برج أبي حيدر، مساءٌ صيفي. رَجلٌ غاضبٌ في الشارع يتجادلُ مع سيدةٍ واقفةٍ على شُرفة بيتِها، يُطلقُ الرجلُ رصاصاتٍ وتموتُ السيدة. القتيلةُ هي الحاجة منجة خضر رمّو والمُتهم بالقتل حينها، قَريبُها هاشم علي خان. اشتبكتْ العائلتان المُهاجِرتان، رمّو وعلي خان، في خلاف دموي بدا عابراً في بيروت الحرب. في زاويةٍ من عددِ جريدة السفير الصادر في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1980 كُتِبَ: «العائلتان اتفقتا على حَلِّ المُشكِلةِ التي تسببتْ في وقوعِ ضحايا أبرياء»..

السنين مرّتْ والأسماء بقيتْ ناصعةً في العتمة لا ذبلتْ مع الوقت ولا شاختْ، والقصة هذه نذكرها اليوم بسبب الأسماء، إذ تحكي الأخبار في برلين، ألمانيا، عن واحدةٍ من أكبر العصابات العائلية الإجرامية في البلاد، للمصادفة اسمها «رمّو». الأخبار نفسها، أو أخبارٌ تُشبهُها، تحكي في غوتنبرغ، ثاني أكبر مُدن السويد، عن واحدةٍ من أكبر العصابات العائلية الإجرامية في البلاد، للمصادفة اسمها «علي خان».

جُملةٌ تُكَررُ في الحديث عن العوائل التي تُشكلُ عصابات الجريمة المنظمة في بلدان الشمال الأوروبي، ولا نستطيع إلّا أن نتوقف عندها، يُقال عن آل رمو وآل علي خان وعائلاتٍ أُخرى، كآل الزيّن وآل ميري، أنهم من «أكراد لبنان».

«يا مينا الحبايب..»

العائلتان في الأصل من قُرى ماردين المُسلمة، هاجروا مثل عوائل وجماعات أُخرى، من أرمن وسريان، من مناطق طور عابدين وما حولها هرباً من مجازر العثمانيين إبّانَ الحرب الأولى أو من الفقر والمجاعة وسياساتِ التتريك بعد الحرب الثانية. استقر قسم من مُهاجري ماردين في منطقة الجزيرة السورية وتابع القسم الآخر الهجرة إلى لبنان.

على دفعاتٍ وصل الماردينيون إلى لبنان، أكرادٌ من المدينة نفسها وقرى محيطة، وعربٌ – عرب المحلمية- من بلدات الراشدية وحبس ناس والمخاشنية والمنيزل وغيرها قُرى وبلدات عرب المحلمية في جنوب تركيا، قضاء الصور، ماردين. تختلف الأسماء الرسمية التركية عن الأسماء المذكورة هُنا.. في لبنان سُمي الناس هؤلاء بمجموعهم، المسلمون السُنّة المنحدرون من مناطق ماردين، بأكراد لبنان.

الهجرة الحديثة الأولى كانت بعد ثورة الشيخ سعيد بيران في كردستان تركيا. انتهتْ الثورة بإعدام الشيخ وعددٍ من معاونيه وتبعها نهبٌ ممنهج للممتلكات والأموال وإزالة أكثر من مئتي قرية. قِسمٌ من الهاربين من القتل والنهب وصلوا إلى لبنان الكبير، مُلتحقين بعدد من السياسيين والصحافيين الأكراد والأرمن كانوا قد سبقوهم إلى هُناك مُشكِلين جمعيّة خويبون الكردية في بيروت، مُستفيدين من دعم الفرنسيين لشعوب المنطقة الراغبة في الاستقلال عن العثمانيين.

من زيارة جمال عبد الناصر للحسكة سنة 1960.

