اقتحمت قوات النظام السوري أحد المنازل في  حي ركن الدين وسط العاصمة دمشق، أمسكت فادي، الشاب العشريني، ربطته الى السرير، ألقت على جسده «المازوت» وأحرقته حتى الموت.

حدث ذلك قبل أعوام ثلاث من قيام تنظيم الدولة الاٍسلامية في العراق والشام بإحراق الطيار الأردني معاذ كساسبة في مشهد لن يمحى قريباً من الذاكرة. بين الحادثتين لن نعدم أمثلة أخرى على طرائق وحشية في القتل كان نصيب المدنيين فيها وافراً من الموت. لكن، رغم تكرار مشاهد الموت أحدث إحراق «داعش» للكساسبة فعل «الصدمة» في أربع رياح الأرض، وكأن الحدث لم يكن إلا عهداً جديداً من الوحشية لم تعرف العين الناظرة قبله من مشاهد.

تمتاز داعش عن غيرها من القتلة الموجودين على الساحة بقدرتها العالية على «تحفيز الصدمات» وتلوينها بأكبر قدر من الوحشية، وذلك عبر تقديم سيناريوهات الفظاعة على خشبة مسرح الموت بشكل سينمائي وإعلامي محترف. فعلة داعش أثرت على أفعال القتلة الباقين بطريقة أخاذة، لم تعد ممارسات النظام السوري وأنصاره قادرة على أن تثير المشاعر والأحاسيس عند العين الجماعية للجمهور بنفس القدر الذي تمكّنت به داعش وأبدعت فيه. في غضون أيام تالية لحادثة «القفص» الرهيبة قام النظام السوري بحملة قصف لم يسبق لها مثيل على أرياف دمشق والغوطة، وعلى دوما بشكل خاص. قتل النظام وحاصر وأقام للجوع مكاناً ثابتاً بين النساء والأطفال والعجّز، لكن لم تثر ايّاً من هذه الأحداث والصور والمجازر التي يعيشها الانسان السوري المستباح أية ردود فعل كالتي تثيرها أفعال داعش بشكل ارتكاسي مباشر. لا نستطيع في ذلك أن نغفل دور وسائل الإعلام المعزِّز من خلال الانتقاء المتعمّد لبعض المشاهد والمفاهيم والكلمات والصور وتكرارها، واستبعاد غيرها، إلى أن يشعر المتلقي/الضحية الأخرى بأن ما تعرضه وسائل الاعلام هو ذلك الانعكاس الحقيقي للواقع المحجوب.

الجثتان المحروقتان

لنتخيل أننا نضع أمام المتلقي صورتين لجثتين محروقتين دون أي تعريف عنهما أو معطيات وقوع فعل الحرق، تتشابه الجثث في مآلها الوحشي الأخير حتى تبدو هي ذاتها؛ سوداء، مشوهة، عارية من الجلد، الفك البارز، والأطراف المتصلبة.. سنجد احتمالاً كبيراً بأن تثير كلتا الجثتين المشاعر والصور الذهنية ذاتها، بصرف النظر عن تفاصيل الحدثين المختلفين، إذ سيكون المتلقي قادراً على رؤية شيء يشبه جسده هو وقد تحول إلى جثة هامدة متفحمة، من دون أفكار مسبقة وتداعيات قبلية.

إلا أن ذات المتلقي سوف تضطرب مشاعره وتختلف تقييماته لو علم السياق الذي أحاط بالحادثتين اللتين أوصلتا الأجساد الى هذا الركام المتفحّم. يكون الإدراك «حيادياً» نوعاً ما، إلى أن تتدخّل المعرفة وتحوّل الإنطباعات التي يخلقها الإدراك البريء إلى مشاعر وأفكار ترتبط بالمعارف والصور الذهنية «مسبقة الصنع» حول الحادثتين، وحول القيم التي تمثل كلا منها في الوعي الباطن للمتلقي. الجثة الأولى هي لفادي الذي أحرقته قوات النظام حتى الموت، بينما الأخرى لجسد الطيارالأردني الذي أحرقته داعش.

هنا تختلف التقييمات وتتداخل الصور الذهنية بتشابك مع الأفكار والوقائع والخبرات الذاتية المتباينة عند المتلقين. هنا يكون لدينا قصتان، وحدثان، وشخصان وقاتلان وهويتان. سيكون الإختلاف في التقييم هو سيد الموقف.

