تدفقت أنفاس حياة بهيجة في الشارع الذي كان، قبل دقيقة واحدة فقط، من جمادات البلدة. وبينما كان الأولاد يركضون في جميع الاتجاهات، حاول المدرسون كبح جماحهم وحاولت الأمهات  -وبعضهن في الأصل مدرسات-  سحبهم من أياديهم وآذانهم، بلا جدوى؛ احتل الصغار الشارع، ثار الغبار وأصبحت الأرض ملعباً للصخب.

تعثرت حركة السير في الشارع، لكن لم تظهر علامات تدل على الاستياء. بالعكس، لاحت ابتسامات خفيفة على شفاه المارة وسائقي السيارات القليلة. ما الذي يمكن أن نقوله؟ هم أنفسهم كانوا يوماً أطفالاً، تماماً كأولئك الأولاد، تلوّت وجوههم تحت ضحكات متوحشة وانحشرت أجسادهم أمام عربات المثلجات وغزل البنات، بعضهم غنّى والبعض الآخر أمسك سيقان الشجر المدهونة بالأبيض بيدٍ وداروا حولها فاردين الأخرى. هل كان في وسع الانزعاج أن يطال أحداً من المشاهدين؟ وإن حدث ذلك، هل كانوا يقدرون على التطفّل وإفساد تلك الفرحة القصيرة -التي يحملها رنين جرس نهاية اليوم- وهم يعرفون أن اليوم قد يمر على الطفل بلا فرحة تعادلها؟ حتى أولئك الذين قطع الجرس قيلولتهم في الغرف المطلة على الشارع، حتى أولئك تلاشى حنقهم عندما فتحوا النوافذ إلى نهر زرقته زي المدرسة الابتدائية الحكومية، طفت على سطحه حقائب ظهر بألوان مختلفة وذكريات يمتُ شحوبها لماضيهم الخاص. نهر، طبقًا لخبرتهم الشخصية، يفيض بالماء لقليل من الوقت ثم يجف.

وهو بالضبط ما حدث. لا بد أن ذلك الحماس، الذي جعل الأولاد يرقصون في الشارع، هو نفسه الذي أملى عليهم المغادرة، لينتقل عرضهم الرائع إلى مكان آخر. هكذا، وبعد نصف ساعة، رجع الشارع إلى حركة لا تُلاحظ فبدت حياته العارضة والقصيرة كأنها حدثت في يوم آخر، لم يتبق من مظاهرها غير القليل: أكياس غزل بنات ممزقة هنا وهناك، شلة أولاد برؤوس حليقة جلسوا فوق حقائبهم تحت شجرة بونسيانا، وبائع غزل بنات انحرف بعربته إلى ظل منتصف الربيع.

وفي تلك اللحظة التي سلّم فيها الناظر من إحدى النوافذ المطلّة على الشارع  -نفترض أنه تأخر هناك لتدخين سيجارة- بأن ذلك هو كل شئ وأن لا شئ غير ذلك تبقى في قاع النهر، في تلك اللحظة حيث هَم كذلك بإغلاق النافذة والعودة إلى النوم، خرجت بنت، أطول قليلاً من المعتاد، من المدرسة.

ربما دفع تهدل المشية الناظرَ من النافذة – وقد توقّف لثوانٍ للملاحظة – إلى التفكير في التعاسة الصغيرة لهذه البنت، ارتسمت على خلفية من ثلاثة ألوان «من أسفل لأعلى: أسود، أبيض، أحمر» بطول السور، ربما دفعه عبوس حركاتها أو اختناق طرف ضفيرتها بين ظهرها وحقيبتها المنتفخة إلى التساؤل –خاصة بعد نظرة طويلة منها تجاه مدخل المدرسة أدت إلى تعثرها في مطب واطئ– عمّا أخرها عن أقرانِها وعن نوعية العقاب، إذ أنّه، وبحسب خبرته الشخصية، لا بد من وجود عقاب أجبرها على البقاء داخل المدرسة لوقت متأخر، مقارنة بمَن حصلوا على الإفراج.

وإن كنّا قد سمحنا لأنفسنا بالكثير من الافتراضات، عن طيب خاطر بالطبع، فإننا الآن، وبسرعة قبل أن يستسلم الناظر للنوم، إذ كان قد أخذ رشفة ماء واستلقى في سريره، نسمح لأنفسنا مرة أخيرة بافتراض الدهشة، ولو القليل جداً منها، إذا ما خرجنا من وراء ستارة وقلنا له إن البقاء في المدرسة كان اختيار البنت.

* * * * *

كانت الحصة الأخيرة لفصلها حصة تربية موسيقية. وقفَ الفصل أمام حجرة الموسيقى بينما انكبّت هي بالقلم الرصاص في أحد الأركان تحوّل كراسة الرسم إلى كراسة موسيقى. بالإضافة إلى الباب الذي رُسم عليه مفتاح صول كبير ومائل، كانت النوافذ مغلقة والمصابيح مطفأة. ليس هذا بغريب عليهم، كان يحدث على فترات؛ يتعطل شئ ما في الحجرة فتتعاون المدرسة مع أستاذ التربية المسرحية في إصلاحه.

لكن هذه المرة، بدلاً من أن ينفتح الباب بعد قليل ويخرج الأستاذ أحمر الوجه ينضح العرق من جبهته، وبدلاً من إطلالة مدرّسة الموسيقى من الفرجة الضيقة، تعدل حجابها وتقول: «ادخلوا يا شياطين» جاءهم عواء مشرف اليوم الدراسي من نهاية الطرقة: «تعالوا هنا يا ولاد الهرمة».

إنه ذئبٌ كلح يكشّر دائماً عن أنيابه، ويطلب من الأولاد أن يأخذوا دروساً خصوصية عنده، يكربصهم في حجرة تعوزها المحارة والبلاط، ضيقة بحصيرة وخيزرانة. بناءاً على رغبة أبيها، ذهبتْ هناك حينما كانت في الصف الأول. فقط مرة واحدة. ضربها، ولا تتذكر السبب. جاءت زوجته في جلباب بيتي على صوت البكاء، أشفقت عليها فأخذتها لتغسل وجهها. تركتها وحدها في الحمام فألقت البنت الصابونة الوردية في المقعدة. وفي الخارج، على جذع شجرة مقطوعة يصلح كمقعد، وجدت أمها في انتظارها، بساندويتش وموزة مسودة في كيس أسود. احتضنت البنت ساقها وتمخطت. 

«يلّا مش هنقضي طول اليوم هنا».

