تحضّ تجربة الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ على التأمّل والاستعادة، ليس فقط لأنّه كان الحزب الشيوعيّ الأكبر في أوروبا الرأسماليّة، بل أيضاً لأنّه شكّل، أقلّه منذ إزاحة مؤسّسه أماديّو بورديغا عن القيادة في 1924، نموذجاً أقرب إلى النموذج الاشتراكيّ الديمقراطيّ، كما فعل كلّ ما يمكن فعله للتكيّف والبقاء، غير عابىء، أحياناً كثيرة، بالنظريّة والنظريّ. هكذا كانت تتساكن داخل الحزب ذاته، وفي فترة واحدة، استراتيجيّات متباينة، بل متعارضة، إلاّ أنّ هذا لم يمنحه فرصة الحياة المديدة في عالم متغيّر.

لقد شغل «انتحار» الحزب، بعد سبعة عقود على نشأته، الكثيرين من محلّليه، ما يوجب استعادة المنعطفات الأهمّ في تاريخه عبر مسح أوّليّ يطمح، بين ما يطمح، إلى بناء أُلفة، لدى من هم أقلّ أُلفة، مع هذا الحزب، فضلاً عن فائدة مسحٍ كهذا قبل التورّط في استنتاجات عريضة تُرك معظمها لتداعي السرد نفسه.

السير على حدّ السيف

كمعظم الأحزاب الشيوعيّة الأوروبيّة، ولد الحزب الإيطاليّ من انشقاق الحزب الاشتراكيّ في مؤتمره السابع عشر. فهذا الأخير، الذي تأسّس في 1892 اندماجاً لمجموعات وأحزاب صغرى، وكان أبرز مؤسّسيه المثقّف الإصلاحيّ المناهض للفاشيّة فيليبو توراتي، إنّما بُني على خليط من جماعات محلّيّة يتزعّمها قادة وأعيان صغار يقرّرون التحالفات الانتخابيّة والاتّفاقات مع الآخرين أو الاختلافات، دون أن تكون للقاعدة رأي في ذلك. فهو كان بالتالي شديد البعثرة وعديم المركزيّة، فلم يمكنه التدخّل في الأزمات الوطنيّة التي عصفت بالبلاد بعد نشأته، كالحرب العالميّة الأولى والإضرابات الكبرى التي أعقبتها.

لقد كانت نزعة الحزب السائدة، مرموزاً إليها بتوراتي، تُعدّه لعمل سياسيّ «عاديّ» ولتوجّه إصلاحيّ يصلح لظروف «طبيعيّة»، وليس لأوضاع «استثنائيّة» كالتي شهدتها إيطاليا، أقلّه منذ الحرب الأولى التي صدّعت الحزب وتأسّس معها الانتقال إلى الفاشيّة.

بيد أنّ البيئة الأشدّ راديكاليّة في الحزب الاشتراكيّ كانت هي نفسها التي انبثق منها التقليدان الشيوعيّ والفاشيّ. فهي عرفت حضوراً قويّاً للنزعات السنديكاليّة والفوضويّة، فيما نشأت تقاطعات يصعب تجاهلها. ففي 1912 مثلاً أصبح بنيتّو موسوليني، الاشتراكيّ الذي كان يصنّف نفسه ماركسيّاً، عضواً في قيادة حزبه الذي طُرد منه بعد عامين بسبب حماسته للحرب الأولى وانخراطه فيها (وكان لافتاً أنّ صيته كاشتراكيّ راديكاليّ هو ما أدّى إلى رفض طلبه التطوّعَ للقتال).

العدد الأول من جريدة أفانتي، 1896

ومنذ 1909 عمل موسوليني محرّراً ورئيسَ تحرير في صحف الحزب الاشتراكيّ. وإذ اعتمد نهجاً يركّز على الرأي والانحياز، ضدّاً على «الموضوعيّة البورجوازيّة الزائفة»، فقد خاطب «المثقّفين الثوريّين والجماهير الثوريّة» بمن فيهم رفاقه الاشتراكيّون الذين باتوا لاحقاً من مؤسّسي الحزب الشيوعيّ، كبورديغا والطالبَين في تورينو أنطونيو غرامشي وبالميرو تولياتي، خصوصاً أنّه رفع بأرقام ملحوظة عدد قرّاء صحيفة أفانتي الحزبيّة، وعبرها عددَ المنتسبين الحزبيّين. هكذا راهن المؤسّسون اللاحقون للحزب الشيوعيّ على موسوليني كقائد بديل، ماركسيّ وراديكاليّ لا يساوم النزعة الإصلاحيّة كتوراتي، حتّى أنّ البعض اعتبروه «لينين الإيطاليّ». ووفق دارس الفاشيّة إميليو جنتايل، طوّر موسوليني الشابّ تصوّراً «دينيّاً» للثورة أحرزه بنتيجة قراءاته الأدبيّات الماركسيّة الإيطاليّة والأوروبيّة، مع إضافته أفكاراً استلهمها من فلاسفة حديثين، وكان مفهومه للحزب أنّه «نواة صغيرة مصمِّمة وشجاعة»، «تركّز على خَلق وعي ثوريّ في الجماهير بهدف تدمير المجتمع البورجوازيّ». أمّا مثاله الثوريّ فبدا، بين أمور أخرى، «يشابه على نحو وثيق رغبة لينين في بناء ثقافة ثوريّة في الأوساط البروليتاريّة».

ولئن انحاز موسوليني، إبّان سنواته الأخيرة في الحزب الاشتراكيّ (1912-1914) إلى «النقابيّة القوميّة»، ولو بانتهازيّة وتقلّب تزخر سيرته بهما Spencer M. Di Scala, ‘Making Mussolini’, in: Spencer M. Di Scala and Emilio Gentile (ed.), MUSSOLINI 1883-1915: Triumph and Transformation of a Revolutionary Socialist, Palgrave Macmillan, 2016. P. 23-30.، فبقوّة دافع غرامشي، في أواخر سنواته في الحزب الاشتراكيّ (1919-1921)، عن تجارب «المجالس العمّاليّة» التي انبثقت عفويّاً من الإضرابات الكبرى لعمّال تورينو وحركة الاستيلاء على المصانع في «السنتين الحمراوين» 1919-1920، كما اتُّهم بالتأثّر بجورج سوريل الذي تأثّر به موسوليني، قبل أن يبتعد عن «السنديكاليّة الأمميّة» (تمييزاً لها عن القوميّة) التي «لا تنوب عن الحزب الاشتراكيّ وتثقيفه الثوريّ للعمّال».

وفي 1921، وفي ليفورنو (ليغهورن)، في توسكانا، ولد الحزب الشيوعيّ متأثّراً بالنموذج البلشفيّ، فكان «حزب كوادر»، طليعيّاً وأقلّيّاً، قاده بورديغا وغرامشي. فلم يجتمع الحزب حول قرار ديمقراطيّ وأكثريّ، ولا استلهم أفكاره ممّا كان يدور في عالم الطبقة العاملة الصغيرة يومذاك. أمّا برنامجه الثابت، وهو ما يقرّره القبض على اللحظة الثوريّة المناسبة، فكان طبيعيّاً تلازمُه مع مبدئيّة أيديولوجيّة صارمة.

أماديو بورديغا (ويكيميديا)

لكنّ الحزب لم يصمد في مواجهة التحدّي الفاشيّ، فاعتُقل بورديغا في 1923، قبل أن يهمّشه «وسطيّو» الحزب و«براغماتيّوه» ممّن قادهم غرامشي وتولياتي. والخلاف كان ضخماً، فركّز الأخيران على بناء خلايا حزبيّة في مكان العمل واعتماد تثقيف عمّاليّ، معتبرَين أنّ نهج بورديغا «ميكانيكيّ» و«سلبيّ». وبورديغا، منذ ما قبل انشقاق الحزب الاشتراكيّ، كان مطلق العداء للممارسة البرلمانيّة «البورجوازيّة»، ومن دعاة مقاطعتها. وفي 1920، وفي سجال مع ما اعتبره «خللاً طفوليّاً» في الاتّجاهات الشيوعيّة الأكثر يساريّة، انتقد لينين نفسه نزعة المقاطعة (boycottism) التي ارتبطت إيطاليّاً ببورديغا وبمؤيّديه في الحزب الاشتراكيّ. فقد اعتبر الزعيم السوفياتيّ أنّهم «ببساطة لا يعرفون (أو يحاولون أن ينسوا) الأمثلة الأمميّة عن الاستخدام الثوريّ والشيوعيّ الحقيقيّ للبرلمانات البورجوازيّة والتي كانت ذات قيمة لا يُمارى فيها في التمهيد للثورة البروليتاريّة»، وهذا مع أنّ لينين أيّد البورديغيّين في مواجهة توراتي «الانتهازيّ»، مطالباً بإبعاده كيما يستقيم انضمام الإشتراكيّين الإيطاليّين إلى أمميّته الثالثةV. I. Lenin, “Left-Wing” Communism, an Infantile Disorder, INTERNATIONAL PUBLISHERS, NEW YORK, 1940. P. 48 & 90..

ودوماً بقي بورديغا، «اللينينيّ أكثر من لينين»، على يسار موسكو، خصوصاً حيال بناء الجبهات مع غير الشيوعيّين، كما قاد، داخل الحزب، الجناح الأكثر تصلّباً. أمّا غرامشي، وبعد فترة تعاطف قصيرة مع آراء بورديغا، فبدأ يتغيّر إثر زيارة أدّاها، عام 1922، إلى موسكو حيث التقى القادة البلاشفة وحاورهم، ليعود ناشطاً في بناء «جبهة موحّدة» من مناهضي الفاشيّة، ومعوّلاً على دعم موسكو في مقاومتهم.

وفي 1924، حين صدرت جريدة الحزب يونيتا، انتقلت قيادته إليه، فمضى في جهوده لبناء الجبهة الموحّدة. أمّا في الخلافات التي عصفت بين ورثة لينين حينذاك، فوقف غرامشي مؤيّداً لستالين في مواجهته تروتسكي الذي كان يبني تحالفاً معارضاً يضمّ إليه زينوفييف وكامينيف، وكان الافتراض السائد، وغير الدقيق، أنّ بورديغا تروتسكيّ الهوى.

على أنّ العام 1926 إيّاه، وقبل أسابيع على سجنه، شهد حدثاً يقطع بأنّ غرامشي لم يكن ستالينيّاً بأيّ معنى متداول. ففي رسالة وجّهها إلى اللجنة المركزيّة للحزب السوفياتيّ، عبّر عن قلقه حيال الطرق «البيروقراطيّة وغير الديمقراطيّة» التي يتّبعها ستالين ضدّ «التروتسكيّين» ممّن انتقدهم غرامشي مثلما انتقد التعاطي معهم، مؤكّداً على أهميّة وحدة «حزب لينين». وبدوره رفض رفيقه وتلميذه تولياتي، وكان آنذاك في موسكو، إيصال الرسالة إلى ستالين، استجابةً لطلب غرامشي. ويبدو أنّ الأخير لم يكتم استياءه من رفيقه الذي اعتبر، ومعه شيوعيّون آخرون غير سوفيات في موسكو، أنّ الوقت «غير ملائم» تتردّد هذه الحادثة في أعمال تتناول تلك المرحلة في التاريخ الشيوعيّ الإيطاليّ. أنظر مثلاً Aldo Agosti, PALMIRO TOGLIATTI: A Biography, I.B. Tauris, 2008, pp. 44-47..

واختلف القياديّان الإيطاليّان في تقدير الوضع الدوليّ بعد انتكاسة المحاولات الثوريّة الأوروبيّة، فرأى غرامشي أنّ محنة القوى الشيوعيّة لا تلغي إمكانيّة الثورة بقيادة «الأحزاب المُبلشَفة»، بينما رأى تولياتي أنّ «الهزيمة التاريخيّة للطبقة العاملة» تستدعي «تأجيل الثورة العالميّة» والاكتفاء بـ «بناء الاشتراكيّة في بلد واحد»، أي الدفاع عن الاتّحاد السوفياتيّ المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

وعموماً لم يكن تولّي غرامشي، أو سواه، قيادة الحزب، بعد هزيمة الإضرابات التي دشّنت ثورة مضادّة توّجها الصعود الفاشيّ، حدثاً يُحسد عليه صاحبه، وإن صحّ أنّ سَجن غرامشي أعفاه من إحراجات كانت ستواجهه بها قيادته للحزب في ظلّ ستالين.

وغرامشي لم يكن مجرّد قائد حزبيّ. فهو مثقّف الحزب الذي عُدّ أحد أبرز العقول التي أنتجتها المدرسة الماركسيّة في القرن العشرين. ولاحقاً كان الأثرُ الذي خلّفه على وعي الشيوعيّة الإيطاليّة وسلوكها، خصوصاً التعويل على النشاطين القاعديّ والثقافيّ، من أسباب المقبوليّة الواسعة التي حظي بها حزبه.

صحيح أنّ الفترة القصيرة التي شهدت قيادته للحزب لم تكن قد عرفت تبلور منظومته الفكريّة، وهو ما حصل لاحقاً إبّان سجنه لم يُنشر دفاتر السجن لدى كتابته للسبب البديهيّ وهو كتابته في السجن، غير أنّه بدأ يظهر كملخّصات منذ 1947، ما سهّل وصوله إلى من هم ليسوا بالضرورة قرّاء أدبيّات شيوعيّة.، غير أنّ تتبّع المسار الذي سلكه الحزب بعد غرامشي يبقى ناقصاً بدون الإضاءة، ولو السريعة، على أفكاره.

أنطونيو غرامشي في أوائل عشرينات القرن الماضي

وكان الفيلسوف ومؤرّخ الأفكار الإيطاليّ، نوربِرتو بوبيّو، وهو ليبراليّ – يساريّ، قدّم تفسيراً شهيراً لغرامشي، مفاده أنّ خصوصيّته تقوم على نقطتين: أولويّة البنى الفوقيّة الإيديولوجيّة على البنية الاقتصاديّة التحتيّة، وأولويّة المجتمع المدنيّ (الإجماع والموافقة) على المجتمع السياسيّ (القوّة). ومع أنّ بوبيّو لم ينفِ عن غرامشي ماركسيّته (لأنّ نظريّته تقبل التمييز والفصل بين البنية والبنية الفوقيّة)، فقد أكّد على افتراقه عن ماركس، خصوصاً في فهمه المجتمعَ المدنيّ الذي استمدّه من هيغل، وليس منه. وهو لئن انعطف عن تحليل هيغل، فانعطافه عن التحليل الماركسيّ كان أكبر، إذ ردّ المجتمع المدنيّ إلى البنية الفوقيّة. وكان لقراءة بوبيّو هذه أن أطلقت كمّاً من التحليلات التي تؤكّد على مركزيّة البنية الفوقيّة عند غرامشي، وعلى أنّ مساهمته الأساسيّة هي القطع مع التقريريّة الاقتصاديّة لماركس، فضلاً عن قطعها مع سلطويّة لينين، والتركيز على دور الإرادة الإنسانيّة والأفكار. وبالمعنى هذا تقدّمَ فكر غرامشي كجهد نظريّ متجذّر في تقليد الفلسفة السياسيّة الأوروبيّة الغربيّة، أي «البورجوازيّة» Norberto Bobbio, ‘Gromsci and the conception of civil society’, in: Chantal Mouffe (ed.), Gromsci and Marxist Theory, Routledge & Kegan Paul, 1979.. وهذا، كما سنرى لاحقاً، ممّا ستنجرّ عنه آثار كبرى، لا سيّما على صعيد العلاقة بموسكو.

ولقي هذا التأويل ردوداً ماركسيّة أكّدت على استحالة الفصل بين فكر غرامشي والممارسة المتأتّية عن موقعه في التجربة الشيوعيّة، واستحالة النظر إلى المجتمع المدنيّ كمجرّد حيّز متجرّد من العلاقات الطبقيّة.

وبدوره اعتبر الكاتب الماركسيّ البريطانيّ ديفيد برودي أنّ «غرامشي كان أساساً نظريَّ الهزيمة»، إذ دار أحد أبرز شواغله حول صمود «الديمقراطيّة البورجوازيّة» وانهيار الوعود الكبرى لثورة أكتوبر، ومن ثمّ فكرة «الهيمنة» والصراع على العقول والقلوب أنظر: David Prody, Communism and Democracy – a Living Legacy, Open Democracy, 27 April 2018. وإذ رأى كتّاب أوروبيّون كثيرون أنّ غرامشي أحد آباء «المراجَعة» في الفكر الماركسيّ، و«أب التفكيكيّة»، و«كاسر الصفاء الشيوعيّ» في اعتماده مروحة عريضة من مصادر الاستلهام (مكيافيلّي، باريتو، سوريل، كروتشه…)، فقد ذهب ماركسيّون أشدّ أرثوذكسيّة إلى أنّ أفكاره في «الهيمنة» و«الكتلة التاريخيّة» تذيب العمّاليّ في بحر الجماهير، وتطالب البروليتاريا، الصغيرة يومذاك (مليونان)، بالاندماج في الحِرَفيّين والتجّار الصغار والعاطلين عن العمل، فضلاً عن المزارعين. وبحسب أحد هؤلاء فإنّه «منذ المؤتمر السابع للكومنترن في 1934، ثمّ التحالف المناهض للفاشيّة في الحرب العالميّة الثانية، كان الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ يقترح على الدوام تنويعة من تنويعات “الجبهويّة الشعبيّة” تتجاوز المصالح القطاعيّة للعمّال ذوي الياقات الزرقاء». وهذه التركة الغرامشيّة لها ما يعزّزها في السيرة السياسيّة القصيرة لصاحبها، إذ منذ فشل «السنتين الحمراوين» في احتلال الأراضي والمصانع، أقرّ غرامشي بـ «الحاجة إلى أقلّيّة عمّاليّة تهيمن على الجماهير العريضة، بدل أن تكتفي بتوكيد جبروتها الصناعيّ» DAVID BRODER, The Italian Left’s Long Divorce from the Working Class, Jacobin (magazine), 14/2/2021..

وفي التجاذب حوله، اعتبر إريك هوبسباوم، الذي لم يقتصد في الاحتفال به، أنّ غرامشي «ربّما كان أكثر مفكّر شيوعيّ أنتجه غرب القرن العشرين أصالة» E.J. Hobsbawm, The Great Gramsci, The New York Review of Books, April 4, 1974.. لكنْ يبقى أنّ تولياتي كان من فعّل بطريقته فكر غرامشي وماركسيّته الخاصّة التي ساهمت، ولو ضمناً، في المنازعات اللاحقة مع السوفيات، وفي رسم تعاطٍ ما مع الواقع الإيطاليّ. وفي هذا بدت مهمّته أعقد من أن يختصرها وصف عابر.

لقد تولّى تولياتي قيادة الحزب في 1926، حين سُجن غرامشي. ولئن وُصف الأخير بالتأسيس النظريّ للحزب، ظلّ الأوّل مؤسّسه السياسيّ الذي حفّت بقيادته تناقضات عدّة تصدّرها اثنان: التوفيق بين الولاء لموسكو والعمل بموجب إملاءات الواقع الإيطاليّ، والتوفيق بين توجّه الحزب التحديثيّ والديمقراطيّ وهويّته الشيوعيّة. وبقدر ما ساهم ضبط التناقضين هذين داخل الجسم الحزبيّ في تحويل الحزب مؤسّسةً عريضة التمثيل، فإنّه هو نفسه وشى بتفسّخات داخليّة يصعب كبتها وكتمها.

