في الستين من عمره، يحمل سمرة نهر الفرات وخشونة وطيبة «شواياه»؛ يدخّن بشراهة، بطريقة مراهق تعلَّم التدخين حديثاً. يقول مازحاً: أريد تعويض سنتين من المنع القسري، و40 سنة من الخداع الذي كنت راضياً به وأدافع عنه.

هنا في حي «دوز تبه» الشعبي في مدينة «غازي عنتاب» التركية التقيت به، وكانت الحكاية، حكاية كل السوريين.

لم تنفع كل محاولات أولادي الثلاثة وأختيهم في إقناعي بالخروج من مدينة الرقة مع كل «وجبة» قصف من النظام أو التحالف أو روسيا، أو عند صدور قرارات غبية ومربكة، مهينة وعبثية عن تنظيم داعش، تضيقُ بها حياة الأهالي. لم أغادر الرقة سوى مرتين، وهذه هي الثالثة طيلة الثلاثة والثلاثين سنة الأخيرة من عمري، بعد أن أنهيت حياتي الجامعية وخدمتي العسكرية. هي الرقة التي أحب فيها فراتها، وأقضي أغلب أوقاتي أصطاد السمك تحت سماءٍ لم يفارقها طيران العالم كله منذ ما يقارب السنة.

كانت أول مرةٍ أخرج من المدينة عندما مات حافظ الأسد في الشهر السادس عام 2000. ففي ذاك اليوم، وأثناء الدوام في مبنى «المؤسسة العامة لاستثمار حوض الفرات» في حي «الدرعية»، تناهى إلينا صوتُ عويلٍ وبكاء في أروقة المؤسسة فتجمّعنا حول التلفاز ومذيعه ينعي: أجل أيها الشعب العظيم، مات أبو الرؤساء، مات القائد حفظه الله ورعاه، مات الكريم الرحيم السلام المؤمن المهيمن، مات خليفة الله على الأرض!.

صمتٌ مطبق قبل أن ننصرف مذهولين، مصدومين غير مصدقين إلى بيوتنا. هل من المعقول  أن يموت الخالد؟ هل من المعقول أن يموت حافظ الأسد؟!

أفكرُ بذلك وأنا أستحضرُ في ذهني كلمات مروان شيخو وهو ينظر إلى التابوت المسجى بداخله جثمانُ حافظ الأسد، والمسؤولون يلقون عليه نظرة الوداع. أتذكّر كلماته حرفياً إلى الآن وهو يخاطب الجسد: «لماذا لا تتكلم… أنت تسمعني الآن؟!»

ويتابع: «كلنا الدكتور بشار، كلنا الرائد ماهر، كلنا الأستاذ مجد، كلنا أخوة للسيدة الدكتورة بشرى، كلنا أبناء تلك السيدة الفاضلة السيدة الأولى».

عدة أيام، وبعدها بدأت الوفود تتقاطر إلى مدينة القرداحة للعزاء، وحينها ولإظهار الحالة الشعبية، أُجبر أغلب العاملين في القطاع العام على الذهاب إلى القرداحة لتقديم واجب العزاء، وكنتُ من جملة الموظفين «غير المجبرين» في «المؤسسة العامة لحوض الفرات» ممن وقع عليهم اختيار مديرنا لركوب الباص المزيّن بصور «الأب القائد الخالد»، وبراياتٍ سوداء تنم عن حزننا العميق تجاه مصاب الوطن الكبير.

كان الباص يقف أمام خيمة العزاء الكبيرة المنصوبة في الشارع الرئيسي أمام المؤسسة، محولةً اتجاه المرور إلى شوارع أخرى فرعية. هنا كان الجميع يخافُ من الجميع، وهنا يجب أن تُظهر حزنك البالغ، بل وتزيد من إظهار تعابير وجهك المتجهمة، ولم يتجرأ أحد منا طوال الأيام السبعة التي كان دوامنا فيها في خيمة العزاء وليس المكاتب، على حلاقة ذقنه.

