خلال الأشهر الماضية، بات صعود النفوذ المباشر لبشار وأسماء الأسد في الاقتصاد السوري مؤكداً، إذ تَظهر بشكل متكرر ومنتظم معلومات جديدة بهذا الشأن، تشير إلى أن رجال أعمال معروفين بالعمل كواجهة للرئيس السوري وزوجته قد حصلوا على حصص في شركات ومشاريع تجارية. تُشكِّل هذه السيطرة غير المسبوقة على الاقتصاد، من قبل القصر الرئاسي، منعطفاً رئيسياً في كيفية تقاسم الثروة وتوزيعها بين النخبة الحاكمة في سوريا.

وقد كان أفول نجم رامي مخلوف عام 2020، وظهور شخصيات اقتصادية جديدة مثل سامر فوز والأخوين قاطرجي، من المؤشرات الواضحة على تأثير النزاع في تكوين نخبة رجال الأعمال السوريين. وإلى درجة لا تقل أهمية، كانت من المؤشرات أيضاً سيطرة بشار الأسد وزوجته أسماء الأسد على عدد متزايد من قطاعات اقتصادية، بالإضافة إلى التغيّر الجذري في طبيعة النخبة الجديدة، التي لا تربطها أي صلة تقريباً بمجتمع الأعمال السابق للحرب، والتي لا تملك أي نفوذ تقريباً بين الطبقات الاجتماعية التقليدية في المدن السورية الكبرى. 

عندما استولى حافظ الأسد على السلطة في بداية السبعينات، قبل خمسين عاماً، كان الانفتاح على مجتمع الأعمال من أهم قرارات نظامه، ولا سيما في العاصمة دمشق. وبعد سنوات من التدخل القوي للدولة في الاقتصاد، أسفرت جهود الحكومة لتحرير الاقتصاد بشكل معتدل عن توسيع قاعدة داعمي النظام الجديد. كما ساعدت تلك الجهود الأسد الأب في الحصول على دعم مجتمع الأعمال الدمشقي خلال الاضطرابات السياسية بين منتصف السبعينات ومجزرة حماة عام 1982 وما بعدها. ومن أبرز الشخصيات التجارية في تلك الفترة عبد الرحمن العطار وصائب نحاس وعثمان العايدي وبدر الدين الشلاح، الذي خلفه لاحقاً ابنه راتب – وكان هذان الأخيران قد ترأّسا غرفة تجارة دمشق على مدى عقود.

بعد عشرين عاماً، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي واندلاع حرب الخليج الأولى في أوائل التسعينات، ظهرت حاجة أكبر لتحرير الاقتصاد السوري، ما اضطر حافظ الأسد إلى توسيع قاعدة دعمه المحلية مرة أخرى. توسَّعَ مجلس الشعب لكي يستوعب شخصيات جديدة ومستقلة نسبياً، مثل رجل الأعمال رياض سيف، وتم إجراء تشريعات جديدة لجذب الاستثمارات الخاصة كالقانون رقم 10 لعام 1991.

إزاحة النخبة التجارية التقليدية

كان وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000 إيذاناً بحدوث تغيير فعلي، فقد مثّلَ الرئيس الشاب جيلاً جديداً بالكامل، أغلب أعضائه من أبناء النخبة السابقة من ضباط الجيش ومسؤولي حزب البعث، ممن أرادوا العمل في التجارة وليس الدخول في الجيش أو الأجهزة الامنية أو الحزب الحاكم. نشأ أبناء هذا الجيل في المدن، وكانوا أيضاً أبناء العصر النيوليبرالي والإنترنت. يمثل رامي مخلوف نموذجاً عن هذا الجيل، فبينما جمع والده محمد مخلوف ثروة هائلة من الرشاوى والصفقات المشبوهة خلال عمله كمسؤول في القطاع العام الحكومي، اشتغل رامي كرجل أعمال في مجال الاتصالات والقطاعات التجارية الأخرى.

