تبرز موضوعة الاختفاء القسري في الإنتاج الفني للمجتمعات التي اختبرت أنظمة حكم قمعية أو شهدت نزاعات عنفية، كما هو الحال في دول مثل إسبانيا وتشيلي ولبنان وسوريا. من الممكن متابعة التجليات الأولى لهذه الموضوعة في الأنشطة الحقوقية والاجتماعية، وتالياً في التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان المتخصصة في الشأن، أما الفنون فتأتي في مرحلة لاحقة كون مقاربة القضية من خلالها تتطلب ابتكاراً أسلوبياً. وإن تظهر الموضوعة عبر مضامين الأغاني أو إيحاءات الفن التشكيلي، فإن التعبير الأدائي عن الاختفاء القسري أكثر صعوبة بعد على خشبة المسرح، وكذلك تصوير حضوره في كاميرات الوجود. هذا النص هو رحلة في محاولات السينما العالمية للتعبير عن الاختفاء القسري، يتلمّسُ تنويعات من الأنواع الفيلمية: صمت الآخرين (2018) من إسبانيا، والسرديات الحكائية: عيوني (2020) من سوريا، والسيناريوهات التفاعلية: ليال بلا نوم (2013) من لبنان، والتأملات الشعرية والفلسفية: الحنين إلى الضوء (2010) من تشيللي، وهي أفلام سعت للتعبير عن تجربة الاختفاء القسري كما عايشتها مجتمعات بلدانها.

صمت الآخرين: الاختفاء عابراً من الذاكرة الممنوعة إلى عدسات القضاء

في المشهد الافتتاحي من الفيلم الإسباني صمت الآخرين – من إخراج روبرت باهار وألمودينا كراساديو – تضع امرأة عجوز باقة من الورد عند طرف الأوتستراد، حيث فارقت والدتُها الحياة دون أن تتمكن من استعادة جثتها لدفنها في مقبرة. باقة الورد الوحيدة والصغيرة بجانب الإسفلت تعبر عن الإهمال المستمر الذي يعيشه أهالي المفقودين/ات وذويهم/ن. وبينما تجول الكاميرا في شوارع المدن الإسبانية التي تحمل أسماء الجنرالات والقادة الذين ساعدوا فرانكو في جرائمه، التي استمرت طيلة سنوات حكمه، نستدرك كيف تحمل الساحات والملاعب أسماءهم في حين تختفي أي ذاكرة تتعلق بالضحايا. باقة الورد في الأماكن المنزوية لقطة سينمائية تعارضية مع أفخم قبر بين قبور في إسبانيا قاطبة، وهو القبر التكريمي للجنرال فرانكو نفسه، والذي يحتل مساحة ممتدة من وادي الوديان. يرسم الفيلم بلقطاته المتعاقبة صورة عن واقع الحال اليوم في إسبانيا، حيث تحتل قبور وأسماء الطغاة ذاكرة وحاضر المخيلة الجمعية، بينما يُمنع التنقيب عن رفات المقابر الجماعية والضحايا المفقودين/ات مما يحول دون معرفة مصيرهم.

بعد حرب أهلية عنيفة وحكم الديكتاتور فرانكو الذي استمر منذ 1939 حتى 1975، سنة وفاته، حاولت إسبانيا الانتقال إلى الديمقراطية دون إدانة الحكم السابق، فأقر الكونغرس الإسباني ما يسمى بقانون النسيان أو قانون العفو، الذي ينص على عدم محاكمة الأفعال الجرمية المرتكبة في الحقبة الديكتاتورية، مماثلاً لما حدث نهاية الحرب الأهلية اللبنانية مما سمح بإفلات متورطين في جرائم الحرب من العقاب. في مدريد يعيش أحد الجنرالات المجرمين الكبار، أنكونيو غونزاليس سلين الملقب ببيلي الصغير، على بعد بضعة شوارع عن عائلات ضحاياه. ترافق الكاميرا أحد شخصيات الفيلم، خوسيه غالينيه، لزيارة البناء الذي يقطن فيه واحد من الشخصيات التي بثت الرعب في المجتمع طيلة حكم الديكتاتورية. صيغة التقارب – التواجد بين الضحية والجلاد هذه سنراها أيضاً في الفيلم اللبناني ليال بلا نوم. وبينما تسمح إسبانيا بالتظاهرات والفعاليات التي تحتفل بعيد الجنرال فرانكو، فإن أهالي المختفين/ات قسراً يلتزمون الصمت بموجب قانون يمنع عنهم إمكانية التنقيب في أماكن المقابر الجماعية والتفجع على رفات ضحاياهم، يقول خوسيه: «جيلنا لم يعِ ما يتوجب علينا فعله، ماذا نقول للأطفال؟ أما الجيل التالي فعجز عن تحديد أسئلته».

