جاء كشفُ وزير الخارجية التركية عن محادثة قصيرة جمعته مع وزير الخارجية السوري العام الماضي، وحديثه ضرورة تحقيق «مصالحة بين المعارضة والنظام بطريقة ما»، مترافقاً مع تأكيده على أن روسيا تريد أن يجري اتصالٌ بين تركيا والنظام السوري، وأنها اقترحت عقد لقاء بين الرئيسين التركي والسوري. وقد جاءت هذه التصريحات تأكيداً على مصداقية تسريبات صحفية سابقة حول احتمال إجراء اتصال بين بشار الأسد وأردوغان بناء على نصيحة بوتين، كما أنها جاءت متناغمة مع تصريحات سابقة لوزير الخارجية التركي نفسه،  قال فيها إن بلاده «ستقدم كل أنواع الدعم السياسي للنظام السوري» إذا أراد الأخير مواجهة قسد. 

وفي ظروف احتجاج مستمرة يشهدها الشمال السوري الواقع تحت النفوذ التركي لأسباب مختلفة أغلبها معيشي، جاء خروج مظاهرات يومي الخميس والجمعة الماضيين التي شملت كل مدن وقرى الشمال، وذلك احتجاجاً على تصريحات الوزير التركي ورفضاً لدعوة المصالحة التي يراها الوزير سبيلاً إلى «سلام دائم»، ووسيلة «لمنع انقسام سوريا» حسب تعبيراته.

من واقع التظاهر في الشمال السوري

لا أُذيعُ سراً إذا قلت إن المظاهرات التي تحدث في المُحرَّر ضد النظام، منذ أن استقرت حدوده الجغرافية في السنتين الأخيرتين بعد آخر عملية عسكرية شنها النظام على ريفي إدلب وحلب، تثير تذمّر قسم غير قليل من جمهور الثورة السورية. ينطلق هذا التذمر من سؤال جدوى التظاهر، إذ ما فائدة أن تخرج مظاهرة ضد النظام في مدينة آمنة نسبياً مثل اعزاز أو سرمدا؟ وإلى أين سيصل صوتها؟ لقد أدّى غياب آليات ضغط الشارع بالتظاهر إلى نزعِ تأثير المتظاهرات، وأفرغها من أهميتها في عيون كثيرين ممّن يناصرون الثورة السورية من سكان الشمال المحرّر.

لكنَّ هناك شيئاً مختلفاً في مظاهرات الرد على تصريح وزير الخارجية التركي، إذ إن هذه المظاهرات استكملت كل متطلبات الجدوى، وذلك بعد تصريح سبقه ما سبقه من تصريحات تكشف نوايا غير مطمئنة للسوريين في المحرّر. هي مظاهرات «ما ضلّ وراها ورا» حسب قول دارج يعني أنه لم يعد لدينا ما نخسره، فالمصالحة مع النظام هي ما لا يطيقه السوريون في المحرّر، ولن ينتظروا للتعبير عن رفضه أي توضيحات من أيٍ يكن.

مظاهرات تعي مآلات المصالحة

إنّ خروج مظاهرات رافضة لتصريحات تدعو للمصالحة مع نظام الأسد، في مناطق تَكدَّسَ فيها السوريون المهجّرون قسرياً بفعل سياسات التهجير الأسدية، هو أمرٌ من البساطة والصراحة ووضوح الأسباب بما يغني عن الحاجة إلى تفسيره.

كما أن ما حدث من عدم انتظار أي توضيح بشأن نوع المصالحة التي يتم الحديث عنها، يكشف ما لدى الناس من قناعة تامة بأن النظام لا أمان له، وأن المصالحة معه تعني أن يقوموا طوعاً بتسليم أنفسهم له ليعتقلهم ويعذبهم ويقتلهم فُرادى وجماعات.

الوعي الشعبي بالمعنى الحقيقي لمصالحة النظام، وبعد خبرة تجارب دامية، هو ما أخرج السوريين في الشمال السوري إلى التظاهر بسرعة كبيرة رفضاً لمصالحة ظاهرُها السلام وباطنها العذاب.