فالحزب، مع تولّي تولياتي، كانت كتلته الأكبر من مساجين الفاشيّة ومنفيّيها. وفي ظروف السرّيّة، بات الاعتماد على دعم الأمميّة الشيوعيّة للاستمرار يفوق الاعتماد على العضويّة الحزبيّة المُحاصَرة. هكذا بدأت قصّة حبّ وكراهيّة نموذجيّة حيال الاتّحاد السوفياتيّ، الذي منحه جنسيّته في 1930، كما حيال التركيبة السياسيّة والثقافيّة الإيطاليّة. فقبيل تولّيه، باشر الكومنترن حملته لـ«بلْشفة» الأحزاب الشيوعيّة وإخضاعها. وفي 1934 بات، إلى جانب قيادته الفعليّة لحزبه، مندوب الحزب الثابت إلى الكومنترن، بعد انتدابات متقطّعة في العشرينات. و1934 هو العام الذي بدأ فيه السوفيات يغادرون استراتيجيّة «طبقة ضدّ طبقة» متّجهين إلى تبنّي سياسات جبهويّة تتصدّى للفاشيّة. واستمرّ تولياتي (الرفيق إركول إركولي) في عمله بالكومنترن حتّى 1938، وفي هذه الغضون سُمّي، عام 1935، عضواً في سكرتيريا الكومنترن المنتدَب إلى إسبانيا، إبّان حربها الأهليّة (1936-1939)، مستشاراً لحزبها الشيوعيّ أنظر Aldo Agosti, PALMIRO TOGLIATTI…, pp. 80-90. والكثير ممّا يرد هنا عن تولياتي مستقى من المصدر نفسه.، قبل أن يُعتقل لعام في فرنسا.

بالميرو تولياتي (ويكيميديا)

ولازمَ التوتّر هذه العلاقة. فالسوفيات، الذين كسب تولياتي ثقتهم، أبقوه في موقف دفاعيّ يحدّد حركته وحرّيّته. فمنذ 1929 وُجّهت إليه من حزبه، ولم تكن موسكو بعيدة عن ذلك، اتّهامات بأنّه وزوجته ريتّا متورّطان في تبذير أموال حزبيّة. ومنذ العشرينات كان تولياتي ينبّه إلى أنّ الفاشيّة ليست خصماً عاديّاً، فيما كانت موسكو تشدّد على ضعف الفوارق بينها وبين الاشتراكيّة الديمقراطيّة. لكنّ القائد الإيطاليّ لم يذهب دائماً بعيداً في التمسّك بمواقفه، خصوصاً أنّ قربه من القياديّ البلشفيّ بوخارين بقي قابلاً للاستخدام ضدّه. وهو لئن حوصر بسبب آرائه وعومل كـ «يمينيّ» بحسب رواية هوبسباوم، ألحّت موسكو على تولياتي في 1933 أن يسحب اقتراحه القائل إنّ الاشتراكيّة الديمقراطيّة قد لا تكون «الخطر الأساسيّ»، أقلّه في إيطاليا، علماً أنّ الكومنترن ما لبث أن غيّر رأيه بعد عام على وصول هتلر إلى السلطة.، فإنّه، بمجرّد علمه أنّ فكرة «الجبهة الشعبيّة» باتت تحظى بموافقة ستالين، أعلن انحيازه إليها، قبل أن تأتي الحرب الإسبانيّة مصداقاً لرأيه في هذه الغضون لم يكن الحزب السوفياتيّ والكومنترن راضيين عن الحزب الإيطاليّ الذي اتُّهم في 1938 بالتهاون في مكافحة التروتسكيّة. (Aldo Agosti, PALMIRO TOGLIATTI…, p. 131.).

فتولياتي كان أكثر إصلاحيّة منه ثوريّاً، وأكثر إيطاليّة منه أمميّاً، وأكثر ثقافيّة منه عمّاليّاً. وهذه المواصفات بمجموعها رسمت علاقته الحرجة بموسكو التي لم يفارقها الخوف من ستالين والتكيّف مع الستالينيّة حرصاً على البقاء، كما لم تغب القناعة بأنّ الصلة الجيّدة بالسوفيات تستدعيها مكافحة الفاشيّة، وأنّ التحفّظات على الستالينيّة لا تلغي إطاعة موسكو بوصفها شرطاً لوجود أيّ حزب شيوعيّ.

هكذا سار تولياتي على حدّ السيف. فهو عارض ستالين في محاولته المبكرة لطرد تروتسكي من الحزب، لكنّه حمى موقفه باشتباك حادّ مع تروتسكي، وفي 1928-1929 حاول التصدّي للستالينيّة لكنّه ما لبث أن انحاز إليها وشارك في هندسة التصفيات التي طالت بعض الرفاق مشكّلةً تمريناً أوّليّاً على التصفيات اللاحقة الأكبر.

ومعه بقي هاجس التحالف مع «الأحزاب البورجوازيّة»، و«الجماهير الكاثوليكيّة»، شرطاً لعبور مراحل آخرُها الصراع من أجل الاشتراكيّة. فعداؤه للفاشيّة، التي كتب مراراً عنها وكان أحد محلّليها، كان قاطعاً، علماً بأنّ ذاك التوجّه اخترقه حدثان لا يخلوان من غرابة، خصوصاً أوّلهما: ففي 1936، وفيما موسوليني في ذروة شعبيّته، نشر الكومنترن مقالة رُجّح أنّ تولياتي كتبَها، معنونة: «إلى الأخوة من القمصان السود»، حملت مناشدة لإعلان وحدة بين الشيوعيّين والفاشيّين. فـ«نحن، الشيوعيّين، جعلنا البرنامج الفاشيّ في 1919 برنامجاً لنا، وهو برنامج للسلام والحرّيّة والدفاع عن مصالح العمّال… لكنّ البرنامج الفاشيّ في 1919 لم يُنفّذ. فلنناضل موحّدين لتنفيذ هذا البرنامج». ولئن عطّلت الحرب الإسبانيّة هذا التوجّه، فهو عاد إلى الواجهة في 1941، إبّان العمل بمعاهدة مولوتوف – ريبنتروب. فقد أخبر تولياتي الكومنترن بضرورة الاعتراف بأنّ الفاشيّة «فعلت الكثير من الأشياء الجيّدة للطبقة العاملة الإيطاليّة»، مضيفاً: «ينبغي أن نتقبّل أنّ عناصر قوّة الفاشيّة لا تكمن فقط في العنف والتكوين الجهازيّ. فهذه الديكتاتوريّة فعلت شيئاً، وليس فقط عبر أدوات العنف… لقد فعلت شيئاً حتّى للعمّال والشبيبة. إنّنا لا نستطيع إنكار أنّ إدخال الضمان الاجتماعيّ حقيقة» Nicholas Farrell, Mussolini: A New Life, Endeavour Press Ltd., 2015, p. 371.. فإلى أيّ حدّ تدخّلت الرغبات السوفياتيّة في ذلك؟ وإلى أيّ حدّ ظلّت تفعل فعلها المشتركات القديمة الشيوعيّة والفاشيّة؟

من دون طيّ هذه الأسئلة، فإنّها لا ينبغي أن تحتلّ موقعاً يتجاوز الهامش على صفحة أطروحات تولياتي الديمقراطيّة. فالأخيرة، التي عبّر عنها مباشرة ومداورة، لم يكن الحزب الإيطاليّ نفسه بمنأى عن الصراعات التي دارت حولها منذ أواخر 1926 حين رفضها قائد قطاع الشبيبة (وأمين الحزب العامّ بعد 1964) لويجي لونغو أنظر JOAN BARTH URBAN, Moscow and the Italian Communist Party: From Togliatti to Berlinguer, Cornell University Press, 1986pp. 27-28. والذي يستند إليه الكثير من هذا العرض.. وإذا تذكّرنا أنّ تلك الأطروحات ظهرت في ظلّ شروط بالغة الصعوبة للعمل الحزبيّ والاضطرار لإعادة تشكيل القيادة في المنفى، أدركنا عمق هذا التطلّع وأساسيّته في توجّهات تولياتي. 

تولياتي يعيد التأسيس

لكنّ المفارقة أنّ السرّيّة التي تحوّل إليها الحزب ساهمت في تجنيبه بعض أسوأ الآثار التي تركتها الستالينيّة على أحزاب شيوعيّة أوروبيّة أخرى. ذاك أنّ الأخيرة تبعت سياسات موسكو الخارجيّة بحذافيرها، وتخلّصت كلّها من أعضاء قليلي الامتثال، معتنقةً، بذرائع إيديولوجيّة أو تنظيميّة، قيم الولاء والتعصّب.

والحزب الإيطاليّ شهد هو الآخر أعمال طرد وتصفية، بما فيها ما طال المؤسّس بورديغا المطرود عام 1930 بـ«تهمة» التروتسكيّة، وفي 1939، وكبرهان على التقيّد بموسكو في المسائل الحيويّة، طُرد أومبرتو تيراشّيني، أحد المؤسّسين والمقرّبين إلى غرامشي (وكان انقضى عامان على رحيله)، لاعتراضه على معاهدة مولوتوف – ريبنتروب، ولم يُعَد إلى الحزب إلاّ في 1945.

مع هذا فأغلب تلك الأعمال حصل في المنافي بعيداً من أعين المناضلين، ما أتاح لقيادة الحزب أن تقدّم عن نفسها صورة منفتحة، تبنّاها الحزبيّون عن أنفسهم، سيّما وأنّهم كانوا يقفون وجهاً لوجه أمام الفاشيّة ويظهرون كنقيض لقيمها الداكنة.

هكذا عملوا، وهم أصلاً حزب أسّسه مثقّفون، لا عمّال، مع فئات أخرى كالمثقّفين والأكاديميّين وأصحاب المهن الحرّة الذين كرهوا الفاشيّة دون أن يكونوا بالضرورة مهتمّين بالاشتراكيّة. وعقد الحزب، إبّان المقاومة، تحالفات مع اشتراكيّين وليبراليّين ومسيحيّين ديمقراطيّين، وحتّى مع ملكيّين، ثمّ اندمج بعض هؤلاء، من ضعيفي الصلة بالشيوعيّة، في الحزب الشيوعيّ.

مقاتل في المقاومة الإيطالية في فلورنسا عام 1944- ويكيميديا

والحال أنّ الحزب، منذ أواخر العشرينات شكّل القوة الرئيسة في المقاومة. فقد انتسب حوالى 60 بالمئة من «الأنصار» إلى وحداته، وكان ما جذب الكثيرين منهم ممّن لم يكن لديهم وعي شيوعيّ أو ماركسيّ، التزامه الكفاح المسلّح. كذلك ساعدَ دور الاتّحاد السوفياتيّ في الحرب الثانية، وصِيتُه كمناهض للفاشيّة، شيوعيّي إيطاليا في توسّعهم التنظيميّ من أعضاء سرّيّين في المقاومة يعدّون بضعة آلاف وفق أرقام هوبسباوم، كان الشيوعيّون، عند إطاحة موسوليني في 1943، يعدّون خمسة آلاف عضو، أغلبهم خارجون من السجن أو عائدون من المنافي. Eric Hobsbawm, AGE OF EXTREMES…, p. 73. إلى حزب جماهيريّ يتراوح بين مليون ومليوني عضو أواخر الأربعينات.

فالحزب لم يكن ديمقراطيّاً بمعنى تعدد الآراء حيال ما يُعَدّ ثوابتَ، ولم يُعرَف بنشوب خلافات معلنة فيه حيال برنامجه. وحتى 1970، ظلّ يُطرد منه منشقّون كان في عدادهم جماعة «المانيفستو» الذين تسمّوا تيمّناً باسم المجلّة، ثمّ الجريدة، التي أصدروها ولدت المانيفستو في 1969 كمجلّة شهريّة، وفي 1971 حُوّلت صحيفة يوميّة وتيّاراً أثّر في ماركسيّين خارج إيطاليا، وكانت، فضلاً عن جذريّتها الطبقيّة والسياسيّة، بالغة النقديّة للاتّحاد السوفياتيّ.، والتي سنعود لاحقاً إليها. لكنّ الحزب لم يكن بيروقراطيّة جامدة، أو جسداً عاجزاً عن تمثيل التمايزات والتعبير عن تباين الخلفيّات. فحياته الداخليّة، دون أن تكون ديمقراطيّة، كانت أكثر ديمقراطيّة ممّا عرفته الأحزاب الشيوعيّة الأخرى. ومنذ الستينات في ظلّ تولياتي، ثمّ السبعينات في ظلّ أنريكو بِرْلِنغوير، يوصف القياديّ الشيوعيّ جورجيو أمِندولا، الصادر عن عائلة ليبراليّة ومثقّفة، والذي يعتبره البعض أبرز آباء «الشيوعيّة الأوروبيّة» اللاحقة، بتزعّم «ليبراليّ» الحزب و«يمينيّيه»، بحسب هويّة الواصف، فيما يوصف القياديّ الآخر بياترو إنغراو، الذي جاء إلى الحزب من خلفيّة نشاطه الطلاّبيّ المناهض للفاشيّة، بتزعّم «يساريّيه» و«راديكاليّيه». مع هذا فآراء أمندولا وإنغراو غالباً ما تقاطعت عند تصوّر تعدّديّ للمجتمع الاشتراكيّ في المستقبل. ذاك أنّ السلطة، عندهما، ينبغي ألاّ يستأثر بها الحزب الشيوعيّ كونه، في الحدّ الأدنى، لا يحتكر تمثيل الطبقة العاملة، ما يوجب إحلال التداول الشرعيّ على السلطة. وبعد رحيل أمندولا في 1980، استأنف خطَّه تلميذه جيورجيو نابوليتانو (رئيس الجمهوريّة خلال 2006-2015) الذي قاد مَن عُرفوا بـ «التحسينيّين» (miglioristi) ممّن دافعوا عن «تحسين» الرأسماليّة عبر إصلاحات تدرّجيّة.

وبوجه الإجمال كان الحزب قوّة تحديث ودمقرطة لمجتمع أعاقه التفاوت بين شمال صناعيّ وجنوب زراعيّ، المصحوب بنفوذ مؤسّسيّ واقتصاديّ وإيديولوجيّ للكنيسة. وهو إلى إدخاله المراتبيّة والتنظيم إلى الجنوب، وفّر صوتاً سياسيّاً للطبقة العاملة، فأتاح لآتين من أكثر الخلفيّات الاجتماعيّة تواضعاً، ولبعض أقلّهم تعلّماً، تولّي أدوار قيادية فيه. ومن أبرز هؤلاء الكثيرين كان جيوسيبي فيتوريا الذي تولّى قيادة «الاتّحاد العامّ للعمل الإيطاليّ» (CGIL)، الذي تأسّس في 1944، وغدا أكبر الاتّحادات النقابيّة، علماً أنّه ترك المدرسة في التاسعة للعمل في الزراعة، وبياترو سيشِيّا، أحد القياديّين الأكثر يساريّة والذي تولّى رئاسة تحرير يونيتا، وهو أيضاً غادر المدرسة في الثالثة عشرة للعمل في الدباغة.

وترجع شيوعيّة الاثنين إلى سنوات الحزب الأولى، قبل أن تضيف تجربة المقاومة كثيرين تصحّ فيهم صفات مشابهة، غدوا نوّاباً ومسؤولين حزبيّين.

أمّا على جبهة الدولة بعد التحرير، فسُمّي تولياتي، عام 1944، نائباً لرئيس الحكومة الذي كانه الماريشال بياترو بادوغليو، وخلال 1945-46 سُمّي وزيراً للعدل، وشغل عضويّة الجمعيّة التأسيسيّة. وهو، منذ عودته، دفع الحزبيّين الأرثوذكسيّين، والمتردّدين حيال التحالف الجديد لاستعجالهم الثورة الاشتراكيّة، إلى تقبّل المَلكيّة، والإقرار بحكومة بادوغليو التي كانت موسكو أوّل المعترفين بها.

وفي 1946-47، لعب الحزب دوراً أساسيّاً في وضع الدستور الجديد، الذي نصّ سطره الأوّل، وبعد جدل كثير، على أنّ إيطاليا جمهوريّة ديمقراطيّة «تأسّست على العمل»، كما ندّد بالمعوقات الاجتماعيّة الحائلة دون مشاركة العمّال الكاملة في الحياة الديمقراطيّة.

ولئن كان دور الحزب في المقاومة ما مكّنه من فرض تلك الآراء على الدستور، فقد نجح في الجمع بين كونه  معارضةً مبدئيّةً وكونه شريكاً في الشرعيّة المؤسّسيّة الجديدة، ممّا شهد لمصلحة الخيار العميق لتولياتي، أي الديمقراطيّة والإصلاح التدرّجيّ والتحديث.

لقد نمت الشيوعيّة الإيطاليّة، بعد الحرب، ومع مباشرة الحزب توسّعه، حاملةً فيها ما سمّاه الأمين العامّ نفسه «ازدواجاً»: من جهة، بين أولويّة العمل البرلمانيّ الذي انحاز هو إليه، وأولويّة العمل الثوريّ الذي يستأنف زمن المقاومة، ومن جهة أخرى، بين منح الأولويّة لأحوال إيطاليا ومنحها لمصالح الاتّحاد السوفياتيّ وقرارات ستالين.

وما لبث الحزب، المثقل بالازدواج، أن غدا القوّة الأساسيّة لليسار الإيطاليّ. فالحزب الاشتراكيّ بقي، منذ التحرير، ضعيفاً ملحقاً به. صحيح أنّ الاشتراكيّين في 1946، حين أجريت الانتخابات، حصدوا مقاعد فاقت ما حصده الشيوعيّون، وإن من ضمن لوائح مشتركة للحزبين عُرفت بـ «الجبهة الشعبيّة الديمقراطيّة». إلاّ أنّ الاشتراكيّين راحوا يتراجعون في العضويّة والحضور العمّاليّ تحت وطأة عوامل منها انشقاق 1948 بين من أرادوا المضيّ في التحالف مع الشيوعيّين والمستجيبين طلب حزب العمّال البريطانيّ إنهاءَ التحالف. غير أنّ السياسة التي اتّبعها المسيحيّون الديمقراطيّون في مناهضة الشيوعيّة، والتي تعاظمت ابتداء بـ1947، جعلت من الصعب على الاشتراكيّين الإيطاليّين الاقتراب منهم، وحفظت لهم خصوصيّةً بين الاشتراكيّين الأوروبيّين عهدذاك مفادها الحرص على التحالف مع الشيوعيّين. هكذا غادر بعض أكثر يمينيّي الحزب الاشتراكيّ حزبهم عام 1947 ليشكّلوا «الحزب الديمقراطيّ الاجتماعيّ» وأحزاباً أصغر على يمينه. وطويلاً بقي شعار الاشتراكيّين منجلاً ومطرقة على كتاب مفتوح، كما حظي خطاب قياديّيهم ساندرو بيرتيني (رئيس الجمهوريّة بين 1978 و1985)، والذي ألقاه في البرلمان عام 1953 بمناسبة وفاة ستالين، بشهرة واسعة لامتداحه الزعيم السوفياتيّ. فوق هذا، تمسّك الاشتراكيّون بعدم نقد موسكو، ما لم يتغيّر إلاّ مع غزو هنغاريا في 1956، والذي تسبّب أيضاً بقطيعة مع الشيوعيّين.