 

الدفعة الكبيرة الثانية من مسلمي ماردين جاءت بعد انفصال سوريا عن مصر. استمال جمال عبد الناصر عوائل ماردين التي استقرت في الجزيرة السورية أثناء وبعد زيارته إلى القامشلي أول الوحدة، مُشدِداً على عروبة هذه العوائل، في محاولة منه لتذكية الحس القومي العربي وكسر حالة السيطرة السريانية في الجزيرة السورية. قولٌ رُدِدَ حينها باللهجة الماردلية صار مثلاً يُسمعُ في المجالس: «جمال جمالنا وي، وطلع محلمي منا وفينا» المصادر التي تنسب العوائل هذه إلى أصل عربي، عرب المحلمية، تنسبهم إلى محّلم بن ذهل الشيباني. ويُنسب جمال عبد الناصر في بعض الروايات إلى بني مُرة، ومُرة بن ذهل هو أخو محلم ومن هنا جاء القول بالقرابة بين جمال عبد الناصر والمحلمية: جمال جمالنا وي وطلع محلمي منا وفينا.. بعد الانفصال خسرتْ العوائل الامتيازات التي مُنحتْ لهم أيام الوحدة. ضُيِّق الخناق على الوحدويين ومناصريهم، وحُرِم قِسمٌ من عائلات ماردين من الأراضي التي وزعِتْ بعد قوانين الإصلاح الزراعي  في سوريا. تابعتْ عائلات ماردين هجرتها بعد عقود من الاستقرار في الجزيرة السورية والتحقتْ بأهلهم السابقين في لبنان، في بيروت تحديداً. نال عدد قليلٌ من المهاجرين الجنسية اللبنانية عام 1956، بتوجيه جاء من الرئيس سامي الصلح، ثم نال عددٌ أكبر منهم الجنسية مع مرسوم التجنيس عام 1994.

مُنذ البداية استقر أكراد لبنان في المناطق القريبة من وسط بيروت التجاري، عملوا بشكل أساسي في سوق الخضار أو عتالين في مرفأ بيروت يذكر بعض سكان بيروت أن من بين ضحايا جوزيف سعادة في السبت الأسود 1975 أكرادٌ كانوا يعملون عتالين في مرفأ بيروت.، وظلّوا قاطنين في مناطق الفقراء من سُنّة بيروت، الجماعةُ التي بقوا محسوبين عليها. وباستثناء حالاتٍ فردية قليلة كانوا فيها مُقاتلين مع حزب الكتائب، فإن أكراد لبنان شاركوا بغالبيتهم في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية أبّان الحرب الأهلية، قريبين من الفصائل الفلسطينية ومقاتلين بشكل خاص مع حركة المرابطون؛ منهم بطل الحكاية هذه، هاشم علي خان.

غيّرَ الدخول السوري اللاحق إلى لبنان التبعيات السياسية للجماعة، زادت شعبية حزب العمال الكردستاني بين أكراد لبنان، وخاصةً بعد السماح لمقاتليه وقيادته بالتواجد في معسكرات البقاع.

اليوم يُقدر عدد أكراد لبنان الباقين هُناك بأكثر من عشرين ألفاً، قريبون دينياً من جمعية المشاريع الإسلامية «الأحباش»، وانتخابياً ما زالت أغلب أصواتهم تذهب إلى كتلة الحريري. 

الذاكرة نهرٌ منبعه عند الأتراك

بلهجةٍ تَعصُرُ القلب وصلتنا أغانٍ من ماردين للقراءة أكثر عن لغات ماردين و أغانيها: ماردين تغني: وما الحب سوى ضلال في ضلال.، أغانٍ عن قلعةٍ على جبل، عن قطارٍ يأخذنا إلى بنات الجيران وعن أعمدة كهرباء في طَرف المدينة يُرى نورها من بيروت.. وكانت قد وصلتنا، قبل الأغاني والكهرباء، أخبار القتلِ هُناك.