بدخولهم عالم الأعمال، حطّمَ أبناء المسؤولين والضباط من جيل بشار ذلك «التعهّد» الذي كان قد قطعه حافظ الأسد لمجتمع الأعمال الدمشقي، والذي بقي المسؤولون بموجبه خارج المنافسة في مجال الأعمال التجارية. إلى جانب رامي مخلوف، كان بين رموز الفترة الجديدة مجد سليمان، نجل اللواء بهجت سليمان ومدير إحدى أكبر المجموعات الإعلامية في سوريا طوال العقد الأول من هذا القرن؛ وسامر دوبا، نجل رئيس المخابرات العسكرية سيء السمعة علي دوبا؛ وفراس طلاس، نجل وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس؛ وأبناء نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام.

وعندما أسَّسَ رامي مخلوف وعشراتٌ من المستثمرين الآخرين معه شركة شام القابضة في نهاية العام 2006، والتي كانت أكبر شركة سورية من حيث حجم رأس المال، رفض العديد من رجال الأعمال الأكبر سناً الانضمام، من بينهم صائب نحاس وعثمان العايدي وراتب الشلاح.

بعد أن سمح بشار الأسد لجيل جديد بالنفاذ إلى ثروات اقتصادية ضخمة، خسر دعم جزء مهم من مجتمع الأعمال الدمشقي، مُقلصاً بذلك قاعدته الشعبية. وقد اتضحت عواقب تخلي الأسد عن مصالح العديد من رجال الأعمال عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، إذ رفض عددٌ من رجال الأعمال وقتها دعم النظام بشكل علني، وهو سلوك مغاير تماماً لسلوك أسلافهم في عهد حافظ الأسد، الذين دعموا النظام ضد تمرد الإخوان المسلمين في الثمانينات. 

دخول المتربحين من الحرب

خلال الحرب، أدت عزلة سوريا الدولية وتدمير بنيتها التحتية إلى القضاء على القاعدة الاقتصادية للنخب التجارية القائمة في البلاد، سواء تلك التي رافقت صعود بشار الأسد إلى السلطة أو النخب التقليدية السابقة.

في غضون ذلك، أصبحت نخبة رجال الأعمال الجديدة مؤلفة من أولئك الذين بنوا ثرواتهم من الحرب، على سبيل المثال من خلال إدارة الحواجز أو التهريب أو تجارة المخدرات أو مواد البناء المسروقة. ومن أكثر الشخصيات التجارية الجديدة تأثيراً: سامر فوز والأخوان القاطرجي ووسيم قطان وخضر علي طاهر وخالد الزبيدي، وغيرهم كثيرون. أما الجيل الذي رافق صعود بشار الأسد إلى السلطة فأصبح على الهامش الآن: رامي مخلوف فقد شركاته، ومجد سليمان انتقل إلى الخليج، وفراس طلاس يؤيد المعارضة.

تختلف النخبة الجديدة عن سابقتها في أن أبناءها معزولون إلى حد كبير عن الشبكات الاجتماعية والاقتصادية القائمة في البلاد. وبينما كانت نخبة رجال الأعمال في عهد حافظ الأسد تنحدر من عائلات معروفة، كان جيل بشار الأسد من أبناء الضباط وكبار المسؤولين العاملين في السلطة لعقود، وقد اندمج هؤلاء بشكل تدريجي، رغم أنهم لا ينحدرون من مراكز المدن، في بنية المجتمع الدمشقي.

أما المتربحون من الحرب فكانوا في الغالب من بلدات أصغر، أو من ضواحي المدن الكبيرة، بخلفيات اجتماعية فقيرة نسبياً، ومن دون اندماج في مراكز المدن ومَوَاطِن النشاط الاقتصادي في البلاد مثل دمشق وحلب وحمص. هؤلاء أفراد معزولون، جمعوا ثرواتهم من صفقات تجارية مشبوهة، ويواجهون عقوبات دولية، ونتيجة هذا يصعبُ عليهم العمل كمجموعة متماسكة، ما يجعلهم يعتمدون إلى حد كبير على علاقاتهم المباشرة بالقصر الرئاسي. كما أنهم ضعفاء للغاية في علاقتهم بالأجهزة الأمنية التي تمثل نواة النظام السوري، لذلك ليس من المستغرب أن تتحدث الصحف والمواقع الإعلامية مرة بعد مرة عن صعود أو سقوط أو اعتقال أو اختفاء واحد أو أكثر من هؤلاء الأفراد.