سؤال التعامل مع الذاكرة العنفية هو الذي يحضر في تجارب ما بعد الحروب والقمع العنفي. يقول مخرج الفيلم: «الماضي لا يختفي بهذه السرعة، أليس كذلك؟ هناك أبناء وأحفاد، حتى أحفاد أحفاد – يَرِثون هذا الألم، وكذلك النضال من أجل الكرامة. كان من المهم جداً بالنسبة لنا أن يكون الفيلم جزءاً من حوار حول ديمقراطيتنا وحول انتهاكات حقوق الإنسان التي لا تزال تحدث ضدهم – مرة أخرى، ليسوا أشخاصاً آخرين، إنهم جيراننا. معلمنا، تاجر الطعام، مثل الأشخاص الذين يحيطون بنا ممن يعانون اليوم».لقاء مع المخرج على موقع قناة تي آرتي عربية. يتابع الفيلم حكايات سبعة من أهالي الضحايا الذين يلجأون إلى رفع دعوى أمام القضاء الأرجنتيني لمحاكمة الجرائم المرتكبة في ماضي بلدهم إسبانيا. الولاية القضائية العالمية لملاحقة جرائم حقوق الإنسان، والتي أقرها البلدان، تسمح بذلك. يقول المخرج عن المفارقة في تعامل القضاء الإسباني: «الأمر المثير للاهتمام هو أنه في إسبانيا، تمكن القاضي الإسباني بالتاسار غارزون، أحد رواد الاعتماد على الولاية القضائية العالمية لملاحقة جرائم حقوق الإنسان، من إصدار لائحة اتهام بحق الديكتاتور التشيلي السابق أوغوستو بينوشيه، وهو جزء من سبب اعتقال بينوشيه في لندن لأكثر من 500 يوم. حاول القاضي نفسه بعد ذلك التحقيق، في بلده، في جرائم الديكتاتورية الإسبانية لكنه مُنع من القيام بذلك، فقال الضحايا والناجون ومحامو حقوق الإنسان في إسبانيا حسناً، سنستخدم المبدأ نفسه، الولاية القضائية العالمية، ووجدوا قاضياً في الأرجنتين قادراً على بدء تحقيق بموجب الولاية القضائية العالمية في الجرائم في إسبانيا».

الشخصيات النضالية السبعة التي يتابعها الفيلم تحمل كلٌّ منها حكايتها، وخصوصية التعامل مع الصمت المستمر عبر الماضي، والذي لا يزال مستمراً في عنوان الفيلم: صمت الآخرين. لكن هل يقبل القضاء الأرجنتيني النظر بدعوى من ماضي إسبانيا السياسي؟ هل ينتقل الشهود عبر آلاف الأميال إلى الأرجنتين للإدلاء بشهادتهم/ن؟ ماذا عن كبار السن؟ في قاعة المحاكمة في الأرجنتين حين يروون حكايتهم/ن للمرة الأولى، بعد أربعين عاماً من الصمت، نرى الانفعالات النفسية الجسدية، ارتعاش الأيدي وتشنجات انفعالية من طيلة الكبت. هنا ربما يكمن جواب الفيلم عن استحالة العبور في ذاكرة الألم والعنف بالصمت. فالحكايات المكبوتة في صمت الماضي تستمر حتى اكتمالها. ينجح القضاء الأرجنتيني بإقناع القضاء الإسباني بالتعاون بعد رفض حكومي طويل. ويستمع للشهود، ويطلب بعض جنرالات القمع الفرانكوي ممن لا يزالون على قيد الحياة للاستماع لشهاداتهم، ومنهم المرعب بيلي الصغير، الذي لا يزال يمارس رياضة الصباح في الحدائق العامة الإسبانية. 

هي حكاية المنتظرين والمنتظرات منذ 40 عاماً على سقوط الحكم القمعي، وهم يحاولون الوصول إلى قضاء يُعيد إليهم رفات المفقودين/ات. يُقدَّر عدد المفقودين من الحقبة الفرانكوية بمائة ألف شخص. في العام 2010، بدأ التحقيق في جرائم فرانكو. يمثل فيلم صمت الآخرين استثناءاً من بين الأفلام المذكورة في هذا النصّ كونه يصور حكايات عن انتصار تَحقَّق بفضل النضال المستمر. بعد تجارب بلدان أخرى استطاعت أن تُحاكِم ماضيها العنفي، وتفجر بعض قضايا المحاكمات المماثلة في كل من تشيلي وبيرو والأورغاوي ورواندا وكامبوديا، تَشجَّعَ النشطاء الإسبان لمحاكمة فرانكو مجدداً. بعد أربعين عاماً، في العام 2000 بدأت عمليات التنقيب عن رفات المختفين/ات، عُرف منهم ومنهن 800 جثة فقط، وأجريت فحوصات للحمض النووي  للمقارنة مع أفراد عائلات المفقودين ممن لا يزالون على قيد الحياة. لكن إحدى الشخصيات، ماريا مارتيني، فارقت الحياة بالتزامن مع تصوير الفيلم قبل أن تعرف مكان جثة جدتها، التي قتلت في قريتها من قبل الكتائب الفرانكوية. 

يكتب ياسين الحاج صالح تحت عنوان «قبر للمرء جميعه: تبدلات موت السوريين وتغيرات حياتهم» في كتابه الفظيع وتمثيله (دار الجديد، 2021، ص107): «يُدفَنُ الناس فرادى حين يموتون فرادى ضمن جمعٍ حيٍّ ينتمون إليه. قبر واحد للفرد الواحد. لا يشاركه أحد القبر، وهو لا يشارك في قبور كثيرة. هذا تعريفٌ للفرد البشريّ، يبدو متفقًا عليه عالميًّا على قلّة ما يتّفق عليه الأحياء من البشر. نُخرِج موتانا من أجسادنا حين يكون لأجسادهم مكان معلوم. ويبقون أرواحًا هائمة في دواخلنا حين لا قبور لهم نعرفها ونختار زيارتها، ما يزيد أرواحنا قلقًا وعذابًا. كأنما بالدفن فقط يموت الناس، وكأن مَن لا يُدفَن لا يموت. يبقى طيفُه هائمًا يجوس مكاننا المشترك».ياسين الحاج صالح، الفظيع وتمثيله، مداولات في شكل سورية المخرب وتشكلها العسير، دار الجديد، بيروت، 2021، ص107.

يقول المخرجان عن الأسلوب الفني في الفيلم: «إنه فيلم وثائقي يستخدم أدوات الشعر والجمال والتصوير السينمائي والعاطفة والتعاطف لنقل القصص. وذلك لأنه كان من المهم جداً بالنسبة لنا أن يكون لهذا النوع من لغز الاختفاء القسري والحكايات المنسوجة حوله معالجة من ناحية عاطفية في جانب منها، ولكن أيضاً من الناحية الفكرية. أردنا أن يدفع الفيلم المتلقي لأن يشعر ثم يفكر. لأن الشعور أولاً هو الذي يساعدنا على فهم تعقيدات الموضوع، ولقد نفهم نحن كمخرجين شخصياتنا الفيلمية. لأنه فقط إذا فهمنا شخصياتنا، فنحن قادرون على التعاطف والسعي لتغيير الوضع».