اسم العلم والصورة مقابل الجثث

أحرق جيش النظام السوري ثلاثة مدنيين  في معضمية الشام بريف دمشق.

بث تنظيم الدولة الإسلامية شريط فيديو لإعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة الأسير لديها حرقاً داخل قفص حديدي.

يشترك كل من الخبرين بعناصر كثيرة؛ الموت، القتل، الحرق، بل أن الأول يحمل في متنه خبر مقتل ثلاثة من المدنيين حسب الوصف، والذي من المفترض أن يعطيه وقعاً أكثر ثقلاً على المتلقي من الخبر الثاني، إلا أن ذلك لم يحدث.

لم يستطع الخبر الأول أن يجذب المتلقي المعتاد على تعرضه لأخبار مقتل المدنيين في سوريا من قبل النظام السوري.. إنه خبر تتألف عناصره من قواعد مكررة، جامدة إلى حد ما، ومقتضبة، على عكس خبر إحراق الكساسبة، الذي أحيط بحملة إعلامية واسعة، محملة بقصة إنسان، له اسم علم، وعائلة، وحكاية، ما جعل المتلقي ينتقل من الخبر الذي سمع عنه إلى الخبر الذي يراه.

وعلى الرغم من أن تغييب أسماء الأشخاص الثلاثة وهويتهم الفردية لا ينفي فداحة مقتلهم، إلا أن ذلك لم يعد كافياً في زمن الموت اليومي لاستقطاب الملتقي وإثارة اهتمامه.

لنحاول كتابة الخبر مجدداً: قتل الجيش السوري الأم الثلاثينية مها هاشم وطفليها محمد البالغ من العمر خمسة أعوام، وفرح التي تبلغ من العمر سبع سنواتٍ حرقاً حتى الموت بعد تقييدهم داخل منزلهم في معضمية الشام بريف دمشق أثناء اقتحام البلدة.

وكانت قوات النظام اعتقلت زوج مها في حملة اعتقالات ومداهمة شنتها العام الماضي.

فعل الموت كما فعل الحياة يمكن اثباتهما على حد سواء، لكن ما يميز كل حدث فيهما هو رد واقعهما إلى الحكاية بتفاصيلها الإنسانية، دون الإنقاص من الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

الخبر النصي وحده لا يكفي لإثارة الرأي العام اليوم. لنأخذ على سبيل المثال الأحداث الأخيرة في دوما، تصاعدت الأصوات المنددة بجرائم النظام في المدينة، ونُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام في اليومين الأخيرين صوراً كثيرة للمجرزة، كما أطلق ناشطون حملة واسعة تحت هاشتاغ «دوما تُباد».

يمكننا أن نتفق على أنه لا يمكن إضفاء صفة العمومية على الرأي العام لاختلاف نسيجه التكويني، لكن بإمكاننا، عبر إجراء مسح على ردود الأفعال في وسائل التواصل الاجتماعي، أن نصل إلى الاستنتاج التالي: لقد تلقى الرأي العام أخبار مجازر دوما في الأيام الأولى باعتيادية تلقيه لأخبار المجازر المستمرة في سوريا إلى أن نشر ناشطون صوراً كثيرة للقتلى والضحايا والدمار في دوما في الأيام الأخيرة الماضية، فتلقّاها الرأي العام وتفاعل معها كأنها حدثت للتو، رغم أن النظام بدأ بتصعيد عملياته العسكرية في دوما  منذ أكثر من أسبوع، قُتل خلاله أكثر من 150 مدنياً.

الضحية تراقب المتلقي الضحية

دوما.. تحدق الفتاة الصغيرة المغطاة بالدم نحو العدسة، كأنها تخترق عيني الملتقي الضحية، وتصيبه في القلب تماماً. تراقب حركته، ردة فعله، فيما يحدق الآخر بالصورة، يرى في البداية قدميها الصغيرتين الحمراوتين، أصابع يديها الغاضبة، ثيابها الممزقة، يمد كفه باتجاهها وكأنه يريد أن يمسح آثار الدماء عن وجهها. هي مازالت تراقبه.. وإذ بصورة أخرى للمجزرة ذاتها تسقط أمامه، طفل آخر يقف مواجهته مباشرةً، هو الآخر مغطى بالدماء، خلفه مدينة مهدمة، جثث مترامية هنا وهناك، لا يحرك بصره، إنه ينظر إلى العدسة مذهولاً، وكذلك المتلقي العاجز، تهوي صورة أخرى لنهر من الدماء في شارع المدينة ذاتها، الصورة خالية من الوجوه، وجه المتلقي المفرط الحساسية وحيداً مقابل المجزرة.