الأحداث التي تلتْ ثورة الشيخ سعيد بيران لم تكن أول المجازر في مناطق ماردين، المجازر الحميدية 1894-1896، مذابح سيفو 1914-1920 ومذابح الأرمن 1915، كُلُّها أحداثٌ ساهمتْ في تغيير ديموغرافية المنطقة، تزايدت أعداد السكان من الأتراك والأكراد والعرب المسلمين على حساب تقلص نسبة المسيحيين، من أشوريين وسريان وكلدان وأرمن بشكل مطرد، وتناقص مُرافِق في أعداد اليزيديين. المجازرٌ المُتكررة ثم سياساتُ التتريك، إضافةً إلى حال التداخل بين الجماعات في المنطقة جعل من الصعب تتبع نسب العوائل وأصولهم، إذ حصلت تغييرات عديدة من جهتي الانتماءات الدينية والانتماءات القومية.

رغم أن نسبة المتعلمين بين مسيحي ماردين وما حولها كانت أعلى بكثير منها بين المسلمين آخر أيام السلطنة العثمانية، ظلَّ المتعلمون من المسلمين مسيطرين على قطاعات العمل الحكومية والأعمال الكثيرة المرتبطة بالمؤسسات الدينية. مع بدايات الدولة التركية الجديدة تحول قسمٌ من رجال الدين والمتعلمين المسلمين إلى ممثلين عشائريين ودينين عن السكان المحليين في مواجهة الدولة ومؤسساتها. أهالي المنطقة الأفقر حالاً من غير الإقطاعيين والمُلّاك -ومنهم تنحدر العائلات التي هاجرتْ إلى لبنان- امتهنوا حرفاً بدائية تناسب جغرافيا المكان وموارده وبقوا محافظين على قسم من الحِرف هذه لفترات طويلة؛ أهالي الراشدية مثلاً عملوا صيادين للحجل وصُنّاعاً للشبك وفِخاخ الصيد، أهالي المخاشنية اشتهروا بتجارة الأرضي شوكي، بالإضافة إلى أعمالٍ بسيطة أخرى مرتبطة أساساً بالزراعة. ظلّتْ العلاقات مع الأعيان والوجهاء المحليين بديلاً عن العلاقات الرسمية مع الدولة ومؤسساتها. طبيعة العلاقات هذه حملها المهاجرون من ماردين وقراها معهم في هجراتهم اللاحقة وزادتها حالةُ الاغتراب في المجتمعات الجديدة والحاجة الطبيعية إلى أمان تمنحه علاقات البيئة التقليدية الأم.

«ضاع عليّ الدليل في الغربة مع مين تَحكي..»
البردُ موحش، الدفء يحتاج جماعات والظلم المديد قسّى القلوب..

وصل هاشم علي خان إلى السويد في العام 1984، تفاصيل قليلة عُرفتْ عن خروجه من لبنان منها إنه قبيل خروجه من بيروت كان مختبئاً بمساعدةٍ من تمّام سلام، وأنه كان مطلوباً في عِدةِ قضايا جنائية، فبالإضافة إلى تهمة قتل منجة رمو، كان هاشم مطلوباً بسبب هجومٍ على مخفر زقاق البلاط في العام نفسه، وقبلها بتهمة محاولة نهب محل للصرافة في شارع الحمرا في كانون الأول (ديسمبر) 1977. نشرت صحيفة Expressen السويدية في آذار 2021 سلسلةٌ من ثلاثة تقارير بعنوان «أسرار زعيم العشيرة» عن تاريخ هاشم علي خان في بيروت.

يتجاوز عدد أفراد عائلة علي خان في السويد مئتي شخص الآن، أكثر من ثلاثين شخصاً منهم محكوم قضائياً بسبب جرائم مختلفة كالقتل والابتزاز وتجارة المخدرات وأعمال العنف وإسكات الشهود. هاشم علي خان نفسه كان مُتهماً أكثر من مرة لكن لم تتم إدانته في أي قضية. للقراءة أكثر عن عائلة علي خان ونشاطها في السويد يمكن قراءة كتاب Familje (العائلة) للكاتبة يوهانا باكستروم ليرنيبي. جمعّت الكاتبة أرقاماً ومعلومات عن مشاركة العائلة في الأنشطة الإجرامية كما أجرتْ فيه مقابلات عديدة مع أفراد من العائلة وكذلك مع رجال شرطة وشهودٍ آخرين. صدر الكتاب العام 2020

عائلةُ علي خان مثالٌ واحدٌ، يكاد يتطابق مع حالة عوائل أخرى، تعجز حتى الآن سلطات دول الشمال الأوروبي عن التعامل معها. تحكم العوائل مناطق تقع غالباً في ضواحي المدن الكبرى وتستعملها كأسواق لأعمالها، وتفرض فيها شروطاً على السكان و إتاوات على المحالّ. 

