عندما ذهبتُ إلى حلب في خريف 2011، كانت المدينة لا تزال تبدو لكثيرين كما لو أنها موالية للنظام، فيما كانت مدنٌ سوريةٌ أخرى تشتعل بالمظاهرات، التي كانت قد بدأت بعد أن تابع السوريون ما جرى في بلدان عربية أخرى، وهو ما أعطى كثيرين منهم الأمل بأن التظاهر السلمي يمكن أن يؤدي إلى تغيير الوضع السياسي في البلاد، وبأن الأصوات العالية والحشود في الشوارع، واللافتات والمناشير، يمكن أن تأتي في سوريا بنتيجة مماثلة لما حدث في مصر وتونس.

انضمَّت حلب إلى الثورة السورية بقوة خلال الأشهر الأولى من العام 2012، وكان الحراك السلمي الذي عمَّ جامعتها منعطفاً بالغ الأهمية في تلك الأيام، وهو ما كنتُ شاهداً عليه خلال العام الدراسي الذي قضيته في جامعة حلب، العام الدراسي 2011/2012.

اخترتُ حلب كي أتابع دراستي فيها بعد المرحلة الثانوية، إذ أتاحت لي درجاتي متابعة التعليم في المعهد التقني التابع لكلية الهندسة الكهربائية في جامعة حلب، في جامعة الثورة كما أحبُّ تسميتها. أصرَّ أبي على مرافقتي في الرحلة الأولى إلى حلب كي يطمئن عليّ، ويؤمّن لي مسكناً فيها، أو على الأقل هذا هو السبب الذي قاله، إلا أنني أحُبّ الاعتقاد أنه كان مصرّاً على القدوم معي إلى حلب ليريني أساليب الحياة التي يُحبّها ويعرفها في المدن الكبيرة، التنقل بين الساحات الكبرى وزيارة صالات السينما ودور الثقافة، هو الذي أمضى معظم فترة شبابه في دمشق، أيضاً في كلية الهندسة الكهربائية، وعايش فترات متغيرة وخاض تجارب اعتدتُ أن أسمع عنها في الرحلات والسهرات والجلسات، العائلية منها والعامة.

النوم سُلطان، جملةٌ لطالما رددها أبي في أكثر من مناسبة، وبشكل متكرر يجعل نسيانها أمراً صعباً عليّ. ولأنه يملك كثيراً من المعلومات التي اكتسبَهَا بالتفكير والقراءة التي ما زال مواظباً عليها حتى الآن وهو يقترب من عقده السابع، كان يمثّلُ مرجعاً ثقافياً للتحقق من المعلومات، سريع الإجابة وموثوق المصدر، بالنسبة لي ولإخوتي على الأقل.

كان أبي يقول دائماً إن الإنسان قادرٌ على السيطرة الكاملة على ساعته البيولوجية، وإذا جادلتُهُ بأنني لا أستطيع النوم بالسرعة التي يملكها هو، كان يكرّرُ جملته المعتادة: الفرد (الإنسان) هو طبيب نفسه، ومن يكون متصالحاً بما يكفي مع نفسه يمكنه النوم خلال أقل من 5 دقائق.

كُلّ هذا كان يدور في رأسي في أحد فنادق حلب الشهباء أواخر العام 2011، في حي «بستان كُل آب»، وأنا أحاول النوم داخل غرفة الفندق، الذي يمكن وصفه بالشعبي إذا نَظَرَ الواصفُ إلى وضع الحيّ الخدمي ونظافة الفندق، وبأنه فندقٌ مهمّ بالنظر إلى سجّل زواره على مرّ الزمان، وكانوا من أهم زوار حلب، فنانين وسياسيين وعسكريين على اختلاف انتماءاتهم.

لم أنجح في محاولة النوم يومها، ترجلتُ من السرير بهدوء مبالغ فيه، تَجولُ في أفكاري تساؤلات عديدة، منها تساؤلات عن القصص التي أخبرني إياها أبي، عن ضباط أتراك اجتمعوا في هذا الفندق، أو ربما في فندقٍ مجاور، اجتمعوا ليبدأوا مشواراً طويلاً منذ ما يقارب 100 سنة لتكوين تركيا الحديثة فيما بعد.

