«كنتُ في أقصى سعادتي قبل الزلزال بيوم واحد بمناسبة خطوبة إبني، وفي اليوم التالي، أي يوم الزلزال، شعرتُ بالهزة في الرابعة والثلث فجراً واستيقظتُ من النوم، ووجدتُ أطفالي جنبي وضممتُهم. اعتقدتُ أنها هزة أرضية مثل أي هزة أرضية تحدث عادة، حاولنا أن نفتح الأبواب ولم تُفتح لأنها أُقفلت بسبب الهزة. ازدادت شدة الزلزال فسقط المُكيّف والتلفزيون على الأرض، وعدد كبير من ممتلكاتنا الشخصية. قمنا بتكسير زجاج النافذة حتى نستطيع الخروج من المنزل».

نسرين قبلاوي، السوريّة ابنة الـ 44 عاماً والمُقيمة في مرعش منذ سبع سنوات، وصفت بهذا الشكل مرور الزلزال على حياتها، كما وصفت حالها بعد الزلزال المدمّر الذي ضرب مدينة كهرمان مرعش المقيمة فيها منذ سبع سنوات.

تُضيف نسرين: «سيطر الخوف والرعب علينا، وقلتُ لأطفالي أن يهربوا عن طريق درج البناء ولم أسأل عن نفسي. كان همي الأول والأخير أن يتمكنوا من الهرب والنجاة، ولكن طفلي أخبرني أنه لا وجود للدرج فقد سقط بفعل الزلزال، فبدأنا بتكسير باب جيراننا حتى نهرب عن طريق نافذة منزلهم، ولا أذكر حتى الآن كيف خرجنا».

قبل الزلزال بيوم واحد، كانت عائلة نسرين، التي تنحدر من مدينة معرة النعمان في ريف إدلب، قد تجمّعت عندها في زيارة للاحتفال بخطوبة ابنها الأكبر، لكن حياتها انقلبت رأساً على عقب ليلتها، إذ تسبب الزلزال المدمّر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا بخسارة نسرين لأبيها وأمها وإخوتها الاثنين وأختها ابنة الـ 14 عاماً، بالإضافة لثمانية من أولاد إخوتها، وعدد كبير من الأقارب والمعارف.

تعيش نسرين اليوم وحدها مع أولادها وأولاد إخوتها الباقين على قيد الحياة، في خيمة في إحدى المخيمات التي أُقيمت في الحديقة العامة لمدينة كهرمان مرعش، مُقاسيةً الوحدة وألم الفقد.

وعلى الرغم من حزن نسرين الشديد وبكائها أثناء لقائي بها، إلا أنها لا تستطيع إخفاء البسمة عن وجهها أثناء حديثها مع أولادها ومع معارفها داخل المخيم، إذ تبذل جهدها لكي تبدو طبيعية أمام الجميع، كي لا يتأثر أحدٌ بها، وخاصة أطفالها.

نسرين قبلاوي خلال حديثها مع الجمهورية.نت على باب خيمتها (محمد ناموس – الجمهورية.نت)

تروي نسرين أنها، خلال أول 15 يوم من وقوع الكارثة، نسيَت الأكل والحمّام وتغيير الملابس لها ولأطفالها، وكان كل تفكيرها في أقربائها وعائلتها: «خلال المئة يوم، كنت أذهب كل عشرة أيام إلى منزل صديقتي ونغتسل عندها».

تلك اللحظة..

عند الساعة 4:18 من يوم السادس من شباط (فبراير) 2023، ارتجّت أرض كهرمان مرعش لفترة وصلت إلى 180 ثانية. تخلخلت الأرض تحت المدينة، وتوقّفت الحياة بعدها، وبدأت أصوات الانهيار والصراخ تعمُّ المدينة، وفقد الكثير من أهالي المدينة ومن السوريين اللاجئين فيها أحباءهم، وعاشوا في المخيمات بانتظار إنقاذ عائلاتهم. منهم من غادر المدينة بلا عودة، بعد أن خسر كل شيء، ومنهم من عاد اليوم متفائلاً ببناء حياة جديدة.