وقف الصغار طابوراً أمام المشرف. كان يتفحص جدول اليوم على الغلاف الداخلي لكراسة مهترئة. قال: «ولا صوت، ولا نفس». ركل طفلاً كان قد شد زميلته ضاحكاً، مشيراً إلى بقايا الفول المدمس العالقة في شاربه الكث – ولا حركة. تثاءبت البلاهة على وجهه، لمس خط شعره المتقهقر ثم شحن الجميع إلى حجرة الاقتصاد المنزلي.

هناك اعترضت المدرّسة المسؤولة – لطالما فكّرت البنت أنها تشبه حيوان الفقمة – على استقبال فصل جديد: «المكرونة إللي هنا تكفّي يدوبك الفصل إللي معايا، جاي انت تقول لي دلوقتي خُدي حطّي دول عليهم؟» 

بيدها اليمنى ملعقة متسخة بالصلصة، حركتها بعصبية في أثناء كلامها فأمطرت البقايا على الوجوه والزي المدرسي للأطفال في مقدمة الطابور.

– خُديهم يا ستي وما تأكليش حد منهم.

– يا سلام ياخويا، بُص عيونهم عاملة إزاي؟ 

قالت ذلك كما لو أن الصغار أمامهما أخرجوا من جيوبهم شوكات ضخمة لمعت أطرافها على ضوء الشمس وأصدرت شرراً حين كُحتت في الجدار، بينما في الواقع لم يكن الصغار، بأي شكل من الأشكال، واقعين في حب مكرونة الاقتصاد المنزلي؛ المعجّنة والخالية من الطعم، صلصتها كأنما صنعت من الحشائش الطويلة في الحديقة أمام حمامات المدرّسات ومضغ اللحم المفروم – النادر فيها أصلاً – يشبه مضغ دود الأرض من الحديقة نفسها.

«أنا ما أرضاهاش على نفسي»، أغلقتْ الباب فأصدر الصغار زفرات ارتياح.

«شششش ولا حِس ولا حركة يا ولاد الجزمة، خليكم هنا لحد ما أرجع»

جلست البنت، مبتعدة عن همهمات الأولاد وضحكاتهم، على أعلى درجة في السلم. بللت بطرف لسانها كم مريلتها ومسحت غلاف كراسة الرسم/الموسيقى. كانت حجرة الاقتصاد المنزلي في الطابق الأخير من المبنى، على السلم المؤدي إليه قابل الصغار أستاذ التربية المسرحية فسألوه عن مدرّسة الموسيقى «حاول المشرف عندها مداراة ضحكته». بوغِت الرجل، بدا مرتبكاً، مائلاً برأسه إلى الدرابزين، قال: والدتها تعبانة شوية. وهرع في نزوله فاصطدم بالبنت، وقعت الكراسة من يدها فداس عليها بفردة حذائه.

حين صارت البنت راضية عن النتيجة، حشرت كراسة الرسم/الموسيقى في الجيب الأكبر لحقيبتها. أخرجت من جيب أصغر ساندويتش جبنة صنعته أمها. ومن مكانها، وهي تقضم قضمات صغيرة على قد فمها الصغير، كان بإمكانها رؤية الكثير: نخلة المدرسة يحرّك الهواء سعفها، حمام يدور في السماء الواسعة الزرقاء الخالية من السحب «نقط بيضاء وسوداء ترسم أشكالاً دائمة التغيّر»، المئذنة الطويلة ذات الهلال المكسور والميكروفون الكبير، والمباني المتضاغطة المنخفضة بأسطحها الممتلئة بالدواجن وبأطباق الأقمار الصناعية.

رأت أيضاً الشرفة – شرفتها – وبابها المغلق والغسيل المعلق بالمشابك على الحبال. لقد ساعدت، بطريقتها الخاصة، في نشره مساء البارحة، رافضة أن تفرّق بين جواربها المتماثلة، بينما كانت أمها  -مَن قامت بالعمل حقًا- تنقرها على فترات في أعلى كتفها، تحرّك كفيها حول وَسَطها كأنها بذلك تُدخل المزيد من الهواء وتقول: شامّة ريحة الفل والياسمين إللي في الجو؟ وفي الفصل، الحصة الأولى بالتحديد، محاكيةً حركات أمها، أخبرت زميلتها في المقعد بأن عليها الخروج في المساء إلى البلكونة، لتشم الهواء.

إن الرائحة نفسها في أنفها الآن، دون الحاجة إلى المساء والشرفة، وكأن أحدًا زيّنها بالزهرات البيض في راحتيها وفوق أذنيها. التفتت بحثًا عن زميلتها لتشاركها اكتشافها. لم تجدها. عادت إلى الصورة فانشق السلم عن الشارب الكث ببقايا الفول المدمس. لكزها في صدرها: يلّا، قومي يا بنت، قوموا كلكم، على البيت عِدل، يلّا روّحوا، من غير حِس ولا صوت، من غير نفس.

فرحةً بالخروج المبكّر وتقريباً دون قصد، أصدر الصغار دوشة، فلطّش فيهم الشارب الكث. قال: قلت لكم «لكمة» من غير حِس يا ولاد الـــ «ركلة» تطلعوا من هنا على بيوتكم على طول «لطمة» والله لو طلَّعتم صوت «صفعتان على قفيين مختلفين» أرجعكم وأخرجكم مع بقية الفصول.

سمعوا الكلام. نزلوا في بطء خلفه، أياديهم على أفواههم وأنوفِهم. انتظرت البنت زميلتها لتمر بها حتى لم يعد ثمة أحد غيرها. قضمت من الساندويتش ونزلت درجتين، وبالقدر الذي أتاحته الرؤية من بير السلم تابعت تزحلق زملائها؛ كان الدرابزين، في الناحيتين، قائم على سور قصير مغطى بالرخام وفّر مساحة خارجة تسمح للصغار بأن يضعوا فخذًا على الرخام ويتأبطوا المعدن مختصرين درجات السلم.

لم يلاحظ الشارب الكث شيئاً.

ونظرت البنت إلى الشرفة: مغلقة والغسيل -وكله ملابس انتمت إلى فصل الشتاء- لا يزال على الحبال، تساءلت إن كانت جواربها سعيدة في مكانها أم أن شريراً فرّق بينها. أسقطت بقية الساندويتش في جيب المريلة الأمامي وانتقلت إلى السلم في الضلع المقابل من المبنى، مارةً بطرقة احتوت رغاء الفقمة في حجرة الاقتصاد المنزلي والطلبة في فصول الصف السادس. كانت المساحة المُتاحة من الرخام في هذا السلم أصغر منها في السلم الآخر، لكن ذلك لم يمنعها من التزحلق، من الدور الأخير إلى الدور الأرضي.

لم يضبطها أحد فصعدت وتزحلقت ثانية.

كانت تضحك وهي ترى العالم، الشبيه بما رأته وهي جالسة تمضغ الساندويتش، يُطوى أمامها بهذه السرعة والهواء، ذلك المعبق بالرائحة الطيبة، يغسلها.

