ابتسامة جمجمة

بدأ الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980، وانتعشت أمسياته في سنوات الدم السبع التي هبّت على المدينة، استهلّتها الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين وتوّجها جيش الأسد بعظيم المَقتلات. كان بين شعراء الملتقى فؤاد م. فؤاد الذي أصدر أجزاء الحيوان في آذار (مارس) 2011، آخذاً العنوان من أرسطوطاليس، وكان قد استلهم الحيوانات من قبل في ديوان آخر بعنوان قال بيدبا (2004).

 لم يسْتَعِر فؤاد عوالم أجزاء الحيوان من المسالخ والجزارين، لم ينسُج بالوصف والمخاطبات على النول التعليمي السهل لابن سينا في أرجوزة التشريح. إنه، شاعراً وجرّاحاً وجوّابَ آفاق، يَستقرئ أعضاء الجسد في قصائد نثر غنائية قصيرة عموماً. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وينتهي به، فأستعيدُ لغير سبب آيةَ القرآن «وإن الدار الآخرة لهي الحيوان»، أي لا موت فيها. 

يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، «ما عنه الستائرُ شُقّتِ» إذا استعرنا ابن الفارض. تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء «الصورة التي يحبّ أن يراها الناس»، ويتقرّى الشاعر ما يتصل بهذا التجاوز من صور أخرى وأقنعة وجنون. يخاطب الغضروف، ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال والصائم وجبل الزهرة. كل عضوٍ يحمل نهايته معه، موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته، أبديته لحظته، وماضيه لا يحتاج إلى ذاكرة تُحييه. الاسم، في حضوره وبقائه، ثقبٌ أسود يبتلع الجسد، فمن ذا الذي يرى اسمه ولا يفكر بموته؟

تقول الأم الجافية: «لستُ من القسوة كما يبدو / هي فكرةُ الأسماء / خطأ اللغة ما أوقعني في الفخّ». يقول الإثنا عشري: «وهكذا تعاقبت علينا السنون / وسئمنا من الوراثة / وحلمنا بأننا ارتحنا من الناس / وبقينا في الصور». يقول الشغاف: «خُلقتُ من فكرة الحبّ / في الممرّ الضيق بين الحقيقة والوهم / اخترتُ الغشاء / والتصقتُ على القلب». يقول الدم: «مهدورٌ على المحارم والأعلام / ضحكوا عليّ / فصرتُ في الثورات».

يتفكّك الجسد فينطق كل عضو، شاهداً، كأن القيامة قد قامت. أجسادنا أقدم منا وأدرى منا بمصائرنا. لا تغيب الدعابة عند مثول الأعضاء على منصة الموت، سواء أكانت طاولة تشريح أو منصة تخدير في غرفة عمليات. الأعضاء شخوص في ظلمات أجسادنا يتخفّون تحت بشرتنا، ولا نتذكرهم إلا إذا آلمونا، لَمَسهُم الجرّاح بأصابعه ولخّص الشاعر سِيَرهم بأقلّ ما يمكن من الغناء، وما يُستطاع من طفيف السخرية، بعد وصول «الحكيم» إلى الحكمة: الزائدة الدودية «لزوم ما لا يلزم»، و«لا يدوخ الناس / من شدة الحب. / البكتريا / تفعل ذلك / أحياناً» في الأذن الداخلية، ومذاق السعادة راجع إلى فيزيولوجيا اللسان: «ربما الحكمة تقتضي / أن تجعل المرارة / في القاعدة».

العصا والمخروط

تتواتر المصادر الصناعية في لغة الحداثة وما بعدها تواترَها لدى ابن عربي، إذ نحَتَ النور الأبهر الكثير منها. فعلى منوال اصطلاحات الرأسمالية والموثوقية والمحدودية راج في راهن عصرنا اصطلاح اللامرئية، وبدأ انتقال الأدب كحيوان أنهكته التجارب من مختبرات العلوم الإنسانية والاجتماعية والدينية إلى مختبرات العلوم البحتة. مسعى العلماء أن يسلّطوا أضواء جديدة ليروا الحيوان السجين من زوايا مختلفة، ويمنحوا الأدباء، ولا سيّما الشعراء، فرصاً أخرى للخروج من هامشيّتهم. 