دمّرَ الزلزال أجزاءً كبيرةً من المدينة، وتأذّت نسبة كبيرة في البنية التحتية، ووصلت نسبة الأبنية التي انهارت في المدينة لأكثر من 40 في المئة، في حين أعلنت إدارة الكوارث والطوارئ التركية أن عدداً كبيراً من الأبنية سيتم هدمها قريباً، وهي غير صالحة للسكن. إذ وصل عدد الأبنية التي سيتم هدمها بشكل عاجل في جميع الولايات 230 ألف منزل، بحسب تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وبحسب الإحصاءات الرسمية التركية، وصل عدد ضحايا الزلزال إلى أكثر من 46 ألفاً، منهم 4268 من السوريين بحسب إدارة الطوارئ التركية. في حين وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفاة 3841 سورياً في زلزال تركيا، موَزَّعين بين المدن التركية التي ضربها الزلزال.

مشهد من الدمار في مرعش (محمد ناموس – الجمهورية.نت)

كانت مرعش من بين مدن الجنوب التركي التي لجأ إليها السوريون خلال الإثني عشر سنة الماضية. وقد قَدَّرت إحصائيات دائرة الهجرة التركية عدد السوريين المقيمين فيها بحوالي 96 ألف شخص. وأسوةً بغيرها من مدن الجنوب التركي، بدأ السوريون في المدينة أعمالهم الخاصة منذ العام 2013، فمنهم الحلّاق واللّحام وبائع الخضار والتاجر، بالإضافة إلى المتعلمين من المهندسين والمعلّمين والأطباء، الذين لاقوا صعوبة أكبر في إنشاء أعمالهم الخاصة قبل حصولهم على الجنسية.

كما كانت جامعةُ المدينة مَقصداً للطلاب السوريين، كونها كانت تقدّم للطلاب الأجانب عدداً كبيراً من التسهيلات والمنح، ما جعل السوريين في جامعة مرعش أكبر نسبة بين الطلاب الأجانب.

كانت جنّة

يعود تاريخ مدينة مرعش إلى العصر الحجري القديم، وشكّلت مركزاً تجارياً مهماً للحضارات منذ المملكة الآشورية. حصلت على استقلالها من الجيش الفرنسي عام 1920، وحينها، تم تغيير اسمها الرسمي من مرعش إلى «كهرمان مرعش»، أي مرعش البطلة، نسبة للمقاومة الكبيرة التي شهدتها المدينة خلال حرب الاستقلال التركية بُعيد الحرب العالمية الأولى.

تبلغ مساحة ولاية كهرمان مرعش 14327 كيلومتراً مربعاً، ويتجاوز عدد سكان الولاية المليون نسمة. تُشكّل الجبال التي تعد امتداداً لجبال طوروس الأجزاء الغربية والشمالية من المدينة، ومن أهم تضاريسها منطقة المنخفض التي تضمُ سهل كهرمان مرعش ويمرُّ منها نهر جيحان، وتنتشر فيها الهضاب وتتوافر الجداول ومياه الينابيع.

وتقع منطقة كهرمان مرعش تحت تأثير صدع شرق الأناضول وصدع البحر الميت، حيث يتقاطع صدع البحر الميت وصدع شرق الأناضول بالقرب من منطقة تركوغلو ونارلي، وذلك ما جعلها منطقة زلزالية من الدرجة الأولى.

عند مرور ثلاثة أشهر على الزلزال، وقبل زيارتي مرعش بيوم واحد، حصلت هزّتان جديدتان بقوة خمس درجات على مقياس ريختر. ترددتُ كثيراً قبل الذهاب، إلا أنني حسمتُ أمري في اليوم التالي وذهبتُ لأرى ما حدث للمدينة بعد آخر زيارة منذ قرابة شهرين ونصف، ولأرى إصرار الناس على العودة للحياة فيها، ولرؤية وجوه الناس الذين تحدوا كل شيء وأصروا على الحياة هناك، بعد أن فقدوا أحبائهم، وأصبح كثيرٌ منهم اليوم سكاناً للمخيمات في الحدائق العامة وعلى أطراف الطرقات.

عندما زرتُ المدينة منذ نحو شهرين ونصف وجدتُها مدينة مُنهكَةَ المعالم، وظننتُ أنها لن تعود للحياة إلا بعد أعوام عديدة.

كنتُ أزور مرعش سابقاً في الصيف، فهي مدينة تشتهر بصناعة المثلجات على مستوى تركيا، كما أنها تحتوي على عدد من العيون المائية العذبة التي تحيط بها. وكان السوريون يذهبون إليها أيام العطل للترويح عن أنفسهم في حر الصيف. كما كنتُ أزورها مع عائلتي في الشتاء، للتزلج واللعب بالثلج، ففيها جبال شاهقة تكسوها الثلوج طيلة فصل الشتاء.