لكنّ القيادة الشيوعيّة لليسار كانت سبباً آخر للتمعّن في طبيعة الحزب ويساريّته. ذاك أنّ وزنه العمّاليّ الذي لا يستهان به لا يكفي للقول إنّ جمهوره عمّاليّ التركيب والثقافة بمعنى حصريّ. لقد ظلّ أشدّ تنوّعاً، ينضوي فيه الحِرَفيّون والمزارعون وأصحاب المصالح الصغرى، وطبعاً النساء، وإن بقي ذوو الياقات الزرقاء الأشدّ استدعاءً إلى الواجهة، ممّا يمكن فهمه في حزب يسمّي نفسه ممثّل الطبقة العاملة. ولا يخطىء القول إنّ قياديّة تولياتي، فضلاً عن ماضي المقاومة والتأثّرات الغرامشيّة، تبقى ما مكّن الحزب من التواصل مع قطاعات مختلفة، جاعلاً إيّاه حزب أشياء كثيرة لأناس كثيرين، سيّما وأنّ ذاك البلد الذي أعاق تطوّرَه ملاّكو أراضٍ «قبل رأسماليّين» ووزن ثقيل للكنيسة، حمّل شيوعيّيه مهمّة إكمال الدمقرطة والتحديث البادئين قبلهم.

وعن هذا الاختلاط المبكر تضرب الصحافيّة والناشطة ماريّا أنتونِيتّا ماكيوتشي أمثلة صارخة من الاستفتاء على الجمهوريّة عام 1946 حيث صوّت في نابولي 20 بالمئة فقط للجمهوريّة مقابل 80 للمَلَكيّة. ومع هذا نال الشيوعيّون والاشتراكيّون في الانتخابات الموازية للاستفتاء نسبة أعلى كثيراً من التي صوّتت للجمهوريّة. ولا يعني شيء كهذا، ومثلُه حصل في باليرمو، غير أنّ ثمّة مَلكيّين كثيرين اختاروا الشيوعيّين لأسباب شتّى. وإذ ترصد ماكيوتشي تنامي قوّتهم في نابولي بين 1946 و1958، تلاحظ أنّ سببه الأهمّ كون الحزب «حزباً جماهيريّاً أو حزباً من نمط جديد»، بحسب تعبير تولياتي الذي صاغ التنظيم وفق «تكتيك الجبهة المتّحدة» وقراءته تجربةَ الحرب الأهليّة الإسبانيّة Maria Antonietta Macciocchi, Letters from inside the Italian Communist Party to Louis Althusser, NLB, London, 1973. P. 128-129..

فتولياتي، بإعطائه دوراً كبيراً للمثقّفين، كان مهتمّاً بإظهار الشيوعيّين «حزباً متمدّناً»، وهو نفسه واكب هذه الوجهة شخصيّاً بأن اختار لنفسه ملابس معيّنة وهوايات «بورجوازيّة» كجمع كتب فرنسيّة من القرن الثامن عشر. أمّا حزبيّاً فسعى إلى إيصال وجوه من «المثقّفين المرموقين» إلى القيادة، فضلاً عن «سياسيّين معروفين» و«أبناء عائلات سياسيّة بارزة في حقبة ما قبل الفاشيّة». وهذا ما أوحى بكسر عمّاليّة الحزب، أو أقلّه دمجها في طبقات اجتماعيّة أعرض. إلاّ أنّ ذلك لم ينفصل، في رأي ماكيوتشي، عن تأويل تولياتي لغرامشي الذي أعطى المثقّف تعريفاً واسعاً كما أناط بـ «المثقّف العضويّ» مهمّات تواصليّة (connective)  المرجع السابق، ص. 130-131..

بالميرو تولياتي (جالساً في الوسط) خلال اجتماع للكومنترنت في موسكو 1933

ودائماً كانت للعلاقة بموسكو أهميّة مركزيّة. فحين شُكّل الكومنفورم في 1947، بديلاً من الكومنترن المحلول في 1943، رفض تولياتي تولّي أمانته العامّة التي عرضها ستالين عليه. فهو، وقد تحرّرت إيطاليا، بات يصبّ جهده الكامل في حزبه الوطنيّ، وجاءت خطاباته، بين 1944 و1947، تؤكّد على «الطابع الوطنيّ للطبقة العاملة الإيطاليّة» ودورها في «الريسورجمنتو» (النهضة والوحدة والتنوير)، دون أيّ تمجيد للاتّحاد السوفياتيّ يتعدّى الإشادة بدوره في الحرب العالميّة.

وفي المؤتمر الخامس للحزب في 1945، طُرحت تساؤلات حول «الديمقراطيّة المركزيّة»، تعويذة لينين في التنظيم، فرأى أحد نقّاد الحزب اليساريّين أنّه منذ 1945، «كان قادة الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ قد تخلّوا عن أيّ تصوّر لثورة على نسق 1917»، عازياً إليهم، على اختلافهم، أنّهم «رفعوا راية الأحلاف الشعبيّة العريضة والدفاع عن المؤسّسات الجمهوريّة والمساومة مع إيطاليا الكاثوليكيّة» DAVID BRODER, The Italian Left’s Long Divorce….

وكانت أوضاع الحزب الداخليّة تحاكي تناقضات المسائل التي دمجها فيه. فتولياتي بدأ في 1944 توحيد التيّارات المتباينة: البلاشفة القدامى الذين قضوا سنوات في السجون والمعسكرات، ومنفيّي باريس، المتأذّين من تكرار الاتّهامات الموجّهة إليهم بإيحاء سوفياتيّ، والكوادر الأصغر سنّاً ممّن بنوا شبكة الحزب بعد 1939. وهؤلاء كلّهم وجدوا أنفسهم مُجمّعين في القيادة أواخر الأربعينات.

ومنذ عودته إلى إيطاليا أكّد تولياتي على مركزيّة غرامشي في ثقافة الحزب وسياساته، لكنّ الضريبة التي دُفعت لذلك، تشويهاً وحذفاً لبعض كتاباته، بدت ممّا لا بدّ من دفعه لموسكو E. J. Hobsbawm, ‘Introduction’, in: DAVID FORGACS (ed.), THE GRAMSCI READER – Selected Writings 1916-1935, NEW YORK UNIVERSITY PRESS, 2000..

ويتوقّف لوشيو ماغري أحد مثقّفي الشيوعيّة الإيطاليّة البارزين، ساهم في تأسيس المانيفستو فطُرد من الحزب، ليعود إليه أواسط الثمانينات، وفي 1991 انضمّ إلى أرثوذكسيّي «إعادة التأسيس». عند تصنيع تولياتي لغرامشي، حيث «حاول لمدّة طويلة التخفيف من أهميّة مساحات الابتكار الغرامشيّ في العلاقة باللينينيّة، أو ما يصادم النسخة الستالينيّة». لكنّه سعى أيضاً إلى تظهير ما يشير عند غرامشي إلى استمراريّةٍ بين «الثورة المناهضة للفاشيّة» وتصوّره عن «الديمقراطيّة التقدّميّة». ولا يلبث أن يضيف أنّ الغرامشيّة قُدّمت «كقاعدة تنهض عليها طريق وسطى بين الأرثوذكسيّة اللينينيّة والاشتراكيّة الديمقراطيّة الكلاسيكيّة» LUCIO MAGRI, THE TAILOR OF ULM: COMMUNISM IN THE TWENTIETH CENTURY, VERSO, London-New York, 2011, p. 40-41..

لكنّ أيّار 1947 كان شهراً مشؤوماً على الشيوعيّين ومشروع تولياتي الذي اعترضه استعار الحرب الباردة. فعامذاك أُخرجوا من الحكومة، فيما تعرّض للأمر نفسه الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ.

لكنْ كان لافتاً أنّ الشيوعيّين الإيطاليّين لم تكن معارضتهم حادّة لمشروع مارشال، عند طرحه، بل بدت أقرب إلى تفهّم مشوب بالتحفّظات. إلاّ أنّ واشنطن ربطت تنفيذ المشروع بإخراج الشيوعيّين من الحكومة، بينما ضغطت موسكو على الشيوعيّين كي يرفضوه بشكل قاطع، ما تأدّت عنه لاحقاً نتائج كبرى أقلّها خسارتهم مقترعين رغبوا في تلقّي المعونة الأميركيّة.

وجاءت التطوّرات تلك فيما الحزب يحقّق نموّاً ملحوظاً في الجنوب، ويثير مخاوف الجماعات المحلّيّة المتحفّظة على تدخّل الدولة المركزيّة في مناطقهم وطرق حياتهم المتفلّتة من القوانين. هكذا ارتكبت عصابة صقلّيّة (من غير المافيا) جريمة في باليرمو، ردّاً على تعاطف صغار مزارعي صقلّية وتوسكاني وأومبريا، ممّن أفادتهم السياسات الإصلاحيّة لوزير الزراعة الشيوعيّ فاوستو غالّو، مع الشيوعيّين. وبنتيجة المذبحة تلك قضى 11 فلاّحاً شيوعيّاً وصديقاً للشيوعيّين.

وكان من أشكال التدخّل الأميركيّ والبريطانيّ لمنع الشيوعيّين من إحراز تقدّم انتخابيّ وقف الحملة القانونيّة لمعاقبة مجرمي الحرب الإيطاليّين، وهندسة إجماع ضمّ سياسيّين وأكاديميّين وإعلاميّين حول الاكتفاء باعتبار إيطاليا (كما النمسا) مجرّد ضحيّة للنازيّة الألمانيّة، وكذلك للمذابح الحدوديّة التي ارتكبها الشيوعيّون اليوغسلاف، وكانت من ذيول النزاع السياسيّ والإيديولوجيّ في الحرب.

على أنّ الحزب خاض انتخابات 1948 متحالفاً مع الاشتراكيّين، وكان ما زاد ضغط الظروف الضاغطة أنّ الشيوعيّين التشيكوسلوفاكيّين كانوا، قبل أقلّ من شهرين، قد انقلبوا على الحكم الائتلافيّ في بلدهم مثيرين في الغرب أوسع الذعر والريبة. ولئن حقّق المسيحيّون الديمقراطيّون فوزاً لم يكن منزّهاً عن تدخّل أميركيّ مهجوس بإسقاط الشيوعيّين، نالت «الجبهة الشعبيّة الديمقراطيّة» 31 بالمئة من الأصوات. ذاك أنّ واشنطن موّلت المسيحيّين الديمقراطيّين وحملاتهم، كما رعت وكالة استخباراتها قوى كـ «عمليّة غلاديو» (وغلاديو اسم فرع الناتو الإيطاليّ) التي سلّحت إيطاليّين مناهضين للشيوعيّة استعداداً لأيّ استيلاء شيوعيّ بالقوّة على السلطة يحاكي الاستيلاء التشيكوسلوفاكيّ، كما لم تتردّد في التعاون مع المافيا لأغراض مشابهة.

وبدورها فرضت المراتبيّة الكاثوليكيّة حرماً دينيّاً على الشيوعيّين، ونشر المسيحيّون الديمقراطيّون ملصقات تحذّر العمّال من سوفياتيّتهم وإلحادهم، كما انتشرت حملة دعائيّة تتّهمهم بتدمير العائلة والأخلاق والقيم الحميدة.

لقد واجه الشيوعيّون، الذين لم يحقّقوا نتائج باهرة، تكتّلاً ضمّ كلّ من هم غير شيوعيّين أو اشتراكيّين، وعلى رأسهم متشدّدو الوعي الكاثوليكيّ وأصحاب المصالح الصغرى، وهم قطاع بالغ الاتّساع في إيطاليا ذات الرأسماليّة الضعيفة. كذلك رُفعت ضدّهم تهمة التمويل السوفياتيّ المرجّحة: فمنذ أواخر الأربعينات وبعد رفض تولياتي عروضاً مشابهة، قبلَ تلقّي مساعدات موسكو الماليّة بحجّة تغيّر الأوضاع في إيطاليا، وأنّ دعماً كهذا «لن يكون فقط لمصلحة الحزب، بل أيضاً لمصلحة سكّان إيطاليا جميعهم»Agosti, PALMIRO TOGLIATTI…, pp. 193.. وفي الإطار هذا بات في حوزة الحزب معامل ارتبطت بتلبية عمليّات التصدير والاستيراد في سوق التجارة الإيطاليّة- السوفياتيّة المربحة.

مؤتمر وغزو ومعجزة

في صيف العام نفسه، 1948، حاول طالب فاشيّ اغتيال تولياتي فأصابه إصابات بليغة، وجاءت ردّة الفعل الشيوعيّة قويّة وكاشفةً، في الآن نفسه، مدى التفاوت في مواقف الشيوعيّين، كما في أحوال إيطاليا. فآلاف العمّال أضربوا احتجاجاً وأظهروا من علامات التحدّي ما استجرّ عنفاً واسعاً وأعمال قتل تورّط فيها الجيش والشرطة. وشجب تولياتي بحدّة تلك المظاهر، مؤكّداً على «الطريق السلميّ إلى الاشتراكيّة» قبل ثماني سنوات على تبنّي موسكو هذا «الطريق». وهو واظب على نهجه الإصلاحيّ والسلميّ، فيما غابت كلّيّاً «الديمقراطيّة المركزيّة» عن مؤتمري الحزب لعامي 1948 و1951.

لكنّ الحملة على الشيوعيّين ازدادت ضراوة في الخمسينات، وفاقت كثيراً الحملة على رفاقهم الفرنسيّين: ذاك أنّ فرنسا عرفت حركة اشتراكيّة قويّة تحدّ من سطوة الشيوعيّين على اليسار، وهو لم يكنه الحزب الاشتراكيّ الإيطاليّ الضعيف. وإلى ذلك ففرنسا أبعد عن البلدان الاشتراكيّة، على عكس إيطاليا المحاذية لسلوفينيا في يوغسلافيا.

وفي تسمين المظلوميّة الشيوعيّة، وهي مظلوميّة ناجمة عن ظلم مؤكّد، شنّ أرباب عمل متطرّفون هجمات على مزارعين جنوبيّين انتسبوا إلى نقابات شيوعيّة، وقُتل على أيديهم وأيدي الشرطة والمافيا عمّال زراعيّون.

وكان لتلك الممارسات، معطوفة على تحريم مشاركتهم في الحكم، أن عزّزت حجج الشيوعيّين الأكثر تطرّفاً ممّن قالوا بالتظاهر بالديمقراطيّة كمرحلة في انتظار حمل السلاح والاستيلاء على السلطة. وهو أصلاً ما يفسّر نزول مئاتهم بالسلاح إلى الشوارع عند تعرّض تولياتي لمحاولة الاغتيال، لأنّ لحظة المواجهة النهائيّة حلّت «دفاعاً عن الديمقراطيّة والدستور».

على أنّ تولياتي لم يكن قليل الانتباه إلى ضعف الانسجام الحزبيّ، وإلى الحاجة المُلحّة إلى انسجام يخدم استراتيجيّته الصعبة. ويبدو أنّ أواسط الخمسينات كانت مفصليّة في إعادة هندسة الحزب عبر عمليّات تنظيميّة جراحيّة تبلورت بنتيجتها الوجوه القياديّة لقياديّين جدد كبرلنغوير ومجايليه.

فهؤلاء ممّن انتسبوا في الأربعينات، بعدما عرّفهم إلى الحزب نشاطهم في المقاومة، كانوا يرون في دعم موسكو موقفاً متفرّعاً عن الولاء للتغيير الثوريّ في إيطاليا، ولهذا أثار مبدأ «التعدّديّة السياسيّة» و«تعدّديّة المراكز» الشيوعيّة حماستهم. بيد أنّ العلاقة بالسوفيات لم تكن أكثر انسجاماً من أوضاع الحزب الداخليّة، علماً بأنّ الصلة كانت ضعيفة بين ضعف الانسجامين. فقد تزايد الجهد المبذول لضبط تولياتي واستقلاليّته، هو الذي بات، بعد تحرير إيطاليا، زعيماً وطنيّاً في بلد مستقلّ وكبير وبعيد.

وهنا لعب بياترو سيشيّا، الأمين العامّ المساعد بين 1948 و1955، دوراً ملحوظاً. فسيشيّا، الذي كان أكثر سوفياتيّة من تولياتي بلا قياس، كانت نزعاته الانتفاضيّة تثير لدى موسكو الخوف من تورّط غير محسوب ينجم عن تسلّمه الأمانة العامّة. مع هذا فقد وجدت فيه ضمانة تُستخدم للحدّ من حركة الأمين العامّ، فكانت تسميته أميناً عامّاً مساعداً، علماً أنّها لم تكن يومذاك طقساً حزبيّاً مألوفاً في الشيوعيّة الإيطاليّة. وفضلاً عن سلاح المال، وعن الضغط لتبنّي موقف متصلّب في رفض مشروع مارشال، اتّخذ ضبط تولياتي أشكالاً أشبه بما تتفتّق عنه مخيّلات طفليّة شرّيرة. فمثلاً ورد التالي في محضر لقاء بين سيشيّا والقيادة السوفياتيّة أواخر الأربعينات: «يسأل الرفيق ستالين عن صحّة الرفيق تولياتي، وما إذا كان يأكل وينام كما يجب. ويجيب الرفيق سيشيّا بأنّ الرفيق تولياتي يشعر بأنّه في حال جيّدة، لكنْ ينبغي إبقاء العين ساهرة عليه بصورة مستمرّة. فهو إن لم يُراقَب، أكل قليلاً وبالكاد نام وبذل جهداً شاقّاً. ويقول الرفيق ستالين إنّ علينا أن نتأكّد من أنّ الرفيق تولياتي يأكل ثلاث أو أربع مرّات في اليوم وأنّه ينام أكثر ممّا يفعل الآن، وأنّ على اللجنة المركزيّة للحزب أن تصدر قراراً بإبقاء العين ساهرة على الرفيق تولياتي» المرجع السابق، الصفحة نفسها..

على أنّ شيوعيّي إيطاليا تفاءلوا، في 1956، بانفراجة المؤتمر العشرين للحزب السوفياتيّ، فأشاعوا أنّه سيصحّح «أخطاء» الستالينيّة أنظر: E. J. Hobsbawm, ‘Introduction’…، علماً بأنّ تولياتي واجه الخلخلة التي أحدثها المؤتمر بمحاولة التستّر على حمولته النقديّة قبل أن يسعى إلى التخفيف من آثاره LUCIO MAGRI, THE TAILOR…, p. 123-124.. وكان عام انعقاد المؤتمر السوفياتيّ هو العام نفسه الذي شهد تطوير تولياتي نظريّة «التعدّديّة المركزيّة» في الحركة الشيوعيّة العالميّة، والتي اعتبرها البعض جَدّاً أعلى لـ «الشيوعيّة الأوروبيّة» اللاحقة.