وعلى ذكر الخيم، فقد نُصبت الخيم أمام كل الدوائر في المدينة والريف، وكانت فرصةً لمدراء تلك الدوائر لإظهار مدى حبهم لقائد الوطن، تجلّى ذلك الحب بفخامة الخيمة وكمية الأموال التي تُصرَف على الطباعة والصور ونوعية ضيافة العزاء، وكان كل مديرٍ يرسل سائقه أو أحد خاصته ليتجسس على بقية خيم الدوائر الأخرى حتى يقوم هذا المدير بتقديم الأفضل، فمثل هذه المناسبة لا يتم التدقيق فيها على الفواتير والصرفيات، فهي خيمة عزاء حافظ الأسد، يعني وقت «الهبرة الكبيرة» ويجب الاستفادة منها بالحدّ الأقصى.

في كل خيمة كان هناك دائماً أربعة أشخاص، الكل ينافقهم ويُبدي أمامهم كل مظاهر التأثر والحزن. لم يكن الأمر بحاجة فراسة أو جهد لمعرفة عناصر الأمن العسكري وأمن الدولة والأمن السياسي والمخابرات الجوية؛ الذين تدور عيونهم بين المعزّين لتنقل حالاتهم إلى دفاتر ملاحظات صغيرة مستخدمين «رُكَبَهم» لكتابة ملاحظاتهم عن شخص لم يحزن كما يجب. كان الجميع أمامهم عراة، فهم يدخلون إلى أعماقك ويجب أن تكون ممثلاً بارعاً في ستر «عورة» ما هناك، حتى لا ينفذوا اليها مهما تكن محبتك، أو عكسها، للقيادة. القيادة تريد الكل تحت المجهر.

المهم يا «ابن الحلال»، ركبنا الباص ولا صوت غير صوت القرآن الذي ينبعث من مسجلةٍ بجانب السائق، وصوت ارتطام حبات المسابح ببعضها بين أيدي الأكثرية، وهمهمات تسبيح بين آية وأخرى من الوحي الإيماني؛ الذي يعتري كثيراً من محبي سيادته، أو الذي فرضه مرافقة عنصر الأمن العسكري، والذي رفض «توجيبنا» له بالجلوس في المقعد الأول وأصرّ على الجلوس في المقعد الأخير، فهو يريد مراقبة الجميع، وذلك لا يتسنى له إلا بالجلوس في المقعد الخلفي.

36 موظفاً ممن تم اختيارهم، أما المدراء الستة فقد ركبوا سياراتهم الحكومية التي حصلوا عليها بموجب «تزكية» من أمثال «أبو حيدرة»، مرافقنا الأمني في الباص ومعلميه، وانطلقت القافلة الساعة الثامنة من صباح يوم 19/7/2000، قاصدين مدينة القرداحة حيث ضريح «القائد الخالد» حافظ الأسد.

– «تحب أكمّلك هاي القصة، أو أحكيلك عن المرة الثانية اللي غادرت فيها الرقة؟».

– «لا، نكمل، فكثير من العالم لا تعرف ما الذي يحدث وكيف يحدث».

ما إن تحرك الباص حتى أمر أبو حيدرة السائق بتشغيل الراديو وإغلاق المسجل، وكان نقلاً مباشراً من القرداحة، وصوتُ المذيع الرخيم ينقل لمستمعيه ويعدد المعزّين:

«كما زار الضريح وفودٌ من مختلف المحافظات، وأمناء فروع حزب البعث العربي الاشتراكي، والمحافظون وأعضاء قيادات فروع الحزب، والجبهة الوطنية التقدمية والإدارات العامة والفرعية للهيئات والمؤسسات والشركات، وغرف التجارة والصناعة والزراعة، ووفود تمثل جامعات دمشق والبعث وتشرين وأمناء فروع الحزب في الجامعات ورؤساء الجامعات والكادر التدريسي والمكاتب الادارية للطلبة، ووفد مكتب شؤون الشهداء، ووفد الجمعية السورية للمعوقين جسدياً، وعددٌ كبير من رجال الدين الإسلامي والمسيحي، ووفود تمثل مختلف المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية والخيرية والمؤسسات والهيئات ووفود شعبية من مختلف المحافظات.

