خلال عملي كمؤرخ مختص في مواضيع الهولوكوست وألمانيا النازية وأوروبا في حقبة الحربين العالميتين، لطالما سُئلت: إلى أي درجة يُشبه الوضع في الولايات المتحدة اليوم ذلك الذي ساد في فترة ما بين الحربين العالميتين وصعود الفاشية في أوروبا؟ يمكنني هنا أن ألحظَ عدة تشابهات مقلقة، واختلافاً واحداً هامّاً، ولكنه مقلق إلى الدرجة ذاتها.

في عشرينيات القرن الماضي، انتهجت الولايات المتحدة سياسة انعزالية في علاقاتها الخارجية، ورفضت المشاركة في المنظمات الدولية مثل عصبة الأمم. شعار «أمريكا أولاً» عَنَى أمريكا وحيدة، فيما خلا ما تعلّقَ بالاتفاقيات المالية، كخطط داوز آند يونغ التي هدفت إلى ضمان أن يقوم حلفاؤنا السابقون «الاستغلاليون» بتسديد قروض الحرب. وفي الوقت ذاته، شلّت التعرفات العالية حركة التجارة العالمية مما جعل عملية تسديد القروض تلك غاية في الصعوبة. كما شهدت البلاد زيادة في التفاوت في الدخل وتركيزاً للثروة في القمة، وعمدَ كل من الكونغرس والمحاكم إلى تجنّب وضع أنظمة تَقَي من المصائب الذاتية للتجارة الحرة الطائشة. كما تبنت الحكومة سياسة تقيّدُ الهجرة كثيراً، هدفت إلى الحفاظ على هيمنة البروتستانت البيض الأنغلوساكسون في مواجهة سيل من المهاجرين الكاثوليك واليهود (وكان هناك العديد من الإجراءات التي تحد من هجرة الآسيويين، كان قد بدأ تطبيقها مسبقاً ما بين العامين 1882 و1917). تركت هذه السياسات جميعُها البلادَ عاجزة عن الاستجابة بشكل بنّاء للكساد الكبير، أو لصعود الفاشية والتهديدات المتنامية للسلام وأزمة اللاجئين في ثلاثينيات القرن الماضي.

يبدو الرئيس ترمب اليوم عازماً على سحب الولايات المتحدة من كامل بنية ما بعد الحرب العالمية الثانية، المكوّنة من اتفاقيات ومنظمات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية متشابكة عملت طوال الوقت منذ العام 1945 على حفظ السلم والاستقرار والازدهار. أما تفضيل الرئيس ترمب للعلاقات الثنائية التي يرى فيها منافسات بمحصلة صفرية يربحها على الدوام، ويكون له فيها اليد الطولى، فهو يتداخل مع الإيديولوجيا التي يفضّلها ستيف بانون ومعه ما يدعى باليمين البديل، والتي تدعو إلى دول قومية مستقلة مصابة برُهاب الغرباء، تعمل على إثبات ذاتها من دون أي قيود؛ أي باختصار العودة إلى النظام الدولي ما قبل العام 1914.

لقد أنتجت تلك «الفوضوية العالمية» الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية والكساد الكبير والديكتاتوريات الفاشية والحرب العالمية الثانية والهولوكوست، وهذه جميعها تحديداً الكوارث التي تجنّبها النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية بشكل ملحوظ طوال سبعة عقود.

في إطلاقه التهديدات بشن حروب تجارية مع الحلفاء كما مع الأعداء، فإن ترمب يبرر وضع التعرفات المتصاعدة على حلفائنا بحجة مُخاتِلة تدّعي أن بلاداً مثل كندا تشكّل تهديداً لأمننا القومي. وهو يجمع بين احتقاره المستمر لحلفائنا الديمقراطيين وتقديره العلني للأنظمة السلطوية. إن ثقته الساذجة والنرجسية بقوة دبلوماسيته الشخصية، وإيمانه بمصافحة يجريها مع أناس من أشباه فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون، إنما يُذكّرنا بذلك المتعوس نيفيل تشامبرلين (وهو رجل مختلف تمام الاختلاف عن ترمب). ولحسن الحظ فإن الولايات المتحدة لا تستطيع الفكاك بسهولة من ذلك النظام العالمي الذي خلقته بنفسها بعد العام 1945، ويستشعر الحزب الجمهوري وداعموه من رجال الأعمال الخطر الذي يتهدد التجارة الحرة بما يكفي، فيما لم يستكمل ترمب بعد أجندته الخاصة بالانسحاب، ولو أنه قد قام بالفعل بتقدم مذهل في وقت قصير جداً.