لكنْ في أواخر العام غزا الاتّحاد السوفياتيّ هنغاريا، وإذ أيّده تولياتي بدا الشيوعيّون المدافعون عن الحقوق المدنيّة التي تتيحها الديمقرطيّة الغربيّة في إيطاليا هم أنفسهم المدافعون عن أفدح الانتهاكات في دول المعسكر الشرقيّ. وهذا لئن أضعف ثقة إيطاليّين كثيرين بالحزب، هزّ على نحو عميق، وللمرّة الأولى منذ نهاية الحرب، علاقته بالحزب الاشتراكيّ.

دبابات الجيش الأحمر في شوارع بودابست، تشرين الأول (أكتوبر) 1956

والأخطر كان ما شهده الحزب الشيوعيّ نفسه. ففيما اعتبر تولياتي وقادة آخرون معتدلون كنابوليتانو (الذي تراجع لاحقاً)، أنّ ثوّار هنغاريا مضادّون للثورة، وأنّ الاعتبار الأهمّ وحدة الحزب والحركة الشيوعيّة العالميّة، دان النقابيّ الشيوعيّ جيوسيبي دي فيتّوريو، قائد «الاتّحاد النقابيّ الإيطاليّ للعمل»، هذا الموقف، وانشقّ أحد أبرز سياسيّي الحزب، أنطونيو جيوليتّي، كما شملت أعمال الطرد قادة ومثقّفين حملوا آراء مغايرة.

وللسيطرة على الآراء، عادت «الديمقراطية المركزيّة» تحتلّ موقعاً بارزاً في المؤتمر الثامن، الذي انعقد إبّان الغزو، فيما كفّ تولياتي عن توجيه أيّ نقد للسوفيات وعن استخدام مصطلح «ستالينيّة» منعاً لأيّ إيحاء يتعلّق بموسكو ماضياً أو حاضراً.

لكنّ الحدث الكبير لإيطاليا الخمسينات والستينات كان «المعجزة الاقتصاديّة» التي لم تقلّ إلاّ قليلاً عن «معجزتين» أخريين ألمانيّة غربيّة ويابانيّة. فهي أعادت اختراع البلد من واحد تطغى عليه الزراعة ويضاعف إعاقاته دمار الحرب العالميّة إلى آخر صناعيّ يقفز قفزة ضخمة في النموّ وتحسّناً هائلاً في مستويات المعيشة وأنماط الاستهلاك، كما في الضمانات الاجتماعيّة السخيّة للعمل. أمّا اجتماعيّاً فانفجرت الهجرة المليونيّة الجبّارة من الجنوب إلى الشمال الصناعيّ، مع ما صاحبها من استثمار هائل في بناء سكك حديد تربط أجزاء البلد، وبناء سدود ومعامل طاقة. بيد أنّ هذا التحوّل كان وثيق الصلة ليس بالاقتصادات الغربيّة فقط، بل أيضاً بالاستراتيجيّات الغربيّة للحرب الباردة. ذاك أنّ الأسباب الرئيسة وراء «المعجزة» كانت مشروع مارشال، والحرب الكوريّة بطلبها على الموادّ المصنّعة، وكان رخص اليد العاملة الإيطاليّة قد زاد الإقبال عليها، وأخيراً إنشاء السوق الأوروبيّة المشتركة في 1957.

وكان طبيعيّاً لتطوّر بهذه الضخامة أن يلقى قراءات مختلفة داخل الحزب الشيوعيّ. فأمندولا مثلاً استرعته ضرورة تحديث الرأسماليّة الإيطاليّة المتخلّفة، فيما ركّز إنغراو على تحسين الشروط المعيشيّة للعمّال.

أمّا موسكو، بعد مؤتمرها العشرين، فأبدت اهتماماً بغرامشي كمفكّر وشهيد، بحيث نُشرت، خلال 1957-1959، مقتطفات من أعماله في ثلاثة أجزاء. وهو ما جاء، وفق هوبزباوم، كتنازل للكرامة الوطنيّة لدى الحزب الشيوعيّ الأكبر في العالم الغربيّ E.J. Hobsbawm, The Great Gramsci….

بيد أنّ تولياتي، في خطابه إلى المؤتمر الحزبيّ في 1962، بعد عام على مؤتمر فيينا الذي جمع نيكيتا خروتشوف وجون كينيدي، ومع تراجع التشنّج الذي أثاره غزو هنغاريا، فتجنّب كلّ إشارة إلى «ديكتاتوريّة البروليتاريا»، مقترحاً «إمكانيّة استخدام الوسائل الديمقراطيّة الدستوريّة لإحداث تغيير تدريجيّ في الطبيعة الطبقيّة لبنية الدولة الإيطاليّة القائمة».

وإذ توفّي تولياتي في 1964، إبّان إجازة صيفيّة وعلاجيّة في القرم على البحر الأسود، سارع السوفيات إلى تكريمه مستبدلين اسم مدينة ستافروبول، جنوب غرب روسيا، باسمه. وكان اللافت أنّ ذاك التكريم  تزامنَ مع إنشاء مشروع مشترك في ستافروبول لصناعة السيّارات بين الحكومة السوفياتيّة وشركة فيات، درّة تاج البورجوازيّة الصناعيّة الإيطاليّة، وهو مشروع سبق لتولياتي، جامع التناقضات، أن جهد لتنفيذه.

لكنّ تولياتي ترك وراءه خلافات حول مسائل مهمّة لم تُبَتّ، وإذ قيل لاحقاً أنّ «التسوية التاريخيّة» و«الشيوعيّة الأوروبيّة» كانتا تعبيرين عن نهجه المبكر، قيل أيضاً أنّ الشيوعيّين الإيطاليّين صاروا بعده «جناحين»، روسيّاً وإيطاليّاً، توحّدهما يافطة الحزب الشيوعيّ.   

“جنازة تولياتي” للرسام ريناتو غاتوسو (1972)

لقد رأى ماغري أنّ السوفيات تحمّلوا توجّهات الحزب في عهده بسبب النجاحات التي حقّقها إذ صار «حزباً جماهيريّاً» و«حزب كوادر» و«حزباً شعبيّاً» مجتمعةً في «إيمان قويّ» LUCIO MAGRI, THE TAILOR…, p. 122. وقد خُتمت حياته بحدثين أكّدا التباساتها التي ترقى إلى طبيعة تأسيسيّة.

فهو كلّف برلنغوير أن ينطق بلسانه في معارضة انعقاد مؤتمر شيوعيّ عالميّ لإدانة الماويّين JOAN BARTH URBAN, Moscow and the Italian Communist Party…, p. 265.، وللغرض هذا سافر القياديّ الشابّ إلى موسكو قبل أشهر على رحيل معلّمه. وكما سنرى لاحقاً، بات رفض الإدانة للصين يُستخدم ذريعةً لتوسيع المسافة الفاصلة عن موسكو. ومن جهة أخرى، بادر الأمين العامّ الجديد لويجي لونغو إلى نشر وصيّة تولياتي المعروفة بـ«وصية يالطا» (حيث كان يُعالَج) دون أن يستشير موسكو في أمر نشرها. وإذا بالوصية تنطوي على نقد صريح لـ«مكاسب الاشتراكيّة» وللخروتشوفيّة وسياسات الحزب السوفياتيّ الدولية، فضلاً عن الطبيعة «الدراميّة» للأزمة التي تضرب الأمميّة الشيوعيّة ممثّلةً بالنزاع مع الصين. وبقدر ما عرّفت الوصيّة بتولياتي فإنّها عرّفت بلونغو الذي كان موصوفاً بالقرب من السوفيات، بحيث استغرب البعض اختياره للقيادة. لكنْ مع تسلّمه المسؤوليّة بدا أنّ ولاء لونغو لـ«الطريق الإيطاليّ إلى الاشتراكيّة» أكبر.

من لونغو إلى برلنغوير

في السنة الأخيرة من حياة تولياتي، ثمّ إبّان أمانة لونغو العامّة، طرأ تحوّل في السياسة الإيطاليّة راحت تأثيراته تتفاقم عاماً بعام. فالحزب الاشتراكيّ، الذي قُصفت علاقته بالشيوعيّين بسبب غزو هنغاريا، تحوّل، في 1963، إلى طرف مؤتلف صغير مع المسيحيّين الديمقراطيّين، في ظلّ حكومة ألدو مورو الأولى (1963-1968)، ثمّ في حكومات مسيحيّة ديمقراطيّة أخرى. وكان هذا التوجّه، بما فيه الابتعاد عن الشيوعيّين، الخطّ الذي شرع يدافع عنه، منذ 1956، القياديّ الاشتراكيّ بياترو نينّي، بعدما كان من دعاة التحالف مع الشيوعيّين.

لكنّ التطوّر الأهمّ إبّان تولّي لونغو فكان غزو تشيكوسلوفاكيا في 1968. فلئن تعايش الحزب طويلاً مع الالتصاق بالسوفيات والسعي للاستقلاليّة، وكان التعايش يُحسم لصالح الالتصاق، فالغزو غيّر المعادلة. ففي البداية، وعلى جاري العادة، اعتُمدت صيغة تخفّف من حجم المشكلة وتعتبر الخلاف رفاقيّاً يُحلّ سريعاً LUCIO MAGRI, THE TAILOR…, p. 228. لكنّ لونغو ما لبث أن أبدى تعاطفه مع دوبتشيك واشتراكيّته «الإنسانيّة»، وأعلن مسؤوليّته عن إدانة الغزو، فكان أوّل قائد شيوعيّ يدينه علناً.

غير أنّ الإدانة أثارت إشكالات داخل الحزب أظهرته أحزاباً، إذ لم يوافق ثلث الحزبيّين، JOAN BARTH URBAN, Moscow and the Italian Communist Party…, p. 280. لكنّ الغزو رتّب نتائج بارزة أخرى، خصوصاً وقد أبدى اليوغسلاف خوفهم من نوايا سوفياتيّة مشابهة حيالهم، وتفاقمت ظاهرة المنشقّين السوفيات ممّن تعاطف معهم الحزب الإيطاليّ. هكذا توقّف الأخير عن المطالبة بالانسحاب من الناتو، واندفعت نُخبه إلى الإقرار بالقيمة الكونيّة للحرّيّات المدنيّة «البورجوازيّة».

لكنّ الـ68 حبلت أيضاً بالثورة الطلاّبيّة التي يصوّر ماغري علاقة الحزب بها نقديّاً، لجهة «تقليله من أهميّتها»، و«إدارة الظهر لها» LUCIO MAGRI, THE TAILOR…, p. 12.. وربّما كان أحد أسباب هذا التعاطي خوفُ الشيوعيّين من إمكان حصول انقلاب يمينيّ بعد انقلاب العقداء اليونان في 1967. وبالفعل ففي 1964 و1970 أُحبطت محاولتان، تورّط بأولاها رئيس الجمهوريّة أنطونيو سيغني وأجهزة الأمن والمخابرات الأميركيّة، وجاءت اعتراضاً على مشاركة الاشتراكيّين في الحكومة، فضلاً عن الرغبة في تكريس الاستبعاد الحكوميّ للشيوعيّين، وحصلت الثانية بُعيد «الخريف الحارّ» الذي سُمّيت به الإضرابات الكبرى للنقابات اليساريّة أواخر 1969، وقد نفّذها الفاشيّون الجدد وقوى مشابهة لمنفّذي المحاولة الأولى.

فـ«الخريف الحارّ» صُوّر «تهديداً شيوعيّاً»، بسبب التغييرات التي أحدثها. فالقواعد العماليّة باتت، وللمرّة الأولى، تنتخب القادة النقابيّين، وانتقل العمّال من طلب زيادة الأجور الى الإمساك بـ«سلطة» المصانع، وحصلوا على «الحقّ» في إحراز تثقيف سياسيّ في أوقات مدفوعة الأجر. وظهر، في الحزب الشيوعيّ، من يسعى إلى قيادة التحرّك لإطاحة حكم المسيحيّين الديمقراطيّين عبر «عمل جماهيريّ موحّد».

وبادر قادة هذه المجموعة إلى نشر مجلّة المانيفستو التي عُرفوا باسمها، ما عُدّ خروجاً عن «الديمقراطيّة المركزيّة». مع هذا، نُبّهوا ووُبّخوا، قبل طردهم في 1970، ووجدوا في إنغراو، الرمز التقليديّ ليساريّي الحزب، غطاء حزبيّاً، علماً باختلاف يساريّته عن يساريّة «اليسار الجديد» ذات التأثّرات الماويّة والماركوزيّة… وهذا على عكس الطرد الفوريّ الذي كان يحصل في الخمسينات مرفقاً بطقوس التشهير.

وكانت المانيفستو أوّل حركة منظّمة على يسار الحزب، وظلّت لسنوات، خصوصاً بين الشبيبة والمثقّفين، مرجعاً نظريّاً وسياسيّاً، كما انطوى تحوّلها إلى صحيفة يوميّة على ابتكارات مهنيّة وتقنيّة في الصحافة الإيطاليّة، ما سمح لاحقاً بعقد المشابهات مع شبيبة فرنسا 68 التي اختبأ في يساريّتهم القصوى ليبراليّة تحديثيّة قصوى.

على أنّ إضرابات 1969 جاءت مصحوبة أيضاً بـ«استراتيجيّة التوتير»، وسلسلة الهجمات بالقنابل، فضلاً عن المحاولة الانقلابيّة المشار إليها والتي تسبّبت بـ 17 قتيلاً. وكان ما فاقم «استراتيجيّة التوتير» الأزمةُ الاجتماعيّة وظهور الإرهاب اليساريّ لـ«الألوية الحمراء». هكذا رفع الحزب سويّة نقده لمن هم على يساره، خصوصاً للذين رأوا أنّ السياسة تقيم خارج البرلمان. فهو بدا قلقاً من موقعين مختلفين: الإرهاب واستراتيجيّته المهدّدة لاشتغال المؤسّسات الديمقراطيّة، واندفاع إلى اليمين ينجم عن الأزمة الاقتصاديّة ويضرب أجزاء من الطبقات الوسطى، خصوصاً صغار الصناعيّين وأرباب العمل وأصحاب الدكاكين ممّن يخاطبهم «خلاص» انقلابيّ وفاشيّ بقدر ما ينفّرهم التردّي الأمنيّ.

وإلى هذا تداولت أجواء الحزب إصراراً على استيعاب التذمّر الطلابي، علماً بأنّ اللوحة الإيطاليّة بدت شديدة التعقيد وضعيفة النقاء قياساً بفرنسا أنظر Giovanni Russo, ‘Il Compromesso Storico: the Italian Communist party from 1968 to 1978’, in: Paolo Filo della Torre, Edward Mortimer and Jonathan Story (ed.), Euro-Communism: Myth or Reality, Penguin, 1979.. فعلى عكس الأخيرة، كان التداخل كبيراً بين الإضرابات العمّاليّة والاحتجاج الطلاّبيّ، كما اتّصل أحد أهمّ محرّكات الغضب العمّاليّ بأحوال مئات آلاف الشبّان الجنوبيّين الذين هاجروا شمالاً وشكّلت هجرتهم، التي استنهضتها «المعجزة»، أكبر ثورة اجتماعيّة وأقوى مصادر التسييس في إيطاليا.

لكنّ أواخر الستينات شهدت أيضاً بدايات انحسار صيغة الوسط – اليسار الائتلافيّة، التي أنتجها تعاون المسيحيّين الديمقراطيّين والاشتراكيّين، معتمدةً تقديم إصلاحات اجتماعيّة تقطع الطريق على إشراك الشيوعيّين في الحكم. فقد انسحب الحزب الاشتراكيّ الموحّد (الذي تسمّى بهذا الاسم بعد اندماج 1966 مع الاشتراكيّين الديمقراطيّين، وهو الذي انهار في 1969) من حكومة ألدو مورو. ومذّاك راح الائتلاف ينتقل من أزمة إلى أخرى حتّى فارق الحياة أواسط السبعينات، فيما نشأ على يسار الحزب الاشتراكيّ حزب صغير سمّى نفسه «الحزب الاشتراكيّ للوحدة البروليتاريّة» اندمج في الشيوعيّ لاحقاً.

وفي موازاة التخبّطين المجتمعيّ والسياسيّ، وتخبّط الحزب الذي تراجعت علاقته بموسكو، وظهرت انشقاقات صغرى على يساره، حصد الشيوعيّون في انتخابات 1968 27 بالمئة من الأصوات، قياساً بنيل المسيحيّين الديمقراطيّين 39 بالمئة. وبما يشي باختلاط الستينات، المنذر بالتمرّد على كلّ «هيمنة»، تلاحظ ماكيوتشي متذمّرةً (وكانت لا تزال من راديكاليّي الحزب) طُردت منه في 1977 بتهمة محاباة الماويّين، ولاحقاً تحوّلت إلى الليبراليّة ثمّ المحافَظة. أمّا كتابها، مصدر استشهاداتنا، فيضمّ مراسَلاتها مع الفيلسوفَ الفرنسيّ الشيوعيّ لويس ألتوسير حيث تناولت رسائلها قضايا إيطاليا: الطبقة العاملة والحزب الشيوعيّ وثورة 68 والعمل الانتخابيّ ومثقّفي الحزب ومدينتها نابولي وأوضاعها المزرية، والكتاب صدر في 1969 بالإيطاليّة وفي 1973 بالإنكليزيّة.، أنّ استغراق الشيوعيّين في السياسة والتحالفات جعل «من شبه المستحيل أن نتحدّث عن تثقيف نظريّ في الحزب» Maria Antonietta Macciocchi, Letters …, p. 94.، ثمّ تتحدّث عن أجواء الشبيبة الستينيّة التي أقبلت عليه مدفوعةً بحرب فيتنام وباقي مسائل العَقد المذكور، فتسجّل معارضة هذه البيئة لـ «الحزب القديم»، وأنّها «محكومة، عاجلاً أو آجلاً، بأن تطفو على السطح» المرجع السابق، ص. 269..

وكان لتلك الأجواء أن دفعت في كلّ اتّجاه، فأوحت للبعض بحلّ بروليتاريّ، ولبعض آخر بحلّ فاشيّ، ولم يكن سوى أمندولا، وليس أيّ قياديّ شيوعيّ، مَن طلب معونة روسيّة، عسكريّة وأمنيّة، طمأنةً للشيوعيّين من احتمالات مقلقة. وللغرض هذا درّبت المخابرات السوفياتيّة والألمانيّة الشرقيّة بعض الحزبيّين على العمل السرّيّ وجمع المعلومات، كما تلقّى الشيوعيّون مساعدات ماليّة سوفياتيّة إضافيّة وصل بعضها تحت ستار شركات واجهات.

وفي 1969، وبسبب مرض لونغو، انتخب مؤتمر الحزب برلنغوير أميناً عامّاً مساعداً، في حركة اعتُبرت تمهيداً لتولّيه الأمانة العامّة، وبدا هذا إيذاناً بتراجع يصيب «أعيان» الحزب ومُسنّيه.