مواكبةً لأمركة العالم، ومجاراة للعجالات المدرسيّة المبسَّطة كاسحة الرواج، لا ضير من التذكير ببعض البديهيات العلمية، حتى لو دُحِضت غداً. البشر ما فتئوا يشهدون على مرّ الأحقاب كيف تصير حقائقُ الأمس أخطاء الحاضر.

يسافر الضوء في خلاء المجرّات، خلافاً للصوت المحكوم بوجود الهواء. عين الإنسان كرةٌ من الأنسجة الرخوة، لا تستطيع أن تلتقط إلا موجات تتراوح أطوالها بين الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية، فما نراه جزءٌ بالغ الضالة من طيف الأمواج الضوئية في الكون. 

ما إن تتباعد الجفون حتى تشرع العينان بقراءة ما ينعكس على سطوح الموجودات أمامهما. النظر مثال كلاسيكي عن مبدأ نفي النفي في المادية الجدلية: الجسم البلوري وراء الحدقة عدسةٌ محدّبة الوجهين تقلِب الأخيلة الساقطة على الشبكية، والدماغ يقلب الخيال المقلوب، مثلما سدّد ماركس خطى المثاليين الماشين على رؤوسهم ليكفّوا عن رؤية الواقع بالمقلوب، مخالفاً كانط الذي قال إنّ «الحواس تتيح للعقل اختلاقَ الواقع».

ينطبع أي مشهد أمامنا داخل العين كصورة متناهية الصغر ذات بعدين، مثل لوحة أو شريط فيلم. لولا هذا التصغير والتغيير لما استوعبت عقولنا شيئاً مما نراه. يبدأ هذا الاستيعاب من الشبكية المبطّنة بخلايا حساسة للضوء، وهي نوعان؛ العصي والمخاريط. مركز الشبكية للمخاريط الموكولة بالرؤية في النهار والإنارة الجيدة، فتميّز الخطوط والتفاصيل الدقيقة للأشكال والألوان، أما المحيط والهوامش فنصيب العصي المتكيّفة مع الظلام والغبش، لكنها تسمح لنا أن نرى النجوم واضحة بأطراف عيوننا. خلفهما عصبونات عُقَدية لا تنام، تواصل ليلاً نهاراً إرسال إشارات لا نعرف كُنهَها، حتى في غياب الضوء أو أي محرّض آخر. تُترجَم الصور إلى دفقاتٍ كيميائية كهربائية تنتقل صوب الفصّ القفوي ثم تتشعّع إلى مناطق أخرى من قشرة المخ، وعند قياس شدّتها تُسمع فرقعات ناعمة على مكبرات صوت خاصّة. رسائل العينين المفصولتين بسرج الأنف تتلاقى في العصبونات، حيث تُمزَج وتعالَج على مستويات مختلفة من المخّ، ليخلق منها نظرة واحدة ثلاثية الأبعاد مرة أخرى.

نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، لكن عيون الثدييات ليست كاميرات. عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء. إنها عاجزة عن مثل هذه الدقة التسجيلية. لا أحد يرى لأي شيء الصورةَ نفسها التي يراها سواه. الصورة تسبق الوعي، وانتقالها عبر مادة أدمغتنا سابق على التجربة وسابق على المعرفة. يعيد المخّ بناء الصورة التي تتفكّك على الطريق المؤدي إليه. إنه يختلقها بالأحرى، لأنه يشذّبها من الزوائد، فاصلاً المرئيات عن خلفيتها ومهملاً الفروقات اللانهائية بين تدرجات الألوان وتدرّجات الظلال؛ فعلى سبيل المثال، الأرجواني والخمري والقرمزي والقرنفلي، كلها تنصبّ في شريط الأحمر. كلّ هذه العمليات بالغة التعقيد لا تستغرق إلا جزءاً من الثانية. 