العدالة في وجه النسيان، هكذا تُرجِمَ عنوان الفيلم إلى اللغة الفرنسية، يكتب الباحث إدوارد سيل: «يبرهن الفيلم على أن الذاكرة لا يمكن أن تكون مقتصرة على القرار السياسي. إنها ترتبط بالعلاقة مع الأنا ومع الآخر. إن المناضلين الناشطين من أهالي المفقودين والضحايا ليسوا شخصيات سياسية أو مؤرخين وباحثين، ولأقتبس من القديس أوغستان فيما كتبه عنه بول ريكور، إن هذا الفيلم الجميل يتكلم عن حاضر اللحظة. إن الفيلم يدفعنا للتفكير في قوانين العفو، وفي قوانين الذاكرة الفردية والوطنية وامتدادتها الواسعة حتى النصب التذكارية. في نفس الوقت، أردنا أن يكون الفيلم جميلاً. لسبب مهم للغاية: لكي يتمكن الفيلم الوثائقي الحقوقي من الوصول إلى أبعد من أولئك الذين يعرفون الموضوع بالفعل».Édouard Sill, « Le Silence des autres, film documentaire d’Almudena Carracedo et Robert Bahar, USA-Espagne, 2019, 95 min. », Cahiers d’histoire. Revue d’histoire critique, 141 | 2019, 213-216. إن دور الفنون إذاً، يظهر جلياً كشاهد على الأحداث وكقاضٍ أيضاً في الذاكرة الشعورية للمجتمع. ففي العام 2009، قدم النحات الإسباني فرانشيسكو سيدينيا كاراسكو عملاً فنياً نصبياً مؤلفاً من عدد من التماثيل الإنسانية الضخمة والتعبيرية، منتصبة على تلال الأماكن الجغرافية التي يُعتقَد أنها مقابر جماعية للمختفين/ات قسراً. لقد أطلق الفنان على نصبه عنوان مرايا الذاكرة.

مرايا الذاكرة

عيوني: حكايات ذاتية من ذاكرة الاختفاء

لا انتصارات صغيرة في الفيلم السوري عيوني، من إخراج ياسمين فضة. فالحكايات السورية لا تزال مفتوحة النهايات، والشخصيات التي تظهر في الفيلم مستمرة في بحثها عن مصائر أقاربها. يتضمن الفيلم ثلاثة حكايات رئيسية: حكاية عرسان الثورة، شاب وفتاة أعلنا خطوبتهما التي انتهت بإختفاء الشاب، الناشط باسل الصفدي، ليتبع الفيلم حكاية خطيبته في بحثها المستمر عن مصيره. تتجاور هذه الحكاية مع رحلة بحث أخت الأب باولو المختفي منذ سنوات في سوريا لمعرفة مصيره المجهول. أما القسم الثالث من الحكايات فيتابع الأنشطة الفنية والاجتماعية التي تقوم بها أسر المعتقلين/ات السوريين/ات في أماكن ومدن أوروبية متفرقة في سبيل المناصرة لدعم قضيتهم في الإفراج عن المعتقلين/ات السوريين والإعلان عن مصير المختفين/ات قسراً في المعتقلات السورية.

رغم هذه الأبعاد السياسية في الفيلم، وحساسية موضوعة البحث في الفترة السياسية السورية الراهنة، فإن الفيلم ينحو إلى الشعرية، كما سنراها لاحقاً في هذا النص لدى تناول فيلم الحنين إلى الضوء من تاريخ السينما التشيلية.

تقسم المخرجة فيلمها إلى أقسام تتخللها قصائد شعرية:دنيا ميخائيل، ديوان الليالي العراقية، قصيدة ألواح 3، وقصيدة تشكل العالم، ترجمة كريم جيمس أبو زيد، دار أنورديكشن، 2014. 

لو كان العالم مستوياً،

مثل بساط الريح،

لكان للأسى بداية ونهاية

تتحرك الكاميرا لمتابعة المحاور الثلاثة، من لحظات الثورة السورية إلى رصد موضوع اختفاء الناشطين ومن ثم إلى دير مار موسى الذي شهد أنشطة الأب باولو الدينية والثقافية، لتتحرك بعدها في كل من باريس ولندن وإيطاليا لتصل إلى المدينة التي تقطنها عائلة الأب باولو، المستمرة في مساعيها حتى الآن في محاولة التعرف على مصيره. تحضر في الفيلم أيضاً حكايات فرعية مثل البحث في قضية اختفاء محمد نور مطر، الذي اختفى أيضاً مثل الأب باولو من مدينة الرقة، مما دفع الحكايتين للتقاطع، والباحثين/ات للتلاقي، التعاون، والتعاضد. 

يتابع الفيلم مسار نورا غازي التي تبدأ الفيلم زميلةً لباسل، ومن ثم يعلنان الخطوبة قبل اختفاء باسل بأيام، لذلك أطلق عليهما أصدقاؤهما لقب عرسان الثورة، وإن كانت الثورة والناشطية هي الإطار الذي قربهما من بعض، إلا أن نورا ما تلبث أن تختبر آلام الحب المستحيل، وأحلاماً لم تكتمل. يتابع الفيلم بتمعن تَبدُّلَ العالم النفسي للشخصية نورا التي تناضل بدايةً لأجل التغيير، ثم تضطر الخروج من سوريا لتبدأ رحلة الأنشطة والفعاليات لدعم سعيها لمعرفة مصير فقيدها. تقول نورا: «فقدت الإحساس بالتفاصيل اليومية، أفكر به طيلة الوقت، ماذا يفعل الآن؟ متى ينام؟ كيف قتل ؟ بالرصاص أم بطريقة ثانية؟ أنا لمين بدي أحكي شو صار فيني، هالوجع كتير صعب، لأنو ما بعرف اذا عايش بس كمان ما رح صدق أنو ميت، لازم شوف جثتو، هاد أبسط حق، أنو يكون إلو قبر، خايفة من حالي لما بنوجع، أبسط أحلامي أعرف أنو عايش، ما بحلم نلتقي بالحياة الثانية بقدر ما بحتاج أعرف مصيرو».