المدينة في معظمها جديدة البناء على الطراز الحديث، ولا تخلو من بعض الأحياء الشعبية الجميلة التي نجد فيها ازدحاماً بشكل دائم، ونجد فيها المحال التجارية مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل. أما الجبل المطل على المدينة، وهو من سلسلة جبال طوروس، ففيه ترّاس كبير في قمة الجبل، ترى من خلاله إطلالة المدينة بشكل كامل، وترى من خلاله الاختلاف بين الأحياء الشعبية والأحياء الحديثة.

يُحزنني ما آلت إليه المدينة اليوم. شعرتُ عند دخولي إليها أن ثمّة جدراناً في منازلها تبكي حزينة على فقدان أصحابها، فقد كان للمدينة رائحة وبرودة خاصة بها كنت أشعر بها في كل مرة عند دخولي إليها، إلا أنني لم أشعر بها الآن.

عند وصولي لمدخل المدينة، صباح أحد أيام مطلع الشهر الجاري، لاحظتُ وجود عدد كبير من الأبنية الفارغة، والتي أخلاها سكّانها حتى من نوافذها إثر تصنيفها كأبنية متأذية ستُهدم قريباً. وما زالت مشاهد الركام تسيطر على المدينة في معظم أحيائها، ما عدا حي بينفلر، وهو الحي الأقل تضرراً في المدينة، الذي شاهدتُ فيه حركة أكثر من غيره مقارنة بالأحياء الأخرى وخاصة «تشارشي»، أي السوق.

للمدينة جوانب أخرى لم تَغِب مظاهر الحياة شبه الطبيعية عنها، فصوتُ العصافير لا زال موجوداً رغم الدمار الكبير، ويمكنك أن تدخل إلى بعض الأحياء التي تجد فيها أسواقاً عاودت افتتاحها، وأناساً يتسوّقون بشكل طبيعي وإن دون أي مظاهر فرح على وجوههم. وجوه غالبية الناس متجهّمة وتبدو أنها لا زالت تحت تأثير الصدمة.

في بعض الأحياء، شاهدتُ وجود عدد كبير من البسطات أمام المحال، إذ أفرغ أصحاب المحال دكاكينهم، ووضعوا منتجاتهم أمامها على البسطات، خوفاً من أي انهيار قد يحصل في أي لحظة، وخاصة في الأبنية المُدَّمرة بشكل جزئي.

فرع بنك في شاحنة (محمد ناموس – الجمهورية.نت)

كما لاحظتُ إغلاق جميع البنوك في المدينة، وافتتاح بنوك متجولة في حافلات مخصصة لها.

عماد طقش، لاجئٌ سوري من ريف حلب الشمالي، مقيمٌ في مدينة مرعش منذ ستة أعوام، ودرس فيها وتَخرَّج من جامعتها. يقول عماد إنه كان يعشق المدينة قبل حدوث الزلزال فيها، وكانت بالنسبة له من أجمل المدن للعيش فيها: «المدينة قبل الزلزال كانت مدينة هادئة ونشطة وجميلة وتنمو، حتى آخر ليلة قبل الزلزال، وكانت بالنسبة لي من أجمل المدن حتى تلك الليلة. كان يهطل المطر والثلج، وكنتُ أتأمل منظرها من قمة الجبل المطل عليها».

لكن عماد عاجزٌ عن رؤيتها بهذا الشكل الرومنسي الآن، إذ شَهِدَ على دمارها أمام عينيه، وشاهد الجثث في شوارعها، ووقف عاجزاً أمام هول المشهد.

الوضع المعيشي

أعاد عماد عائلته من مدينة مرسين بعد مرور شهر على الزلزال، وشكّلت عودة أهله إلى المدينة راحة نفسية كبيرة له. يحاول أن يُكمل اليوم حياته بشكل طبيعي، في منزل أخته التي تقيم في حي بينفلر الذي لم يتضرر بشكل كبير، في حين انهار منزله ومنزل أهله الواقع وسط المدينة.

