الزواليّة

كتب سيغموند فرويد هذا المقال عام 1916، وترجمه عن الألمانية بيركو سلمو

قبل فترة من الزمن كنتُ أتمشى بصحبة صديقين، أحدهما شخص صَموت، والآخر شاعر مشهور رغم صغر سنه حينها، مستمتعين بالمناظر الطبيعية لصيف جميل. بدأ الشاعر الشاب بإظهار إعجابه بالمناظر الطبيعية حولنا، لكن دون أن يُدخِلَ ذلك أي سرور إلى قلبه. لقد أزعجته فكرة أن يكون كل هذا الجمال محكوماً بالزوال؛ أن يكون كل هذا الجمال آيلاً للذبول في الشتاء، وكذلك الأمر مع كل جمالية إنسانية، وكل الأمور النبيلة التي أنجزها الإنسان أو سيُنجزها ومصيرها الزوال في نهاية المطاف. في تلك اللحظة، بدت لشاعرنا الشاب كل الأشياء التي أحبها وأُعجب بها يوماً عديمة القيمة، فهي أيضاً محكومة بالزوال… وهو القدر الذي يحكم كل شيء.

نعلم أن هذا الاستسلام لفكرة هشاشة كل ما هو جميل وكامل في الحياة يولّد لدى صاحبه انطباعين وجدانيين؛ الأول ينتهي بالضجر المؤلم من الحياة كما وجدنا عند الشاعر، والثاني برفض وإنكار الحقيقة الواقعة، عبر القول: «كلا! ليس ممكناً أن كل روائع الطبيعة والفن، وأن عالمنا الحسي والعالم الخارجي، سينتهي إلى لا شيء في النهاية». سيكون الإيمان بهذا في غاية السخف والعبثية، ولا بد أن تكون هناك طريقة، مهما كانت، لتستمر هذه الأشياء، ناجيةً من كل القوى الهدامة.

هذه المُطالبة بأن تكون الأشياء لانهائية ليست بحد ذاتها مطلباً واقعياً، بقدر ما هي مظهر من مظاهر التفكير الرغائبي. حتى المؤلم يمكن أن يكون حقيقياً. لم أستطع في تلك اللحظة اتخاذ القرار بإنكار الزوالية التي تحكم الأشياء كلها، ولا إجبار نفسي على استثناء الجماليات والكماليات من حقيقة كونها زائلة. لكني أنكرت على الشاعر المتشائم أن تكون زوالية الشيء الجميل مدعاة لتجريده من قيمته. بالعكس تماماً، زوالية الشيء تزيد من قيمته.

الخاصية الزوالية للشيء هي الندرة عبر الزمن، ومحدودية اللذة في الممكن تزيد من نفاستها. لا يمكنني فهم كيف يمكن لفكرة الزوالية المصاحبة للشيء الجميل أن تُبهت فرحتنا به. فجمال الطبيعة، سيأتي الشتاء ليدمره، لكنه سيعود في العام اللاحق من جديد. وهذه العودة يمكن أن تُعتبر بمثابة عودة أبدية نسبة للفترة العمرية التي يعيشها الإنسان في العادة. أما جمالية الجسد والملامح الإنسانية فنراها خلال فترة حياتنا تنحسر باضطراد، لكن هذه الحياة القصيرة تُضفي على سحر هذه الجمالية جمالاً زائداً. إذا كانت هناك نبتة لا تُزهر إلا ليلة واحدة فقط، فلماذا يُفسد ذلك من سحرها في أعيننا؟! وبالدرجة ذاتها، لا يسعني رؤية كيف أن جمالية وكمالية الأعمال الفنية والإنجازات الفكرية تفقد قيمتها بمحدوديتها الزمنية. قد تأتي حقبة زمنية تتحطم فيها اللوحات والتماثيل التي نحبها ونقدّرها اليوم، أو قد يجيء بعدنا جيل ما عاد يفهم أعمال شعرائنا وكتّابنا كلها، أو قد تسود حقبة جيولوجية تتوقف فيها الحياة على الأرض كلياً، ورغم ذلك فإن القيمة الجمالية للأشياء تتحدد فقط عبر المعنى الذي تكتسبه في عوالمنا الحسّية، وهذه الأشياء لا تحتاج بالضرورة للصمود زمنياً أبعد من عوالمنا الحسية لكي تكتسب هذا المعنى، فالقيمة الجمالية للأشياء منفصلة عن امتدادها الزمني المطلق.

رغم قوة اقتناعي بوجهة النظر هذه، لاحظت أنها لم تترك انطباعاً يُذكر لدى الشاعر الشاب والصديق الصَموت. خلصتُ من عدم توفيقي في مسعاي إلى وجود حالة عاطفية قوية أرخت بظلالها على حُكمهما. فيما بعد، وصلتُ إلى ما أظنه ماهية هذه الحالة. لا بد أن مقاومة النفس الإنسانية للحزن هي التي أفسدت عليهما التمتع بهذا الجمال. تخيُّل أن هذا الجمال زائل أعطى صديقي الحساسين شعوراً مسبقاً بالحزن على زوالهما الشخصي. ولأن النفس تنفر غريزياً من كل ما هو مؤلم، يشعر صديقاي أن فكرة زوالية الشيء تعيق قدرتهما على التلذذ بجماليته.