أسود

وقع الناظر من النافذة في النوم وسرعان ما كان يحلم بالسهاد.

في الحلم، رأى نفسه يغلق النافذة ثم يأوي إلى السرير. كانت هي الحركات نفسها التي مر بها في الواقع «آية الكرسي، شربة الماء» مع اختلاف وحيد؛ فكما لو كان نومه في الحلم يتطلب مزيداً من العتمة، دفن الناظر رأسه تحت وسادة طويلة. 

لكنه لم يستطع النوم.

بعد وقت مناسب رفع راية بيضاء، سحب رأسه من مدفنها.

الكتب المبعثرة على السجادة  -مجعدة قليلاً، ممزقة قليلاً- ملابسه المعلقة على ظهر الكرسي، الغبار على حافة السرير. كل الأشياء في مكانها وحقيقية، رائحة السجائر، رغبته الحارقة في التبول، تنعس تحت الضوء القادم من النافذة.

أصبحت مفتوحة، تصدر كركبةً وضجةً كالمضغ.

أراد إغلاقها والعودة إلى السرير لكن ثمة ما سحبه إليها، كنفس، كرشفة عصير بماصّة، كموج يعود إلى البحر، وهكذا أطل برأسه.

وقع الناظر من النافذة من النافذة، فوجد نفسه في الطرقة بين غرفة النوم وغرفة المعيشة.

كان عارياً. وتناهى صخب التليفزيون إلى سمعه: نشرة أخبار.

كان صوت المذيع مألوفاً على نحو عجيب، سمِعَه في مكان ما، لا يتذكر أين. أياً كان، يبدو أن معرفة صاحب الصوت كانت غير ذات أهمية فقد ظلّ يحاول فتح باب غرفة نومه.

موصد بإحكام.

حاول معه طرقاً شتى وفي كل مرة فشلت المحاولة، ارتفع الصوت من التلفزيون.  وفي النهاية، عندما صار الأمر لا يُحتمل، مشى الناظر برأس مطأطأة إلى غرفة المعيشة. 

هناك، كان الأب، أبوه، على شاشة التليفزيون، يقرأ من ورقة. فجأة، نبتت سيجارة مشتعلة في كفه فدفسها، في فزع، في فخذه. 

من كان يتصوّر أن أباه سيعود من الموت ليقدم نشرة الأخبار على قناة محلية؟ مَن كان أيضاً يتصوّر أن كل هذا الوقت سيمضي قبل أن يلاحظ الدب البني الجالس على الكنبة، في العتمة السوداء، هناك في غرفة المعيشة؟

جفل الناظر خطوة بعيداً عن الدب البني.

ابتسم الأب في التليفزيون، قال: غريبة، مش كدِه؟

* * * * *

جلست البنت على العشب في الحديقة أمام حمامات المدرّسات. أراحت ظهرها إلى السور وأخرجت بقية الساندويتش من جيب المريلة، حولها ارتعشت أوراق نبات مخلب القط المتسلق وغرّدت عصافير الدوري.

مكان جديد. حديقة سرّية. جاردن سرية.

قبل قليل، فشلت محاولتها في الدخول إلى رياض الأطفال. كان بإمكانها في الماضي، أن تتسلل جانبياً من الفتحات المستطيلة في الجدار الذي يفصل فناء رياض الأطفال عن بقية المدرسة، لكن الآن، وللمرة الرابعة في هذا الاسبوع، علقت بين العالمين. جرّبت فتحة ثانية وثالثة ورابعة ولم تتغير النتيجة: انحشر صدرها، ووحدها اليد، خافقة ومهسترة، عكّرت سكون الأراجيح والزحاليق والعربات الصغيرة الملوّنة على عشب أخضر بلا رقع أو مناطق جرداء. 

جرّبت فتحة خامسة وسادسة، أتعبتها المحاولة فحملت حقيبتها. 

في أثناء مشيها إلى الحديقة، تذكّرت النصف الأول من السنة الدراسية عندما أخذ مدرّس اللغة العربية دميتها الصغيرة وشعرت بحزن من المكان نفسه. لكن بغض النظر عن ذلك الحزن الصغير وبقعة صفراء  – وجدتها في الموضع الذي لكزها فيه الشارب الكث – فإن اليوم كان يسير على ما يرام؛ لم يضربها مدرس الدراسات على ظاهر يدها ولم يُفرض عليها التبرع بنقودها القليلة لأجل لوحة ورقية أو جلّاد مزركش على حائط الفصل، لم تقرصها أمينة معمل العلوم من رقبتها لأنها لم تُحضر كتاب العلوم ولم يلق مدرّس الرياضيات كتاب الرياضيات في وجهها، حتى عندما وجدت نفسها، بعد تزحلقها الثاني، أمام مدير المدرسة بقامته القصيرة وبذلته الصيفية وظنّت أنه لا محالة سيضربها على وجهها، كان المدير مشغولاً بمسح كتابة بالطباشير على باب مكتبه ولم يلاحظها.

أشياء جميلة حدثت لها اليوم، فكّرت البنت، وهذه الرائحة التي لا تزال تتبعها دليل على ذلك، لو كانت في السماء سحب ربما تبعتها أيضًا ولو جاء المساء فجأة كان القمر ليتمشّى معها. غدًا ستحاول من جديد، لن تأكل والله أعلم ربما تنجح. غرستْ يدها في التربة ثم رفعتها أمام وجهها، انسلّ الفتات من بين أصابعها وما تبقى كانت دودة أرض تلوّت على خطوط كفّها. لم تكن سمينة كدود القز «حاولت مسبقاً تربية واحدة في علبة ثقاب» بل رفيعة ومتسخة، تحركت كما لو كانت خائفة. تأملتها البنت لبعض الوقت ثم وضعتها على القضمة الأخيرة المتبقية من الساندويتش ودفنت كل شئ في التربة.

بعد دقائق رنّ جرس نهاية اليوم الدراسي فاهتزّ المبنى الرئيسي وانبعثت منه صيحات انتصار ودبيب عظيم. الحديقة التي جلست بها بعيدة عن أن تكون جاردن سرية:

1) يخرج المرء من المبنى الرئيسي ويمشي إلى ما ورائه.

2) يمر بالجدار ذي الفتحات المستطيلة والألوان في رياض الأطفال.

3) يجد بعد أمتار حمّامات المدرّسات وأمامها الحديقة تحدها ثلاثة أضلاع من الطوب الأحمر المغروس بميل في الأرض.