أمّا التحدّي الأوّل لبرلنغوير في منصبه الجديد فكان ترؤّسه وفد حزبه، في حزيران من العام نفسه، إلى مؤتمر الأحزاب الشيوعيّة والعماليّة في موسكو. واشترط الحزب الإيطاليّ لحضوره، مدعوماً بالرومانيّين، أن لا يكون قرار المؤتمر ملزماً، وأن لا يكون نقديّاً لحزب شيوعيّ آخر (وكان المقصود خصوصاً الحزب الصينيّ). وفي موسكو أعلن النجم الصاعد رفضه وجود نموذج واحد للمجتمع الاشتراكيّ. وإذ أكّد على ما رآه أخطاء في الماويّة، أردف أنّه لا يجوز اعتبار كلّ اختلاف «انحرافاً» لا يقبل النقاش، وهذا علماً بأنّ أواخر الستينات سجّلت تسلّل تأثيرات ماويّة إلى شبيبة الحزب الشيوعيّ. لكنّ برلنغوير شدّد أيضاً على الخلاف حول تشيكوسلوفاكيا، ودان ما سمّاه «مأساة براغ»، متمسّكاً بالطريق «التعدّديّ» والخاصّ إلى الاشتراكيّة في إيطاليا. وبما يكشف حجم التنافر، أقرّ الحزب الإيطاليّ جزءاً واحداً من إحدى الفقرات الأربع للتقرير النهائيّ وتغيّب عن التصويت على باقي فقراته، فكان الحزب الشيوعيّ الكبير الوحيد الذي رفض التوقيع على وثيقة المؤتمر.

انريكو برلينغوير

وقد امتدّ الاختلاف إلى التستّر على مشاكل الحركة الشيوعيّة ونظامها، وإلى قضايا نظريّة طرح بصددها برلنغوير أسئلة شجاعة تطال «القوانين العامّة» للتطوّر الاشتراكيّ. ذاك أنّ «قوانين» كهذه «لا توجد إطلاقاً في حالة صافية ولكنْ دائماً، وفقط، في أوضاع محدّدة». وترافق هذا كلّه مع تعاظم الاهتمام بالتعاون مع الاشتراكيّين الغربيّين، كالاسكندينافيّين والألمان وحزب العمّال البريطانيّ، فضلاً عن «التقدّميّين الزمنيّين والكاثوليك» أنظر: JOAN BARTH URBAN, Moscow and the Italian Communist Party…, pp. 256-7..

فصعود برلنغوير صحبَه دخول الشيوعيّين الإيطاليّين البرلمان الأوروبيّ ومباشرتهم اتّصالات غير رسميّة بالحزب الاشتراكيّ الديمقراطيّ الألمانيّ، وهاتان كانتا خطوتين أقرب إلى الهرطقة في الحسابات السوفياتيّة والشيوعيّة. وفي 1971، عقد مركز الدراسات الاقتصاديّة في الحزب مؤتمر «الشيوعيّين وأوروبا»، حيث ظهرت دعوة إلى تطوّر مستقلّ للسوق المشتركة، ورُفع شعار الانتقال «من أوروبا التجّار إلى أوروبا العمّال».

أمّا في الحياة الداخليّة، فطرأ، خلال 1970-1972، تغيّر طال كوادر الحزب، حاملاً إلى الواجهة وجوهاً طلاّبيّة، ثمّ في المؤتمر الثالث عشر (1972)، انتُخب برلنغوير أميناً عامّاً مصحوباً بعدد من الشبّان الذين رافقوه إلى القيادة أنظر عن تلك المرحلة وتطوّراتها: Giovanni Russo, ‘Il Compromesso Storico…، واندفعت بعيداً نزعة التملّص التولياتيّة من موسكو، مثلما اندفعت نزعة الاندماج في النظام الإيطاليّ.

وبرلنغوير، الذي عُرف حزبيّاً بقدراته التنظيميّة، ينتمي إلى عائلة من صغار النبلاء وأب كان محامياً اشتراكيّاً معروفاً. وهو لم يكن بعيداً عن تأثّرات شبابيّة بـ«الشيوعيّين الكاثوليك» الذين تأسّسوا في 1943، ثمّ عُرفو بـ«اليسار المسيحيّ» كان من مؤسّسيهم الفيلسوف والسياسيّ فرانكو رودانو، الذي سيلعب، أواسط السبعينات، دوراً في «التسوية التاريخيّة». المناهض للفاشيّة. وكان ممّا يوصف به برلنغوير على مستوى سلوكه الشخصيّ، وإن دلّ إلى ما يتجاوز «الشخصيّ»، اصطحابه زوجته المؤمنة إلى الكنيسة كلّ أحد.

على أنّ اختياره وصعوده جاءا تزكية لـ«الحلّ الوسط» بين أمندولا «اليمينيّ» وإنغراو «اليساريّ»، خصوصاً أنّه كان معروفاً بكونه امتداداً لتولياتي. وبالفعل فمنذ 1972، وكان عدد الشيوعيّين مليوناً ونصف المليون، بدأت «التعدّديّة السياسيّة في ظلّ الاشتراكيّة» تظهر بتكرار في الوثائق الحزبيّة.

وعرفت سنة برلنغوير الأولى في الأمانة العامّة انتصارات وهزائم. ففي الانتخابات العامّة عامذاك حافظ الحزبان الرئيسان على حصّتيهما في انتخابات 1968، فيما استمرّ الحزب الاشتراكيّ في تراجعه. لكنّ الأوضاع الاقتصاديّة بدأت تزكّي تطرّفاً لا يملك أجساماً تنظيميّة. ففيما الحكومة في عهدة جوليو أندريوتّي، غير المتحالفة مع الاشتراكيّين، تأدّى عن تصاعد التضخّم وارتفاع أسعار النفط، نشوب موجة إضرابات في 1973 دعماً لمطالب نقابيّة رافقتها أعمال عنف. ونشأت، في أوساطٍ أقلّيّةٍ داخل المسيحيّين الديمقراطيّين، وتحديداً مَن شعروا بالتضرّر من تردّي العلاقة بالاشتراكيّين، فكرة تفيد بضرورة قيام حكومة وسطيّة- يساريّة تملك الشعبيّة اللازمة للتعامل مع ظرف صعب.

وكان لا بدّ أن ينجز الشيوعيّون انفصالاً آخر عن موسكو يؤمّن لهم الاقتراب المرجوّ من التركيبة الإيطاليّة. هكذا أعلن برلنغوير، عام 1973، تأييد أوروبا التي «لن تكون مناهضة للأميركيّين ولا للسوفيات»، كما لو أنّه يرسم مسافة واحدة حيال الطرفين. وبعد مداولات مع قادة شيوعيّين أوروبيّين، بدأ التحضير، أواخر 1974، لمؤتمر يضمّ الأحزاب الشيوعيّة الأوروبيّة، الغربيّة والشرقيّة، بحضّ من الحزب الإيطاليّ وحزب العمال البولنديّ منذ أواخر 1970، وفي أواخر عهد فلاديسلاف غومولكا، وإبّان مستشاريّة فيلي برانت وسياسته «الشرقيّة» (1969-74)، وُقّعت اتّفاقيّة بولنديّة ألمانيّة غربيّة اعترفت بحدود ما بعد الحرب العالميّة الثانية، واعتُبرت تأسيساً للسلام والاستقرار في أوروبا الوسطى.، وهو ما تبدّى مهمّةً صعبة لجهة عقده كما لإعداد وثيقته الذي جعلته التدخّلات السوفياتيّة يستغرق عاماً ونصف العام. وإذ عقد المؤتمر أخيراً في برلين الشرقيّة صيف 1976، فقد تمكّنت الأحزاب الشيوعيّة الإيطاليّة والفرنسيّة والإسبانيّة والبلجيكيّة، ومعها الحزبان اليوغسلافيّ والرومانيّ، من فرض «إجماع» الأحزاب شرطاً للتعريف العامّ للمعتقدات والأفكار.

وإبّان التحضير الطويل لمؤتمر برلين، أجريت اتّصالات وصدرت بيانات مشتركة بين الحزب الإيطاليّ وكلّ من الحزبين الإسبانيّ والفرنسيّ توّجت حوارات سابقة، وأتت الوثائق المشتركة تؤكّد على استقلاليّة الأحزاب وديمقراطيّتها. وكانت الأوروبيّة المستجدّة هذه نذيراً لموسكو حاولت تبديده باستخدام تأثيرها على الأحزاب الموالية لها في وسط أوروبا وشرقها، كما على شيوعيّين غربيّين كانوا لا يزالون يرون الشيوعيّة والولاء لـ«حزب لينين» صنوين. 

نحو «التسوية التاريخيّة»

كانت أحوال إيطاليا نفسها تستقرّ على استواء قليل بفعل الضعف الديمقراطيّ في القدرات الاقتصاديّة والأسس السياسيّة. فمع التراجع الاقتصاديّ المصحوب بـ«أزمة الكينزيّة»، والتخوّف من انقلاب أو انزياح يمينيّ، اندفع مجموع البيئة اليساريّة، بشيوعيّيها واشتراكيّيها، خطوةً إلى اليمين. ومنذ 1971 عاودت الظهور شائعات عن مؤامرة عسكريّة يرعاها قائد سلاح البحريّة في العهد الفاشيّ فاليريو بورغهسّه، وعن أخرى رُبطت برئيس المخابرات رافاييل دي لورنزو.

وكتولياتي قبله، تخوّف برلنغوير من ردّة فعل رجعيّة يستثيرها أيّ اندفاع شيوعيّ نحو السلطة. وكان الحضور العسكريّ الأميركيّ في إيطاليا يوقظ الخوف من اجتماع الداخليّ والخارجيّ ويحضّ على بناء إجماعات عميقة تنهض عليها الديمقراطيّة. أمّا ما كان مضمراً في تصوّر كهذا فهو استعادة المناخ الذي أعقب الحرب العالميّة الثانية، متيحاً قيام الجمهوريّة ووضع دستورها، وهي المهمّة التي أنجزتها مجتمعةً أحزاب اليمين واليسار.

فحين حصل الانقلاب التشيليّ، صيف 1973، صار خوف الشيوعيّين مُلحّاً. والراهن أنّ ذاك الانقلاب على نظام اشتراكيّ وبرلمانيّ عزّز قناعة برلنغوير بأنّه حتّى التوصّل إلى حكومة ائتلاف يساريّ، شيوعيّ- اشتراكيّ، فإنّه لا يلغي تكرار ما حصل في تشيلي، سيّما في ظلّ عضويّة إيطاليا في الناتو، واعتمادها الاقتصاديّ على السوق المشتركة، ناهيك عن وجود التقليد الفاشيّ.

وباشر برلنغوير الدعوة إلى «التسوية التاريخيّة» بمقالات كتبها أواخر 1973، مقدّماً إياها تسويةً بين الثقافتين الفرعيّتين الكاثوليكيّة والماركسيّة لمنع أيّة محاولة يمينيّة للوصول إلى السلطة. وللأسباب هذه أسقط الشيوعيّون الدعوة إلى إحلال ائتلاف «يساريّ» حاكم وبديل من المسيحيّين الديمقراطيّين، لصالح الائتلاف «الديمقراطيّ» مع الأخيرين.

ولم يكترث المسيحيّون الديمقراطيّون لدعوة «التسوية التاريخيّة»، فاعتبروها مبادرة تعبّر عن أزمة تضرب الحزب الشيوعيّ وتعكس تخوّفه من هجمة تطبق عليه.

أمّا الحزب الشيوعيّ، وبتأثير تأويله للغرامشيّة، فرأى إلى نفسه كطرف يحاصر الرقعة السياسيّة ببناء جذور منظّمة في حياة السكّان اليوميّة، قارناً توجّهه هذا بتطوير ثقافة «الهيمنة المضادّة»، في الجامعة ومراكز الأبحاث كما في الوحدات المحلّيّة للقوى الاقتصاديّة المنتجة. وبكثير من الحيويّة اصطبغت مراكز أقسام الحزب وفروعه وشبكات تعاونيّاته ومنظّماته العمّاليّة، فوسّع قاعدة الحياة الموازية، مفسحاً للثقافة والمثقّفين حضوراً بارزاً، خصوصاً عبر موقعيه في الإعلام والسينما.

ووفّرت السيطرة على بلديّات عدّة في «الحزام الأحمر»، وسط إيطاليا، ثمّ في مدن الشمال، فرصة غنيّة لبدائل معزّزة برموز محلّيّين مقبولين شعبيّاً وفعّالين، فضلاً عن كونهم غير فاسدين كأعيان المسيحيّة الديمقراطيّة. وقد ساد يومها تشبيه المدن التي يحكمها شيوعيّون بالسويد في اشتراكيّتها الديمقراطيّة، لكنّ أحداً لم يشبّهها بمدن الاتّحاد السوفياتيّ.

وهذا إنّما بات تقليداً يرقى في بولونيا إلى 1945، حين اختير شيوعيّون لتولّي سلطاتها المحلّيّة، واستمرّوا عقداً بعد عقد. وكان رصيدهم متقدّماً في معالجة المشكلات المدينيّة وتقديم برامج لصحّة المسنّين والتدريب على التمريض ومعالجة اختناقات السير وإنارة المدن، فضلاً عن برامج إسكانيّة وعمرانيّة، ولتوفير وجبات غذائيّة لتلاميذ المدارس.

أمّا أوّل العوامل في إضعاف الممانعة المسيحيّة الديمقراطيّة لعرض «التسوية» فكان استفتاء 1974 على الطلاق. فقد كان لافتاً أنّ جناح أمنتوري فانفاني، الأشدّ عداء للشيوعيّين، هو الذي دعا إلى الاستفتاء الذي تخوّف منه الشيوعيّون، راغبين في تجنّب مناسبة أخرى من مناسبات الانشقاق النصفيّ للمجتمع. فهذا، فضلاً عن وضعهم في مواجهة المؤمنين المحافظين، قد يمنح أيّة محاولة بونابرتيّة وربّما فاشيّة فرصة باهرة. لكنْ، وبما فاجأ الجميع، بلغت نسبة مؤيّدي الطلاق 59 بالمئة، دالّةً إلى المدى الذي بلغته العلمنة في اختراق النسيج الاجتماعيّ، بما فيه جمهور المسيحيّين الديمقراطيّين.

وكان للنتائج أن صلّبت الدعوة الشيوعيّة لـ«التسوية» ولتسوير السلطة بنطاق شعبيّ أعرض، خصوصاً أنّ 1974 شهد أيضاً عنفاً يمينيّاً متطرّفاً أودى بحياة ثمانية من مناهضي الفاشيّين، ثمّ اغتالت «الألوية الحمراء» عضوين في «الحركة الفاشيّة الإيطاليّة»، وتلاحقت أعمال الإرهاب الفاشيّ في غير مكان.

لكنّ انتخابات 1975 المحلّيّة زادت في تعزيز الطموحات الشيوعيّة. فالمسيحيّون الديمقراطيّون، وقد أصيبوا بهزيمة مُرّة أخرى، باتوا يواجهون «مشاكل تتعلّق بصورتهم» و«بخطر يتهدّد موقعهم المهيمن» وطنيّاً ومحلّيّاً، وترافق هذا التراجع مع «انتقاد جدّيّ من العالَم الكاثوليكيّ» عبر مواقعه الإعلاميّة، طال خصوصاً فسادهم والعالم الداخليّ لحزبهم المتخشّب أنظر: Robert Leonardi and Douglas A. Wertman, Italian Christian Democracy: The Politics of Dominance, Palgrave Macmillan, 1989...

وإذ وضعت الهزائمُ قيادةَ فانفاني في موقع دفاعيّ، وافق الشيوعيّ، أواخر العام، على عضويّة إيطاليا في الناتو، فجاءت الموافقة بعد معارضة شرسة دامت سنوات. وإلى حملات الإغراء هذه احتفظ الشيوعيّون بورقة أخرى هي تخلّي الاشتراكيّين عن صيغة الائتلاف مع المسيحيّين الديمقراطيّين لمصلحة «بديل يساريّ» حاكم.

وكان لا بدّ من تطويع التنظيم الحزبيّ للاستراتيجيّة العامّة، فاعتُمدت إجراءات تخدم «التسوية» وتكرّس قياديّة برلنغوير. هكذا ألغي المكتب السياسيّ وحُصرت السلطة في السكرتارية التي اختير أعضاؤها تبعاً لتأييدهم «التسوية». وإذ دُفع القياديّ أرماندو كوسّوتّا إلى الهامش، وهو السوفياتيّ الهوى اتُّهم أيضاً بتلقّي أموال سوفياتيّة في الثمانينات، كما بالانتساب إلى المخابرات السوفياتيّة، وفي 1991 ساهم في تأسيس «إعادة التأسيس». الذي اعتُبر من أقوى القادة الحزبيّين، بحيث وُلّيَ مسؤوليّة الإدارات الشيوعيّة المحلّيّة، احتفظ بمواقعهم «المعتدلون» و«البراغماتيّون» كنابوليتانو وجيانكارلو باجيتّا، رئيس تحرير يونيتا، وأضيف إليهم أفراد من الجيل الأصغر.

وإذ شنّ برلنغوير هجوماً حادّاً على الحزب الشيوعيّ البرتغاليّ وعلى «ستالينيّة» قائده ألفارو كونهال، مستكملاً إبراء ذمّته الشيوعيّة، كان إبراء الذمّة الطبقيّة قطاراً آخر يُستَقلّ إلى «التسوية». هكذا وُقّع اتّفاق 1975 بين صاحب فيات جِيانّي أنيللي، الموصوف شيوعيّاً بـ«المستنير»، والقائد النقابيّ الشيوعيّ لوشيانو لاما، وفيه قدّم رأس المال تنازلات تطال الأجور وتربطها بالتضخّم وبحقّ العمّال في الفرص حول التطوّرات على صعيد علاقات رأس المال والعمل بين 1970 و1978، أنظر:Robert Leonardi and Douglas A. Wertman, Italian Christian Democracy…, p. 75.. وبدأ اقتصاديّو الحزب يتحدّثون بإيجابيّة عن الربح متى رُبط بالإنتاج، وعن الاحتمالات المتاحة لـ«سلم طبقيّ». وفاجأت ثقةُ الشيوعيّين بنفسهم كثيرين استغربوا الحدود التي بلغوها في طمأنة البورجوازيّة تعطيلاً منهم لحجج المسيحيّين الديمقراطيّين. وهم إذ عيّنوا أوضاعاً قد تملي ضبط توسّع القطاع العامّ والتأميمات، حمايةً للمشروع الخاصّ، فإنّ المسيحيّين الديمقراطيّين زوّدوهم، مطالع 1976، هديّة أخرى: فقد انكشفت فضيحة لوكهيد التي طالت بعض أقطابهم، وفضائح أخرى تناولت الجنرال ميشلّي، رئيس المخابرات، فيما كانت صراعات الحزبيّين أنفسهم، حول الإصلاح والعلاقة بالشيوعيّين، تعبث بالحياة الداخليّة لحزبهم.  

