمة للمطالبة بمدرسة.