لكن يبدو أن كل ما أراده الأطفال هو الخروج من المدرسة فلم يقطع خلوة البنت سوى ثلاثة طلّاب بقمصان خارج بناطيلهم، وقفوا أمام حمامات المدرسات واشتركوا في تدخين سيجارة. لم ينتبهوا إلى البنت كأنها انضمت إلى خضرة مخلب القط؛ حفيف أوراقه حركاتها وتنفسها صوصوة عصافير الدوري. كانوا من صف أعلى من صفها واختفوا، كما ينبغي، قبل أن تستقر وجوههم في رأسها.

ومرة أخرى أصبحت وحيدة في الظل.

سحبت كمّي مريلتها والكنزة تحتها، ناظرةً في الساعة التي كانت ترسمها صباح كل يوم على معصمها. زرقاء عقاربها أشارت إلى الحادية عشرة: موعِد الفسحة. أخرجت من حقيبتها قلم حبر جاف، رسمت عقرباً إضافياً – مميزاً بحمرته السميكة عن الزرقة – أشار بدوره إلى الثانية ظهراً.

أعادت القلم الأحمر إلى حقيبتها، أخذت نفساً طويلاً وتركت الوقت يمر على جلدها، في انتظار حارس المدرسة ليعثر عليها في جولته، كما في الأيام السابقة.

لم تكن المفاجأة إذن في حفيف جلبابه الذي غطّى على حفيف أوراق الشجر ولا في وقوفه أمامها بحاجب متصل كثيف بشكل مهول «عرفت مُسبقًا أن هذا سيحدث». المفاجأة، ما جعل الكلام يواصل السقوط في جوفها، كانت في الولد الذي وقف بجواره ممسكًا بمثلجات اللوليتا، اثنتين منها، واحدة في كل يد، وردية وبرتقالية، داخل غلاف بلاستيكي شفّاف على شكل هاتف محمول كالذي يمتلكه أبوها.

عرفته مباشرة على الرغم من وجهه المغطّى بصبغة اللوليتا والتراب. فقط تاه عنها اسمه. كان ولداً في صفّها السنة الماضية جلس في المؤخرة، صنع ثقباً في حائط الفصل المطل على الشارع ولمّا سأله مدرّس عن السبب بصعوبة أجابه بأن النافذة عالية وأنه يريد أن يرى ما يدور بالخارج. ساعتها تلقّى صفعتين وعشر ضربات على ظاهر يده بمسطرة خشبية عريضة. ضربه مدرس أيضًا آخر يوم امتحانات في السنة الماضية، لأنه مزّق ورقة الامتحان وألقاها من النافذة. لكن عموماً، وبعيداً عن ذلك وعن نوبات هياج كانت تنتابه، كان ولداً هادئاً «سلو يعني بطئ، قالت مِس الإنجلش» لا يتكلم كثيراً ولا يهتم بمن حوله، كما في تلك اللحظة: يد الحاجب الكثيف الكبيرة على كتفه بينما هو، الولد في قميص مدرسي متسخ مشمر الكمّين، مشغول بالقبض على واحد من الهاتفين المحمولين ومص المادة المسكّرة.

قال الحاجب الكثيف: الله يخرب بيتِك، هو أنا كل يوم والتاني أجيبك من حتة، قومي بتبصي على إيه.

قامت البنت من الظل. نفضت مريلتها ولبست حقيبتها. 

«يلّا روّحي، ماشوفكيش هنا يا عمود السواري، والله أكلم المدير يعمل لك استدعاء ولي أمر، إيه الحكاية الخرة دي»

أخرج الولد طرف الهاتف المحمول البرتقالي من فمه، قال: عاااموود سوااااري.

هي أطول البنات في فصل احتوى على أكثر من ثلاثين بنت أما مقارنة بالأولاد فثمة ولدان أو ثلاثة فقط أطول منها، لذا أطلق الناس عليها الأسماء، في الفصل وخارجه: أُم طويلة، عود الذرة، نخلة المدرسة، عامود السواري. وأسماء غيرها من نصيبها، لم يطلقوها مرةً على الأولاد الأطول منها.

عاااموود سواااااري. ظهرت أسنان الولد الأمامية، مسوّسة.

قال الحاجب الكثيف: بتبصي على إيه يلّا امشي انجرّي. 

دفعها. ثقل حقيبتها أفقدها توازنها فوقعت على الأرض، انغرس كفاها في التربة فأحست بالدود على أصابعها، تحت الأرض يعيش ويتلوّى.

«ورايا بلاش تأخير الله يحرقك»

سار ويده لا زالت على كتف الولد. بعد خطوات توقف الولد عن مص اللوليتا والتفت إلى البنت: عااموود سوااااري. غمزت له وتمنت أن تنتابه نوبة هياج فيجري ويصرخ ويطلّع عين الراجل أبو حاجب ابن الكلب إلا أنه عاد في سلام إلى مص اللوليتا. 

نفضت البنت يديها في المريلة ثم مشت وراءهما بمحاذاة الجدار الفاصل عن الأراجيح والعربات الملونة. عندما كانت تستطيع المروق من الفتحات أبداً لم تصل يد الحاجب الكثيف إليها، كانت تجلس كيفما شاءت على أرجوحة ثم تخرج حينما يكون في حجرته أمام التليفزيون، بدون أن يشعر. أحياناً، كانت تحشر نفسها داخل عربة ملونة، متظاهرة بأنها تقود على الطريق السريع بين الحقول وأمها جوارها على المقعد. بييب بييب. تتوالي أشجار التوت والصفصاف على الجانبين، وتسألها: عاوزة نروح فين يا ماما؟ بيييب بييييب. تذهبان معاً إلى كل الأماكن التي عرفتها البنت أو فقط سمعت عنها. عاوزة نروح فين؟ ويير دوو يو وانت جو؟ تقود العربة على كورنيش الإسكندرية وفي الأدغال حيث تتدلى الأفاعي من الشجر، في الصحراء حيث الأصوات المتوحشة والحرباء التي تحرك كل عين وحدها وفي المدينة ذات المباني العالية الغارقة في الأضواء. هناك تتوقف لشراء أحذية تضئ مع الخطوات، لشراء آيس كريم بشوكولاته لا تنتهي، لشراء ألعاب ودمى، الكثير من الألعاب و الكثير من الدمى تتكوم في المقعد الخلفي. عاوزة نروح تاني فين يا ماما؟ في النهاية، تقلد صوت أمها وتجيب: البيت، أنا تعبت، كده كفاية. توقف البنت العربة. حاضر يا ماما. تنزل إلى العشب الأخضر، تختفي الألعاب في المقعد الخلفي وتتبخر الدمى.

كل هذا توقّف.