عادَ أبي إلى طرطوس، مدينتي، وبقيتُ وحدي في حلب أحاولُ أن أخفي إعجابي بها وبشوارعها الواسعة في نظري آن ذاك. وفي اليوم الأول من أيام محاولات التسجيل في المعهد، ولا أذكر التاريخ جيداً، كنتُ أنتظرُ دوري في طابور طويل مع أمثالي ممن يريدون التسجيل، ومعظمهم من محافظة حلب، فنسبةٌ كبيرةٌ من طلاب جامعة حلب من المدينة نفسها أو الأرياف القريبة منها، خلافاً لجامعتي تشرين ودمشق.

انتهت فترة الدوام يومها وكنتُ ما زلتُ أنتظرُ دوري منذ بدايته مع مجموعة طلاب، وكي يكون لنا فرصةٌ أفضلُ للتسجيل في اليوم التالي، سجّلوا أسماءنا نحن الذين بقينا واقفين طيلة وقت الدوام. شعرتُ للحظة أن وقت وقوفي الطويل لم يذهب سدىً، لولا أن أَجبَرَنا الاتحاد الطلابي على المشاركة في مسيرة «عفوية»، تبدأ كالعادة من المؤسسات الحكومية إلى ساحة «سعد الله الجابري»، ولم نكن نستطيع التملصّ منها لأن أسماءنا باتت مسجلةً لديهم.

وصلتُ إلى الساحة يملؤني الغضب والشعور بالاغتصاب لمجرد وجودي هناك، فقد كنتُ يومها متحمساً لرياح التغيير الواضحة التي لا مفرَّ منها. لم أُطِل البقاء في «المُسيَّرة»، وعندما غَفِلَت عنّي عيون الموظف الذي سجَّلَ أسماءنا هربت، كأني أهربُ من أرض الوغى، ثم وقفتُ مع نفسي أتساءل: هل سعد الله الجابري هو نفسه الذي روى عنه أبي مرةً، واصفاً إياه بأنه رجلٌ من رجال الاستقلال!!!

في طريق الهروب كنتُ أمشي وحيداً بالاتجاه المعاكس للمُسيَّرين، وكلما سألني أحدٌ لماذا لا أشارك في المسيرة، كنتُ أسأله بلهجة أهل الساحل المرتبطة في أذهان معظم السوريين بأجهزة الأمن، لا باللهجة البيضاء: «وينك، مين سعد الله الجابري؟».

لاحظتُ أن جميع من سألتهم لا يعلمون من هو سعد الله الجابري، فيما كان رأسي لا يكفُّ عن تلحين الأغاني والأشعار الثورية الشعبية التي انتشرت في تلك المرحلة.

بعدها بأسابيع قليلة، وأمام مدخل المعهد قرب مقهى الشطرنج التابع لكلية الكهرباء، وهو مقهى على طاولاته رُقَع شطرنج تُستَخدم لوضع أكواب القهوة ومشتقاتها فقط، كانت أولُ مظاهرةٍ أراها في الجامعة. كان عشراتٌ من الطلاب يهتفون مطالبين بالإفراج عن معتقلين كان قد تمّ اعتقالهم من داخل الجامعة في اليوم السابق.

كان طريفاً ما حصل في اليوم التالي للمظاهرة، إذ تمّ جمع الطلاب في أحد المدرجات لإجراء استبيان وَزَّعهُ اتحاد الطلبة، توجد فيه أسئلةٌ من قبيل:

– هل تعتقد حقاً أن الحكومة عليها أن تعفو عن المندسين؟ وما العقاب المناسب لهم؟!!

– لماذا نحب القائد المبجل؟ ومن أدخل الانترنيت على البلاد؟!!!