وفي أواسط العام، وقبل أسبوع على الانتخابات العامّة، فجّر برلنغوير قنبلة مدوّية، معتبراً أنّ عضويّة بلاده في الناتو قد تسهّل تطبيق الرؤية الشيوعيّة إلى الاشتراكيّة في إيطاليا، وأنّ واشنطن وموسكو تمثّلان عقبتين أمام تقدّم الشيوعيّين، مفضّلاً أن تُبنى الاشتراكيّة في الغرب لأنّها بهذا تجيء مقرونةً بالحرّيّة والتعدّد.

لقد بدا برلنغوير، في حملة الإغراء المتواصلة، مهتمّاً بإقناع الايطاليّين بأنّ التصويت للشيوعيّين لا يعني التحوّل بإيطاليا من المعسكر الغربيّ إلى الشرقيّ، وكانت المهمّة هذه المرّة أسهل من سابقاتها: فقبل أشهر قليلة، وإبّان حضوره المؤتمر الخامس والعشرين للحزب السوفياتيّ في موسكو، امتدح في مقابلة صحافيّة أثارت الضجيج، انتساب إيطاليا إلى المعسكر الغربيّ وما يتيحه من حرّيّات حيال موسكو، وذكر أنّ الانتماء إلى الناتو ضمانة تحمي بناء الاشتراكيّة.

ودارت الانتخابات العامّة حول فضائح المسيحيّة الديمقراطيّة وإمكان مشاركة الشيوعيّين في السلطة. وإذ خاض الأخيرون معركتهم بشعاري «الحكم الجيّد» و«البديل الديمقراطيّ»، مقدّمين تعريفاً جديداً للحزب بوصفه «حزباً للنضال وللحكم»، تبدّى فقر المسيحيّين الديمقراطيّين في تمسّكهم بلازمة «القانون والأمن». وبالنتيجة، قفز الحزب الشيوعيّ إلى 34 بالمئة، ونال حليفه الاشتراكيّ 10 بالمئة، بينما انخفض المسيحيّون الديمقراطيّون إلى 38 بالمئة، فتقلّص الفارق بينهم وبين الشيوعيّين إلى أصغر نسبة تسجّلها انتخابات عامّة. والنتيجة هذه، معطوفةً على الانتخابات المحلّيّة واستفتاء الطلاق، جاءت زلزالاً جعل إطاحة فانفاني من قيادة حزبه أقرب إلى تحصيل الحاصل. وبالفعل حلّ محلّه الإصلاحيّ والمعتدل بِنينو زاكانيني، ذو السمعة الطيّبة في حزبه وخارجه، مدعوماً من ألدو مورو و«يسار المسيحيّين الديمقراطيّين».

انريكو برلنغوير وآلدو مورو

وأخيراً، وفي صيف 1976 كان الاتّفاق التمهيديّ لـ«التسوية» بين برلنغوير ومورو، مُحاطَين بدعم قطاع عريض من المثقّفين والنقابيّين والبورجوازيّين «المستنيرين». أمّا الاختبار الرسميّ الأوّل فكان تكليف أندريوتّي، أحد «يمينيّي» المسيحيّين الديمقراطيّين، تشكيل حكومة من حزبه يمتنع الشيوعيّون عن التصويت ضدّها وهو ما اجترح له قاموس السياسة الإيطاليّة تسمية غريبة: «لا عدم إعطاء ثقة» (not-no confidence).، لكنّها تمثّل بداية انهيار مقاطعتهم البادئة في 1947، وتجعل حزبهم حزباً مرشّحاً، من حيث المبدأ، لدخول الحكومة. وإذ تلازم ذلك مع انتخاب بياترو إنغراو لرئاسة البرلمان، فقد رأسَ شيوعيّون لجاناً برلمانيّة، وغدا في وسعهم تولّي إدارة مؤسّسات كبرى، ماليّة وإعلاميّة، تابعة للقطاع العامّ.

وفي نهاية حزيران 1977، كانت نقلة أخرى، إذ توافقت أحزاب إيطاليا «الدستوريّة» على الإقرار بإمكان مشاركة الشيوعيّين في الحكومة. بيد أنّ التوافق ألزم الشيوعيّين بما كانوا يعارضونه، كمنح الشرطة سلطات أكبر، وإقامة سجون خاصّة للمعتقلين السياسيّين «الأخطر»، أي الإرهابيّين. وكان لا بدّ في ظلّ سياسات كهذه، لا تشبه الأدبيّات التي تربّى عليها الشيوعيّون، أن تشتدّ المعارضة الحزبيّة، خصوصاً بين الشبيبة والطلبة ومهاجري الجنوب والعاطلين عن العمل. وفي شباط 1977 انفجرت انتفاضة طلابيّة لم تخلُ من عنف، فاحتلّ الطلاّب الكلّيّات وهتفوا بسقوط أساتذتهم بمن فيهم يساريّوهم. وحينما انتدب الحزب القائد النقابيّ لاما للحوار، واجهه الطلاّب بالعنف فحماه النقابيّون الشيوعيّون، ما أملى استدعاء الشرطة. واتّسعت الفجوة بين الحزب والانتفاضة الطـلاّبيّة لتّتخذ في بعض المناسبات شكل الصدام المباشر، سيّما وقد تقاطعت الانتفاضة المذكورة مع بلوغ «سنـوات الرصاص» (وتعود بداياتها إلى أواخر الستينات) ذروتها. وكان التعبير قد سُكّ دلالةً على توسّع الإرهابين اليمينيّ واليساريّ اللذين لم يتوقّفا كلياً إلاّ أواسط الثمانينات. واستحقّت الموجة تلك إدانات صدرت عن كبار المثقّفين الأوروبيّين لإرهاب الحركات الطلاّبيّة المتطرّفة كـ«أوتونومي» (استقلاليّ، أي استقلاليّ عن الأحزاب) و«لوتّا كونتينوا» (النضال المستمرّ)، لكنّ معظم الإدانات أصاب الحزب الشيوعيّ المشغول بتدعيم «التسوية» و«الشيوعيّة الأوروبيّة»، والمعتبَر مسؤولاً أوّل عن قمع الطلبة ومتواطئاً مع وزارة الداخليّة والشرطة.

لكنْ إذ تبيّن أنّ تلك السياسة غير شعبيّة، خصوصاً بين مهاجري الريف الشبّان، وأنّ دعاة الالتحام العنفيّ بالسلطة بدأوا يمارسون جاذبيّة ما عليهم، عقد الشيوعيّون مؤتمراً في روما كان بمثابة نقد ذاتيّ على إغفالهم مسائل الشبيبة والطلبة.

وبالفعل بدأ الحزب بتقديم تنازلات سياسيّة وإيديولوجيّة للشبيبة شريطة رفضهم العنف كلّيّاً، لكنّ رقعة المناورة ضاقت وبات ردم فجوة ما يوسّع فجوة أخرى. ففي تلك الفترة نفسها، نشأ ما عُرف بالسجال مع المثقّفين الذي استُهلّ بتأويل غرامشي وأفكاره، بينما كانت أحوال الاقتصاد والأمن تزداد تردّياً. فعنف «الألوية الحمراء» تصاعد مستهدفاً الصحافيّين، وبدأ الحزب يواجه مصاعب في داخله وفي المصانع والإدارات المحلّيّة كما في عموم العلاقة بالمجتمع، حتّى أنّه لم ينجح في تنظيم تظاهرة كبرى ضدّ «الألوية الحمراء» وإرهابها في تورينو، علماً بأنّهم استهدفوا بالقتل شيوعيّين ونقابيّين حزبيّين لم تخلُ تلك الفترة من ذيوع روايات يصعب تمييز الفعليّ منها عن تآمريّات الحرب الباردة، من نوع أنّ «الألوية الحمراء» كانت تتلقّى دعماً من تشيكوسلوفاكيا التي رفضت الاستجابة للحزب الإيطاليّ بالتوقّف عنه، فتضاعف امتعاضه من موسكو.، فضلاً عن المسيحيّين الديمقراطيّين.

وغازل برلنغوير الكنيسة، وراسل أحد المطارنة (مع افتتاح سينودس بالتزامن مع العيد الثمانينيّ للبابا)، مؤكّداً أنّ «المواقف التي اتّخذها الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ والسلوك الذي اعتمده على مدى عقود عدّة تُوضح وجود نيّة فعّالة في الحزب للبقاء حزباً ديمقراطيّاً علمانيّاً في إيطاليا، من غير أن يكون مؤمناً أو ملحداً أو مناوئاً للإيمان. لكنّه أيضاً يدعم (…) دولة علمانيّة وديمقراطيّة لا تكون هي الأخرى مؤمنة أو ملحدة أو مناوئة للإيمان». ولئن رحّبت المنابر الدينيّة ببدايات «حوار» شيوعيّ مع الكنيسة، تحدّث قياديّ شيوعيّ عن تعديل المادّة الخامسة من النظام الأساسيّ التي توجب على الأعضاء استلهام أفكارهم من دراسة الماركسيّة- اللينينيّة، ما أثار ضجّة في الحزب استدعت استدراكاً يرهن الأمر بالمؤتمر المقبل.

وإذ فُهم من هذه الإشارات جميعاً كم أنّ الحزب مستعجل لإتمام «التسوية» وتحويلها أمراً واقعاً، طرح يوم 2 كانون الأوّل (ديسمبر) 1977 تحدّياً صعباً. فقد تظاهر مئة ألف عامل تعدين في روما مطالبين بسقوط الحكومة، الأمر الذي لم يستسغه الشيوعيّون، خصوصاً وقد فُسّرت التظاهرة باستياء الطبقة العاملة من «التسوية». وبعد خمسة أيّام أطلق الحزب مبادرة كانت لتبدو مستحيلة قبل شهر واحد، مطالباً باستقالة حكومة أندريوتّي التي وصفها بالقصور وضعف الكفاءة، ما افتتح إحدى أكبر الأزمات الدستوريّة في تاريخ جمهوريّة اشتُهرت، بفعل هشاشة استقرارها الديمقراطيّ، بصعوبة تشكيل الحكومات وبكثرة انفراطها. ذاك أنّ المسيحيّين الديمقراطيّين كانوا لا يزالون يُبدون بعض الممانعة للقبول بشراكة الشيوعيّين، وهو موقف عزّزته إدارة جيمي كارتر التي أعادت توكيد التحفّظات الأميركيّة. ووجد الحزب الشيوعيّ نفسه أمام معضلة: هل يصوّت ثانيةً لحكومة مسيحيّة ديمقراطيّة برئاسة أندريوتّي، وهو الذي أسقط حكومته، أم ينتقل إلى المعارضة مضحّياً بـ«التسوية»؟ وبدوره حاول برلنغوير التحايل بقوله إنّ «التسوية» لا تنفي تغيير الحكومات، مقترحاً حكومة من شيوعيّين واشتراكيّين وأحزاب صغرى يمتنع المسيحيّون الديمقراطيّون عن التصويت ضدّها. لكنّ اللجنة المركزيّة على اختلاف أعضائها لم تهضم هذا الطرح الذي يقلب الأدوار السابقة كما افترضتها «التسوية». وفيما قوّى استمرار الأزمة حجّة مورو بضمّ الشيوعيّين، كان الضمّ يحتّم عليهم تقديم مزيد من التنازلات. وبالفعل تجاوب الشيوعيّ والنقابيّ لاما معلناً أنّ النقابات مستعدّة لبذل التضحيات المطلوبة لتجاوز المشكلات الاقتصاديّة والسياسيّة، ما أخرج الوضع من عنق الزجاجة.

وبلغت سياسة «التسوية» ذروتها بتشكيل مورو حكومة وفّر لها الشيوعيّون الدعم من خارجها. وبنتيجة ذاك الانتصار بدأ الشيوعيّون يمدّون العمل بمبدأ «التسوية» إلى البلديّات والمجالس المحلّيّة، متعاونين مع المسيحيّين الديمقراطيّين في المدن الكبرى التي اقترعت لأكثريّات يساريّة. وقد تبدّى يومذاك، وفي الاعتبار الضعف التقليديّ للدولة الإيطاليّة، أنّ الحزب بات «دولة موازية» ثالثة إلى جانب «الدولتين الموازيتين» الأخريين، أي الكنيسة والمافيا. وكان لا يزال حارّاً ومؤثّراً مقال شهير كتبه السينمائيّ بيار باولو بازوليني، قبيل اغتياله في 1975 هو الذي ربطته بالحزب الشيوعيّ علاقة مرتبكة من الانتماء والطرد والما بين بين، خصوصاً بسبب مثليّته الجنسيّة التي لم تكن مقبولة حزبيّاً يومذاك.، وصف فيه الحزب بأنه بلد داخل بلد، بلدٌ ينطوي على كلّ ما هو نبيل وجميل في مقابل البلد الآخر (إيطاليا) السيّء والقذر، مطالباً بإنشاء «علاقات ديبلوماسيّة» بين البلدين.

لقد ضاعف الحزب حضورَه في حياة أعضائه وفي تنظيمها، تأجيراً للبيوت وبيعاً مقسّطاً لها، وترتيباً لدور حضانة ولنوادٍ رياضيّة وثقافيّة، وإدارةً لعطل وإجازات، ولمآتم وجنازات.

بيير باولو بازوليني

ولئن تجاورت في ذلك قوّة الغرامشيّة وضعفها، لم تبدُ «نظافة اليد» كافية لتحصين بعض موظّفيه المكلّفين تشغيل أرصدته الماليّة ممّن تورّطوا في نشاط مشبوه، وراح عددهم يتزايد بموازاة توسّع «الهيمنة البديلة» في شقّها الماليّ. ومع مواقعهم القياديّة، خصوصاً في البلديّات الكبرى، صار بعض اللوم يطال الشيوعيّين، المنزّهين سابقاً، ما ساهمت فيه عوامل أخرى كصعوبات تفعيل «التسوية» مع بعض المسيحيّين الديمقراطيّين، وكون المدن مثقلة بعجوزات ماليّة موروثة عن الإدارات السابقة، حتّى أنّ بعضها لم يستطع دفع الأجور للموظّفين. وبسبب تعيين شيوعيّين في مواقع عليا في الإدارة والشركات، ظهر من يتّهم بعض تلك التعيينات بالخضوع لعلاقات المحاصّة التقليديّة، ولم يفت ماكيوتشي، مثلاً، انتقاد العقليّة البيروقراطيّة والامتيازات في الحزب، والتشديد على ضرورة معرفة الحزبيّين بكم يتقاضى النائب الشيوعيّ Maria Antonietta Macciocchi, Letters …, p. 274..

ومضى الحزب يقدّم نفسه جامعاً بين المعارضة المبدئيّة وإنقاذ المؤسّسات واستعادة الأمن مصحوباً بالحرّيّة، مركّزاً، في تناوله البورجوازيّةَ، على التمييز بين طبقات «منتجة» وأخرى «طفيليّة»، وماضياً في استراتيجيّة «الحوار» مع البورجوازيّة «المستنيرة»، كأنيللي، التي وضعها مقابل الطبقة الريعيّة.

لكنْ، وكما لن يلبث أن يتّضح، بدا من الصعب للصورة التي تقدّمها الانتصارات الانتخابيّة أن تلخّص مجموع اللوحة الإيطاليّة البالغة السيولة، طبقيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، والتي يضاعف تعقيدها، في حالة الشيوعيّين، شيوعيّتهم والسوفياتيّة المنسوبة إليهم. وما زاد في خطورة التعويل على تلك الصورة الجزئيّة والرجراجة أنّ الانتخابات باتت بالضبط الاستراتيجيّة المركزيّة، إن لم تكن الوحيدة، التي بات الحزب يعوّل عليها.

بيد أنّ الخديعة الذاتيّة بالانتصارات كانت تفد أيضاً من ترجمة التحوّلات الحداثيّة والتقدّميّة والليبراليّة للمجتمع الإيطاليّ بوصفها قوّةً للشيوعيّة، أو أنّ هذا ما أوحى به استفتاء الطلاق والطلب على نزاهة الإدارات المحلّيّة.

ومجدّداً تنبّه الحزب إلى حاجته لإصلاحات تنظيميّة اتّجهت، هذه المرّة، في الجوّ الانتصاريّ المتفائل، عكس وجهتها «المركزيّة» قبل الانتخابات. فالمركزة البالغة بات ينبغي تغييرها حتّى لو لم يكن الحزب قد تخلّى عن «الديمقراطيّة المركزيّة» رسميّاً وكلّيّاً. كذلك اقتُرح تعديل المادّة الخامسة التي اعتُبرت مناقضة للمادّة الثانية التي تنصّ على أنّ العضويّة مفتوحة للجميع بمعزل عن معتقداتهم.

وكان للتحوّلات المتتالية، رغم عدم اتّساقها، أن تراكمت في «ثورة تنظيميّة». ففي 1976 غدا أكثر من 37 بالمئة من الكوادر من أعمار تقلّ عن ثلاثين، ممّن انتسبوا إلى الحزب بعد 1969. وهؤلاء كانوا أفضل تعليماً من سابقيهم، أكثرُ من نصفهم أنجزوا تعليمهم الثانويّ و/أو الجامعيّ. وفي 1979 كان ثلاثة أخماس المندوبين إلى المؤتمرات الحزبيّة من منتسبي ما بعد 1970، أكثرُ من نصفهم دون الثلاثين، وخُمسهم ذوو تعليم جامعيّ، فيما سبق لثلثهم أن نشطوا في تنظيمات «اليسار الجديد» للستينات، التي تعطي دوراً أكبر للتثقيف السياسيّ والإيديولوجيّ. والاهمّ أنّ هؤلاء الجدد أشدّ تقبّلاً لسلوك سياسيّ غير تقليديّ، وأقلّ تحمّلاً للنظام الحزبيّ. ويُرجّح أنّهم كانوا أكثر تعاطفاً مع حركات الاعتراض في المعسكر السوفياتيّ، دون أن يخلو الأمر من اختراقات ماويّة لجسمهم.

«الشيوعيّة الأوروبيّة»

لم تكن انتصارات الشيوعيّين الكبرى في 1976، والتي بدت ردّاً على عزل 1947، وبالتالي مكافأة عادلة على صبر عظيم، انتصاراتٍ صافية، كما لم تأت بلا متاعب. ففي العام نفسه تولّى بتينو كراكسي قيادة الحزب الاشتراكيّ ببرنامج أهمّه الابتعاد عن الشيوعيّين، ليس فقط بسبب تحفّظات تعود إلى غزو هنغاريا، بل أيضاً لإحساسه أنّ «التسوية» تقوّض حزبه. لكنْ لئن اختار كراكسي تخريب «التسوية» لتجديد التفاهم بين حزبه والمسيحيّين الديمقراطيّين، فإنّ يساريّي الحزب الشيوعيّ اختاروا معارضتها لأنّها بالضبط تسوية مع المسيحيّين الديمقراطيّين. فلهؤلاء بدا أنّ حزبهم يتحوّل إلى تولّي «إدارة أعمال الرأسماليّة» بدل السعي لأن يكون «قوّة الهيمنة البديلة». وكان من الانتقادات اليساريّة أنّ الحزب الشيوعيّ أوهم نفسه بوجود «غرائز إصلاحيّة» لدى المسيحيّين الديمقراطيّين، وكان في وسعه استخدام تأثيره على النقابات لفرض مشاركته في الحكومة. لهذا فـ«التسوية» استسلام للإصلاحيّة الانتخابيّة وللتسويات الطبقيّة المعطّلة للصراع.