«عامووود سواااااري»

تساءلت في نفسها عمّا كان يفعله قبل أن يُقبض عليه؟ الولد أنحف كثيراً منها فتعجبت كيف أنه لا يمر من الفتحات ويختبئ هناك. ربما لا يعرف. أكيد الحاجب الكثيف له دخل بالموضوع. دوج. دوووج. ابن الكلب، ربما هو السبب في أن الفتحات صارت أضيق. أكيد اتفق مع المدير أو مدرس اللغة العربية الذي يكرهها من الباب للطاق. دووووجز.

أدخلت يدها في أحد جيوب المريلة؛ ها هو شئ جيد حدث معها اليوم: إصبع طباشير أخضر يكاد يكون كاملًا، نسيته إحدى المدرسات على إطار سبورة الفصل السوداء، لا تزال عليها بسم الله الرحمن الرحيم كُتبَت أول يوم في العام الدراسي. انحرفت البنت بخفّة إلى باب مكتب المدير المغلق وأعادت كتابة الكلمات التي كان يمسحها قبل ساعة. كان الناس يطلقون على المدير اسماً هو الآخر.

قال الولد: عااموود سوااااري. اعتدلت البنت، كسرت عبوسها ابتسامة كنقطة في نهاية جملة انتقامها الصغير، يدها في جيبها قابضة على إصبع الطباشير كما لو كانت تستمد منه نوعًا من الأمان.

اخترقوا فناء المدرسة الأسمنتي الراقد تحت سطوة الشمس، العصافير تحطُّ وتقلع عن سياج قصير يفصله عن الحديقة الكبيرة – نبات اللوف على السور، حشائش أقصر في الطول. البارحة اختبأت هناك وسط أزهار حمراء بلا رائحة وسحالي سريعة الحركة. وكان جزء من شرفتها ظاهراً.

«أموت وأعرف بتبصي على إيه؟»

وقف الحاجب الكثيف، التصق بالولد على الدرجة الوحيدة المؤدية إلى حجرته، الباب موارب والتليفزيون شغّال.

«اخلصي، برّة يلّا»

تجمدت البنت أمام البوّابة؛ لقد ظنّت أنها والولد سيخرجان معاً.

«يلّا بره، يا بنت المرة مش عاوزة تسمعي الكلام طب أنا هسمّعك الكلام»

جرّها من يدها ودفعها للخارج. لم تبعد عينيها عن الولد – عيناه زجاجيتان يستمتع بالمادة المسكّرة – حتى أُغلقت البوّابة.

ببطء تحرّكت عابسة في الشارع الساكن، في غير الطريق الذي جاءت منه صباح اليوم. تعلّق بحذائها كيس غزل بنات وردي، رفسته فحطّ على عقب سيجارة لا يزال مشتعلًا. ساح الكيس وانقلب اللون الوردي إلى أسود. سمعت من ورائها «عااموود سواااااري». حدّقت في مدخل المدرسة فتعثّرت في مطب من صنع الأهالي. عاموود سواااااري. أخرجت كفّها بإصبع الطباشير، كحتت رأسه الأخضر في حجارة سور المدرسة ولأنها أطول من المعتاد في سنها كانت ألوان السور الثلاثة «من أعلى لأسفل: أحمر، أبيض، أسود» متاحة.

«عاموود سواااااري».

تحققت من الساعة على جلدها. لم يتحرك العقرب الأحمر من مكانه.

أبيض

ما تخافش،

قال الأب في التليفزيون: ماتخافش مش هيأذيك.

صار صوته عادياً وكلامه مفهوماً بعد أن توقف عن القراءة من الورقة.

كلما أطفأ الناظر من النافذة سيجارة مشتعلة في فخذه يلاقي أخرى تنبت في كفّه.

لم يشعر بالحرارة، بل أحس في كتفيه بلسعة برد شديد. عارياً لا يزال، بينما الأب في التليفزيون في بذلة بربطة عنق عريضة، هل يمكنه أن يراه من هناك؟

إنه أصغر كثيراً، ممتلئ بالحياة، بشارب كث وحاجب متصل كثيف، ربما أكبر من الناظر ببضعة أعوام فقط لكن هذا لم يذهب عنه ثقل الأمر.

لقد تذكّر. وهو في الحلم تذكّر أن الخوف، الخوف من الأب، هو الشعور الوحيد الذي يأتيه من الوقت حيث كان الأب على تلك الصورة.

قال الأب في التليفزيون: شكلك خفت. ما تخافش. مفيش حاجة. مش بيعمل حاجة.

التفت الناظر إلى الدب البني. يجلس على الكنبة كإنسان عادي، يداه في حجره، جفونه ثقيلة ويتنفّس في هدوء.

كان شكله مسالماً، يشمشم بأنفه الأسود يميناً ويساراً، يلعق شفتيه الرفيعتين بلسانه ويتثاءب مُظهراً أسنان الفك السفلي. صفراء كاملة كأسنان البشر لولا نابين كبيرين.

قال الناظر من النافذة: غريبة.

قال الأب في التليفزيون: زي ما قلت لك، الناس حتى مش بتصدّق إنه موجود هنا، بيقولوا زي ما الشاي مش بيتزرع هنا، زي ما التلج مش بينزل من السما هنا، مفيش دببة بنية هنا. الدب البني مش في الورقة.

هز الناظر رأسه.

قال الأب في التليفزيون: بس، اسمع كلامي، هو موجود أيوه، موجود وبيركب معاهم في المواصلات وبيقعد معاهم على القهاوي وبيصلّي معاهم ويتفرج على ماتشات الكورة، وبيقعد زي ما انت شايف على الكنب، محدش بياخد باله يعني والدب البني مش بيأذي إللي مش واخد باله.

قال الناظر من النافذة: غريبة.

قال الأب في التليفزيون: مش قلت لك.

قال الناظر: أقصد غريبة أنا أخدت بالي.

ورجع خطوة ثانية للوراء فلاحظ أن الأرضية كلها أعقاب سجائر.

تهدّل كتفا الأب في التليفزيون، زفر بلا حماسة: آه، صح، افتكرتك نسيت.

وعاد ليقرأ من الورقة. ارتفع صوته وأصبح غير مفهوم. نادى عليه الناظر ونادى ونادى لكنه لم ينصرف عن الورقة.

تثاءب الدب البني ومثلما كانت السجائر المشتعلة تنبت في يد الناظر نبت في حجر الدب البني طبق معدني وملعقة، أمسكها الدب وبدأ في الأكل. 

الآن الإضاءة شديدة.

بيضاء.

* * * * *

لم يتحرك العقرب في الساعة على جلدها لكن البقعة الصفراء على مريلتها اتسعت مساحتها. سألها بائع غزل البنات عن مصدرها ولم تعرف كيف تجيب. كانت قد أعطته كل القطع النقدية التي معها، فعرض عليها كيس منتفخ، ملون ومعلّق على أحد قوائم العربة الخشبية، لكنّها سحبت ماصّة من علبة الماصّات وطلبت منه أن يصنع لها غزل بنات جديد.

