انتخبَ مجلس مدينة حلب في جلسته التي عُقدت مطلع شهر تموز الجاري السيدة إيمان هاشم رئيسة جديدة له، ويشرف المجلس على أوضاع النازحين من مدينة حلب إلى ريفها الغربي، بالإضافة إلى إشرافه على أوضاع السكان في أطراف ومحيط منطقة الراشدين غربي مدينة حلب، التي أصبحت منذ سقوط الأحياء الشرقية للمدينة بيد قوات النظام أواخر 2016، آخر مناطق المدينة التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة، ومعظمها اليوم خطوط تماس وجبهات قتال.

تتألف الهيئة العامة لمجلس مدينة حلب من مئة عضو، كان يتم انتخابهم من قبل السكان في أحياء مدينة حلب الخارجة عن سيطرة النظام قبل سقوط أحياء حلب الشرقية، والهيئة العامة الموجودة الآن منتخبة أيضاً من قبل لجان الأحياء المتبقية غربي حلب، ولجان المهجرين. أما انتخابات مجلس المدينة ورئاسته، التي فازت بموجبها السيدة إيمان الهاشم، فقد جرت غرب مدينة حلب، وكانت على مرحلتين، كما قال للجمهورية السيد سالم الأطرش، عضو اللجنة التحضيرية للانتخابات: «في المرحلة الأولى انتخبَ أعضاء الهيئة العامة عشرين شخصاً ليكونوا أعضاء المجلس، أما في المرحلة الثانية فقد انتخبَ أعضاءُ المجلس، الذين تم انتخابهم في المرحلة الأولى، رئيسَ المجلس، وقد فازت السيدة الهاشم باثني عشر صوتاً، وهو ضعف عدد أصوات المرشح الأقرب لها».

يُعدّ هذا الحدث الأول من نوعه في تاريخ عمل المجالس المحلية منذ نشوئها في المناطق المحررة من سيطرة النظام نهاية عام 2012 وبداية عام 2013، وهو يأتي كخطوة متأخرة بعد أكثر من خمس سنوات على تجربة المجالس المحلية في سوريا. وتحتاج تجربة المجالس المحلية إلى مراجعات طويلة، إلا أن سمات عامة سيطرت على شكل مشاركة النساء، أو عدم مشاركتهن، في الإدارة المحلية، التي تحولت إلى أساس تستند إليه أي سلطة مدنية في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام.

وفقاً لدراسة ميدانية نشرها مركز عمران للدراسات عن المجالس المحلية في محافظة إدلب بداية عام 2015، لم تتجاوز مشاركة النساء في المجالس المحلية نسبة 4%، مع ظهور واضح لسيطرة البنى الجهوية على تلك المجالس والهيئات. وتمثّل هذه النسبة، مع فروق بسيطة، أوضاع مشاركة النساء في باقي المحافظات، التي لم تكن أفضل من ذلك بكثير.

ضمن هذه الظروف، تركزت مشاركة النساء في مجالس الإدارة المحلية ضمن قطاعات بعينها، وبعيداً عن المواقع القيادية والمؤثرة، ولكن يبدو أن اعتماد الانتخابات، بديلاً عن التوافق الجهوي الذي يعتمد سلطة العشائر والعائلات التي تتركز في يد الرجال، يمكن أن يحقق الفرصة الأنسب للمرأة في الشمال السوري للدخول إلى هذه الهيئات والتأثير فيها.

تقول السيدة إيمان الهاشم، في حديث أجرته الجمهورية معها: «جاء انتخابي من قبل أعضاء المجلس تعبيراً عن ثقة الهيئة العامة وأعضاء المجلس بدوري وبرنامجي الذي طرحته»، وأضافت أن هذا التصويت يعني أن «دور المرأة يمكن أن يتجسد ويتكرس بشكل واضح في المناطق المحررة في سوريا، لأن انتخاب امرأة لرئاسة مجلس محلي هو تغير نوعي في ترتيب أدوار المرأة من قبل المجتمع، وفرصة لتغيير الصورة النمطية التي تسيطر على مشاركة النساء في العمل العام، والتي ترتبط بشدة بقطاعات بعينها مثل التعليم والصحة».

عملت معظم المجالس المحلية خلال العامين الماضيين، سواءً في الشمال أو الجنوب، على زيادة تمثيل النساء ضمن تشكيلاتها، إلا أن هذه المحاولات كانت في معظم الأحوال استجابة لطلبات المؤسسات الداعمة التي فرضت «كوتة» للنساء ضمن هذه المجالس، ولتحقيق هذا الأمر قامت المجالس بافتتاح مكاتب للمرأة، أي أن عمل النساء في معظم المجالس اقتصر في معظم الحالات على التعامل مع أوضاع النساء دون برامج عمل واضحة، ودون أن يكون لهنّ دورٌ عام مؤثر.

وقد قال مصدر خاص للجمهورية إن أحد أعضاء المجلس قد اعترض على أن تكون الرئيسة امرأة، واستدلَّ بنصوص دينية على ذلك، إلا أن الغالبية العظمى في المجلس المنتخب حديثاً رفضت هذا التوجه واعتمدت قرارا الانتخاب. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن المجلس يمارس أعماله بشكل رئيسي بين مهجرين، وبعد أن تفككت سلطة فصائل مدينة حلب وهيئاتها الشرعية، فإنه يحق لنا أن نسأل: ترى كيف كان سيكون شكل هذا الاعتراض لو جرت هذه الانتخابات بالنتائج ذاتها قبل عامين أو ثلاثة من الآن، وتحت هيمنة تلك الفصائل وشرعييها؟

انتخاب السيدة إيمان هاشم هو خطوة في الاتجاه الآخر، لكنها خطوة متأخرة، تأتي بعد أن خسرت المجالس المحلية في سوريا خبرات النساء السوريات على الرغم من ارتفاع نسب التعليم العالي والتأهيل بينهن، ويبدو أن محاولات إخراجهن من العمل العام لم تتوقف حتى اللحظة، لكن نقاط مضيئة كالتي حدثت في انتخابات مجلس مدينة حلب قد تكون فرصة على طريق تغيير الواقع الذي هيمن على بنية الحكم المحلي المدني في سوريا بعد الثورة.