وفي أواخر ذاك العام، 1976، وخلال اجتماع للّجنة المركزيّة، استجمع قواه القائد التاريخيّ المسنّ والمريض، والأمين العامّ السابق، لونغو، ليعبّر عن قلقه من أنّ الحزب يضحّي بهدفه في التحويل الاجتماعيّ لصالح إجراءات تجميليّة تعزّز الرأسماليّة JOAN BARTH URBAN, Moscow and the Italian Communist Party…, p. 293.. واكتسب موقفه هذا أهميّة خاصّة، ليس بسبب تاريخيّته فحسب، بل لأنّه، منذ تقاعده في 1972 وتحوّله رئيساً (فخريّاً) للحزب، واظب على دعمه سياسات برلنغوير الكبرى.

وما أجّج الاعتراضات أنّ القيادة التي درجت على ربط تأييدها للتقشّف بحصول إصلاحات اجتماعيّة «ملموسة»، باتت، مع دعم الحكومات المسيحيّة الديمقراطيّة، تؤيّد فرض سقوف على زيادات الأجور والإنفاق العامّ «يمليها علاج الوضع الاقتصاديّ»، وإن انعكس ذلك سلباً على معيشة الطبقة العاملة. وفي مطالع 1977 دعا الحزب بعض أبرز مثقّفي إيطاليا، بأعرض معاني الكلمة، إلى مؤتمر ألقى فيه برلنغوير الخطاب الشهير الذي ظهر لاحقاً مَن يستدركه بالقول إنّ الحزب لم يطّلع عليه. فقد اعتبر أنّ ثمّة حاجة كبرى إلى سياسة تقشّف تواجه الأزمة، لكنّها أيضاً سياسة تغيّر النموذج الاقتصاديّ والثقافيّ لإيطاليا المرتكز على النزعة الاستهلاكيّة، حاضّاً المثقّفين المدعوّين على الانضمام إلى دعوته التقشّفيّة بمشاركتهم مناقشة مشروع متوسّط الأمد يعدّه الحزب لهذا الغرض.  

وجاءت ردّة فعل المثقّفين على الدعوة مخيّبة لآمال القيادة، بل عميقة التشكيك بها وبمبدئيّتها. فنوربِرتو بوبيّو، أحد أبرز الفلاسفة والقانونيّين الديمقراطيّين، وغير الماركسيّ تعريفاً، اهتمّ بهرطقة الشيوعيّين قياساً بما يزعمونه، فرأى بحقّ أنّ «نظريّة التضحية» لا صلة لها بتاتاً بالماركسيّة. وازدادت المساجلات حدّة أواسط 1977، حينما اتّهم أمندولا المثقّفين بـ«الانهزاميّة» والجبن لأنّ بعض أبرزهم أيّدوا رفض قضاة في تورينو المشاركة في محاكمة أعضاء من «الألوية الحمراء» لخوفهم من الانتقام. وردّ بعض المثقّفين المتَّهمين باتّهام أمندولا بأنّه لا يزال ستالينيّاً، فيما اختار بعضهم من أصدقاء الحزب إنهاء كلّ علاقة به.

وفيما غرقت علاقة الحزب بالمثقّفين بوحلٍ كاد يلوّث ملمحاً من الملامح التاريخيّة للشيوعيّة الإيطاليّة، افتتحت المجلّة الثقافيّة للحزب الاشتراكيّ موندو أوبيريو سجالاً حول مفهوم «الهيمنة» الغرامشيّ بمقالين اعتبرا أنّ ذاك المفهوم مقدّمة لديكتاتوريّة البروليتاريا وليس بديلا عنها. وأجابت ريناسكيتا الشيوعيّة بمقالات نرجسيّة وقمعيّة، تتّهم الإشتراكيّين بإثارة عناوين القصدُ منها حرمان الطبقة العاملة نصيبَها من الثقافة مرموزاً إليه بغرامشي.

لكنْ حين نظّم الحزب عامذاك مؤتمراً بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاة غرامشي، اعترف إنغراو بأنّ التجديد الذي حملته السياسة الجديدة للحزب ليس كلّه مستمدّاً من غرامشي، وأن غرامشي لا يستطيع أن يوفّر التبرير الأيديولوجيّ الكافي لسياسات الحزب الجديدة. ومجدّداً أثير نقاش حامٍ في الإعلام حول المشكلات الإيديولوجيّة لحزب تتقاذفه الرياح، وحول المصاعب التي يواجهها في الانتقال إلى حزب «للنضال والحكم».

وفي أواخر العام عقد الشيوعيّ مؤتمراً تحت عنوان «المثقفون والسياسة» بدا كأنّه ردّ على مؤتمر التقشّف. وكان بوبيّو مَن ألقى التقرير الأساسيّ، واضعاً حرّيّة المثقفّين مقابل مفهوم «المثقّف العضويّ» الغرامشيّ. وفي الفترة ذاتها انتُقدت سياسات برلنغوير، للمرّة الأولى في اجتماع للّجنة المركزيّة، بوصفها تنازلاً مجّانّيّاً.

وأمام الاختلاط والتضارب هذين انتعشت الحجّة القائلة إنّ السلطة والحفاظ على استمرار الجسم الحزبيّ يعلوان على كلّ اعتبار مبدئيّ مزعوم، وأنّ إصرار القيادة على الظهور بمظهر «المعارض المسؤول» ليس سوى قشرة رقيقة تسوّر لبّاً انتهازيّاً.

فالحزب، منذ أواخر 1976، وافق على حزمة تقشّف قدّمتها حكومة أندريوتّي، وللهدف هذا طوّع النقابات التي يسيطر عليها، فرأى لاما أنّ الدفاع عن خفض البطالة وتحسين ظروف العمّال «يأتي ثانياً»، إذ الأولويّة «تضحيات» تعزّز الاستثمار وتكافح التضخّم عن DAVID BRODER, The Italian Left’s Long Divorce….

ثمّ في 1978، وافق ثانية على تجميد الأجور لمكافحة التضخّم والحفاظ على موقع إيطاليا في النظام النقديّ الأوروبيّ، وقُدّمت «التضحيات» تمهيداً لمستقبل تُقطف فيها الثمار، لكنّ هذا المستقبل لم يصل، وأتت النيوليبراليّة بدلاً منه.

لكنْ بفعل سياسة «التسوية» والتوتّر المتصاعد الذي أثارته داخل الحزب، بدأ برلنغوير، أواخر 1977، يبرّد الخلاف مع موسكو التي لا يُنكَر تأثيرها على قطاع واسع من معارضيه. وبالفعل انخفضت العضويّة الحزبيّة في 1977-1978 قليلاً عمّا كانته، بينما كانت الأزمة الاقتصاديّة ترفع نسبة الشبّان المسجّلين عاطلين عن العمل إلى 700 ألف، 500 ألف منهم جنوبيّون.

إلاّ أنّ الملاطفة الجديدة للسوفيات، بما فيها إعلان التمسّك بـ«الديمقراطيّة المركزيّة»، أعادت تحريك الريبة الغربيّة بالشيوعيّين دون أن تكفي لتبديد الغيوم في العلاقة بموسكو. ذاك أنّ الاستراتيجيّة الأخرى التي اتّبعها الحزب، وأرفق بها «التسوية التاريخيّة»، كأنّهما استراتيجيّتان متكاملتان، أي «الشيوعيّة الأوروبيّة»، كانت تحرّك أعمق مشاعر الاستياء السوفياتيّ.

فقد تبنّى الحزب الإيطاليّ، ومعه الحزبان الفرنسيّ والإسبانيّ، تلك «الشيوعيّة» المختلفة، كطريق تحرّر من التبعيّة لموسكو، وتكيّفٍ مع شروط المجتمعات الديمقراطيّة. وتبدّت هذه الأطروحات قطعاً نهائيّاً وأخيراً مع صيغة الثورة كما مثّلها البلاشفة، وانعطافاً نحو مشروع منفتح يستوعب الاتّجاهات الليبراليّة والاشتراكيّة الديمقراطيّة في أوروبا. وهدف التيّار المذكور إلى تطوير نظريّة وممارسة لتحوّل اجتماعيّ يشبه تطوّر بلدان الاشتراكيّة الديمقراطيّة، مستلهماً أفكار غرامشي حول التحالفات الاجتماعيّة لإحراز الهيمنة وتحقيق الاصلاحات وفق هوبسباوم، تعاظم الاهتمام بغرامشي مع «الشيوعيّة الأوروبيّة» وبسببها.، ومتأثّراً بالماركسيّة النمسويّة والبحث عن طريق ثالث إلى الاشتراكيّة. وهذا ما أملى تطوير جاذبيّة الأحزاب الشيوعيّة بمخاطبة الطبقة الوسطى وموظّفي القطاع العامّ والحركات الاجتماعيّة الناشئة، كالنسويّة والبيئيّة ودعاة الحرّيّة للمثليّين ولأصحاب الممارسات الجنسيّة المغايرة، فضلاً عن المواظبة على توجيه الانتقادات التي تؤكّد التمايز عن السوفيات.

ويميل البعض إلى التأريخ لبدايات هذه الظاهرة بمؤتمر 1967 في منتجع كارلو فيفاري، بتشيكوسلوفاكيا، والذي كان من أوائل تعبيرات الهوى الأوروبيّ لدى بعض الأحزاب الشيوعيّة أنظر: Giovanni Russo, ‘Il Compromesso Storico…, p. 90.. فبعد المؤتمر هذا باشر الحزب الإيطاليّ اتّصالاته بالاشتراكيّين الديمقراطيّين الألمان، وتوجّه عدد من وفوده إلى البرلينين واستقبل وفوداً ألمانيّة في روما. وكان أن عُدّت تلك الديبلوماسيّة السرّيّة للحزب من مصادر «السياسة الشرقيّة» التي غيّرت، في 1971-1972، العلاقة بين الألمانيّتين، كما بين ألمانيا الفيدراليّة وبولندا وبلدان شيوعيّة أخرى، مؤدّيةً إلى ترطيبها مع موسكو.

وكان لسحق «ربيع براغ» خصوصاً أن حفّز على هذه الانعطافة، فوجد الغزو السوفياتيّ إدانته عند أحزاب شيوعيّة كان أبرزها، فضلاً عن الإيطاليّ، الفرنسيّ والإسبانيّ والفنلنديّ، وانشقّ الحزب اليونانيّ حول الموضوع، فأيّد السوفيات «حزبُ الخارج» وأيّد التشيكوسلوفاكيّين «حزبُ الداخل». وحتّى داخل المعسكر، وقف الرومانيّون بقيادة تشاوشيسكو في مربّع الاعتراض مع هذا، وكما هو متوقّع، حافظت أحزاب شيوعيّة أخرى وكثيرة على ولائها للسوفيات، في عدادها البرتغاليّ والجنوب أفريقيّ والأميركيّ والإيرلنديّ (الذي اعترض في البداية ثمّ تراجع) وطبعاً الأحزاب العربيّة..

لقد ولدت «الشيوعيّة الأوروبيّة»، رسميّاً وتقنيّاً، من بيانين وُقّعا بين الحزب الإيطاليّ وكلّ من الإسبانيّ والفرنسيّ بين تمّوز وتشرين الثاني 1975، وفي آذار 1977 تُوّجت العمليّة بمؤتمر في مدريد ضمّ القادة الثلاثة ووُصف بأنّه «قمّة شيوعيّة أوروبيّة»، فيما كانت العلاقة بالشيوعيّين الرومانيّين واليوغسلاف تزداد انقشاعاً. ولئن ترافق هذا كلّه مع استمرار الحزب الإيطاليّ في إبداء التضامن الشكليّ مع الاتّحاد السوفياتيّ وحفظ اللياقات في الصلة ببريجنيف، فقد أحسّت موسكو بأنّ الرفاق الأوروبيّين يدفعونها إلى موقع دفاعيّ.

برلنغوير وكاريو ومارشيه في مدريد 1977

لكنّ «الشيوعيّة الأوروبيّة» لم تذهب بعيداً، كما فعل «اليسار الجديد» مثلاً، في بلورة ذاتها كمنظومة قناعات وممارسات. وهي تعرّضت لانتقادات تعدّدت مصادرها، فظهر تشكيك يمينيّ بجدّيّة قطعها مع السوفيات، وأُخذت عليها صعوبة بلورتها استراتيجيّاتٍ بديلة: فالقائلون بها ليسوا، في آخر المطاف، اشتراكيّين ديمقراطيّين، وليسوا حركة مستقلّة بذاتها. كذلك ظهر نقد تروتسكيّ عبّر عنه الاقتصاديّ إرنست ماندل في كتاب حمل عنوان من الاشتراكيّة إلى الشيوعيّة الأوروبيّة: الثمار المُرّة لـ«الاشتراكيّة في بلد واحد». وكعادة التروتسكيّين، ردّ ماندل تلك السيرورة إلى الستالينيّة ونظريّة «الاشتراكيّة في بلد واحد» بوصفها تخلّياً عن الثورة العالميّة. فأحزاب «الشيوعيّة الأوروبيّة»، وفق التأويل التروتسكيّ، حركات قوميّة تخلّت، مثلها مثل موسكو، عن الأمميّة. وأصدر الزعيم الشيوعيّ الألبانيّ أنور خوجا كتاباً ذا عنوان معبّر: الشيوعيّة الأوروبيّة مناهَضة للشيوعيّة.

أمّا الاتّحاد السوفياتيّ فحاول تحييد برلنغوير جزئيّاً والتركيز على سانتياغو كاريّو، الأمين العامّ الإسبانيّ، الذي اتّهمه الحزب السوفياتيّ بأنّه «يساعد الإمبرياليّة موضوعيّاً». ومع أنّ الكثير من النقد الذي وُجّه إليه كان ينطبق على برلنغوير، استمرّ لون من تكريم القائد الإيطاليّ خفّف من غلواء المعارضين داخل حزبه.

غير أنّ الحزب السوفياتيّ لم يكتم عمله التدخّليّ في الأحزاب الشيوعيّة لثنيها عن «الشيوعيّة الأوروبيّة»، الأمر الذي أثمر، أواخر السبعينات، تخلّي الشيوعيّين الفرنسيّين عنها. وهذا علماً بأنّ موسكو الرسميّة أبقت مسافة واضحة عن محاولات ممثّليها الحزبيّين والإيديولوجيّين، خصوصاً منهم بوريس بوناماريف (بوناماريوف)، رئيس الدائرة الدوليّة للجنة المركزيّة للحزب ووريث سوسلوف في التنظير الحزبيّ. وفي هذه الغضون مارس الإعلام السوفياتيّ التكتّم حول ما جرى ويجري في الأحزاب الأوروبيّة.  

الطرق المسدودة

بقياس الجهد والصبر اللذين بُذلا في سبيل «التسوية»، جاءت نهاية الأخيرة محزنة جدّاً، وبمعنى ما سخيفة، لا تشي إلاّ بهشاشة الدعوة التي بذل لها الشيوعيّون الغالي والنفيس، متخلّين عن مقوّمات مبدئيّة وصلبة.

فإذ توصّل مورو إلى إقناع نوّاب حزبه بضمّ الشيوعيّين إلى الأكثريّة الحاكمة دون تمثيلهم في الحكومة، وفيما راحت حكومته تتهيّأ للخضوع للمجلس طلباً للثقة، في 16 آذار 1978، خُطف مورو وقُتل حرّاسه الخمسة. لكنْ ما بين خطف «الألوية الحمراء» له والعثور على جثّته في 9 أيّار، مرميّةً في النقطة الوسطى بين مقرّي الحزبين الشيوعيّ والمسيحيّ الديمقراطيّ، تأكّد أنّ جثّة «التسوية» هي المطلوبة.

على أنّ الحزب الشيوعيّ، راغباً ومضطرّاً ومفجوعاً معاً، تمسّك بموقف بالغ الصلابة حيال الإرهابيّين، ما أوحى لوهلة بأنّ العلاقة بين قيادته وقيادة المسيحيّين الديمقراطيّين ستتطوّر إلى الأحسن، ضدّاً على ما أراده قتلة مورو. وفي هذه الغضون اعتمد الاشتراكيّون، أعداء «التسوية»، موقفاً مائعاً أمعن في توتير علاقتهم بالشيوعيّين.

لكنّ الحساب الاشتراكيّ، على سوء نواياه وأغراضه، كان أدقّ. فـ«التسوية» توقّفت، وما لبث أن تأدّى عن غياب مورو تعزيز الجناح الأشدّ مناهضة للشيوعيّة لدى المسيحيّين الديمقراطيّين.

وإذ خطا الاندماج الإيطاليّ في أوروبا خطوة أبعد في 1978 عبر دخول النظام الماليّ الأوروبيّ (EMS)، فإنّ «الشيوعيّة الأوروبيّة» بدت شديدة التعثّر. صحيح أنّها أثّرت في عدد من الأحزاب الشيوعيّة الأوروبيّة، كما خارج أوروبا (اليابان، المكسيك…)، إلاّ أنّ أحوالها الداخليّة لم تكن على ما يرام. فالإيطاليّون مثّلوا الوسط بين الفرنسيّين الأكثر سوفياتيّة والإسبان الأقلّ سوفياتيّة.

وفي أواخر 1977، حين شنّت مجلّة الأزمنة الحديثة السوفياتيّة هجومها على كتاب كاريّو الشيوعيّة الأوروبيّة والدولة، بدا الشيوعيّون الإيطاليّون، المهتمّون آنذاك بتلطيف الأجواء مع موسكو، كأنّهم يتجنّبون التورّط. ذاك أنّ الحزب لم يُدن كاريّو لكنّه تنصّل من عباراته المسيئة للسوفيات. وتوجّه وفد حزبيّ إلى موسكو في زيارة أُعدّت من قبل، فزار باجيتّا، الذي رأس الوفد، سوسلوف وقادة آخرين وطمأنهم إلى أنّ حزبهم، على عكس الإسبانيّ، لا يطعن في «الطابع الاشتراكيّ للاتّحاد السوفياتيّ». كذلك صرّح أمندولا، في احتفالات يونيتا، بأنّ «الشيوعيّة الأوروبيّة لا وجود لها، وكما رفضنا المراكز العالميّة القديمة للشيوعيّة، فإنّنا لا نرغب في خلق مراكز جديدة». وجاء هذا التصريح الغريب، والذي زاده غرابة صدوره عن أمندولا، فيما العلاقات تعاود توتّرها بين الاشتراكيّين والشيوعيّين في فرنسا. ولئن رجّح المراقبون أنّ الشيوعيّين الإيطاليّين أشدّ تعاطفاً مع اشتراكيّي فرنسا ممّا مع شيوعيّيها، فمع غزو أفغانستان، لم يعد هناك مكان للشكّ وتضارب التقديرات. فالحزب الفرنسيّ أيّد الغزو، ضدّاً على مواقف الحزبين الزميلين في «الشيوعيّة الأوروبيّة»، قبل أن يؤيّد قمع نقابة التضامن البولنديّة.