وزار الضريح وفدُ رئاسة جيش التحرير الفلسطيني الذي ضم اللواء محمد طارق الخضراء رئيس هيئة أركان جيش التحرير وكبار الضباط، ووفدٌ من حزب الله والمقاومة اللبنانية بقيادة نعيم قاسم، ووفدُ القيادة القطرية اللبنانية لحزب البعث العربي الاشتراكي وضم فايز شكر الأمين القطري وأعضاء القيادة.

وزار الضريح بهذه المناسبة تشوي سو هون سفير كوريا الديمقراطية بدمشق وأعضاء السفارة، ووضع اكليلاً من الزهور وانحنى وصحبه إجلالاً لذكرى القائد الخالد».

على طول الطريق الممتد من الرقة إلى حلب ومن ثم اللاذقية، والمذيعون يجلدوننا بذات الجمل، وأبو حيدرة يراقب ردة فعلنا «رغم أننا منقيين عالفرازة».

هناك كان الحضور الأمني هو الطاغي، تفتيشٌ وتفتيشٌ للسيارات والركاب، استعرضَ مديرنا نفسه أمامنا كديكٍ مزهو وهو ابن هذه المدينة، كما هؤلاء الذين يفتشوننا، ولكن جملةً من أحدهم أخرسته:

– «كول خرا ولاك… مو شغلك».

أزعجته الكلمة لأنها بحضورنا وليس بإهانتها له شخصياً، تزامن وصولنا ووفد من اتحاد فلاحي وعشائر الحسكة، تزامن أيضاً مع دعوة المؤذن لصلاة العصر التي لم يسمحوا لأحد بالذهاب لتأديتها رغم «الجوّ الإيماني» الذي يسيطر هناك. كانوا ينظموننا في صف طويل، طويل، وسط حرارة حزيران اللاهبة. تحملناها على أمل رؤية الرئيس الشاب الجديد والعائلة التي تدور حولها كثيرٌ من القصص، كان أملنا أن نسلّم باليد على «أم السوريين».

لفتَ انتباهنا قصاصات أوراقٍ أخرجها بعض الموجودين من جيوبهم، فهناكَ ممنوعٌ أن تمدّ يدك إلى جيبك. خمّنا أنها طلبات خاصة ستسلم للرئيس، أو لأحد أفراد عائلته، وبدأنا بالبحث عن قلم؛ الأمر الذي نبّه عناصر الأمن، فالقلم ممنوع هنا.

حملنا خيبة أخرى أضيفت إلى خيبتنا الرئيسية التي تمثلت بعدم وجود الرئيس أو أحد من عائلته المباشرة، بل كان هناك أشخاصٌ من أبناء العمومة يحاولون التقليد الأعمى الذي ربما يحاكي طموحهم في أن يكونوا كـ «بشار» أو أحد أخوته، وحتى هؤلاء لم يسمح لنا بالسلام عليهم باليد.

كنا نُساق كقطيع أجرب، وسط إهانات لم يجتهد مطلقوها في إخفاءها، حتى عن الإعلام الذي أحضروه لينقل حالة «الاصطفاف والالتفاف الشعبية حول القيادة».

انتهى دورنا كـ«كومبارس» مع مرورنا أمام آخر كاميرا، وعدنا إلى «باصنا» الذي سُرِقَت منه الرايات والأعلام، وبقيت صور حافظ الأسد المتشحة بالسواد.

المرة الثانية التي خرجت فيها من الرقة، أيضاً كان هناك «باص»، ومعظم من ركبوا الباص الأول كانوا موجودين في هذا الباص. كنا «19» شخصاً وربما، أقول ربما، كان معنا أبو حيدرة، ولكن باسمٍ جديد قد يكون أبو قتادة أو أي اسم آخر. كانت الوجهة هذه المرة مدينة حماة لاستلام الراتب الذي حرمنا منه النظام بعد خروج الرقة عن سيطرته في آذار 2013، واشترطَ مدينة حماة أو دير الزور لمن يريد استلام  رواتبه، مقسماً الدوائر والمؤسسات بين هاتين المحافظتين، بهدف الإبقاء على ما يعتقده حاضنته الشعبية، وللمصادفة أيضاً كنا في شهر حزيران.