الحالة الذهنية والنفسية التي تعبر عنها نورا في الفيلم يمكن التمعن فيها كتعبير عن العديد من تجارب الشخصيات في الأفلام التي تناولت موضوع الإخفاء القسري، التساؤل المستمر عن مصير المختفين/ات في اللحظة الراهنة، ما يقومون/ن به؟ كيف كانت لحظاتهم/ن الأخيرة؟ مصير الموت والحياة في أسئلة التكرار المستمر بين الحقيقة والوهم، ورغبة الحصول على الرفات وعلى القبر التذكاري، وصعوبة التأقلم مع الانتظار اللانهائي. يكتب ياسين الحاج صالح في السياق نفسه: «يتكوّن لنا حاضرٌ بأن نُحيلهم إلى الماضي الذي انقضى وكفَّ عن الحركة والحضور. نُسهِّل هكذا للماضي أن يَمضي وللداخل أن يُعمَّر ويحيا، أن يحضر ويستقبل. موتانا هم ماضينا وخارجنا، ماضي حاضرنا وخارج داخلنا، نحن أهل قرية أو حيّ أو مدينة. من «العجيب» اختلاط الحياة والموت، وعدم قدرة الأحياء على الانفصال عن موتاهم، لاستحالة ذلك فيزيائيًّا في حالات، ولاستحالته نفسيًّا في حالات، حين لا جسد للميت ولا قبر يُزار، ولوفرة الموت وصعوبة تمالك الأحياء لأنفسهم وفصل أنفسهم عن موتاهم».ياسين الحاج صالح، المرجع السابق، ص108.

المفاهيم التي تتمحور حولها المتقبسات الشعرية من قصيدتي ألواح 3 وتشكل العالم لدنيا ميخائيل، واللتين تستخدمهما المخرجة كفواصل نصية مكتوبة بين أجزاء الفيلم، تتعلق بالأشكال الهندسية اللامتناهية للعالم، بالألم المستمر بلا نهاية، بالحكايات التي لم تكتمل:

لو كان العالم مربعاً،

لاختبأنا في أحد الزوايا،

كلما لعبت الحرب،

لعبة الغميضة.

لو كان العالم مدوراً،

لدرات أحلامنا بالتعاقب،

في دولاب الهواء،

وتساوينا جميعاً

حكاية الأب المناضل باولو هي حكاية الراهب الإيطالي الذي عشق سوريا، وحوّل واحداً من أقدم الأديرة في العالم، دير مار موسى الحبشي، إلى مركز ثقافي حيوي فاعل في الحوار بين مكونات الشعب السوري. يسرد الراهب الصعوبات التي يواجهها في الحصول على موافقات السلطة لإقامة الأنشطة، ويقف إلى جانب الثورة مع انطلاقتها، ثم يتحول إلى مهمة نادرة الصعوبة، وهي القيام بفتح قنوات حوار بين القوى المسلحة والقوى المتشددة دينياً. هذه المهمة الرسولية في تلك الفترة تقوده إلى الرقة حيث يختفي في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة داعش. حكاية إنسانية يتابعها المتلقي المحلي هذه المرة في الفيلم في تعابير على وجوه عائلة الأب باولو في إيطاليا، ويتبع الفيلم تفاصيل مشاعرهم/ن حيال المهمة التي كان ينفذها الراهب إيطالي الأصل في بلد عاش فيه حتى لحظات النضال الأخيرة. بين اليأس والأمل، تتطور في الفيلم حكاية أخت الأب باولو ماتشي في رحلة بحثها المستمر عن مصير أخيها المفقود. تنتقل إلى سورية وتدخل إلى الدير الذي عاش فيه لسنوات طوال من حياته. تقول ماتشي: «أنا أمام خيارين الأول أن أكف عن التفكير بمصير أخي المفقود، أو أن استمر في رحلة البحث والألم الذي لا يتوقف. ورغم حدة المعاناة أفضل أن أخاطر بالبقاء على بعض الأمل».

من فيلم عيوني

القسم الثالث من الفيلم والذي يتابع أنشطة تجمع عائلات من أجل الحرية هو عن حكايات الاختفاء، عن الوداع الأخير وعن صعوبة التعايش مع الآخر بين الحضور والغياب. يكتب ياسين الحاج صالح عن التعايش بين أمواج الحضور والغياب وأمنية القبر السوري الأخير: «بعد الثورة كانت أكرم ميتات السوريّين أن يموت المرء قطعةً واحدة، وأن يتمكن ذَوُوه من دفنه في قبر شخصيٍّ معلوم. الحق في قبر شخصيّ ليس حقًا للميّت نفسه، بل لذويه وأحِبَّته كي يحتفظوا له بمكان في القصّة العائليّة، وليَملؤوا فراغ غيابه في جسدهم ويستأنفوا حياتهم بأقرب درجةٍ إلى العاديّة. «العاديّة» مصنوعة من وضوح الفصل بين الحاضر والماضي، بين الداخل والخارج، بين ما فوق الأرض وما تحتها، بين المرئيّ وغير المرئيّ، بين المتحرّك وغير المتحرّك، بين الحاضر والغائب. فراغ الغياب لا يمتلئ هنا ولا يلتئِم، يبقى ثلمةً كبيرة في جسد العائلة». في هذا السياق، تكتب دنيا ميخائيل في ديوان الليالي العراقية الشعري: 