فإذن، النظر عملية مركّبة متسلسلة خاطفة السرعة، والناظر يخلق ما يرى. النظرة خيال آخر، وتأويل معانيه مكتنف بكثير من الأخطاء لأننا ساهمون معظم الوقت ولا نرى فعلياً إلا ما يستدرّ انتباهنا. يبعث إلينا اللاوعي ما نراه بوعينا. فإذا حَجب شيءٌ قريب شيئاً آخر وراءه (ومعظم ما نراه حولنا محجوب، جزئياً أو كلياً، بأشياء أخرى)، تولّى الدماغ إكمالَ الخطوط اللامرئية، ورسمت الذاكرة ما لا تراه العين. النظر محكومٌ بالنقصان والتأقلم، واستجابة العينين محدودة للغاية وانتقائية بالضرورة، وبذلك تستحيل الإحاطة بأي شيء.

إذا تجاور شيئان، متماثلان شكلاً متباينان لوناً، على مسافة واحدة من العين، تراءى الشيء ذو اللون الحار أقرب إلينا، وإذا اقترب منا شخص بعيد كبُرتْ صورته أمامنا فنقول إنه قد اقترب، ولا نقول إنه قد كبُر. الأسئلة والأمثلة أكثر من أن تُحصَى. يصبر الدماغ منذ الولادة على معايشة الأوهام، لقِدم عهده بالحيل ومزاولته إياها. زمن النظرة زمنٌ مركّب، الماضي جزءٌ حتمي منه. كل صورة ماثلة أمامنا تقارَن بشبيهاتها السابقات، لأن كل تجربة تنطبع في مادة العقل، ولا يزول أثرها مهما تفُهت. يظنّ الإنسان منذ سحيق القدم أنّ الضوء آتٍ من الأعلى، إذ تطورت العين على كوكبٍ مصدرُ ضوئه الوحيد هو الشمس. لم تترسّخ هذه القناعة بمقايسة موضع الشمس إلى الأفق أو العالم المحيط بنا، وإنما توّهمنا منذ البدء أنّ رأسنا مركز المجرّة.

مختارات من «المنْفذان»

خوفٌ واحد، دهشة واحدة ما قبل الكلمات ما بعدها- 

يهبط الوليد من ماء ظلمته الأولى بحدقتين متّسعتين غائمتين، هَلوعاً وفي الصدر استهلال، فيُبكيه الضوء، ويفتح الجوع والحرمان فمه حتى يملأه الثدي باللبأ وتسدّ شهقاتُهُ الأولى سرَّتَه-

                                                                               فمَه الأوّل، الأبكم بعد أوّل فطام. 

قناة آرانتيوس تتليّف فور الهبوط إلى العالم، ينغلق طريقها إلى الكبد الذي سيُشعله المستقبل

                                                                             بشموع الأعراس وشموع المآتم-

                            ستنعقد الأوجاع واللذّات في قبضة واحدة تعصر الأحشاء

                                              لتدور بالروح كخطّاف الذبيحة

                                                       بين يدي جزّار يمسح شواربه بالدهون 

                                                                              وبالصدقاتِ ذنوبَه 

                                                        أمام طابور طويل من المحتاجين.

الموت يوسّع الحدقتين: الميت في شاهق العشق، أو تلفّه ظُلمةٌ أخرى لا يُدركها المشيّعون في وضح النهار، الفم مشدوه أمام الصمت، العينان مفتوحتان على وسعهما تريدان الضوء، لا شيء سوى الضوء.

وحده المنتظر مرورَ الحافلة عند الموقف، في الشارع الظليل الخالي. قبالته شاخصة: «ممنوع الدخول. ممتلكات خاصة». تدخل العين ما لن تطأ القدمُ. لا تحتاج ما ترى. ضوءٌ نَضِر يدهن ورق الشجر. الشمس ساطعة. لم تشرق من أجل أحد. الورود توشّح أعناق البيوت. رايات قوس قزح على أكثر من شرفة. 

يداهُ معقودتان تغطّيان عورته كملكٍ محتشم أدّبه الموت، تمثاله منحوت على غطاء قبره منذ مئات السنين. 