يحمل المتلقي في رأسه الآن صوراً كثيرة. أشلاء، دماء، جثث، دمار.. يتابع بنهم تداعيات كل الأحداث، بينما تتهافت وقائع جديدة، لا تقل وحشية عن سابقتها، كلها تصب في الجهاز النفسي،  ترتفع لديه حالة التوتر، القلق، الحزن، الألم، ولأن المتلقي عاجز كلياً أمام هذا الواقع، غير قادر على تفريغ تلك المشاعر، فإن الأنا الخاصة به تنتقل بشكل مستمر من حدث إلى آخر بنفس درجة الانفعال والتأثر، أي أن عمليه التفريغ تتحول إلى عملية تخزين.

تخزين وقائع العنف والموت ستؤدي بالمتلقي إلى حالات قلق وحيرة عاليتين، تبعده عن خوض كل حدث بشكل منفصل وتحليل أسبابه وخلفياته، ويبقى عالقاً في إعصار الانفعالات والعواطف المشتعلة، دون القدرة على الإتيان بفعل ما في واقع يزداد فيه تعزيز السلوكات السلبية الخالصة.

فخ المقارنة

في جلبة حرق الجثث، مجزرة دوما الأخيرة، وأحداث مماثلة، وقع المتلقي في فخ المقارنة، ومحاولة إثبات أي الأحداث أكثر دموية، القاتل الأشد إجراماً، أي القتلى أحق بحيازته على صفة الضحية. ويبقى القتيل المختار من قبل وسائل الاعلام المسيّسة هو الأحق بصفة الضحية، بينما تضيع ملامح القاتل الأشد إجراما بتسمياته وعناصره الراهنة التي تبعث على الحيرة «حرب أهلية، أزمة، ثورة، صراع، مقاومة، تطرف، اعتدال، مدنيين وإرهابيين..».

فيما يكمل النظام مسيرته الإجرامية ضد الشعب السوري بمرافقة إيران وحزب الله، يضرب زهران علوش دمشق ويحتل دوما، وتقطع داعش رأساً آخر وتحرق جسداً جديداً، يقر التحالف الدولي هجوماً جديداً، وتعقد المعارضة السورية مؤتمراً آخر، تقاتل بقايا كتائب الجيش الحر النظام وداعش والنصرة، وتُنصب خيمٌ أخرى على حدود الدول، بينما تتفق القوى الكبرى على الشعوب الضحية بحسب ما تملي عليها المصالح التي لا ترى وجوه الضحايا. يزيد غرق المتلقي المصدوم، القلق، المتوتر، المضطرب، بهمجية الحياة والموت، وبلعبة ماكرة من التكرارات التي تبدو أبدية.

يدخل المتلقي طوعاً أو كرهاً حلبة الصراع ومسرحة الموت المتلفز، يهب أمامه حدث آخر، «مقتل شاب سوري وزوجته وأختها رمياً بالرصاص على يد مواطن أمريكي معادٍ للإسلام»، ثلاثة وجوه شابة أخرى تحدق في العدسة، وتلقي نفسها على بصر المتلقي فوق الصور السابقة التي مازالت أمامه، تراقب ردة فعله، تناديه، بلا جدوى.

لقد سادت الجريمة حقاً التاريخ البشري بأجمعه، ولكن في الحقيقة لعب الساسة القادة وتجار الحروب على إختلاف مشاربهم الدور الأعظم فيها، وبقينا نحن، نتاج الحروب، الاستعمارات، النكبات، النكسات، الخيبات، الانقلابات، والخيانات، نحن أبناء الثورات، كمن سبقنا، أرواحاً مشوهة مازالت تتقيأ كل ماسبق ذكره. هكذا سيكون حال الأجيال من بعدنا، ولكن أشد تشوهاً..