وامتدّت الخلافات المتعاظمة من الاتّحاد السوفياتيّ وسياساته وقضايا الانشقاق، إلى المراجعات السياسيّة والنظريّة، وصولاً إلى تقييم بعض شخصيّات الثورة الروسيّة، خصوصاً بوخارين وتروتسكي.

لكنّ أوروبيّةً غير شيوعيّة، أو بالأحرى اشتراكيّة ديمقراطيّة، كانت تشقّ طريقها، فكان من ثمار الانفتاح على الاشتراكيّين الأوروبيّين أنّ المؤتمر الخامس عشر للحزب الإيطاليّ، عام 1979، حضرته وفود من 19 حزباً اشتراكيّاً ديمقراطيّاً وعمّاليّاً. وفي المؤتمر المهرجانيّ هذا أكّد الحزب أنّ الاشتراكيّة كما يراها ليست الاشتراكيّة الديمقراطيّة ولا الشيوعيّة على النمط السوفياتيّ، بل «الطريق الثالث» (terza via) (التي شاعت بعد سنوات في العالم الأنكلوساكسونيّ).

واختُتمت السبعينات على تطوّر ثقافيّ بارز. فبين مثقّفي الحزب ومؤرّخيه الشبّان، بدأ يظهر اهتمام بعناوين هرطوقيّة كـ«الجذور اللينينيّة للستالينيّة» و«غياب الروادع الدستوريّة عن إساءة استخدام السلطة في الاتّحاد السوفياتيّ». وبينما كان معهد غرامشي الحزبيّ يحضن معظم المحاولات المتجرّئة، راحت دار النشر الحزبيّة إديتوري ريونِتّي تنشر كتباً لمنشقّين يساريّين، كالمؤرّخ السوفياتيّ روي ميدفيديف والاقتصاديّ البولنديّ فلودزيميرز بروس. وبدأ يظهر، وهو استشرافيّ بمعايير يومنا، «تيّار» في الحزب يعوّل على «تعبئة جماهيريّة» تغاير المفاهيم القديمة لـ «الجبهات» التي تكون الأحزاب والحركات السياسيّة أعمدتها. فالمخاطَبون بالتعبئة هذه المرّة الشبيبة الهامشيّة (emarginati) من عاطلين عن العمل وعمّال مهاجرين وغير مهرة من الجنوب ومن مُسنّين متقاعدين. كما خاطب هذا التيّار «المنخرطين» (engages)، أي الحركات (لا المنظّمات والتنظيمات) النسويّة والبيئيّة والمطالِبة بنزع السلاح النوويّ. واتّسع مُنْتَموه بحيث بات برلنغوير نفسه يُعدّ واحداً منهم بينما راحت تخترق القاموس الشيوعيّ مفردات لم تكن مألوفة في اللغة الطبقيّة القديمة، عن المُخْضَعين والمميَّز ضدّهم والمهمّشين والمحرومين.

والتطوّر هذا كان يمكن ردّه جزئيّاً إلى محاولة لتوسيع رقعة الحزب، مع انهيار «التسوية» في 1979 وحصول انتكاسة في انتخابات العام نفسه، فضلاً عن التصدّع داخل الحزب المصحوب بتردّي العلاقة بالسوفيات.

وفي هذا كان للمسألة البولنديّة تأثير كبير، إمّا مباشر أو مداور، يشبه تأثير المسألة التشيكوسلوفاكيّة في 1968. هكذا قدّر دارسو الحزب أنّها هي ما تسبّب بالطلاق مع موسكو، والذي ترافق مع تطبيع العلاقات بالحزب الشيوعيّ الصينيّ في 1980، ومع إسقاط الحزب الإيطاليّ «الدور الطليعيّ» عن حركة شيوعيّة وأمميّة تقودها موسكو في المسيرة نحو الاشتراكيّة JOAN BARTH URBAN, Moscow and the Italian Communist Party…, p. 261..

وأطلق برلنغوير، بعد إعلان الطوارىء في بولندا، تصريحه الشهير عن أنّ «الاندفاعة الخلاّقة التي تكمن أصولها في ثورة أكتوبر قد استُنفدت»، كما نشر نابوليتانو وإنغراو وقادة حزبيّون آخرون مقالات بهذا المعنى.

هكذا انتهت السبعينات مسجّلةً انهيار «التسوية التاريخيّة» و«الشيوعيّة الأوروبيّة» معاً، لكنّها سجّلت أيضاً وصول العلاقة بالسوفيات إلى درك أسفل، ورسوّ الحزب على درجة بعيدة من التصدّع.

ووفق ماغري، بدأ برلنغوير، في 1980، مع انهيار العلاقة بالمسيحيّة الديمقراطيّة، وتعاظم قوّة تيّارها الأبعد عن الشيوعيّين، يتّبع «نهجاً راديكاليّاً حقيقيّا» LUCIO MAGRI, THE TAILOR…, p. 290.، وهو ما صحبه تحوّل الحزب الاشتراكيّ بزعامة كراكسي نحو اليمين.

وشكّل هذا انسداداً آخر، إذ لم يلق التراجع من «التسوية» إلى «البديل اليساريّ» آذاناً صاغية لدى الاشتراكيّين. فكراكسي لعب أوراقه ببراعة، متحالفاً مع المسيحيّين الديمقراطيّين ومبتزّاً إيّاهم باستخدامه التهديد بالانسحاب من التحالف الذي يحرمهم الأكثريّة النيابيّة. هكذا تمكّن في 1983 من تولّي رئاسة الحكومة، مسجّلاً للاشتراكيّين الإيطاليّين سابقة تاريخيّة، ومتخلّصاً، في العام نفسه، ممّن تبقّى من ماركسيّي حزبه الذي حوّله حزباً «اشتراكيّاً ليبراليّاً» لعب كراكسي دوراً بارزاً في تمكين سيلفيو بيرلسكوني من تملّك تلفزيونات خاصّة، ما كان حتّى ذاك الحين امتيازاً حصريّاً للدولة. وإذ طالته فضائح الفساد اللاحقة فقد هرب إلى تونس، وانتهى الحزب عمليّاً مع هربه المشين، كما حلّ نفسه في 1994..

أمّا برلنغوير فلم يعمل تمسّكه المستجدّ باستراتيجيّة «البديل اليساريّ» غير التذكير بالانقلاب الكامل على النظريّات التي سوّغت «التسوية» قبل سنوات قليلة. وكان للإحراج الذي تسبّب به التغيير أن دفع بإنغراو إلى انتقاد التحوّلات التي تُفرض «من فوق»، إذ «من الضروريّ أن يفهم الرفاق أيّ بدائل يملكونها ويطرحونها».

لكنّ انعطافة 1980 بدت عرجاء لسبب آخر. ففي 1981، وللمرّة الأولى منذ رحيل ستالين، قاطع قائد شيوعيّ مؤتمراً كبيراً للحزب السوفياتيّ، هو المؤتمر السادس والعشرون، وهو ما فعله برلنغوير. وخلال 1981-1982 ظهرت مواقف شيوعيّة تشبّه السياسات السوفياتيّة بتلك الأميركيّة، أو تحيل أفعال موسكو إلى تنافس قطبيّ، لا إلى صراع طبقيّ، مع إبداء الطموح إلى تجاوز القطبيّة الثنائيّة لصالح «أوروبا مستقلّة» تلعب دورها الدوليّ الطليعيّ.

ولم يبقَ الحزب السوفياتيّ صامتاً. ففي مطالع 1982، اندلع سجال غير مسبوق في تاريخ الحزبين الشيوعيّين السوفياتيّ والإيطاليّ. وإذ ردّ بقوّة، وحذت حذوه أحزاب شيوعيّة تابعة، كان لافتاً أنّ الردّ، هذه المرّة، حملته برافدا وكوميونِست، فيما تولّته قبلاً صحف أدنى رتبة. لقد اتُّهمت قيادة برلنغوير، وبالاسم الصريح، بـ«التجديف» و«معاونة الإمبرياليّة» ممّا سبق توجيهه إلى كاريّو. ولئن ميّزت الهجمة السوفياتيّة بين قيادة الحزب الإيطاليّ وقاعدته، فإنّها رصّعت اتّهاماتها بعبارات مستقاة من تولياتي ولونغو.

لكنْ فيما تفاوت استقبال الحزب الإيطاليّ للموقف السوفياتيّ، فأبدت بعض قواعده تقبّلاً لاتّهامات موسكو، بدت معارضة برلنغوير ضعيفة جدّاً في الأوساط القياديّة، تكاد تقتصر على كوسّوتّا.

وفي 1983 بات تركيز برلنغوير على «الأمن الأوروبيّ» عنصر إزعاج إضافيّ لموسكو، خصوصاً تنسيق مواقفه مع الشيوعيّين الرومانيّين واليوغسلاف، ومحاولته التقريب بين الألمانيّتين الغربيّة والشرقيّة بالاستفادة من علاقات قديمة ربطته بإريك هونيكر.

لكنّ تركيب الحزب كان قد تغيّر تماماً بنتيجة ما راكمه برلنغوير من تعديلات تنظيميّة وجيليّة. ففي مطالع العقد بات أكثر من نصف الحزبيّين من منتسبي العقدين السابقين، وبات انتساب نصف كوادره يعود إلى ما بعد 1968. أمّا القادة القدامى من جيل مقاومة الفاشيّة فكان الموت أو التقاعد أصاباهم، بينما بدأ يحتلّ الواجهة «أبناء برلنغوير» الأكثر براغماتيّة، كماسّيمو داليما وولتر فِلتروني، ممّن لعبوا لاحقاً أدواراً متصدّرة.

وفي تقريره إلى مؤتمر 1983 السادس عشر، وتتويجاً لخمس سنوات من العمل في الاتّجاه نفسه، حاول الأمين العامّ إنشاء توازن بين جناحي الحزب، «البراغماتيّ» و«التَعبويّ»، بحيث طغى توازن شالٌّ، طُرحت معه الأسئلة حول إمكانيّة الجمع بين التأثير والوحدة.

وعاد التراشق الكلاميّ، ولو بلا تسميات، بين الشيوعيّتين الإيطاليّة والسوفياتيّة ممثّلةً بفاديم زغلادِن، أحد منظّري الحزب الذي انحاز لاحقاً إلى بيريسترويكا غورباتشوف، وفيكتور أفاناسيف، رئيس تحرير برافدا. ومن غير أن تهاجم الحزب بالاسم، هاجمت موسكو مفاهيمه في «التعدّديّة الاشتراكيّة» و«الطريق الثالث»، وامتدحت موقف تولياتي «الصلب في معارضته الناتو»، كما كتب زغلادِن محذّراً من فكرة الأحزاب «الجديدة» التي تنتمي فعليّاً إلى نمط الاشتراكيّة الديمقراطيّة «القديمة».

وفي هذه الغضون، وتحديداً صيف 1983، قضى برلنغوير إجازته الصيفيّة في الصين حيث التقى مراراً قادة صينيّين، لا بل اصطحبه في بعض جولاته السياحيّة الأمين العامّ الصينيّ يومذاك هيو ياوبانغ. لكنّ هذه المحاولة في الوقوف على مسافة واحدة من موسكو وبكين، ترافقت مع هجوم حادّ شنّته يونيتا على واشنطن، ما قد يهدّىء موسكو من غير أن يغضب بكين. إلاّ أنّ ذلك لم يعن تخلّي الحزب عن معارضته «تنافس القوى العظمى» (الذي حلّ محلّ الانقسام الطبقيّ والإيديولوجيّ)، واستبداله نقد الإمبرياليّة بنقد الريغانيّة.

وحتّى موت برلنغوير المفاجىء، في 11 حزيران 1984، بقيت العلاقة بالسوفيات على توتّرها، لم يغيّر فيها تعاقب أندروبوف وتشرننكو على الكرملين. وبوفاته تدافع سياسيّو إيطاليا على اختلافهم مُعزّين ومشيدين بمساهمته في خدمة ديمقراطيّة إيطاليا واستقرارها، وهو ما لم يحظ به تولياتي قبل عشرين عاماً، حيث اقتصر الحزن عليه على الحزبيّين. لقد قُدّمت خسارة برلنغوير «خسارةً للأمّة الإيطاليّة»، كما نعته موسكو ونشرت صحفها موادّ موسّعة عنه دون أيّة إشارة إلى اضطراب العلاقة به. كذلك رأس غورباتشوف، وكان المرشّح المرجّح لوراثة تشرننكو، وفد التعزية إلى روما الذي ضمّ زغلادِن.

تشييع إنريكو برلنغوير في آب (أغسطس) 1984.

أمّا في قاعدة الحزب فاعتملت أزمة فاقمتها وفاة الأمين العامّ. ذاك أنّ القادة القدامى رحلوا، أو يرحلون، مطلقين أرواحاً كانت صامتة ومصمّتة في الحزب، فيما راح يتبدّى الأفق الاشتراكيّ، خصوصاً مع انهيار «المعسكر» بعد سنوات قليلة، أشدّ فأشدّ نأياً. وإذ عرّض موت برلنغوير وصعود جيل جديد هويّةَ الحزب للمساءلة، فقد ضمّت جنازته مليوني شخص. وبعد أيّام على وفاته، حقّق حزبه، وللمرة الأولى في تاريخ إيطاليا، انتصاراً جبّاراً في الانتخابات الأوروبيّة، إذ نال أصواتاً تفوق ما ناله المسيحيّون الديمقراطيّون. إلاّ أنّ كلّ ما حصل بعدذاك يوحي أنّ الجنازة والفوز الانتخابيّ كانا أقرب إلى لياقات الوداع والخواتيم.

وبالانتقال إلى اختيار الوريث، بدا الاختلاف كبيراً عمّا حصل قبل عشرين عاماً. ففي 1984 لم يكن هناك أمين عامّ مساعد، أمّا أليساندرو ناتّا (66 عاماً)، الذي اختير، فكان يعيش منزوياً في شبه تقاعد، وما صعّده إلى القيادة لم يكن عمليّة «عضويّة»، بل مشاورات فرديّة أجراها كبار الحزبيّين ومُسنّوهم مع الـ 244 عضواً في اللجنة المركزيّة و«لجنة الضبط الحزبيّ». هكذا ظهر إجماع أمرٍ واقع حول ناتّا الذي عُرف بولائه لبرلنغوير ووُصف بكونه انتقاليّاً. وهو، مباشرة بعد نيله 227 صوتاً، أعلن أنّه سيستقيل في المؤتمر المقبل.

والاستقالة بدت شبيهة بالشيوعيّة يومذاك. فقبل أن يتداعى المعسكر، سجّلت الثمانينات هزيمة مطنطنة للطبقة العاملة البريطانيّة على يد تاتشر، وهي صاحبة التجربة التي استلهمها كلّ نزوع إصلاحيّ وبراغماتيّ في بيئة الاشتراكيّين الأوروبيّين. وفيما كان ينقشع خلوّ وفاض الطبقة العاملة، «الأكثر ثوريّة»، من الأفكار والبدائل، وتحوّل النيوليبراليّين ناطقين بلسان عمّال كثيرين، على ما دلّت خصوصاً ظاهرة «ديمقراطيّي ريغان» في الولايات المتّحدة، انهار الاتّحاد السوفياتيّ ومعسكره.

هكذا لم تعد الوجهة الطاغية تحوّلاً اشتراكيّاً ديمقراطيّاً، وهو ربّما ما أراده برلنغوير وغورباتشوف وقبلهما دوبتشيك. أمّا الخيار الوحيد الذي وجده الحزب متاحاً ومتوفّراً فهو ليبراليّة مسكونة بـ«الهيصة الديمقراطيّة» للتسعينات، أو بـ«عبادة الجديد» وفق ماغري.

وفي 1988 اختير أكيل أوكيتّو، المولود في 1936، ليكون آخر أمين عامّ للحزب. وهو كان مستعجلاً فأعلن، بعد عام واحد، نهاية الشيوعيّة، وفي عدادها الشيوعيّة الأوروبيّة. وفي حركة بدت لكثيرين شبيهة بالانتحار، حلّ الحزب نفسه في 1991 وتسمّى «الحزب الديمقراطيّ لليسار»غُيّر الاسم بعدما غيّر الحزب الشيوعيّ الهنغاريّ اسمه، ما أُخذ مأخذاً على الشيوعيّين الإيطاليّين الذين عُرفوا دوماً بالأسبقيّة في المبادرة والتجديد.، كما انضمّ إلى الأمميّة الاشتراكيّة التي ولد بالانشقاق عنها. وبقيادة كوسّوتّا، رفض ثلث الحزبيّين القرار هذا وشكّلوا «حزب إعادة التأسيس الشيوعيّ».

لقد أشير إلى عوامل كثيرة ومتباينة في تفسير هذا «الانتحار»، فقيل أنّ الحزب حصر رؤيته إلى إيطاليا بتحديثها، ولكنْ قيل أيضاً أنّ تحديثها هو ما تجاوزه وألغاه. وقيل أنّ الحصار الأميركيّ له إبّان الحرب الباردة وإبعاده عن الحكومة حرماه خبرة تسيير السلطة، لكنّ ما يُضعف هذا التحليل أنّ المسيحيّين الديمقراطيّين، الذين خدمتهم السياسات الأميركيّة ولم يغادروا السلطة بتاتاً، ما لبثوا هم أيضاً أن «انتحروا»، وهو ما أصاب كذلك الاشتراكيّين الذين تقع تجربتهم بين تجربتي الحزبين الكبيرين. فإذا أضفنا أنّ أحزاباً لا حصر لها انتهت بنهاية الاتّحاد السوفياتيّ والحرب الباردة، بما فيها الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، بتنا بحاجة إلى منظورات تحليليّة أغنى تنطوي على إدراك التكوينات المحلّيّة للبلدان وعلى سيروراتها، حيث ثمّة أحزاب (ودول) لم تتمكّن، رغم كلّ مظهر معاكس، من أن تطوّر لنفسها شرعيّة قويّة تتعدّى الحرب الباردة. وفي حالة إيطاليا، كان الأكثر إقلاقاً أنّ القوى البديلة تصدّرتها الرابطة اللومبارديّة في الشمال والفاشيّون الجدد والشعبويّون في الجنوب وشخصيّات كسيلفيو بيرلسكوني، ما يطرح أسئلة مشروعة على عمق التأسيس الحزبيّ والسياسيّ الذي أنشأته الأحزاب «المنتحرة»، وعلى فعاليّة قاموس ضخم تناول الاستراتيجيّة والتكتيك والتحالف والهيمنة إلخ…، وواكبته سياسات معيّنة حاولت مطابقته. أم أنّ «الحزب» نفسه غدا لزوم ما لا يلزم، لفظته روح الزمن ومزاجه، أو ما يسمّيه الألمان الـzeitgeist، بينما نجحت الهويّات في أن تغدو «أحزاباً» وتكسب لنفسها وجه «الموضة» (ممّا اشتهر به الإيطاليّون)، وهو ما لم ينجح التحليل العقلانيّ في رصده وتوقّعه؟

ويبقى، على العموم، أنّ الأفكار الطافحة بالفهم لم تُفهمنا، بل تركتنا مخدوعين بظنّنا أنّنا نفهم أكثر ممّا يجب.