تنهّد البائع؛ كان راضياً عن غلة اليوم وغير مشغول، فقط توقّف قليلًا ليستريح. ثمة أيضاً ذلك البريق في عينيها والذي لم يكن يستطيع، لسبب أو لآخر، أن يردّه خائباً. ضغط على زر في ماكينة غزل البنات، أصدرت صريراً، ثم ضغط على زر آخر. سألته البنت عنه فقال: ده زرار السخّان. أومأت البنت كما لو كانت تسجل معلومة شديدة الأهمية. كان الجزء العلوي من الماكينة طبقاً معدنياً كبيراً – عندهم واحد مثله في المطبخ – مثقوب من مركزه. هو ده السخّان؟ أشارت البنت إلى الجزء الذي يدور في المركز حيث أفرغ البائع كوباً من السكّر. همهم البائع بينما طفت نُدَف غزل البنات البيضاء أعلى الطبق.

قال البائع حينما انتبه إلى تطلع البنت للنُدَف الطافية: عاوزة تجرّبي؟ بالإضافة للبريق لمس عينيها طرفا ابتسامة. ناولها الماصّة فحرّكتها بالقرب من فوّهة الماكينة، التفّت النُدَف الهشّة عليها بينما كانت تدوّرها بإصبعين، وأصبح وجهها كله ابتسامة. 

قال البائع: «حاسبي الخيط اللي طالع من إيدك».

نظرت إلى معصمها، كان هناك خيطان قد انسلّا من كم الكنزة تحت المريلة. بدّلت اليد التي أمسكت الماصة. قال البائع: كل الناس لبست صيفي – خبّط على ساعده العاري – لمّا كنت صغيّر زيّك كان الشتا يا دوووبك يخلص أطلع فوق الدولاب أجيب الصيفي، ليه متقّلة؟ الدنيا حر.

قالت البنت: لا لا لسه برد. رفعت الماصّة عن الفوّهة فقال البائع: فاضل شوية – نقرها في البقعة الصفراء – إيه ده؟ 

عندما لم تعد أي من نُدف غزل البنات تتكوّن في الطبق رفعت البنت يدها. قال البائع: مع السلامة يا حلوة. ترددت الكلمة في رأسها: يا حلوة. سويييت. الأولاد حليقو الرؤوس ابتسموا وهي تمشي أمامهم على أوراق البونسيانا على اللإسفلت؛ ربما هي حلوة فعلًا، كما اعتاد أبوها أن يقول: حلوة… عدا أسنانها.

توقفت لثانية. اغتمضت عيناها، اهتزّت الماصة في يدها ومر لسانها على أسنانها، الصف الأعلى فالصف الأسفل. قضمت من غيمة غزل البنات قضمة كبيرة، ذابت كلها في فمها بسرعة، انسحب خفقان قلبها وعادت الأشياء إلى طبيعتها.

الشوارع التي استقبلت خطواتها، بعد ذلك، اشتركت في الصفات – دون أن تكون حقاً كذلك – مع الأزقة المسدودة: الهواء معفّر بالظنون فوق رأس الغريب، الواجهات أعلنت مقاطعتها للطلاء والأشجار استُبدلت بالناس – علامات استفهام سمينة – في انتظار حدث ما: سواعدهم عارية وأطواقهم مفتوحة. أجل، هذه هي الحقيقة: الدنيا حر، أمها قالت ذلك أكثر من مرة وماذا كان جوابها عليها؟ – لا لا لسه برد، رشّوا المياه على الأرض المبززة وانبعثت أصواتهم الضجرة من مداخل البيوت والمحلات. في أحد هذه الشوارع التي لا اسم لها، والذي كان عدد الناس فيه داخل المحلات أكبر منه في مداخل البيوت، مع قدر من التقاعس عن مراقبة الدخلاء يأتي عادةً مع حلول وقت الغداء – لم يمنع هذا تحوّل علامات الاستفهام مقابل غزل البنات إلى علامات تعجب – في شارع من هذه الشوارع، حيث نكصت رائحة الهواء تحت وابل هجمات مرتدة من عفونة المساقط وبخار التقلية والكرنب المسلوق وحيث كانت الملابس الداخلية تتصدر المشهد، ببياضها الناشف المصفر وفتوقِها الخرائطية، على حبال الغسيل، هناك كانت مهمتها الرسمية.

مهمة رسمية؟ ليس هذا تعبيرها. إنه يخص مدرس الرياضيات، ثعلب أحمر بشامة كبيرة على أنفه، جلس على مكتب المدرس يوزع الكتب على الفصل. نادى على اسم أحدهم فلم يُسمع في الفصل نفس. كان صاحب الكتاب غائب. أحد الأولاد تطوّع: عيان يا أستاذ. قال الأستاذ: ألف سلامة عليه وعاللي جابوه، مين صاحبه ساكن جنبه يودّيله الكتاب؟ رفعت البنت يدها أمام استغراب زميلتها في المقعد. ابتسم الثعلب ذو الشامة – ربما لهذا لم يلق كتابها في وجهها عندما جاء دورها – وقال: تسلميله الكتاب في إيده، دي مهمة رسمية يا بنت. وفي الحصص التي تلت، كلما نادى مدرس أو مدرسة اسم الولد العيّان، وسّعت البنت من مهمتها الرسمية ورحبت حقيبتها التي كانت شبه فارغة بصورة مثيرة للشفقة، بكتب وبكراسات، ملطخة ببقع زيت وتحمل اسماً غير اسمها.

اضطرت البنت أن تسأل الكروش النعسانة في المحلات عن منزل الولد العيّان، ومع ذلك أخطأته. في النهاية، دلّها عجوز يشبه النمس بفانلة حمّالات وشعر في أذنيه، إلى منزل في جوف الشارع، نصفه من الخرسانة المسلّحة ونصفه الآخر قديم، سقف عال، خربشات حائلة، كفوف دم، بالتزامن مع وقوفها أمامه انتهى غزل البنات.

لم يكن هناك جرس أمام البوّابة الخشبية فنادت اسم الولد العيّان. لا رد. لم تجد مفراً من دفع البوّابة بيدها؛ بأي حال لقد كانت متهالكة وتتظاهر بأنها مغلقة، وبدا أن تلك الدفعة الواهنة هي كل ما تطلّبته لتنفتح على وسعها.

في الداخل فسحة تكدست فيها قوالب الطوب الأحمر وشكائر الأسمنت والجبس وكومة رمال ومقاطف سوداء ومعدات بناء وقطع أخشاب. وعلى دكة قديمة، كأنما ليستمتع بهذا المنظر الرائع، جلس رجل سمين يرشف من كوب شاي. التفت إليها بمجرد أن دخلت، ورغم أن أمها اعتادت أن تقول أنه لا ينفع التحديق في الأشياء التي تراها عجيبة في البشر  – وهو ما التزمت به في الغالب – إلا أنها لم تستطع أن تتفادى الأنف الضخم ذا الحفر السوداء للرجل السمين. 

