تزايدت في الأشهر الثلاثة الأخيرة عمليات الاختطاف بغية طلب فدية مالية في مناطق الشمال السوري الخارج عن سيطرة نظام الأسد، وعلى وجه الخصوص في مناطق تسيطر عليها هيئة تحرير الشام في ريف إدلب، وفي عفرين حيث تسيطر فصائل عملية «غصن الزيتون». وقد طالت معظم عمليات الاختطاف أشخاصاً من ذوي الشهادات العلمية، وعلى وجه الخصوص الأطباء والقضاة، بالإضافة إلى أصحاب رؤوس الأموال.

تقف خلف هذه العمليات عصابات منظمة مجهولة هدفها جمع المال، لكن الاتهامات بالمسؤولية تطال فصائل عسكرية معينة بسبب سيطرتها على المناطق التي تتم فيها عمليات الاختطاف، واستحالة خروج الخاطفين من تلك المناطق لانتشار الحواجز الأمنية التابعة لهذه الفصائل في محيطها. وبالتوازي مع تزايد هذه العمليات، يتداول السكان في الشمال السوري مصطلح «الاحتطاب» لوصفها، وهو مصطلحٌ مأخوذ من أدبيات السلفية الجهادية، يتم تداوله بالرغم من قدمه والاجتهادات الكثيرة في تفسيره، ويعني اصطلاحاً «التمويل الذاتي» بالاعتماد على تطوير مفهوم «الغنيمة» لدى الحركات الجهادية، والبحث عن مصادر تمويل جديدة لعناصرها نتيجة قلة موارد التمويل.

وإذا كانت مسؤولية الجهاديين عن هذه العمليات ليست مؤكدة دائماً بأدلة قاطعة، إلا أن مجرد استخدام مصطلح «الاحتطاب» يشير إلى الجهات التي يُحمّلها عموم السكان مسؤولية هذه الأعمال. ويربط بعضُ من تحدّثت إليهم الجمهورية تَصَاعُدَ هذه الظاهرة بالخلافات الداخلية بين الفصائل العسكرية، وغياب العمليات العسكرية التي كانت الغنائمُ فيها تشكّل جزءاً من الموارد المالية للفصائل، إضافة إلى تراجع الدعم الخارجي.

يقول الناشط السياسي من إدلب، عمر حاج أحمد، للجمهورية: «إلى فترة معينة ظننا أن قطاع الطرق واللصوص وعصابات الخطف هم من يقفون خلف عملية الاختطاف في إدلب، لكن تبيّن لاحقاً أن هناك مجموعات منتسبة للفصائل العسكرية اتخذتها باب رزق في ظل هدوء الجبهات وتراجع الدعم المقدم لها». أما الصحافي أحمد نور ابن جبل الزاوية في ريف إدلب، فيعبّر عن غضبه الشديد بسبب قيام تلك العصابات بالتعدي على الأطباء خاصة، الذين لا يتجاوز عددهم الثلاثمئة في كل محافظة إدلب.

كذلك يأسف جابر العويد، وهو ناشط إعلامي، من ازدياد حالات خطف الأطباء، التي أدت إلى خوف بعضهم من البقاء، فغادروا إلى تركياً كي ينجوا بأنفسهم. بينما يُرجِعُ فارس (ناشط مدني) ذلك إلى «ظنّ الخاطفين بأن الأطباء لديهم دخل مرتفع، وقد تدفع فديتهم المنظمات أو المشافي التي يعملون بها».

من جهته يقول الرائد حسن الحسيّان، وهو مسؤول الإعلام في جهاز الشرطة الحرة، في حديث مع الجمهورية إن «المخافر التابعة للشرطة والعاملة في أرياف إدلب وحلب، نظّمت 22 ضبطاً بعمليات اختطاف منذ منتصف 2017، واستطاعت في كثير من الحالات القبض على الخاطفين وتقديمهم للقضاء». ولكن يبقى أن معظم حالات الاختطاف التي حصلت في الأشهر الأخيرة قد تمت في مناطق خارجة عن سيطرة جهاز الشرطة الحرة، كمان أن قدرة الجهاز على التحقيق وممارسة عمله محدودة في ظل الأوضاع الراهنة.

عن أساليب الابتزاز التي يلجأ إليها الخاطفون، يتحدث عمر حاج أحمد: «يرسلون لأهل المخطوف صوراً مخيفة، أو تسجيلاً مصوراً له وهو تحت التعذيب، يناشد فيه أهله كي يدفعوا للخاطفين ما يريدون». وبحسب الصحافي أحمد نور، فإن هذا لا يحدث في جميع الحالات، فهو لم يحدث مثلاً في حالة الصيدلاني إبراهيم رضوان، الذي اختطف قبل أكثر من أسبوع بعد اعتراضه قرب بلدة كفر جنة بريف مدينة عفرين، وذلك خلال توجهه لأداء عمله في بلدة حريتان بريف حلب الشمالي الغربي، إذ لم يتواصل أي أحد مع عائلته بهدف المقايضة، ولا يعرف أحد أسباب اختطافه ولا الجهة الخاطفة حتى الآن.