الحزن على فقدان شيء أحببناه أو أُعجبنا به يبدو لغير المختص أمراً بديهياً وطبيعياً. بالنسبة لعالم النفس، الحزن لغز كبير، هو إحدى الظواهر التي لا نستطيع تفسيرها في حد ذاتها، بل من خلال ظلالها الممتدة إلى جوانب أخرى من حياتنا. نعتبر أن الإنسان لديه درجة معينة من القدرة على المحبة، نسميها «ليبيدو»، وتتوجّه لدى كل شخص، خلال المراحل الأولى من النمو، صوب الأنا الخاصة به. فيما بعد، أو في مرحلة عمرية مبكّرة، تنفكّ «الليبيدو» من الأنا الشخصية لتتوجه صوب الأشياء الخارجية، جاعلة منها جزءاً من الأنا الخاصة. عندما تتحطم هذه الأشياء أو نفقدها، تصبح طاقة المحبة، الليبيدو، عندنا حرة من جديد، لتكون قادرة على التحول إلى أشياء أخرى كبدائل، أو العودة إلى الأنا مؤقتاً. لكن لماذا يكون انسلاخ الليبيدو عن أشيائها عملية مؤلمة لهذه الدرجة، هذا ما لا نفهمه ولا نستطيع استنتاجه من أي فرضية. ما نعرفه أن الليبيدو تتشبث بأشيائها بقوة ولا ترضى بانتزاع الأشياء التي فقدتها، حتى إذا كانت البدائل متوفرة، وهذا هو الحزن.

كان هذا الحديث مع الشاعر في الصيف الذي سبق اندلاع الحرب. بعد عام بدأت الحرب وسرقت من الدنيا جمالها. لم تخرّب الحرب فقط جمال المناظر الطبيعية التي زحفت عليها، والأعمال الفنية التي مسّتها في طريقها، وإنما كسرت أيضاً اعتزازنا بإنجازات ثقافتنا، واحترامنا لكل هؤلاء الفنانين والمفكرين، وأملنا بالتجاوز النهائي للاختلافات بين الشعوب والإثنيات. لقد لوثت الحرب كرامة الحيادية العلمية لدينا، وكشفت عالم الدوافع فينا بكل عريه، وحررت الأرواح الشريرة فينا، التي ظننا أننا كنا قد أوثقناها جيداً عبر قرون من التربية التي تلقيناها من أصحاب الأخلاق النبيلة. لقد جعلت وطننا صغيراً، وأبعدتنا عن الأوطان الأخرى، وسلختنا عن كثير من الأشياء التي أحببناها، وأظهرت لنا هشاشة الكثير من الأمور التي ظنناها صامدة.

ليس من العجب أن طاقة الليبيدو لدينا تحولت بعد فقدانها الكثير من أشيائها، إلى محبّة ما تبقى لنا، بقوة أكبر. فمحبتنا للوطن، وحنيننا إلى بعضنا، واعتزازنا بالأشياء التي نشترك بها، كل هذه العواطف أصبحت أقوى بكثير. لكن تلك الأشياء الأخرى التي انتُزعت منا، هل فقدت بالفعل قيمتها  لما ظهر فيها من هشاشة وعجز عن الصمود؟ يبدو الأمر هكذا لكثيرين منا، لكني هنا أيضاً أقول إنه ليس معهم حق في ذلك. أعتقد أن الأشخاص الذين يفكرون بهذه الطريقة، ويبدو عليهم الاستعداد للتخلي والنكران الدائمين طالما أن الشيء القيّم معرض للزوال، يسيطر عليهم الحزن على الشيء المفقود فقط. نحن نعرف أن مخزون الحزن، مهما بلغت درجات العذاب، ينفذ وينقضي من تلقاء ذاته. فإذا انعتق الحزن من الأشياء التي فقدها، يكون قد استهلك نفسه. حينها تصبح طاقة الليبيدو عندنا حرة من جديد لتستبدل الأشياء المفقودة بأخرى جديدة تحمل القيمة ذاتها، أو قيمة أعلى من تلك، طالما كان واحدنا شاباً ولديه ما يكفي من طاقة الحياة. من المأمول أن تجري الأمور على المنوال ذاته في ما يخص هذه الحرب. عندما يتم أخيراً تجاوز الحزن، سيظهر لنا بوضوح أن تقديرنا للموروث الثقافي لم يفسد بسبب تجربة انكساره التي مررنا بها. سنعيد بناء كل شيء حطمته الحرب، وربما على أساسات أمتن وأكثر بقاءً من السابقة.