وفي جانب آخر من حقبة ما بعد الحرب، يحمل تشابهات كثيرة جداً مع وضعنا الحالي، نتذكر أيضاً انحطاط جمهورية فايمار. منح دستور فايمار رئيسَ ألمانيا المنتخب في العام 1925، بول فون هيندنبيرغ، العديد من صلاحيات الطوارئ بهدف الدفاع عن الديمقراطية الألمانية حال تعرضها لأي خطر محدق. ولكن بدلاً من الدفاع عن الديمقراطية، أقدم هيندنبيرغ على حفر قبرها بيديه، وهو استخدم تلك الصلاحيات بداية كي يدمر القواعد الديمقراطية، ومن بعدها كي يتحالف مع النازيين من أجل إنشاء حكم سلطوي بدلاً عن الحكومة البرلمانية. بدأ هيندنبيرغ باستخدام صلاحياته الطارئة في العام 1930 عبر تعيينه لعدد من المستشارين المتتالين الذين حكموا عبر المراسيم بدلاً من الاعتماد على الأغلبية البرلمانية، التي أصبحت مستحيلة التحقق بشكل متزايد نتيجة حدوث الكساد الكبير وتفاقم الاستقطاب في السياسة الألمانية.

بسبب الانكماش المستمر للقاعدة الداعمة للمحافظين التقليديين، الذي جعل من الاستحالة بمكان تنفيذ مراجعتهم السلطوية للدستور، لجأ هيندنبيرغ واليمين القديم، نهاية الأمر، إلى عقد صفقة مع هتلر ونصبّوه مستشاراً. وفيما كانوا يعتقدون أن باستطاعتهم السيطرة على هتلر في النهاية بينما هم يتمتعون بفوائد قاعدته الشعبية، حصل المحافظون بادئ الأمر على مكافأتهم عبر تحقق أجندتهم: إعادة التسلح بوتيرة محمومة، حظر الحزب الشيوعي، تعليق حرية التعبير والصحافة والتجمع أولاً ومن ثم تعليق أعمال الحكومة البرلمانية نفسها، إجراء تطهير في جهاز الخدمة المدنية وأخيراً إلغاء النقابات المستقلة. ومن نافلة القول إن النازيين تابعوا عملهم بعدها متجاوزين تلك الأهداف التي تشاركوها مع حلفائهم المحافظين، الذين أصبحوا عاجزين عن كبح جماح النازيين بأي طريقة ملموسة.

إذا كان للولايات المتحدة من شخص سيعتبره المؤرخون يوماً على أنه لحّاد الديمقراطية الأمريكية، فلسوفَ يكون ميتش ماكونيل، الذي أجّج الاستقطاب المفرط للسياسة الأمريكية من أجل ضرب فعالية رئاسة أوباما وشلِّها كُلّما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وكما كانت الحال مع المأزق البرلماني في فايمار، فإن مأزق الكونغرس في الولايات المتحدة أضعفَ الاحترام للقواعد الديمقراطية، مما سمح لماكونيل أن يدوس عليها أكثر. وما من تعبير عن تلك الحلقة المفرغة أوضح من تحطيم السوابق التقليدية في شأن التعيينات القضائية. حفزت الإعاقة الممنهجة للتعيينات في فترة رئاسة أوباما الأولى الديمقراطيين على نبذ المماطلة في جميع المواضيع، فيما خلا ترشيحات المحكمة العليا. بدوره أدّى رفض ماكونيل القاطع، وغير مسبوق، ترشيح ميريك غارلاندميريك غارلاند قاضٍ ورئيس محكمة الاستئناف في دائرة مقاطعة كولومبيا رشحه باراك أوباما لشغل منصب قاضٍ في المحكمة العليا بدلاً من القاضي أنتونين سكاليا المتوفي. لدفع ماكونيل نفسه للتخلي عن المماطلة في ترشيحات المحكمة العليا من أجل إتمام «سرقة» مقعد أنتونين سكاليا وتثبيت نيل غورساتشنيل غورساتش قاض وهو مرشح دونالد ترمب لذات المنصب السابق في المحكمة العليا وقد شغله في نيسان/أبريل 2017.. واليوم نشهد مرة أخرى تسييساً مفرطاً في عملية الترشيح القضائي في جلسات استماع كافاناوبريت كافاناو مرشح ترمب الآخر لشغل كرسي القاضي المتقاعد أنطوني كينيدي في المحكمة العليا والذي اتهمته الأستاذة الجامعية كريستين فورد بالاعتداء الجنسي عليها في العام 1982..

ويمكن لنا أن نتوقع أنه من الآن فصاعداً لن تجري أي تعيينات قضائية هامة ما لم تكن كلا مؤسستيّ الرئاسة والكونغرس في يد الحزب نفسه. لقد ضمن كل من ماكونيل والكونغرس المذموم والمعطل اليوم هيئة قضائية مذمومة ومعطلة على نحو متزايد، فيما يقبع التوازن الدستوري بين سلطات الحكومة الثلاثة تحت خطر داهم.

مهما يكن هنالك من تحفظات سرية لدى ماكونيل وزعماء الجمهوريين التقليديين الآخرين تجاه شخصية ترمب وأسلوب حكمه وإدانته المحتملة في قضايا جرمية، ولكنهم يبتهجون في العلن لما حصلوا عليه من مكافآت جرّاء تحالفهم معه ومع قاعدته: اقتطاعات ضريبية هائلة للأثريا