تعرفتُ في تلك الأيام إلى أصدقاء، إما بالصدفة أو لأنهم كانوا في الاختصاص نفسه، التجهيزات الطبية في معهد الكهرباء، وبدأنا رحلة التظاهر في الجامعة. لا أستطيعُ اليوم تحديد مصدر الثقة الذي دفعنا ونحن لا نعرف بعضنا منذ وقت طويل للتظاهر معاً. قد يكون السبب هو الاندفاع وتراجع الشعور بالخوف من الأجهزة الأمنية، لكن الأكيد أن أصواتنا العالية في المظاهرات كانت امتحانَ الثقة الأهم.

ازدادَ عدد الأصدقاء مع مرور الوقت، والمظاهرات ازدادت أيضاً، وقبل أن تأخذ طابعاً يومياً متكرراً، اتَسَعَت رقعة أصدقائي الذين أثقُ بهم. كنا نقوم بما كان يسمى التشبيك، أي وصل دوائر الأشخاص الموثوقين ببعضها بعضاً، ومن خلال هذا الأمر، بالإضافة إلى مجموعة من الصدف، استطعتُ أن أتنقل بين فئات مختلفة من المعارضين للنظام في حلب، فتارةً أرى نفسي مع شباب يساريين، أشربُ نخبَ أصدقائنا المعتقلين أو الشهداء، وتارةً أخرى أتلو الصلوات وأقرأ الفاتحة مع أصدقاء يحملون توجهات إسلامية.

أذكرُ أن اجتماعاً نُسِّقَ على عجل في إحدى المقاهي القريبة من الجامعة، وأصرَّ «عمر» صديقي على حضوري، ولا أعلم حتى اليوم سبب إصراره. كنّا قرابة عشرة أشخاص من فئات عمرية متقاربة، إلا مدير الجلسة الذي كان واضحاً عليه أنه في مطلع الثلاثينات، وعرفتُ فيما بعد أنه إسلاميّ التوجّه. كان الجميع في تلك الجلسة متفقين على أن الحراك في الجامعة يجب أن يبقى حراكاً ثقافياً وسياسياً سلمياً، وأن أسلحتنا هي أصواتنا والأعلام واللافتات.

تلا المظاهرة الأولى مجموعةٌ من المظاهرات في كلية الكهرباء، وكان اتحاد الطلبة في بداية الأمر هو المسؤول عن قمعها وتفريقها، بدعمٍ من «شبيحة آل بري» إذا تطلَّبَ الأمر، وهم عصابةٌ مرتبطة بالنظام في حلب، كان عناصرها يكتفون بالتواجد خارج أسوار الجامعة، وإلقاء الشتائم على المتظاهرين، وتهديدهم في حال أرادوا الخروج من حرم الجامعة.

لكلية الكهرباء بوابة على ساحة الجامعة الأساسية، ولم نكن نعلم أهمية هذه البوابة حتى جاءت مظاهرةٌ بالمئات، 500 متظاهر على أقل تقدير. توجهت المظاهرة إلى البوابة، وفوجئنا بوجود قوى الأمن التي جابهت المتظاهرين بعنف شديد، وقامت بتفريقهم. في اليوم التالي مُنِعَ الطلاب من استخدام تلك البوابة حتى للدخول إلى الجامعة من خلالها، وأصبح علينا جميعاً استخدام الباب الجانبي للحرم الجامعي، وكان يتم توبيخ من يقترب من الباب بلهجة قاسية من قبل أعضاء اتحاد الطلبة، أو حتى من أي أحد من الطلاب الحريصين على «حضن الوطن».

حَزَمَت السلطات الأمنية وإدارة الجامعة أمرها، فهي لا تريد مظاهرات ولا تحت أي ذريعة، وبدأنا نرى أفراد مكافحة الشغب بلباسهم الكامل الشبيه بـ «سلاحف النينجا» بسبب قطعهِ البلاستيكية السوداء، يتجولون في مجموعات. كل مجموعة من خمسة عناصر على الأقل بلباسهم الكامل، يحملون عصيّاً يلوحون بها لتخويف الطلاب.