وحده. فما الداعي ليتفقّد ساعة هاتفه؟ لمَ الادّعاء أنه ينتظر أحداً ما أخّره الزحام؟ على مَن يحتال القلقون حين تفرغ كؤوس انتظاراتهم فيحملقون بها ليتحاشوا وجوههم في مرايا حانة، ثم يرفعون نخب أنفسهم إلى الشفاه ويرشفون الهواء؟

يخمّن الأنصاف المطوية من الكلمات على جناح طائرة ورقية عالقة بين الغصون: «إما نحنُ أو…» 

فيمَ تخويف الخائف بوضوح القوّة ما دام الخوف كالله في كل ركن؟ سيّان أيّ هنا وأيّ هناك. الأفكار ملقاة على قارعة الطريق كخراء الكلاب. ضحكةٌ متكلّسة في أعماقه أبطأ من أن تصل إلى فمه.

إذا سها وأنعم النظر في هذه النوافذ الواسعة التي يُعتّمها النهار، فسوف تنسدل المصاريع على كنوز الظلال. أشباحٌ تحتمي من السطو، متقاعدون لا أحد يدقّ أجراسهم على غير موعد إلا سعاةٌ البريد، يترصّدون من عتمة نوافذهم المنتظرَ وحده في شارعهم الخالي، بعدما نبحَتْ عليه، من وراء أسوارهم اليانعة السميكة، كلابٌ شرسة لا يراها. يعلو النباح ليغتبط السادة بتعاساتهم. قوقازيون مستقيمون طعنوا في السنّ، وما طواهم الزمن. صارمون بهذه القامات الشامخة كمداخن المحرقة، والموتى كلّهم جسده. 

وقعتْ عليه النظرة وقوعَها على اللطخة، فأحنى كالولد المذنب رأسه، باصقاً نظرتَهُ على الرصيف. كم ازدراء ازدردتْ عيناه؟ لا يرى ما يحتاج إليه. عيناه سلحفاتان. لم يكن في أيّ يوم مستعدّاً لأيّ موقف. لم يختَرْ شيئاً. سيّرته عيون الآخرين، دمية تحرّكها وتجمّدها خيطانُ النظرات. 

المشفقون سهّلوا عليه دوماً مغادرة العالم. يتنهّد فيهديهم نسمة. تثخن جدران الحلق، فيضيق المجرى ويطول ويجفّ كالدهر. يهبط الريق بمشقّة. إسفنجة مرفوعة برأس حربة تنقّط الخلّ على فم ظمآن، وحربة تفتح في خاصرته فماً آخر. القشعريرة تتسلّق ظهره كنمال تطرّز اللحاء وتتفشّى في الكتفين. تتخشّب الأصابع. شجرة العظام بيضاء داخل جسده، معتمة ومضاءة، هيّنٌ أن تُنقف كالنيون، بظفر الإصبع. اللسان يتدلّى مشنوقاً، أوراقٌ بُنية ترتجف في العينين.

نظرةٌ بعيدة قسّاها السأم، وشحذها مِسَنُّ الشيخوخة، ترمي بشررٍ نظرةً أخرى فرّغها الذلّ وصقلها الصبر؛ برقٌ يتصدّع في عروق الظل الزرقاء. اللمعان على رؤوس الأعشاب الموطوءة بين حجارة الرصيف أرحم- يبرُق كنقاط الانعكاسات على شفاه المرسومين في أفلام الكرتون، كالوميض يتعدّد على فولاذ السكك الحديدية حين تتهادى القطارات في مداخل المدن.

أهذه هي الحقيقة بين ركام الوجوه في رأس مجنون؟ حلمه في مفاجأة الحرّ الذوبانُ كملح يرشّه عمّال الطرقات على الثلج، وفي قلبه فكرة مزهرة تُقْبَر أياماً وأسابيع وتُبْعث للحظات:

                        الجمال هبة قاسية، والحبّ يعطي مَن يشاء ويأخذ ما يشاء.

جبلٌ في القلب

       أدراجُ سفوحه معبّدة بالندم

     تعضّ أذنه كلمةُ حبّ

            فينشقّ عن زهرةٍ 

                     جذراها البُعدُ والقُرب

صخرةٌ في القلب

             تحتها ثوَتِ الحيّة

                حارسةً ما تجهله

حجرٌ في القلب

          تلمس كلمةٌ موطنَ ضعفِه 

                  فينهار الوجه

الوجه فراغٌ يمحوه النور