قال الأنف الضخم ذو الحفر السوداء: عاوزة إيه يا شاطرة؟ – كان الصوت طبيعياً، خفيضاً لكنّه غير منفّر ولا متأثر بحجم وشكل الأنف – محتاجة حاجة؟ مش بتردي ليه؟ 

ربما ظلّت ثابتة هكذا لآخر النهار لو لم يُخرجها من جمودها الولد العيّان، لفظته جلبة آتية من داخل المنزل إلى الفسحة. كان حافياً، أقدامه بيضاء بالغبار ويداه حمراوان، ارتدى بنطالاً ممزقاً في أكثر من موضع وتيشيرت نصف كم في صدره رقعة خضراء مخيّطة عليها حروف باللغة العربية لم تستطع من مكانها قراءتها. تابعها في خجل وتابعته في دهشة؛ عيّان ليست من الصفات التي يمكن أن تصفه بها.

قال الأنف الضخم ذو الحفر السوداء: ودّيت الشاي للرجالة؟

حكّ الولد رأسه وقال: آه.

رشف الأنف الضخم من كوب الشاي وابتسم في غموض: شكلك تعرفها، صح؟ – غمز له – بسم الله ما شاء الله صاحبتك صح؟ هههه مش طويلة عليك؟

أومأ الولد بخجل. توجّه إليها بابتسامة ساذجة كشفت عن أسنان كبيرة ومتباعدة، وعلى ضوء القشعريرة التي أصابتها من احتكاك قدميه الحافيتين بالأرض، استطاعت البنت قراءة كلمة «الخيرية» على الرقعة الخضراء. سرعان ما أشاحت عنها. وضعت حقيبتها على الأرض وأخبرته بالسبب الذي جاء بها. لم تقل مهمة رسمية، قالت: النهارده مفيش موسيقى الأبلة مامتها تعبانة. أخرجت الكتب والكراسات، سلّمتهم له: دول بتوعك، وأضافت: أنت مش عيّان.

قال الأنف الضخم ذو الحفر السوداء: همّا بيقولوا عليه في المدرسة عيان؟ لا، هو زي القرد، قاعد بيساعد أبوه.

كان هذا كذباً؛ لم يكن الأنف الضخم أباه. أبوه مات، وجدوه غارقاً في الترعة، أخرجوه بجرّافة، جثة سوداء بلا حياة، ولكي لا تبقى الأم الشابة لحالها في الدنيا تزوّجت عمّه. سمعت القصة مرّات في الفصل والولد جالس في منتصفه. ليس متفوقاً ولا مشاكساً، ينسون أنه موجود حتى يسأل عن موعد تسلّم التغذية المدرسية. وفي الفسحة، يحوم حول نخلة المدرسة وأحياناً يقذف سعفها بالحصى. أشارت زميلتها في المقعد إلى مقعده الفارغ: عيّل مقرف. فاكرة لمّا جبت ترمس، قالّي هاتي القشر أنا بحبّه. قلتله خد ترمس. قالّي لا أنا بحب القشر. محدش بيحب القشر فاكرة ولا ماكنتيش هنا؟ مش صاحبك وبيته بعيد، رايحة له ليه يا ستي؟ – ضبطت زميلتها نظارتها على أنفها – ولّا هتاخدي الكتب دي ليكي بدل اللي ضاعت؟

جذب الأنف الضخم الكتب من الولد ورماها على الدكة: صح؟ قال الولد صح مرتين، فأعطاه الأنف الضخم ما تبقى في كوب الشاي، كمكافأة؟ ربما. شرب الولد تفل الشاي دفعة واحدة. قال الأنف الضخم ذو الحفر السوداء للولد: يلّا اشتغل، وللبنت: أنتي بنت مين؟ انتقل الولد ناحية الطوب الأحمر، قرفص أمام مقطف مفتوح وأخذ يرصّ فيه القوالب. قال الأنف الضخم للولد: بنت مين دي؟ قال الولد اسمها.

كانت البنت تختلس منه النظرات لكن عندما قال اسمها رباعياً – بالنبرة التي تُنادى بها من كشف أسماء الفصل –  وجهّت له نظرة كانت تستخدمها حين تشدها من ضفيرتها بنت من صف أعلى في الفسحة أو حين يخطف ولد شقي آيس كريم اشترته من الكانتين. كانت تعبيراً عن شعور بالظلم والضيم أكثر منها تعبيراً عن الغضب والغيظ. هل كان الولد يعرف شيئاً عن هذه النظرة؟ ما هو تفسير إعراضه عنها إذاً، هذه الانحناءة في رقبته وتوقفه عن رص قوالب الطوب، كما لو كان آسفاً؟

قال الأنف الضخم ذو الحفر السوداء: يا بنت الإيه أنا عارف أبوكي كان زميلي في المدرسة، عامل إيه دلوقتي؟

لم تفه بكلمة. لا لأنها مكسوفة كما خمّن الأنف الضخم ولا لأن «أبوكي تعبان ولّا حاجة» كما أردف. وهي وحيدة مع أمها في المنزل، أمام برامج الحيوانات في التليفزيون أو على السرير تستمع إلى حكاية قبل النوم، وحينما كانت تسنح فرصتها، تلك اللحظة الساحرة، التي فيها تشارك بتعليق على ما يحدث أو ترد بحكاية على حكاية الأم، كانت الأم تمسّد على شعرها وتخبرها، غالباً أثناء تثاؤب طويل، أن خيالها واسع. ومع هذا، مع وجود ذلك الخيال الواسع، والذي حملت الإشارة إلى وجوده إشفاقاً اختلط بلا مبالاة، لم تستطع البنت تخيّل الأنف الضخم – بله أباها – صغيراً في زي مدرسي يجلس على مقعد ويقابل سبورة سوداء عليها بسم الله الرحمن الرحيم، لم تستطع أن تتقبل أن هذا الأنف الضخم لم يأت إلى الدنيا هكذا، يجلس على الدكّة ويكرر: كان صاحبي هو فين دلوقتي؟

أدخل الولد يديه الحمراوين في أذني المقطف الممتلئ بالطوب، حمله إلى ارتفاع منطقة الحوض ومشى خطوات بطيئة. بالفعل كان زي القرد، مائلاً ببدنه ومباعداً بين ساقيه، أظهر التجلّد والصلابة – لمن سوى البنت، يرمقها بطرف عين – بالعروق النافرة في رقبته والجز على أسنانه المتفرقة، حتى ابتلعته ظلمة المدخل.