لم ينفع كل هذا في إيقاف التظاهرات، بل زاد من جديّة التظاهر. كانت التشديدات الأمنية تعني بالنسبة لنا أن التظاهر مؤثرٌ جداً، فأصبحنا نتناوب على المظاهرات، وعندما نعلم أن «سلاحف النينجا» كما أصبحنا نسميهم أمام تلك الكلية، نتظاهر أمام كلية ثانية لجذبهم، لتخرج مظاهرة أخرى في المكان الذي كانوا فيه، وكأننا نقول لهم إننا في كل مكان. وبالطريقة نفسها، كنا نبعدهم مثلاً عن اعتصام داخل مباني كليةٍ ما بمظاهرة طيارة، ليركضوا خلفنا ويستطيع أصدقاؤنا الفرار من الاعتصام.

حَدَث ذلك مثلاً خلال أحد اعتصامات كلية الكهرباء، كنتُ قد وصلتُ يومها على خلاف العادة متأخراً عن موعد الاعتصام، وكانت مجموعة من الشباب قد استطاعت أن تُغلِقَ باب الكلية قبل وصول قوى الأمن. كان الوجود المكثّف لقوى الأمن على الباب قد منعني من الانضمام للمعتصمين في الداخل، فتوجهتُ في الطريق المعاكس لوجود عناصر الأمن، الطريق الذي يصل إلى كلية الهندسة المدنية، لأجد مجموعة من الشباب يبدو عليهم الارتباك. أدركتُ حينها أنهم يُحيكون أمراً ما، فاقتربتُ منهم. لم يسبب وجودي بينهم أي خوفٍ لهم رغم أنهم لا يعرفونني، قال أحدهم: «شباب ما بدنا تجمعات هون، ما رح ننفعهم بشي، خلينا نطلع قدام كلية المدني بعد ربع ساعة». ابتعدتُ عنهم وذهبتُ إلى كلية الهندسة المدنية، وصَدَحَ الهتاف «تكبير… الله أكبر» بشكل خجول، لكنه كان كافياً ليربك عناصر الأمن الذين بدأوا بالشتائم والتهديد، وتوجهوا باتجاهنا عدة أمتار فقط، وهو ما كان كافياً لنشعر بأننا انتصرنا حقاً. هَرَبَ الشاب الذي بدأ الهتاف، وبقينا نحن واقفين أمام كلية الهندسة المدنية، لنعلم في وقت لاحق أن عميد كلية الكهرباء توسَّطَ بين المعتصمين والأمن لإنهاء اعتصامهم، وابتعد عناصر الأمن تدريجياً عن البوابة ليمضي ذلك اليوم بمعجزة، إلا أنهم عادوا في اليوم التالي لاعتقال مجموعة طلاب من داخل قاعات التدريس.

لمزيدٍ من التخويف، كان عناصر حفظ النظام ينفذون تمارين النظام المنضم بأصوات مرتفعة داخل الحرم الجامعي، وكأنهم في ثكنة عسكرية، لكن هذا أيضاً لم ينفع في تخويف المتحمسين، بل على العكس زاد من قيمة التحدي. كانت المنافسة بين الشباب الذين يشاركون في المظاهرات تتركز حول عدد مرات التظاهر، وليس حول من يملك مالاً أكثر مثلاً، أو أيٍّ من الأشياء التي يتنافس فيها شباب في مثل أعمارنا. كان صديقنا «عمر عنداني» يسبقنا جميعاً في الكمّ والنوع، فقد تظاهر في يوم واحد أكثر من 10 مرات، وفي أخطر الأماكن في حلب.

تمكَّنَ شباب جامعة حلب من مواصلة التظاهرات رغم محاولات القمع، حتى وصلت التظاهرات حدّ الملل. كان مصدرُ الملل هو فقدان الأمل من احتمال التغيير السلمي، إذ كان الجيش الحر قد بدأ يظهر ويسيطر على أجزاء من البلاد ومحيط حلب، وكنا قد رأينا كيف سار الوضع في ليبيا بعد التدخل العسكري الغربي لصالح الثوار، وبدا هذا واضحاً في هتافات المتظاهرين: «يا سوريا لا تخافي… بشار بعد القذافي».