لقد انتهز بشار الأسد وزوجته هذه الفرصة لكي يُصبحا اللاعبين الاقتصاديين الرئيسيين في البلاد، فوسعّا نفاذهما إلى مختلف القطاعات، بما في ذلك الاتصالات والبنوك والعقارات والموانئ. وهما يقومان بإنجاز معظم صفقاتهما اليوم من خلال يسار حسين إبراهيم، الشخصية الأبرز في المشهد التجاري في دمشق اليوم. لم يكن أحد يسمع باسم إبراهيم حتى قبل عامين، إلا أنه أصبح الشخص الذي يحتاج أي رجل أعمال أن يتعامل معه من أجل المضي قدماً في أي صفقة ضخمة. يستثمر إبراهيم في عدد لا يحصى من الشركات، ويتدخل في إدارة العديد من الشركات الأخرى التابعة له أو لأحد شركائه الكُثُر. كما يشغل إبراهيم منصب المستشار الاقتصادي للرئيس السوري، ما يجعل الشخصية الأبرز في مجتمع الأعمال السوري اليوم موظفاً لدى بشار الأسد.

ثمة كثيرٌ من العواقب الناتجة عن عزلة الشخصيات التجارية، وعن تركز الثروة في أيدي الرئيس وزوجته والتابعين لهم مثل يسار إبراهيم. ومن هذه العواقب سهولة انقضاض النظام على رجال الأعمال، كما توضح جولات الضغط المتكررة على رجال الأعمال لكي يدفعوا الضرائب أو يشاركوا جزءاً من أرباحهم. وقد تجلى ذلك في اعتقال سامر أفدار، وكيل ويسترن يونيون في سوريا، وبقائه في قبضة الأجهزة الأمنية لأسابيع. 

تنال هذه التغييرات التي طرأت على المشهد الاقتصادي السوري بشدة من جاذبية بيئة الاستثمار في سوريا، التي كانت بالأساس غير جذّابة للغاية. فقد أضعف النظام أوراقه الاقتصادية إزاء أصحاب المصلحة من خلال تهميشه للشخصيات التجارية المرموقة، وتشجيعه الأفراد الذين لا يتمتعون بنفوذ مستقلّ. ونظراً لأن عدداً قليلاً جداً من هؤلاء الأفراد يمتلكون شبكات وعلاقات اقتصادية فعّالة، فقد أصبح من الصعب جداً عليهم الوفاء بالتزاماتهم الاقتصادية، الأمر الذي يشكل عقبة رئيسية أمام جذب المستثمرين وبدء شكل من أشكال الانتعاش الاقتصادي.

الصورة أكثر تعقيداً من الناحية العملية بالطبع. فإلى جانب بشار الأسد وزوجته، يتمتع شقيق الرئيس، ماهر الأسد، بنفوذ اقتصادي كبير، وهو يجمع ثروات من عدة أنشطة، بما فيها تهريب الكبتاغون والنفط ونهب مواد البناء. وفي الوقت نفسه، تتمتع بعض الشخصيات الجديدة، مثل عائلة قاطرجي، باستقلالية أكثر من غيرها بسبب النفوذ الذي تعود به عليهم تجارة النفط حيال الجهات المحلية والدولية الأخرى.

يبدو أن بشار الأسد قد تراجع خلال عقدين من حكمه عن أغلب الأشياء التي كان قد بناها والده بصبر، وبدلاً من توسيع قاعدة دعمه في مجتمع الأعمال، أخذ يقلصها من خلال طرد النخبة التقليدية أولاً، وطردِ الجيل الذي ساعده عند الصعود إلى رأس السلطة بعد ذلك.

ونظراً للدعم الخارجي الذي يتلقاه، فمن غير المرجح أن يواجه بشار الأسد تهديداً لسلطته في المستقبل القريب، ولذلك من غير المرجح أن يكون للتغيرات في تكوين وطبيعة نخبة الأعمال أي عواقب سياسية جدية عليه ضمن الظروف الراهنة. مع ذلك، إذا حلّت موجة جديدة من الاضطرابات، فمن المرجح أن يواجه النظام صعوبات في الحصول على الدعم الذي يحتاجه في مجتمع الأعمال، وهي قاعدة دعم حاسمة وسط قاعدة شعبية آخذة هي الأخرى في التراجع.