يُشجّع عماد معارفه وأصدقائه على العودة إلى المدينة، فعلى الرغم من تردّي الوضع المعيشي، يرى عماد أن الحياة بدأت تعود تدريجياً بعد مرور ثلاثة أشهر على الزلزال. ويوضح: «عددٌ كبير من المحلات والمطاعم بدأت تفتح أبوابها، وأصبح هناك شيءٌ من الحياة الطبيعية، ولكن هذا الموقف صعبٌ وحزينٌ علينا جداً. هناك حركة ملحوظة ولا تقارن أبداً بالسابق، وكانت هناك حركة على العيد، ولكن مرعش يتيمة ومظلمة، لأن كل عائلة هنا لديها فقيد على الأقل». يكمل عماد: «هناك أشخاص كُثُر أعمالهم متوقفة ويعتمدون على المساعدات بشكل كامل، الناس فقدت منازلها ولا يوجد لديها لباس ولا أي شيء. ولا يخلو الأمر من تَعرُّض السوريين للعنصرية من بعض الأشخاص، لكن الدولة كانت تواجه هذه المواقف العنصرية». يضيف: «لا يوجد أعمال للناس هنا، ومن كان يملك قليلاً من النقود، صرفها خلال هذه المدّة».

«سوق السوريين»

عند دخولي إلى أحد الأسواق الذي يطلق عليه السوريون اسم «سوق السوريين»، لاحظتُ حركة في السوق تشبه الحركة العادية التي كنت أراها فيه خلال الأيام العادية التي سبقت الزلزال. عندما تدخل إلى هذا السوق ستشعر وكأنك في سوريا، وستعرف أن معظم العاملين والمتسوقين هم من السوريين، إذ ستسمع أصوات الناس تملأه وتنادي على بضاعتها لتبيعها، وترى أنواع البضائع التي تُباع فيه، فهناك من يبيع القهوة السورية المطحونة مع حب الهال، وتستطيع شم رائحتها بسهولة أثناء مرورك من أمام دكانه، وهناك المنتجات الغذائية التي تحمل أسماءَها باللغة العربية، أضف إلى ذلك اللافتات التي تحتوي جزءاً منها باللغة العربية، أو من خلال أسماء المحال المكتوبة باللغة التركية ولكن بدايتها تكون بحرفَي الـ AL، مثل النبهان، الحريتاني، العلبي..

الجميع يعمل بجدٍّ في سوق مرعش، محاولين تجاوز ما حصل خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

عودة الحياة إلى “سوق السوريين” (محمد ناموس – الجمهورية.نت)

أبو أحمد، من ريف حلب الشمالي، هو تاجر ألبسة لجأ إلى مرعش منذ سبعة أعوام، ولديه محل ألبسة داخل سوق السوريين. فقد أبو أحمد عدداً من أقاربه في الزلزال، ونزحَ مع عائلته إلى كِلِّس القريبة نسبياً من مرعش، حيث لا يزال يقيم فيها لغاية اليوم، مضطراً للذهاب إلى كِلِّس والعودة يومياً.

يرى أبو أحمد أن حركة السوق بدأت تتحسّن اعتباراً من مرور شهرين على الزلزال، واصلةً إلى ما قَدَّره بـ 70 بالمئة من السابق، كما رأى أن حركة عيد الفطر كانت مقبولة وأفضل مما توقّعه قبلها. يضيف: «الأسواق تتحسن بشكل تدريجي، والناس بدأت تعود للمدينة بشكل طبيعي، الأمر كان صعباً جداً في البداية لمن فقدوا منازلهم، ولكن رب العالمين أكرمنا بنعمة النسيان، فكل يوم يمر علينا نبدأ بنسيان ما حصل بشكل أكبر».

وعن الوضع المعيشي، يوضح أبو أحمد أنه صعب جداً على الجميع، فأغلبُ العائلات إما في خيام أو كرفانات، أوفي بيوت مؤقتة وتَستأجر بيوتاً غير بيوتها السابقة. يشرح: «معظم الإيجارات ارتفعت بشكل كبير بعد الزلزال، إذ بدأ بعض أصحاب المنازل برفع إيجارات البيوت للأسف، نتيجة كثرة الطلب على البيوت. وهناك بيوت كثيرة لم يُصِبها أي شيء، أَخذَها أصحابُها من المستأجرين لأن بيوتهم تَهدَّمت بشكل كامل، وهذا حدث مع عدد كبير من السوريين».