بدأنا نجتمع قبل المظاهرات وبعدها للحديث حول الآراء السياسية، وكان النقاش يتمحور حول جدوى الاستمرار في المظاهرات السلمية. كان يبدو أن هذه المظاهرات مخاطرة واستنزاف مستمر بلا فائدة، إذ كان يُعتَقَلُ كثيرٌ من المتظاهرين بشكل مستمر على خلفية تظاهرات الجامعة، فضلاً عن الشهداء الذين كانوا يسقطون في مظاهرات عموم البلاد.

في مطلع شهر شباط عام 2012 بدأنا الانتقال للمشاركة في المظاهرات الليلية في أحياء حلب، كان الأمر كما لو أننا أدمنّا التظاهر. كثيراً ما كان الاتفاق على الحي الذي سنذهب إليه في المظاهرة المسائية، يتم أثناء المظاهرة في الجامعة، وهكذا أمضيتُ العام الدراسي الأول، صباحاً نهتف في الجامعة: «لا سلفية ولا إرهاب طلاب نحنا طلاب»، وفي المساء في الأحياء الشعبية يكون الهتاف: «طلاب الجامعة الله يحميكن».

في السابع عشر من شهر أيار 2012، جاءت سيارات بيضاء عليها شعار الأمم المتحدة، لمراقبة الوضع في جامعة حلب. ركنوا سياراتهم أمام مبنى الحزب في الجامعة وجلسوا داخل السيارات، ولا أدري إن كانت هذه رغبتهم أم أنها تعليماتٌ من النظام بتخويفهم من الفوضى والعصابات الإرهابية التي يدّعي وجودها.

في البدء كانت المساحة المحيطة بالسيارات فارغة سوى من بعض الموالين الذين يرفعون علم النظام، وقوى حفظ النظام على مقربة منهم تكتفي بالمشاهدة. وبَدَأَت الأخبار تتوارد تباعاً عن أن المراقبين الدوليين في الجامعة، وبدأ طلاب الجامعة المعارضون للنظام بالتوجه إلى هناك. كانت المظاهرة تصاعدية من حيث العدد، بدأت بالعشرات ثم المئات، ثم أكثر من ألفي متظاهر، وكانت المظاهرة الأطول زمناً من بين كل مظاهرات جامعة حلب.

يومها خابرني عمر قائلاً: «في محاضرة» أمام مبنى الحزب، وهي الشيفرة البديلة لكلمة مظاهرة عند الحديث على الهاتف. كنتُ بعيداً مع أحمد، صديقي أيضاً في كلية الكهرباء. سألتُ أحمد بلهجة شخص غير مكترث: «تطلع على محاضرة»، فقال: «ما مليت منهم». لكننا ذهبنا مسرعين عندما قال عمر إن الأمم المتحدة هناك، وإنه قد يُنفّذُ مضمون هتاف «ساحة سعد الله… جايينك والله» الذي يتم هتافه في أغلب المظاهرات، ذلك إذا تمكن المتظاهرون من إغلاق نزلة أدونيس، التي كنا نرى أن النجاح في السيطرة عليها هو أول الطريق إلى ساحة سعد الله الجابري.

رقصنا حينها حدَّ التعب وأصواتنا يملأها الغضب، وأخذنا ساحة الطب وملأناها بالأصوات، وتم رفع علم الاستقلال على سارية ساحة الطب، وفي قلب المظاهرة سمعتُ أصواتاً بدت وكأنها أطلاق نار، التفتُّ فوجدتُ مجموعة من الطلاب يحملون أحجار كبيرة بيدهم ويدمرون لوحة فسيفسائية رسم عليها صورة «الأب الخالد».