التحليلات الأوروبية لظاهرة العائلات الإجرامية تستسهلُ اختصار الأسباب إلى أفكار تُناسبُ إيديولوجيات المُحللين، منظّرو اليسار يفسرون حالة العائلات الإجرامية باعتبارها امتداداً لمشكلة طبقية، أساسها اختلاف الظروف في مناطق المهاجرين الفقيرة، تعليمٌ أسوأ وخدماتٌ أقل ونِسَبُ بطالةٍ أعلى، مُقارنةً بمناطق أصحاب الدخل الأعلى. بينما تُحيلُ الأفكارُ اليمينية المشكلة إلى أصلٍ هوياتي مرتبط بطبيعة أفراد الجماعات المُهاجرة وطبيعة العلاقات في البلدان التي هاجروا منها، وتستخدم بالتالي كمدخلٍ لرفضِ استقبال اللاجئين.

تتطور الهويّة الجمعيّة لعوائل الجريمة المنظمة في مجتمعات موازية أو سفليّة بعيداً عن المواطنة، إذ تؤدي سرديات الاضطهاد والتهميش والعوز مع أزمة الانتماء المستمرة إلى الانغلاق أولاً ثم تدفع -غالباً عند الجيل الثاني من المهاجرين- إلى إضعاف الروابط أو حتى إلى العداء مع مجتمع الأكثريّة. التطور هذا يحول الجهات الرسميّة على أشكالها إلى مؤسسات معادية ينبغي رفضها، وينبغي رفض احتكارها للسلطة والعنف، ثم يأتي الدخول في عالم الجريمة تكميلياً كوسيلة بديلة للبقاء ضمن الشروط والأعراف البديلة للجماعة.

في لقاء مُسجّل يقول هاشم علي خان أنه داعيةٌ إسلامي، يقول أيضاً أنه يتدخل أحياناً كوسيط خير لحلِّ مشاكل إجتماعيّة مُتعلقة بالمهاجرين تعجزُ السلطات السويدية عن فهم جذورها. وحين يُسألُ عن مقتل منجه رمو ينفي التهمة ويقول، بما معناه، أنَّ منجه قريبته وأنّ الأقارب لا يقتلون بعضهم.

* * * * *

جاورناهم في البلد سنيناً، مُتشاركين الشوارع وساحات اللعب والمدارس، أقوياءٌ حازمون، يُسمّون النقود أثماناً والحظَّ شَنصاً. وحين طُعِنَ واحدٌ منهم صرخوا سويّةً: «طاب الموت يا قرايب» وهاجموا بيت الطاعن مُفرِغين في جسد أخيه مخزني رصاص..

مطلعَ صيفٍ بعيد حضرنا عُرسَاً لهم، عارفين عن عمِّ العريس حكايات قتل ونهب، وقف وسط الساحة آخر العرس حاملاً مُسدساً، طالباً من العازف لحناً حزيناً ثقيلاً رقص عليه وحده، ماداً ذراعيه على جانبي الجسم موازيتين للأرض، مُقلِباً كفوفه باتجاه السماء وعكسها، ناثراً على صدره تُراباً. قيل أنَّها رقصة «الريحاني»، وأنّها رقص أهل ماردين. اسمُ الرقصة وشكل الحركات فيها مأخوذٌ من الريحان، أول من رقصها نبيٌ مخمور، والعمُّ في العرس، آخرُ الراقصين، قاتلٌ مقهور.