يرى أبو أحمد أن الوضع المعيشي اليوم أصبح مرتبطاً بالهزّات: «الناس مجبرون على الاستقرار، ليس لديهم حل آخر. أنا مُجنّس مثلاً وأستطيع الذهاب لأي مكان أرغب فيه، ولكن من لديه بطاقة الكمليك لا يستطيع التجول على راحته في المدن التركية، وهو مجبور على البقاء في مدينته، وفي حال حدوث هزات جديدة، يخرج الجميع إلى الشوارع، حتى من يقيمون في الكرفانات». ويستذكر اللحظات الأولى للكارثة: «في البداية لم يكن هناك تدخلٌ حقيقي من المنظمات والمؤسسات الحكومية، والوضع الإنساني كان صعباً جداً. لم ندخل الحمام عشرة أيام، وقضينا وقفتنا تحت المطر والثلوج، وفرق الإنقاذ لم تأتِ مباشرةً للأسف، لأن المصيبة كبيرة جداً جداً».

العودة إلى سوريا

كمال شحادة، لاجئ سوري من مدينة داريا بريف دمشق ومقيم في مدينة مرعش، أتى إليها منذ عام واحد فقط بعد خروجه من سوريا عن طريق التهريب، متحملاً تكاليف كبيرة ليصل إلى تركيا برفقة عائلته.

كمال، الذي فقد قدمه نتيجة القصف في سوريا، أصبح اليوم نازحاً من مدينته الجديدة مرعش. أقام كمال لثلاثة شهور في مدينة بالي كسير، إلا أنه عاد مؤخراً إلى مرعش بعد أن فقد الأمل من إمكانية العيش في مدينة أخرى، فقد عانى كثيراً مع عائلته من ارتفاع إيجارات المنازل في المدن الأخرى على إثر الزلزال، وعانى أيضاً من صعوبة الحصول على الخدمات التعليمية والصحية لأطفاله، لأن بطاقة الحماية المؤقتة «الكمليك» الخاصة به صادرة عن مرعش، ولا يستطيع الاستفادة منها إلّا في مدينته.

من مخيمات مرعش (محمد ناموس – الجمهورية.نت)

في يوم الزلزال وقف كمال عاجزاً أمام هول ما يحدث، ولم يعلم ما يمكن أن يفعله في لحظات كهذه. يقول في حديثه للجمهورية.نت: «كنتُ عاجزاً في هكذا موقف، ولم يكن لدي أي شخص ألجأ إليه. كان خياري الأول أن أعود إلى سوريا، ولم يكن لدي أي اتّصال مع أهلي فيها، ولم نكن نعرف ماذا يحدث في هذه المنطقة ولا في سوريا». يضيف: «هربتُ من منزلي مع عائلتي باتجاه دوار الليرة، فهو ميدان واسع وبعيد عن الأبنية المرتفعة. الجميع كان عاجزاً وخائفاً ويبحث عن مفقودين، وبقيت لساعات طويلة في الميدان، ولم أجرؤ على العودة لمنزلي».

تَضرَّرَ المنزل الذي كان يقيم فيه كمال وعائلته بشكل كبير، وعلى الرغم من ذلك، بقي صاحب المنزل يطالبه بدفع إيجاره وهو في مدينة أخرى، ولا يستطيع العودة إليه. وبعد عودة كمال وعائلته إلى المدينة فوجئوا بأن صاحب المنزل قد أخرج مقتنيات كمال من المنزل ووضعها في الشارع لإجراء التصليحات في المنزل دون أن يخبره بذلك. وفوق ذلك، أخبره صاحب المنزل أن عليه أن يخرج وأنه لم يعد يرغب بتأجيره البيت، وأن صيانة المنزل ستستمر عدة شهور.

يضيف كمال: «عدتُ إلى مرعش وليس لدي أثاث منزل، وأبحث عن منزل لأعيش فيه مع عائلتي، وأقيم الآن عند أحد أصدقائي في منزله مع عائلتي وعائلته. الأمر الأهم الذي جعلني أعود إلى هنا هو بطاقة الكمليك الخاصة، إذ لا أستطيع الحصول على الفائدة الصحية والتعليمية منها لي ولأطفالي في مدينة غير مرعش».

يعاني أطفال كمال اليوم من ظروف نفسية صعبة:«عندما تنقطع الكهرباء للحظات يخاف أطفالي، ويقول ابني نذير: زلزال زلزال. حتى الآن يعانون من المشاهد التي رأوها، رغم أنني حاولت ألا يَرَوا أي شيء مما حصل، ولكن الأمر لم يكن بِيَدي».