المظاهرات والتمسّك بالوجود التركي

ماذا يعني أن يقوم سوريون بالتظاهر ضد تركيا في مناطق النفوذ العسكري التركي داخل سوريا، والتي يُفترض أن وجود القوات التركية فيها يحمي ساكنيها من اجتياح النظام ويوقف ما يستطيع إيقافه من هجمات الطائرات الروسية، وذلك بغض النظر عن حقيقة أسباب وأهداف وجود تركية في سورية.

إذا كان في تصريح المصالحة الذي أدلى به الوزير التركي ما يخيف الناس من دخول النظام إلى مناطقهم، فإن في طلب خروج تركيا ما يُسرِّع من ذلك لا ما يوقفه.

وإذا كان رفض المصالحة يعني رفض العودة لحكم الأسد، فما الذي يكون عكس المصالحة؟ إنه تَمكُّنُ المحرّر من إدارة نفسه وامتلاكه لقراره في العلاقة مع النظام حرباً وسلماً؟ لكن هذا المطلب في الواقع موجَّه أيضاً إلى تركيا، لتُعينَ المحرّر على حكم نفسه بحمايته من اجتياح النظام، وعدم مصادرة قراره الشعبي.

رغم أن بعض المظاهرات أطلقت هتاف «سوريا حرة حرة.. تركيا اطلعي برا»، إلا أنه لا يتعدى أن يكون هتافاً عاطفياً ومندفعاً، وهو لا يحمل تعبيراً عن إرادة شعبية بما يؤهّله لأن يُؤخذَ على محمل الجد.

مظاهرات استكشاف وتوسيع الهوامش

لو أردنا السؤال عن الهوامش المتاحة للتعبير عن الرأي في مناطق السيطرة التركية في سوريا، فلن نحصل على إجابة واحدة شاملة ومُعبِّرة عن واقع الحال، فلكل منطقة خصوصية ولكل جماعة خصوصية ولكل شخص خصوصية حسب موقعه. 

لكن جموع الناس بالمجمل لا تعرف ما هي الهوامش المتاحة للتعبير، ولذلك فهي في كل وقفة ومظاهرة تستكشف جزءاً من حدود إمكانية التعبير عن الرأي بشكل جماعي وعلني، وتستكشف الفائدة التي قد يعود بها فعل التظاهر.

ماذا يمكن أن نفعل في مظاهرة ضد غلاء أسعار الكهرباء؟ وماذا يمكن أن يحدث في مظاهرة طلابية أو وقفة معلمين أو أطباء اعتراضاً على أوضاعهم الوظيفية؟

ماذا يمكن أن يَنتُجَ عن مظاهرة ضد نية تركية محتملة للمصالحة مع النظام السوري، وجرّ المعارضة السورية وراءها إلى المصالحة؟

ماذا يعني شتم تركيا وحرق علمها؟

كل الإمكانيات الكامنة في فعل التظاهر وهوامش التعبير تُكتشف في المظاهرات، وللمرة الأولى في حالات كثيرة، وهذا ما يجعل من مظاهرات المحرّر ضرورية، ليس من حيث الهدف فحسب، بل من أجل استكشاف حدود التعبير وتوسيعها وإشهارها بمراكمة المكاسب عبرَ المطالبة الشعبية في الشارع.

المحرّر في طور تأسيسي لمساحات وأدوات التعبير عن الرأي، وهي موجهة إلى داخل المحرّر وإلى القوى التي تحكمه محلية وإقليمية، فيما كان أهله قد جرّبوا سابقاً التظاهر ضد النظام فقط.