من المفترض أن يوزع «أحرار الشام»، الفصيل الذي دخل أولاً «بنية مسبقة» إلى مبنى البنك المركزي، كتلة الرواتب من السبعة مليار ليرة التي استولوا عليها أو «اغتنموها» من خزينة البنك؛ والتي تدور حول من سهّل لهم طريقة فتحها (جزء من شيفرة الخزنة تأتي من العاصمة دمشق عند كل مرة تفتح بها)، وهي مخصصةٌ أصلاً للرواتب. لم يوزعوا علينا سوى 5000 ليرة لكل موظف، وهذه أيضاً لم تشمل الجميع.

الساعة الخامسة صباح يوم الأحد 23/6/2013 انطلقَ بنا الباص من الرقة «المحررة»، والتي بدأت تفرز شوارعها ومقراتها رويداً رويداً سيطرة فصيلٍ واحد هو «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» رغم وجود الفصائل الأخرى، ولكن وضّح للجميع أن اليد الطولى هي لهذا التنظيم الذي أعلن عن نفسه رسمياً في الشهر الرابع عام 2013، في أول «حفلة إعدام» علنية لثلاثة أشخاص عند «دوار الساعة»، حيث ظهرت وراء الرجال الثلاثة معصوبي العيون راية «العقاب» السوداء، وقد كتب عليها «الدولة الإسلامية في العراق والشام».

أوقَفَنا آخرُ حاجزٍ في ريف الرقة باتجاه حماة وهو لتنظيم الدولة، بعد «التفتيش والتنبيش والتدقيق» على الهويات بدأت محاضرةٌ لمقاتل غير ملثم، مصري اللهجة: «ده انتم بايعين دينكم بالفلوس، بتتركوا أرض اختارها ربنا لإقامة شرعه فيها وتروحوا على أرض النصيرية الأنجاس عشان دراهم معدودات، والله ده انتم رايحين عشان تنئلوا معلومات تجسستم بيها ع المجاهدين، إزاي ونحنا جينا من آخر الدنيا حتى ندافع عن أعراضكم… إزاي يا أهل الشام إزاي».

تجرأ أحدنا وقال له: «يا شيخ أعطونا رواتبنا لكي نعيل أطفالنا ولن نذهب إلى هناك». «راتب إيه يا حج، نترك المجاهدين ونطعميك انت وولادك ولا إيه، مش عايز عروس كمان يا حج، روح عمي روح وئول لأسيادك سنأتي بإذن الله وحنئطف روسهم»، قالها وهو يضرب على جنب الباص في إشارة للسائق بالمسير.

أقل من 3 كم، أول حاجزٍ لعناصر النظام بريف حماة، كان هناك المساعد أول بفرع الأمن العسكري في الرقة أبو سالم، وأيضاً أبو حسيب، اللذان يعرفان أغلب أهالي الرقة، وخاصة الموظفين نظراً لخدمتهما الطويلة في المدينة.

رحّب بداية أبو سالم بنا: «أهلا أهلا بأهل الرقة ناكرين الجميل واللي يعضوا الإيد اللي بتنمد إلهون، ولك يا إرهابيين يا عراعير يا شوايا هاي جزاتو للسيد الرئيس اللي عمل منكم بشر، هاي جزاتو للسيد الرئيس وأبوه اللي علمكم ورباكم ودرسكم وأعطاكن وظايف يا ولاد الشراميط جبتوا الإرهابيين تا ينيكوا نسوانكم، ولك تفوووووو…».

لم يتجرأ أحد منا أن يمسح رذاذ بصاقه عن وجهه:

«نزول ولاك خرا أنت واياه واياه، وكل خرا هويتو بإيدو».

ساعاتٌ ثلاث، وهو وعناصره يهينوننا ويحقّروننا ويطلبون منا تحديد أماكن الفصائل ومقراتها، ويسألون عن أملاكهم وشققهم التي تركوها خلفهم.

«بعتوا البلد بمصاري (حمد) يا عرصات، وهلق جايين تاخذوا مصاري البلد تا تدعموا الإرهابيين، يلا انقلعوا وشوفوا مكرمات السيد الرئيس».

وضرب على جنب الباص كما الشيخ في حاجزنا السابق.