يشرح كمال شحادة أهم مشكلات الحياة في مرعش الآن: «المشكلة الأساسية هي السكن، الشيء الملفت الذي لمسته هو أن كثيراً من الخدمات بدأت تتوفر، وموضوع إعادة تأهيل المدينة والطرقات مستمرّ، ولكن تَجمُّعات الخيام لا زالت موجودة، والصعب اليوم هو أن البيت للإيجار، في حال وجدناه، ستكون كلفته قد ارتفعت كثيراً.. أحياناً إلى أضعاف».

على مجموعة في الفيسبوك اسمها أضخم تجمع للسوريين في مرعش، وفيها أكثر من 35 ألف مشترك، بدا واضحاً حجم الطلب الكبير على المنازل، كما بدا من خلال المنشورات الموجودة في المجموعة استغلال أصحاب البيوت وأصحاب المكاتب العقارية للأسعار، وغضب الناس مما يعتبرونه استغلالاً للحال الصعب.

«وكأنَّها القيامة»

وصفت نسرين قبلاوي ما حدث في تلك الليلة بأنه يوم القيامة: «بدأنا نبحث عن بنائنا ولم نجده، فقد سقط على الأرض بعد خروجنا، وكذلك لم نجد أي بناء من الأبنية التي كانت محيطة بنا. أنا أعيش في منطقة سوق السمك، وهي منطقة مركزية ومعروفة في المدينة. تركتُ أطفالي في إحدى الزوايا وبدأت بالبحث عن أخي، فهو يسكن بجانب منزلي، في الطابق الثالث، بلشت أصيح وأصرخ، حميدوو حميدو، ياسمين، أسيل.. ما في حدا، البناية نزلت كلها عليهم، ولكن سمعت صوت من تحت الأرض عم يقول طالعونا، فكرته أخي ولكنه كان ابن خالي». تضيف نسرين: «في هذه اللحظات كانت الأرض لا تزال تهتز تحتنا، وكانت الساعة الرابعة والنصف صباحاً، وبسبب شدة الدمار، لم نعرف كيف سنتصرف. ذهبنا إلى المسجد أنا وأطفالي، ولكن عقلي عند إخوتي وأبي وأمي، انكسر ضهري وما عدت قادرة على المشي. اعتقدت للحظة أن الزلزال قد ضرب حيّنا فقط، ولم أكن أعرف الوضع عند أبي وأمي».

ملعبٌ صار مخيماً بعد الزلزال (محمد ناموس – الجمهورية.نت)

بالكاد استطاعت نسرين تمييز بيت أهلها حين بحثت عنه بين الدمار أيضاً، وأضافت وسط دموع غزيرة: «أخرجنا ست جثث من هناك وجمعناها، وأخرجنا أختي وهي على قيد الحياة عمرها 14 عاماً، ولكن عند وصولنا إلى باب المشفى توفيت، وأخي بقي ثلاثة أيام يضرب على الحائط كإشارة منه أنه على قيد الحياة، ولكنه توفي بعد مرور يومين تحت الأنقاض. جمعنا كل الجثث لعائلتي ووصل عددها لـ 16 جثة، ومع جثامين باقي أقربائي أصبح عددهم 32 جنازة. دفنّاهم في مقبرة قريبة من مرعش خاصة بضحايا الزلزال».

تختم نسرين قبلاوي حديثها للجمهورية.نت مُشيرة إلى أنها فقدت الأمل بكل شيء اليوم، إذ فقدت زوجها منذ اثني عشر عاماً، واليوم فقدت عدداً كبيراً من أفراد عائلتها: «اليوم ما عاد عندي أمل بشيء، أنا كنت خاطبة لإبني، وكنت سعيدة جداً. زوجي توفى منذ اثني عشر عاماً، وإخوتي كانوا السند الكبير لي، وعشت كثيراً وتحملت الإهانات والذل حتى وصلت لما أنا عليه بسبب عملي، إلا أنني اليوم عدت لما تحت الصفر».

من جهته، يرى عماد طقش تباشير الحياة ظاهرةً في مرعش وسط الصعوبات والألم: «بعد مئة يوم أستطيع أن أقول لك أن المدينة ستعود ولكنها تحتاج للكثير.. على الأقل ستحتاج عامين قبل أن تعود الحياة إلى طبيعتها فيها».