وعن المبالغ التي تطلبها الجهات الخاطفة يقول حاج أحمد: «أصبحت التسعيرة معروفة، 120 ألف دولار فدية الطبيب. هذه كانت فدية طبيب النسائية الشهير في إدلب، محمود مطلق، ومدير صحة الساحل خليل آغا، إذ لم يفرج عنهما الخاطفون إلا بعد أن قبضوا المبلغ كاملاً». لكنه يضيف أن الجهة التي اختطفت الطبيب خليل آغا تمت معرفتها، وهي مجموعة تنتمي لهيئة تحرير الشام، وقد قدمت مديرية صحة الساحل شكوى للهيئة، ووعدت الأخيرة بمتابعة الأمر. وفي هذه القضية، حاولنا التواصل مع مسؤول الإعلام في هيئة تحرير الشام، عماد الدين مجاهد، للوقوف على تطورات الشكوى، لكننا لم نلقَ أي ردّ.

ويشير حاج أحمد إلى أن الأمر ذاته حصل مع الطبيب عماد قطيني، الذي اختُطف من منزله في مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، واعترف حينها «القاطع الجنوبي» في هيئة تحرير الشام بتبعية الخاطفين له، ثم اعتقلهم وقدمهم للقضاء، وفق بيان داخلي عممته الهيئة على مجموعاتها الخاصة بعناصرها، بحسب المصدر.

يقول الناشط مصطفى الإبراهيم للجمهورية: «لا تقتصر عمليات الاختطاف على إدلب فقط، بل هناك حالات مشابهة في عفرين، وفي ريف حلب الشمالي الذي سيطرت عليه فصائل بدعم من الجيش التركي في عملية درع الفرات، فقد اختطف عناصر من الفصائل أشخاصاً بتهم الانتماء لداعش أو حزب الاتحاد الديموقراطي، وتمّ التفاوض عليهم لاحقاً مقابل مبالغ مالية، وقد انتشرت العديد من التسجيلات المصورة التي تؤكد ذلك».

وكانت منظمة العفو الدولية قد اتهمت فصائل معارضة تتبع لـ «الجيش الوطني»، في أغسطس/آب الماضي، بارتكاب ما وصفتها بـ «الانتهاكات الجسمية» لحقوق الإنسان في عفرين، التي سيطرت عليها بدعم تركي خلال ما أسمتها بمعركة «غصن الزيتون».

وبالعودة إلى الصحافي أحمد نور، فهو يُحمّل الفصائل المسؤولية في كل الأحوال، سواء أكانت مسؤولة عن عمليات الاختطاف بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك لمسؤوليتها في حفظ أمن المناطق الخاضعة لسيطرتها، وكونها الوحيدة المخولة بحمل السلاح، ومن مهامها حماية المدنيين القاطنين في مناطق سيطرتها، خاصة العاملين في المجال الطبي، الذي يعاني من هجرة الأطباء إلى خارج سورية.

وبدورهم اتهم نشطاء على صفحات التواصل الاجتماعي هيئة تحرير الشام بالوقوف خلف عمليات الخطف في مناطق سيطرتها، فكتب الناشط محمد دغيم على صفحته «كل ما يحصل من خطف وقتل واعتقال واغتيالات وتفجيرات تقف خلفها جبهة النصرة». وعلى صفحته على فيسبوك أيضاً كتب حسون الحسون: «في إدلب تستطيع الفصائل المتناحرة تحريك قضها وقضيضها للنيل من مناوئ لها ومعرفة مكانه واعتقاله، ويستطيع القضاء الشرعي جداً والمختص جداً جداً الوصول لاسم وهمي على مواقع التواصل سولت له نفسه المندسة انتقاد قائد أو شرعي وما لف لفهما، لكنهم يعجزون عن الوصول إلى مجرمين اختطفوا طبيباً آثر البقاء لخدمة أهله وذويه».

لم تقتصر عمليات الاختطاف على العاملين في المجال الطبي، فقد اعتقل ملثمون القاضي محمد نور حميدي، بعد مداهمة مزرعته في بلدة إسقاط شمال إدلب، ولم يطلقوا سراحه إلا مقابل فدية مالية قدرت بـ 70 ألف دولار، وذلك بعد مفاوضات مع الخاطفين استمرت لعدة أسابيع. كما طاول الخطف القيادي السابق في هيئة تحرير الشام زاهر معمار، ابن مدينة معرتمصرين بريف إدلب، الذي يعمل الآن في التجارة بعد تركه العمل في صفوف الهيئة، وقد فاوض خاطفوه على إطلاق سراحه مع أحد شركائه مقابل 200 ألف دولار، ليتم تخفيض المبلغ لاحقاً إلى 80 ألف.

حاولت الجمهورية التواصل مع مختطفين سابقين تمّ إطلاق سراحهم مقابل دفع فدية، لكن دون الحصول على ردّ، وربما يكون هذا في ذاته دلالة على الشعور العام بسطوة الجهات الخاطفة ومدى نفوذها وحريتها في الحركة. ويبقى القول إن العامل المشترك بين تلك الحوادث هو الدافع المادي، وأن لصوصاً منتسبين إلى فصائل عسكرية، أو مستغلين للانفلات الأمني، يجدون في ذلك بيئة مناسبة لارتكاب جرائمهم، التي تشمل الإيذاء الجسدي العنيف للضغط على ذوي المختطف، وربما تكون وصلت حدّ القتل في حالات عديدة فُقِدَ فيها التواصل مع الخاطفين بعد تعثّر التفاوض على الجانب المالي، وهو ما يدفع كثيراً من الأهالي إلى التأكيد على أن هذه عمليات «احتطاب»، بينما يذهب بعضهم إلى القول إنها عمليات ممنهجة من شأنها «إظهار حالة من الفوضى والانتهاكات في المنطقة المحررة»، لتفريغها من كوادرها وإيقاف عمل المنظمات الإنسانية فيها؟!