كانت المرة الأولى التي أفكر فيها، وأتخذ موقفاً قريباً من موقف أولادي الذين خالفوا كل تعليماتي وأفكاري، يا إلهي هم هكذا يفكرون بنا، هم يعتقدون أنهم ربنا وخالقنا، هم يمنون علينا حتى بهواء رب العالمين. الآن اقتنعت، كفتحٍ رباني رأيت المشهد على حقيقته، هذه العصابة التي لم أرَ غيرها طوال سنين عمري هكذا تفكر بنا، نعم. في الحقيقة ليست فتحاً ربانياً، بل أنا الذي كنت «مطوبز». أولادي الذين لم أستطع تحصينهم من المظاهرات ومن صرخة «حرية»، نعم هم على حق وكانت المرة الأخيرة للسفر من أجل الراتب؛ الذي لم أستلمه لأن أولادي مطلوبون بقوائم عند المحاسب هناك في حماة، ويجب أن أسلّم اثنين منهم لأستلم راتبي.

كلما صدر قرار عن تنظيم داعش من قراراته العبثية التي تُضيّق علينا، أو إصدار يقتل فيه شباب الرقة، وكلما زادت «وجبات» القصف من النظام أو الروس أو التحالف، يبدأ أولادي بالضغط علينا أنا وأمهم من أجل الخروج من الرقة. وفي كل مرة يكررون حديث الخروج ينتابني ألمٌ يشبه صوت «مفصّلات» أبواب البيت وغرفه نتيجة لعدم «تزييتها»، أشعرُ بذات الألم. هل سنكون كالفلسطينيين في تغريبتنا، وأنا وأمهم نعرف أنه ما أن نخرج من هذا البيت ستسكنه «الغربان السود».

ثلاث وعشرون سنة ونحن نبنيه ونؤثثه، قرضٌ عقاري وجمعيات وسُلف وديون، ذكرياتنا في كل حبة رمل فيه. أبوابه التي اهترأت أطرافها السفلية من ماء «الشطف» وصرير مفصّلاتها، لمن نتركها!؟ الدرجة الثانية المكسورة من «درجات» المدخل منذ سنوات ولم نصلحها، رغم تعثر أكثرنا بها، لمن نتركها! «الصمديات» و«المزركشات» في «غرفة الضيوف» لمن نتركها!؟ من سينظف بيوت العث والعنكبوت من زوايا الغرف، وأيضاً ملح الرطوبة من السقف؟ من سيغلي القهوة في «ركوة النحاس» التي تكبرُ كل أولادي عمراً؟ صورُ الأولاد المعلقة على الحائط، وكذلك صور شهاداتهم «ببراويظ» لها إطارات ذهبية كذلك، لمن نتركها؟ من سيسقي شجرتيّ النخيل عند المدخل، من ومن ومن؟

كان يوم الإثنين 16/11/2015 هو الأعنف من حيث القصف على الرقة، ربما احتفالاً بـ«الحركة التصحيحية» من قبل الطيران الروسي، أصيبَ به منزل أبو عواد السخني، البيت الثالث بعد بيتنا إلى الغرب، بشظية صاروخ قسمت منيرة زوجة ابنه إلى شطرين من منتصف بطنها، وهي الحامل بشهورها الأخيرة.

عرفت الآن أصدقاء حافظ الأسد والذين جاؤوا معزّين، عرفت الآن ماذا زرعَ حافظ الأسد «شوف اللي جاؤوا إلى قبره هم الآن يقبرون السوريين كل يوم… حافظ أسد ما مات».

هنا قررنا الخروج أو الهروب، سمّه ما شئت: «لا تفكر انو لما بدك تسافر تروح عالكراج وتركب وتسافر. للدخول إلى هنا تعقيدات ومصاريف ومافيات وطرق وأساليب وتعليمات وقرارات لا تعرف متى صدرت، فهنا تنام وتصحو صباحاً تكتشف قوانين جديدة أنت مخالفٌ لها، لأنك كنت نائماً عندما صدرت».

1350 دولاراً لا نملكها هي التأمين الواجب للحصول على إذن مغادرة، للرجل 1000 وللمرأة 350، ويُسترد هذا المبلغ عند عودتك ضمن المهلة التي حددتها لنفسك، بعد خصم مبلغٍ منها لصالح التنظيم.