تفاعل عسكر الفصائل مع تصريحات المصالحة التركية

تصريحات قادة الفصائل العسكرية التي تجمعها تسمية «الجيش الوطني»، والمدعومة بشكل كامل من قبل تركيا، التي جاءت رافضة للتصريحات التركية، تطرح سؤالاً عن سرّ هذه الشجاعة المفاجئة عند من اعتدنا على تماهيهم التام مع السياسة التركية. كيف وقفوا ضد تصريح وزير الخارجية التركي؟ وخاصة أن زملاءه في الداخلية والدفاع هم الآمرون الناهون على الفصائل وقادتهم وعلى المجالس المحلية والشرطة بنوعيها المدني والعسكري.

لا يوجد جواب واحد يفسر مجموع تصريحات قادة الفصائل، فكما أنهم مشتتون تنظيمياً، كذلك هم مشتتون في دوافع تصريحاتهم تجاه مختلف القضايا، ونستطيع أن نتصور أربعة أصناف من الدوافع:

هناك من يريد ركوب موجة غضب الشارع ولو لساعات، وتبييض صفحة سَوَّدتها انتهاكاتُ فصيله في عيون أهالي المحرّر.

وهناك من يرى التصريح التركي حول الرغبة المصالحة فارغاً، ولا يمكن أن يغير شيئاً في الواقع، ولذلك فضَّلَ تسجيل موقف مجاني.

وهناك بالتأكيد من يرفضون المصالحة مع نظام الأسد من منطلق المصلحة، وقد سكون هؤلاء أصحاب مصلحة ومصلحة فقط، ولا قضية لهم، لكن مراكزهم في فصائلهم وما حققوه من مكاسب مادية ونفوذ تم وفق شرط وجود قوة عسكرية يفترض أنها تعادي النظام، وعلى هذ الأساس فإن المصالحة مع النظام قد تحرمهم نفوذهم وتنزع عنهم كل حققوه من مكاسب.

بقي أن هناك من رفضوا التصريح التركي من منطلق مبدأي حقيقي، فهم إن تماشوا مع سياسات تركيا في الشمال، إلا أن مسألة المصالحة مع النظام فوق طاقتهم على مسايرة تركيا.

أما عن الثقل السياسي لمجموع تصريحات الرفض من عسكريين، فيمكن قياسها على ميزان مشاركتهم في هيئة التفاوض، ذلك الكيان السياسي المصمم خصيصاً للوصول إلى نتائج تشبه ما صرَّحَ به الوزير التركي.

الاستفتاء بالصدمة

لا يمكن أن تحدث مصالحة بين النظام السوري والمعارضة برعاية تركية بدون تحقّق الشرط البديهي للنظام، وهو انسحاب القوات التركية من سوريا. وطالما أن وجودَ هذه القوات في سوريا لم يحقق أهم أهدافه حتى اليوم في دفع خطر التنظيمات المسلحة المعادية لها في سوريا، فلا يمكن لتركيا أن تقنع نفسها بأن الانسحاب وترك الأمر ليحله النظام السوري هو الحل الأمثل لمعالجة المسألة.

الرفض الشعبي لمصالحة النظام في مناطق النّفوذ التركي في الشمال السوري يفيد تركيا في البقاء والتوسّع داخل سوريا؛ وبخلاف ما يُسلَّم به عادةً من أن إبعاد خطر التنظيمات الكردية عنها، وألّا يظفر الأكراد بإقليم مستقل، هو كل ما تريده تركيا في سوريا، فإن لأنقرة مصالح ومطامع أخرى أكثر استراتيجية تتطلب منها البقاء عسكرياً في سوريا. ربما أرادت تركيا بتصريحها جسّ نبض الشارع السوري المعارض في مناطق نفوذها، واستفزازه لإظهاره وهو يتظاهر ضد المصالحة مع النظام لتدعم موقفها في وجودها العسكري في سوريا، وبأنها مرغوبة شعبياً، وأنه وإن عارضها السوريون في تفاصيل إدارية إلا أنهم يفضلونها على العودة إلى حكم النظام، وأنها في وجودها العسكري ليست عقبة أمام حلّ سياسي في سوريا يؤدي إلى انسحابها. ولو أنني استعرتُ هنا أدوات التحليل المؤامراتية قليلاً، لقلتُ إن التصريح جاء يوم الخميس بشكل مقصود لاستغلال ما يمكن ليوم الجمعة أن يحشده من متظاهرين، حسب المعروف من عادة مظاهرات السوريين الأكثر حشداً في أيام الجمعة. 