أخيراً قالت البنت: في البيت.

– طب شغّال فين دلوقتي؟

– مش شغّال.

– حصل إيه، أمال فين؟

– في البيت.

قال الأنف الضخم ذو الحفر السوداء: سلميلي عليه ابن الإيه كان معايا في الفصل. لم ترد. سحبت حقيبتها من على الأرض. وغافلة عن الحالة من شبه الفراغ التي رجعت إليها الحقيبة، استعملت القدر نفسه من القوة الذي كانت تستعمله سابقًا فارتفعت الحقيبة بسرعة في الهواء وتلبستها المفاجأة. 

قهقه الأنف الضخم كغوريلا سعيدة واهتزّ كرشه.

لا معنى للبقاء أكثر. مهمتها الرسمية خلاص. أغلقت البنت البوّابة الخشبية على القهقهات غير أن حدتها لم تخفت. كان الجحر المسمى كذلك شارعاً قفراً من الأحياء، خلا قطة مرتابة عبثت جوار كومة من أكياس زبالة سوداء أمام أحد البيوت. أخرجت البنت عقلة الطباشير وأخذت تشخبط على البوّابة، بحذر يكفي للإبقاء على الإغلاق، مقلّدة طريقة الكتابة على الرقعة الخضراء على صدر الولد.

ماذا كتبت؟ تصعب الإجابة. ربما كانت لديها فكرة في البداية عمّا أرادت كتابته كرد على القهقهات التي استفزتها، لكن هذه القهقهات طالت وهكذا استمرت البنت في الشخبطة، تلضم الحرف الجديد في الحروف القديمة، وحين توقّف كل شئ، القهقهة والكتابة، هي نفسها لم تستطع قراءة ما على البوّابة.

في أثناء صعودها من الجحر لم تعط الخارج اهتماماً يذكر، فلم تنتبه إلى اتساع البقعة الصفراء المطرد ولا إلى اختفاء أولئك الذين جلسوا أثناء هبوطها في المداخل والمحلات. كانت كراسيهم البلاستيكية فارغة في الأماكن نفسها وكانت الأرضية جافة تتغير درجة لونها مع خطواتها، أيضاً مع تتابع خطواتها عادت رائحة الأزهار في الجو شيئاً فشيئاً، هبطت على أكياس الزبالة السوداء ودخلت من الفتوق الخرائطية للملابس الداخلية، زفّتها الزقزقة المتواصلة لعصافير تقافزت على الجدران وأسلاك التليفون.

ظلّت تمشي، على وجهها سيماء التفكير العميق وقطرات عرق. انتقلتْ، بطريقة شبه ميكانيكية، من شارع إلى شارع أكثر اتساعاً وأقل شحوباً، حتى أخرجها من تلك الحالة دبيب خطوات على الأرض ولمسة على الكتف، حطّت بالتحديد على ذراع حقيبتها.

التفتت فوجدت الولد. انحنى على ركبتيه، أنفاسه قصيرة ومتلاحقة. كان يجري، ناداها أكثر من مرة. أخبرته أنها لم تسمع: عاوز إيه؟ اعتدل ويده على صدره في استعطاف: والنبي – خبّط على الرقعة مرتين – سلموا لكم بسكويت النهارده في المدرسة؟

بتلقائية تحسست البنت جيوبها وقالت: لأ.

قال الولد: ماشي، وجرى في عكس الاتجاه.

أصفر

مال الناظر من النافذة إلى الطبق المعدني في حجر الدب البني.

من فروته انبعثت رائحة كريهة ومن بين شفتيه الرفيعتين سال اللعاب الأصفر بوجود الملعقة بينهما، تدخل ممتلئة وتخرج تلمع من النظافة.

ما الذي تقوله الصورة على الشاشة؟ لا يفهم.

لفَّ الناظر ودار في غرفة المعيشة. لم تعد السجائر تنبت في كفّه لكن البرودة جزّت بأسنانها أكثر في جلده العاري. أحس بالذنب دون أن يعرف لماذا، هل قال شيئاً أزعج الأب في التليفزيون؟ لماذا إذن لا يرد على النداءات المتكررة؟ 

صار مُتمسكًا أكثر بالورقة، والآن، أنفه ضخمة بحفر سوداء صغيرة، تهتز على الشاشة.

لو أنه يقدر على فهم ما يقول ربما باستطاعته أن يجعله يتكلّم معه ثانية، وعندها سيطلب منه أن يساعده على الخروج من هنا. لكن كيف يفعل ذلك وصوت المضغ عند الدب البني صار يمضغ كل الأشياء بما فيها صوت الأب في التليفزيون على علوّه؟

زعق الناظر في الشاشة، فابتلع المضغ زعيقه.

الدب في ذلك لم ينتبه. تحركت الملعقة. سال اللعاب.

ماتخافش، هذا ما قاله الأب. عليه أن يسمع كلامه، كي يعود، كي يعود ويكلمه. 

شكله مسالم. يأكل فقط، يمضغ فقط، أسنانه ليست ظاهرة، مخالبه ليست هناك.

ماتخافش، مش هيأذيك.

هكذا دارى الناظر عورته واقترب من الدب البني.

لا توجد نوافذ في غرفة المعيشة ولا توجد مصابيح، الدنيا معتمة في الطرقة من حيث أتى الناظر ونور التليفزيون بسيط وخافت، ومع ذلك، غرفة المعيشة مضاءة بالكامل، مغمورة في النور، أبيض وحاد. هل كانت هكذا من الأول؟

مال الناظر من النافذة إلى الطبق المعدني في حجر الدب، رأى فيه سائلًا كاللبن أبيض اللون، بمجرد رؤيته عرف أنه هو ما يضئ الغرفة.

على سطح البياض تمددت أشياء متصلّبة ظنّها رقائق ذرة ثم دقق النظر فيها.

ليست رقائق ذرة. إنها دمى عارية، طالما شاهدها ولعب بها في صغره.

دمي بلون البشر تأتي كاملة وبملابس لكن يمكن فصل رؤوسها وأطرافها وتعريتها والكتابة عليها بأقلام الحبر الجاف، دمى تخص الأطفال، طفا بعضها بلا تحكّم وفي الوقت نفسه بدا وكأن الكثير منها مغمور في السائل الأبيض.

تغترف الملعقة من السائل في الطبق، على طرفها تتكدس الأبدان والرؤوس والأطراف، خالية من الحركة والحياة.

الملعقة تدخل ممتلئة. الملعقة تخرج تلمع من النظافة. الدب البني يمضغ.

أخيراً قال الأب في التليفزيون بلهجة مهنئة: جميل يا ولد، جميل انك نسيت، 

المسه يلّا، المسه علشان الدفا.