كلما ترمي حصاك في البحر،

 أتموج

كما تتقاطع صحراء دير مار موسى مع صحراء تشيلي التي ستحضر في فيلم الحنين إلى الضوء، فإن التقاطع بين فيلمي عيوني وليال بلا نوم، يحضر في محاولة إعادة تجسيد القريب أو الحبيب المختفي قسراً، مجهولِ المصير، عبر الصور التذكارية للفقيد كما هي الحال في فيلم ليال بلا نوم، أو عبر إعادة تصميم وجهه أو تصويره في بوسترات وفي تجهيزات كرتونية كبيرة بالقياس الطبيعي، كما تفعل الزوجة نورا في أنشطة المناصرة التي تجوب بها شوارع المدن الأوربية، حيث تعرض على المارة أقنعة كرتونية مشكلةً من وجه باسل مفرغاً عند العينين لارتدائه كنوع من التضامن. إنه البحث عن إعادة تجسيد المختفي قسراً مرافقة لحالة من الشوق والحنين. في فيلم ليال بلا نوم تتعلق مريم السعيدي، والدة مفقود فلسطيني بطريقة عصابية بالصور التذكارية لابنها هي القناة التي توصل مشاعرها إلى الواقع الذي نراه في الفيلم، إنها تجلس إلى الكنبة لتحضن الصورة الفوتوغرافية لابنها في محاولة التعبير عن مشاعر التعلق، الشوق، وإعادة تجسيد الفقيد. كذلك حين تعرض نورا على المارة ارتداء قناع فقيدها باسل، فهي تنقل المشاعر من التعاضد إلى التماهي، تماهي المارة مع حكايتها الذاتية. يكتب ياسين الحاج صالح: «في كل الموت السوري، الموت الفرديّ أو الجماعيّ في منطقةٍ مُعادية أو في البحر، لا قبر شخصيًّا معلومًا للمتوفّى، وتاليًا يبقى مكانه في قصّة العائلة فجوةً مفتوحة، تقضُّ مضجع جسدها الجَمعي. الوضع المثالي للأحياء هو أن يُدفن جميع الموتى من أحبابهم، وجميع كل ميت، في قبور فرديّة معلومة. الوضع الأقصى المعاكس أن تختلط الأجساد كلها، وتُصرَّف دون قبور على يد مجهولين وفي مواضع غير معلومة. هذا يفتح الباب لاختلاطٍ هائل: للداخل بالخارج، للحاضر بالماضي، للمتحرّك بالساكن، للمرئي بغير المرئي، للواقعيّ بالسِّحري، وللواقع بالمُتوقّع».ياسين الحاج صالح، المرجع السابق نفسه، ص112.

ليال بلا نوم: الاختفاء خلف نسيان الجلاد، الاختفاء أمام ذاكرة الضحية

ما يميز الفيلم اللبناني ليال بلا نوم من إخراج إليان الراهب، هو الجدلية التي تدور ما بين الجلاد والضحية، فيجمع الفيلم التسجيلي الأم، مريم السعيدي، التي فقدت ابنها اللبناني الفلسطيني منذ أحداث الحرب الأهلية، وجهاً بوجه مع المقاتل السابق في الميليشيات المسلحة أسعد الشفتري، الذي يحاول الاندماج مجدداً في المجتمع والتصالح مع الذات عبر الاعتراف بأخطاء الماضي، والذي قد يكون وحده القادر على الكشف عن مصير ابن السعيدي. يبين مسار الأحداث في الفيلم القلق الذي سينجم في لحظة اللقاء، وكذلك مستويات التعقيدات الذهنية والنفسية والوجدانية، والغضب والكراهية. إن التعنت الأشد في التعاون مع مخرجة الفيلم يأتي من أم المفقود نفسها، التي ترغب في الانغلاق على حكايتها ولا تعتقد بضرورة مشاركتها أمام الكاميرا، ترفض لقاءات مع مساعدات نفسيات، أو الأحاديث المتعلقة بمصير الابن، تعيش وحدها بهواية الرسم وحيدة أمام البحر. لكن ما يدفع أم السعيدي للتعاون مع طاقم الفيلم هو الاعتقاد بقدرة الفيلم أو المخرجة بإيصالها إلى معرفة مصير الابن المفقود. وفعلاً، فإن المخرجة تصر على البحث عن معلومات، لتعثر على مقاتل سابق يوافق على قول ما يعرفه، شرط عدم مواجهة الكاميرا وعدم مواجهة مريم. تصطحبه المخرجة إلى مبنى كلية العلوم، فيروي تفاصيل المعركة التي تحفظها روزنامته. يشير بيده إلى المكان الذي دُفنت فيه الجثث، ولاحقاً تشير إليان بيدها إلى المكان لتدلّ مريم إليه ومن خلال شهود آخرين، يكشف الفيلم عن مقبرة جماعية ثانية في الكرنتينا.عبد الحاج، فيلم ليال بلا نوم لإليان الراهب: حرب الذاكرة و الصورة تنبش أوجاع الحرب الأهلية في لبنان، القدس العربي، 2014.