الطريقة التي تعاملت بها الداخلية التركية، بالتعاون مع فصائل «الجيش الوطني»، ضد من أحرقوا العلم التركي، وملاحقتهم واهتمام وزير الداخلية التركي بالأمر بشكل شخصي، ربما يعطي فكرة عن الطريقة التي تنظر بها تركيا إلى الشمال السوري، إذ يبدو أنها تعتبره منطقة تركية وتعتبر أن ما يحدث فيها شأن تركي داخلي. 

جغرافيا المظاهرات

خرجت التظاهرات وانتشرت في مختلف مدن وبلدات وقرى الشمال، ووصلت حتى القواعد والنقاط العسكرية التركية داخل سوريا، لكنها شهدت كثافة أكبر في مناطق تخضع لسيطرة تركية مباشرة من مناطق تواجد الجيش التركي بدون إدارة تركية تتدخل في شؤون الناس كما في مناطق هيئة تحرير الشام. يقول أشياء كثيرة عن الأسباب التي غذّت المظاهرات، ففي مناطق الريف الحلبي التي تديرها تركيا غذَّى الفشل الإداري الإحباط من السياسة التركية، وأشعل غضباً أوسع في مظاهراتها .

تنبيه لا إهانة

لم يشترِ المتظاهرون العلم التركي ولم يصنعوه ليحرقوه ويعبروا عن غضبهم، بل كان موجوداً في الشوارع ورفعه المتظاهرون لسنوات. يبيّنُ حرق العلم من قبل متظاهرين سوريين حجم الضرر الذي لحق بأهالي الشمال السوري من السياسات التركية وطريقة إدارتها، لكنه لايكفي لتفسير حجم الغضب من تركيا، وخاصة أن حرق العلم  حدث في مدينة الراعي التي تعتبر أكثر المدن التي تهتم تركيا بتنميتها اقتصادياً. ومع ذلك، فإن حرق العلم  التركي لا يمكن أن يقول لوحده شيئاً كثيراً عن الغضب من التصريحات التركية بشأن مصالحة النظام، فحالات الحرق لا تعدو عن كونها حوادث فردية لا يمكن استنباط شيء منها، لكن في الدفاع الشعبي غير القليل عن حرقه يمكن استنباط أشياء.

المحرّر يقول لا نصالح

يملك الناس في الأراضي الخارجة عن سلطة نظام الأسد قرارهم في الاحتجاج والتظاهر للتعبير عن كل مطالبهم السياسية والمعيشية، وإمكانياتُ التغيير بالاحتجاج من أجل حاضر ومستقبل الحياة في تلك المناطق تُكتشَف حديثاً بعد كل احتجاج أو مظاهرة. إن غياب هذه الإمكانية في مناطق سيطرة النظام، ووجودها في المناطق الخارجة عن سيطرته، هو ببساطة ما يدفعني لتسمية هذه الأراضي بالمُحرَّر. من هذه المقارنة ومن هذا التباين تحديداً، يستمدّ المحرَّر أحقيته بهذه التسمية التمييزية.  

لا تصالح أو لا نصالح ليس شعار التظاهرات الرافضة للمصالحة مع نظام الأسد فحسب، بل إنه باستعارته الشعرية الأمل دنقلية يستحضر بكثافة رمزية عالية كل الأجوبة على سؤال: لماذا لا نصالح؟ غير أن ما ينقص هذه الاستعارة الشعرية هو القول بأننا لم نُوعد بأن نُمنَح أي شيء مقابل الصلح، بل لم يُطلَب منا الصفح أصلاً، والقاتل لم يعترف ولم يندم.