نصحني الأصدقاء أن أحصل على تقرير طبي يثبت أني أو زوجتي مرضى، ويلزمنا علاجٌ في تركيا، وهكذا كان. لكن كذبتي التي جرّت تعاطفَ أكثر من طبيب وكتبوا أنني بحاجة إلى «قثطرة» وتركيب شبكة، لم تقنع أبو الحارث رئيس مفرزة الأمنيات في المشفى، وطردني وزوجتي بطريقة مذلّة، فـ«نحن نريد هجرة (رغد العيش) في دولة الخلافة، ونذهب إلى بلاد الكفر ونترك الجهاد».

– ولكن يا شيخ، أنا خارج سن الجهاد، وعمري أكثر من 60 عاماً، وهو العمر الذي حدده التنظيم ولا يسمح لمن هم دونه بالخروج من الرقة».

– لا يا شيخ، أنت أيضاً مكلف.

وذكر لي شيئاً عن «غزوة الأحزاب» عندما حوصر المسلمون في «المدينة المنورة»، وشبهنا نحن أهالي الرقة بيهود «بني النظير وبني قريظة»، وهو وأصحابه بجماعة «الرسول» وأنهم ما إن ينتصروا كما انتصر الرسول وأصحابه، سيفعلون بنا كما فعل الرسول وأصحابه ببني قريظة.

– ولكننا مسلمون، ولسنا مشركين أو يهوداً.

وضع إصبعه على فمه زاماً شفتيه: «هُس ولا كلمة، أنتم الآن كيهود بني النظير الذين حاصرهم النبي، حيث سألوه أن يسمح لهم بالخروج مع أموالهم قدر حمل الإبل، وأن يعصم دمائهم، فقبلَ الرسول وخرجوا إلى خيبر وبلاد الشام، بعد أن خربوا بيوتهم بأيديهم حيث قال الله تعالى فيهم:

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِين كَفَروا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن ديارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللُه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهُمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنينَ فَاعْتَبِروا يا أُولي الأبْصَار).

الرسول أخطأ ولكن نحن لن نخطئ.. لن نسمح لكم يا بني النظير وبني قينقاع بالخروج، حتى لا تكونوا مع الأحزاب علينا».

20 تشرين الثاني بتوقيت دولة الخلافة، الحل الآخر كان الخروج كتاجر حيث تدفع جزءا من 40 جزء، وهو قيمة زكاة الأموال. فمثلاً أنت تصرّح أنك تريد أن تأتي بتجارة قيمتها مليون ليرة سورية، فيقومون بتحويل المبلغ نظرياً إلى الدولار، ويقومون بحساب ما يقع عليك كزكاة، فتكون 67.5 دولار، هذه يجب أن تدفعها بالدولار فهم لا يقبلون العملة السورية هنا.

وهذا ما حدث، ولكن كان هناك مشكلة زوجتي التي لا يُسمح لها كذلك بالخروج، وكان الحل عند أهل العقد والربط من سماسرة ومافيات قريبة من دواوين الحسبة والأمنيين بأن نسجلها كتاجرة، وليحصل ذلك لا بد لها من استئجار محلٍ من المحلات التي تملكها الدولة، والتي صادرتها بحجج مختلفة من الناس، وتم لنا ذلك وأصبحنا أنا وهي تجّاراً بأوراقٍ رسمية من الدولة الإسلامية، ودافعي زكاة أموال لا نملكها، وإنما أعطانا إياها سماسرة يدورون في فلك دواوين التنظيم، واسترجعوها حين خرجنا من ديوان الزكاة مقابل 50 دولاراً لكلٍّ منا.

لم نُعلم أحداً من الجيران أو الأقارب، مخافة افتضاح أمرنا بكلمة عفوية من هنا وهناك. كاللصوص تسللنا من البيت؛ الذي سبقَ أن بعتُ معظم أثاثه لأغطّي نفقات الرحلة ومستلزماتها. قلتُ لزوجتي بعد أن تعثرت بالدرجة الثانية المكسورة:

– عندما نعود سوف أصلحها.

ضَغَطَت على يدي، ودموعها كانت آخر قطرة ماءٍ على جذع النخلة قرب المدخل.