كما ترفض نورا في فيلم عيوني التحدث مع المعتقدين بموت فقيدها، فإن الأم مريم في فيلم ليال بلا نوم ترفض أيضاً التواصل بين دواخل نفسها والعالم الخارجي، كل ذلك نتاج طبقة عميقة من الألم تعيشها منذ سنين. تقول نورا: «لا أحكي مع الناس الذين لم يعودوا يصدقون أن باسل عايش، باسل عايش جواتي». وكذلك تحمل مريم صورة ابنها الموضوعة ضمن إطار خشبي وخلف لوح زجاجي، وتجلس على الكنبة بتحدٍ لأي مشكك في لا معقولية الفكرة أو هذيانها. يكتب علي سعد عن شخصية الأم في الفيلم: «مريم عالقة في الوقت ولا تزال القصة حيّة داخلها وقادرة على تذكير الناس وكأنها الضمير الذي يعيد البوصلة إلى مكانها الصحيح. وحين تُطلِعها المخرجة على المكان المحتمل لموت ابنها، عندها تقف مريم صامتة لحوالي ثلاثين ثانية ثم تسير في الاتجاه المعاكس، لتبدو تلك الثواني مدمرة لصراع خاضته على مدى ثلاثين سنة لكشف مصير ابنها. الأفكار التي دارت في خلدها في تلك اللحظات الثقيلة بقيت غامضة، لكنها أزاحت حملاً ثقيلاً عن ظهرها، وأثبتت بالتجربة الحية أن اكتشاف مصير المختطفين حتى لو كانوا في مقابر جماعية أفضل من بقائه مكتوماً». فحوى هذه الخلاصة أكدته مريم في حديث لها للجزيرة.نت قائلة «أن نظرتها للأمور تغيرت بعد الفيلم، وأنها ستتابع البحث عن ماهر، مشيرة إلى أن يقينها ببقائه حياً، تغير بعد الفيلم».علي سعد، ليال بلا نوم مواجهة بين جلاد وضحيته، موقع الجزيرة نت، 2013.

لكن الشخصية الاستنثائية بإمتياز في الفيلم هو أسعد الشفتري. كان الرجل الثاني في مخابرات حزب القوات اللبنانية، والمسؤول عن العديد من جرائم القتل والاغتيال والخطف أثناء الحرب الأهلية التي وقعت في لبنان بين عامي 1975 و1990. في العام 1989 أعلن من مكان إقامته في سويسرا اعتذاره العلني للمجتمع مُعترِفاً بالسلوكيات الجرمية والخارجة عن القانون، وعاد إلى لبنان ليؤسس جمعية غير حكومية تعنى بالمصالحة والعدالة. نشر اعترافاته في كتاب ذكره فواز طرابلسي في كتابه دم الأخوين، في سياق حديثه عن العلاقة بين الذاكرة والعنف: «المذهل في اعترافات شفتري أنها لم تثر أي رد فعل أو تعليق، أو بالكاد. وفي تقديري أن ثمة تفسيران. الأول هو حالة فقدان الذاكرة، بل إفقاد الذاكرة، المطبقة على لبنان منذ نهاية الحرب. والثانية هو الرعب الذي تنطوي عليه الاعترافات. حقيقة الأمر أن الذنب جزء من مسألة أعم، هي مسألة ذاكرة الحرب وحالات التذكر والذاكرة ما بعد الحرب. ثمة مقابلة ساذجة تضع النسيان والذاكرة واحدهما في مواجهة الآخر. في بحث ثري بعنوان النسيان يذكرنا مارك أوجيه بالعكس: النسيان إن هو إلا مكون من مكونات الذاكرة ذاتها، إن المرء لا يتذكر كل شيء ولا ينسى كل شيء، هذا يعني أن عملية النسيان متواصلة مع عملية التذكر».فواز طرابلسي، دم الأخوين العنف في الحروب الأهلية، دار رياض الريس، بيروت، 2017، ص123.

يُذكِّرُنا أسعد الشفتري بأثر الأغاني والأناشيد المنتشرة في تلك الفترة والداعية إلى الحرب والقتال، يد الجلاد ليست إلا تعبيراً عن ظرف سياسي وثقافي واجتماعي، يذكر أسعد بأن رجال الدين كانوا يباركون خطايا القتل والإجرام. إن دقائق الفيلم المركزة هي تلك التي تتابع العالم الجواني لهذه الشخصية، الصادقة في نقد ماضيها كما يظهر، إلا أن أسعد يصل مع حكاية الأم مريم إلى مناطق محظورة لا يمكن التصريح عنها، مما يشكل خطراً على السلم الأهلي بحسب تلميحه. تدفع المخرجة بأسعد إلى مواقف نفسية وذهنية مدروسة بدقة. تذهب برفقته إلى معرض أقامته جمعية أمم للأبحاث بعنوان مفقودون ولم يعودوا، حيث يسير مقاتل الحرب السابق بين الصور الفوتوغرافية المعروض للضحايا والمختفين قسراً، ترصده كاميرا الفيلم من أعلى أثناء سيره في الصالة، تحيط به تماثيل طينية تجسد وجوهاً بشرية في لحظات الألم والوجع، أو كأنها مقطوعة من الأجساد، يقول أسعد أمام أحد بورتريهات المعرض، في حوار مع المخرجة إليان: 

أسعد: بشوف الصورة بقول يمكن هاد أنا قاتلو، ولا مش أنا، شو بيفرق، شو منقدر نغير.

ليال: بس أنت ما عم تساعد بقول الحقيقة الكاملة، هل بتوافق تموت هالأمهات بدون ما تعرف الحقيقة الكاملة؟ في مقابر جماعية وأنت بتعرف وينها ؟

يتداخل الجمالي والنفسي والوجداني في سلسلة من اللقطات، منها تلك المشاهد التي نرافق فيها مجرم الحرب السابق لحضور دورة في الفن العلاجي، مع منظمة (clown me in) التي تقدم تدريبات في مجال فنون الأداء المتخصصة بالأنشطة العلاجية والدعم النفسي. يأخذ أسعد دور المهرج، يحاول أداء الحركات الهزلية لكن المدربة تتهمه بالادعاء. يتوه أسعد في تعقيدات الأنا والمهرج والجلاد والتائب. يعيش لحظة عميقة بين الادعاء والاعتراف، بين الارتباك والارتياح، وتتشنج أعصاب يده اليمنى أمام الكاميرا. كتب يوليوس هاشم عن الفيلم: «الجميع يمضي ليال بلا نوم، ظالماً كان أم مظلوماً! ظلم الآخرين يتسبب بالأرق، والتعرّض للظلم يتسبّب بالأرق، وتصوير فيلم عن موضوع الحرب والظلم كذلك يؤدّي إلى ليالِ بلا نوم! من النتائج الإيجابية للفيلم بعد عرضه في ذكرى الحرب الأهلية، أنّ أهالي المفقودين ومنظمة المفكرة القانونية استخدموه أمام القانون اللبناني كدليل على وجود مقبرتين جماعيتين، والآن تقام الإجراءات القانونية لنبش تلك المقابر».يولويوس هاشم، ليال بلا نوم لإليان الراهب: بحثاً عن هوية وعن وطن، موقع النهار، 2014.