استمرت المظاهرة عدة ساعات، وكان هناك من يقول إن المراقبين كانوا ينوون مغادرة الجامعة مبكراً، لكن المتظاهرين حاصروهم ومنعوهم من المغادرة، ولذلك استمرت المظاهرة وقتاً أطول. وعندما بدا أن المظاهرة يمكن أن تستمر ساعات أخرى، اقترحتُ على أحمد أن نذهب إلى مكان يمكننا فيه الاغتسال ثم العودة، فقررنا أن نذهب إلى البيت لفترة قصيرة. عند وصولنا، ولم نكن قد ارتحنا بعد، علمنا من أصدقائنا أن المتظاهرين خرجوا من ساحة الطب مع السيارات التي كُتبت عليها شعارات ثورية، وجملة «FUCK OFF» أيضاً بخط واضح، بمعنى أن المتظاهرين لا يعوّلون على تدخل هؤلاء المراقبين، مع أن وجودهم سمحَ بالتظاهر بأعداد كبيرة ولفترة طويلة.

يومها أيضاً، كنتُ قد سألتُ كل شخص تقريباً في المظاهرة «مين سعد الله الجابري؟»، فلم يجبني أحد.

اتصلت بي إحدى الصديقات قائلة إن المظاهرة تم قمعها وتفريقها، مَلَأتنا أنا وأحمد مشاعر متخبطة، ودارت في ذهننا أسئلة لم نكن نعلم أجوبتها. أغلقتُ الهاتف، وتواعدنا مع أصدقاء في إحدى البيوت التي كنا نلتقي فيها، وهناك قال كثيرون على سبيل الطرفة التي تملأها المرارة، إنهم باتوا يفضلون شرب الخمر في المنزل على التظاهر.

في اليوم التالي «حَشَدَ» النظام بضعة عشرات من الطلاب للتظاهر تأييداً له في ساحة الطب نفسها، لينشر صوراً يقول من خلالها إن الجامعة راضخة له.

منذ ذلك التاريخ بدأ عدد التظاهرات في الجامعة بالانخفاض تدريجياً بسبب فقدان الأمل، إذ كان عشرات الشباب يدخلون المعتقلات جراء التظاهر الذي يبدو أنه لن يؤدي إلى نتيجة، فيما أصبحت جميع المظاهرات في البلاد تهتف للجيش الحر، وتطالب بتسليحه.

لم يمضِ كثيرٌ من الوقت بعدها حتى بدأ الجيش الحر بالتقدم في أطراف المدينة، ثم في داخلها، وبدأت مناطق فيها تتعرض للقصف، ما اضطرني للعودة إلى طرطوس في رحلة طالت أكثر من 12 ساعة، علماً أنها كانت سابقاً تستغرق أقل من ربع ذلك الوقت. كان ذلك في نهاية تموز 2012، وأصبحتُ بعدها أتابع أخبار حلب من الخارج، وفي الشهر الأول من عام 2013، قام الطيران بقصف أحد أبواب الجامعة، ما أدى لإصابة العشرات. بدا ذلك بالنسبة لي ردّ فعلٍ انتقامي. اتصلتُ بصديقٍ يعمل مع الهلال الأحمر، وقال لي إنهم يلتقطون أطراف المصابين من الشوارع. لا أستطيع اليوم أن أصف شعوري في ذلك الوقت، لكنني شعرتُ بأني أريد أن أكون هناك، مكان وقوع القصف، قبله أو بعد أو خلاله، لا فرق. فقط كنتُ أريد أن أكون هناك.

تبعثرنا نحن الأصدقاء بعد أن تَشارَكنا مظاهرات جامعة حلب، وكلٌّ منا يحاول أن يُرمِّمَ الآن ذكرياته وأحلامه بعد كُلِّ ما حدث، وبعد أن فرقتنا دروب الحياة. ولا زلتُ إلى اليوم أتذكرُ أن أحداً لم يجبني على سؤال: «مين سعد الله الجابري؟»، حتى أنني أنا نفسي لا زلتُ لا أعرف عن الرجل شيئاً سوى أنه واحدٌ من رجال الاستقلال، وأن ساحةً كبيرةً في وسط حلب تحمل اسمه، ولم نستطع الوصول إليها سلمياً.