التقارب الكبير بين الفيلم الإسباني والفيلم اللبناني في التعامل مع الذاكرة، نابعٌ من آليات سياسية متماثلة في تجربة العفو العام، وبالتالي محاولة بتر إمكانية الاستمرار في الحاضر أمام الذاكرة. يكتب فواز طرابلسي تحت عنوان ما فائدة الشعور بالذنب في الحروب الأهلية: «تكفّلَ قانون العفو الصادر في سنة 1989 بالمحاسبة والعقاب فيما يتعلق بأمراء الحرب وقد باتوا حكام البلد الجدد، وأصدر حكمه ببراءة اللبنانيين في حروبهم. وتضمن القانون فضيحة إضافية تزيد في إهانة المئة ألف ضحية وعشرات ألوف المعاقين والمخطوفين. فقد استثنى من أحكامه دزينة من السياسيين أو رجال الدين الذين قُتلوا في تلك الفترة، أو جرت محاولات لاغتيالهم، فتلك الجرائم المسمّاة ’جرائم في حق أمن الدولة‘ لا تزال عرضة للمحاكمة والعقاب. بعبارة أُخرى، إذا كنت قتلت بضعة آلاف من المدنيين الأبرياء في مجزرة من مجازر الحرب، فإن قانون العفو يبرئك من الجريمة، أمّا إذا أنت قتلت، أو حاولت قتل، رجل سياسة أو شخصية دينية، فأنت لا تزال عرضة للملاحقة والمحاكمة والعقاب ما الذي يجب أن نتذكّره وما الذي يجب أن ننساه في الحروب الأهلية؟ الجواب بإيجاز هو: ثمة واجب للذكرى، لكن هناك ضرورة للنسيان. التذكّر واجب، لكن يقع على الذاكرة أن تستذكر أسباب الحروب وتعيد بناء الصلات الأواصر بين الأحداث والأسباب والنتائج والأوقات، تلك الصلات والأواصر التي قطّعتها الأمنيزيا. وما إن تؤخذ المسافة اللازمة تجاه الحرب، يصبح في الإمكان الشروع في روايتها كماضٍ، بدلاً من الحالة السائدة حالياً في لبنان حيث الحرب يعاد تمثيلها باستمرار، فردياً وجماعياً، كحاضر. وهنا يقع دور النسيان تحديداً. إننا مدينون لإرنست رينان بمعادلة مثيرة فحواها أن الأمة تُبنى على ذكريات مشتركة ونسيانات مشتركة».فواز طرابلسي، مرجع سابق، ص125.

الحنين إلى الضوء: الاختفاء علماً في الفلك، ومقابر في صحراء التراب

ما يميز الفيلم التشيلي الحنين إلى الضوء، من إخراج باتريسيو كوزمان، عن أفلام هذه المجموعة هو الشعرية. ليس فقط الشعرية السينمائية، وإنما أيضاً الشعرية – الفلسفية في التعامل مع موضوعة الاختفاء القسري. المخرج كوزمان من أبرز رواد السينما التسجيلية منذ السبعينيات، مع ثلاثيته الشهيرة عن حرب تشيلي في أجزاء ثلاثة (1975)، ثم قدَّمَ فيلماً بعنوان تشيلي والذاكرة المتصلبة (1997)، حتى اهتم بموضوعة الاختفاء القسري بشكل واضح في فيلمه الحنين إلى الضوء (2010)، وهو عن ضحايا الاختفاء القسري والإعدامات الجماعية التي جرت في عهد الحنرال العسكري أوغستو بينوشيه. الفيلم مُصوَّر في صحراء أتاكاما في تشيلي، وهي منطقة جغرافية تعد الأفضل عالمياً للرصد الفلكي، وقد شَيدت فيها العديد من الدول أضخم التلكسوبات لهذا الغرض. لكن هذه الصحراء تخفي تحت رمالها مقابر جماعية، لأن قوات الإعدامات الميدانية كانت تلقي الجثث في تلك الصحراء وتمنع أهالي الضحايا من دخولها. هذه الصحراء تتحرك بين فلك سماوي لا نهائي الأبعاد، وبين معتقل مسيج بالأسلاك يحجب المعتقلين عن العالم. عن هذه المفارقة بين الاتساع والضيق في صحراء واحدة، يقول أحد المعتقلين السابقين: «على هذا الوجه الصخري المستوي، قرب مراكز الرصد، و في وسط هذا الفراغ الواسع، يوجد خراب شاكبوكو، معكسر الاعتقال الأكبر في عهد ديكتاتورية بينوشيه. البقايا الخربة من ذلك المعسكر، هي في حقيقة الأمر البقايا الخربة مني أنا. يحيط بها خط آخر من الأسلاك الشائكة. عند حلول الليل، وعلى ضوء الشمعة، كنت أرسم رسوماتي، وعندما أنتهي، كنت أمزقها إلى أجزاء صغيرة، يسهل إخفاؤها في حال تعرضنا لمداهمة ليلية. ما زالت تلك الرسومات تحضر في ذاكرتي بسهولة، لذا وعندما وصلت إلى منفاي في الدنمارك، رسمتُ تلك الأماكن مجدداً، كما لو أنني كنت أحفظها طوال حياتي».

من فيلم الحنين إلى الضوء

يبدأ الفيلم مع شعرية التداخل بين المعرفة الكامنة في مساحات الفضاء الفلكي وبين المعرفة الكامنة في باطن الأرض، في إشارة إلى رفات الماضي وضحاياه، كذاكرة مفتوحة على كتاب الكون الواسع: 

في صحراء أتاكاما،

محاطين بالغبار الكوني،

قام العلماء من كافة أرجاء الكوكب،

بانشاء أكبر تلسكوب

في العالم،

وهذه الأرض التي تحت قدميّ

تحمل تشابهاً قوياً

مع ذلك العالم البعيد

حيث تصبح بقايا الإنسان مُحنطة

و تتجمد الأجسام بمرور الوقت

الهواء

الجاف و العليل

يسمح لنا بقراءة

ذلك الكتاب الواسع والمفتوح من الذاكرة

صفحة بعد أخرى

اللغة الشعرية والفلسفية في الآن عينه في القراءات النصية التي تتخلل حركة الكاميرا، تحمل جماليات لغوية عن العلاقة بين التاريخ واللحظة، الذاكرة والماضي في امتداد الآن، وعلاقة الفكر والزمن. يصبح البحث بعناية في الماضي سؤالاً وجودياً من أسئلة الذات، مرتبطاً بأخلاقية الحضارة الإنسانية:

التلسكوبات،

تشكل نوافذ لنا على الكون

في هذا المكان،  بدأ اللغز السماوي بالتجلي

بأنه يمكن اكتشاف أصولنا من الأرض

مدفونة تحت التربة أو في أعماق البحر

لكنني الآن , أعتقد بأن جذورنا موجودة

في الأعلى فوق،

فيما وراء الضوء

من أين جئنا

أين نحن الآن

و الى أين سنذهب؟

من أين جئنا؟

إنه سؤال رئيسي يقودنا لعدة أشياء

لطالما كان هذا السؤال حاضراً

في صميم حضارتنا 

تقارن فقرات أخرى بين مهنة المؤرخ والباحث المختص في التعامل مع قضايا الماضي، وبين الماضي المستمر بلا توقف لتلك النسوة اللواتي تبحثن لسنوات في الصحراء لإيجاد أثر من مفقوديهن. يتابع الفيلم الانتقال بين لقطات السماء والفلك وبين نكاشات التراب التي تعمل لتوضيح معالم جمجمة أو تجميع بقايا قدم. يُذكِّرُ أحد المقاطع الشعرية بعنوان الفيلم اللبناني ليال بلا نوم:

قد نعيش لحظات عصيبة، لكننا ننهض إلى الأمام، دون أن يؤثر بنا الماضي، لكن أولئك النسوة لا بدَّ وأنهن يجدن صعوبة في النوم بعد التنقيب في البقايا البشرية، بحثاً عن الماضي الذي هن غير قادرات على إيجاده. لن ينمن بشكل جيد حتى يصلن إلى غايتهن. على المجتمع أن يعمل على تفهّم أولئك النسوة بشكل أفضل من انكبابه على تفهّم علماء الفلك، لكن العكس هو ما يحدث، فالمجتمع يتفهم إلى حدٍ بعيد علماء الفلك بما يتعلق بأعمال تنقيبهم في الماضي بما يفوق تفهمه لأؤلئك النسوة اللاتي يبحثن عن البقايا البشرية.

يكرر العالِم الفلكي موضوعات الذاكرة الممنوعة من التعبير، التي عبرت في معظم موضوعات الاختفاء القسري: «يقلقني هذا التكتم، الناس يقولون هذا ماضٍ وتوقفوا… توقفوا. شخصياً، وكعالِم فلك، يمكن لي أن أتخيل بأن أبي و أمي في الفضاء، تائهَين في مكانٍ ما في المجرة، كنت حينها سأنظر اليهما من خلال التلسكوب في حال من القلق الدائم، وعندها سيكون من المستحيل إيجادهما، في ذلك الخلاء بالغ السعة. الأمر نفسه ينطبق على أولئك النسوة، حيث أن صحراء الأتاكاما شاسعة جداً، وهم/ن كانوا يدفنون ضحاياهم في الليل».

من فيلم الحنين إلى الضوء

نتابع في الفيلم شهادات تروي الجوانب النفسية والذهنية والوجدانية التي تتشارك فيها أغلب عائلات المختفين، ومنها حكاية فالنتينا التي تعمل على رأس منظمة فلكية في تشيلي. كان جدها هو الذي علَّمها مراقبة السماء عندما كانت طفلة، وتم اعتقالها مع جدتها وهي بعمر سنة واحدة من شرطة بينوشه، تقول فالنتينا: «أنا ابنة لأبوين معتقلَين ومفقودَين. ساعدني علم الفلك بطريقة ما، حيث أنه أعطاني بُعداً آخر للألم وللاستياء وللفقد في بعض الأحيان. عندما يكون المرء وحيداً مع تلك الآلام، وتلك لحظة ضرورية، عندما يستبد بك الألم، أقول لنفسي حينها أن ذلك هو جزء من دورة لم تبدأ ولن تنتهي بي أنا ولا بآبائي ولا بأولادي، وعليه فإن كلاً منا يمكن أن يحمل في داخله كوناً بأكمله موجوداً ضمن أعماق أعماقنا. تولدت لدي قناعة بأن الذاكرة هي قوة جاذبة، تجذبنا بثبات. أولئك الذين يمتلكون ذاكرة هم القادرون على عيش اللحظة الحاضرة سريعة الزوال، أما أولئك الذين لا ذاكرة لهم، فهم لا يعيشون في أي مكان».