لم تكن الكارثة الكبرى التي حصلت قبل أيام على سواحل اليونان، بعشرات المتوفين المؤكدين ومئات المفقودين وعشرات قلائل تم إنقاذهم بعد غرق سفينة محمّلة بأكثر من 700 مُهاجِرة ومُهاجِر، ناتجةً عن إهمالٍ أو عدم اكتراث فحسب. ما حصل يندرج في مسارٍ طويلٍ من عمل الاتحاد الأوروبي الدؤوب لتحويل البحر المتوسط إلى كتلةٍ من الترهيب المائي الذي يعزله عن «مناطق الزوابع» في أفريقيا وجنوب غرب آسيا، العاجّة بالحروب والأزمات الاقتصادية، والمُدرِّة بالتالي للاجئين والمهاجرين.

يُفيد تَتبُّع سيرة السياسات الأوروبية تجاه المتوسط خلال العقد الأخير في تبيان ملامح هذه الاستراتيجية، فقد كان الهدف الاستراتيجي المتمثلُ في جعله حيّز عزلٍ قاتلٍ مُحرِّكاً أساسياً لطبيعة العلاقات مع أنظمة شمال أفريقيا، بدءاً من المغرب، التي يُقاس حُسنُ علاقتها بالجارة إسبانيا وبالاتحاد الأوروبي طرداً مع حَزم حرس الحدود المغاربة في اقتراف المجازر على أسوار مليلة؛ وصولاً إلى مصر، الشراكة «غير المريحة وإن لا مناص منها» حسب تقريرٍ للمجلس الألماني للعلاقات الخارجية عن التعاملات مع الدولة المصرية بخصوص الهجرة صدر قبل عامين؛ مروراً بليبيا، التي انحدرت استراتيجية العلاقات الأوروبية مع أطرافها المتنازعة بخصوص الهجرة إلى درجة أنّ حثّت جهةٌ دوليةٌ عاطلةٌ وعقيمة كالأمم المتحدة على توجيه انتقاداتٍ علنيةٍ لها مطلع ربيع هذا العام؛ وبتونس، التي زارتها أورسولا فون دير لاين قبل أيام والتقت ابتسامتُها البيروقراطية بقيس سعيّد العابس أصولاً لمبادلة العون الاقتصادي بالحَزم ضد مرور المهاجرين بالأراضي التونسية. ولا ننسى في هذا السياق «اتفاق العار» بين تركيا والاتحاد الأوروبي عام 2016. وقد شهدت السنوات الأخيرة أمنَنَةً مُفرطةً وصلاحيات «وضعٍ حربي» غير منطقية وخارج-قانونية مخزية لفرونتكس، قوة خفر السواحل الأوروبية، في سلوكها مع تلك الزوارق التي تَمكَّنت من الهرب من وحشية قوات خفر السواحل لمختلف الدول-الحارسة جنوباً. ولم تقف الاستراتيجية عند التقاعس العمد للدول الأعضاء والمؤسسات الاتحادية عن واجباتها البحرية، الأخلاقية والقانونية، في وضع إنقاذ الحيوات في مقدمة كل الجهود، فقد وُضِعت عراقيلُ بيروقراطية ولوجستية مُمنهجة أمام عمل المنظمات الإنسانية ومجموعات الإنقاذ التطوّعية العاملة في مجال البحر المتوسط، بالإضافة إلى التواطؤ مع التحريض ضد هؤلاء المنقذين من قبل أوساط اليمين المتطرف، وصولاً إلى تجريم بعضهم وملاحقتهم قضائياً

ما حدث لم يكن حادثاً مؤسفاً فحسب، ولا نتيجة إهمالٍ أو تقاعسٍ عن أداء مهام فقط، ولا يكفي تصنيفه قتلاً بالامتناع حتى. ما حصل هو جزءٌ من الترتيب الطبيعي ضمن هذه الاستراتيجية التي حَوّلت بحراً، كالمتوسط، ليس شاسع المساحة ولا يصعب سبره ومراقبته والاستجابة للطوارئ فيه بالتكنولوجيا والموارد الموجودة، إلى «حيّز اختفاء»: لقد وثّقَ مشروع مهاجرون مختفون، التابع للمنظمة الدولية للهجرة (IOM) أكثر من 27 ألف مختفٍ في مياه المتوسط منذ 2014: خمسة أضعاف المختفين في جنوب شرق آسيا، ونحو أربعة أضعاف المختفين في أميركا الوسطى في الطريق نحو الولايات المتحدة. ليس فقط رقماً مهولاً، وهو رهيبٌ في حجمه، ولكنه أيضاً مذهلٌ حين يُقارن بمناطق أخرى من العالم فيها «ضغط هجرة غير شرعية».

ما حصل قبل أيام ليس حادثاً مؤسفاً فحسب. ما يحصل منذ سنوات في مياه المتوسط ليس سلسلة تراجيدية من الكوارث فقط. نحن أمام جريمة متواصلة. البحر المتوسط اليوم هو مجالٌ قاتل، مساحةٌ قد لا يُقالُ وضوحاً إنه يُتمنى الموت لمن يتجرأ على عبورها، ولكن يتم توفير كل الظروف اللازمة لكي يكون الموت مُمكناً، وإن حصل فالذنب على من مات.

باسمِ الواقعية، غالباً ما تُسخَّفُ شعاراتٌ من قبيل «افتحوا الحدود»، و«لا تتركوا أحداً خلفاً» من تلك التي تَدرجُ أوساطُ الناشطين المتضامنين مع المهاجرين واللاجئين على رفعها. يُرى أن هذه الشعارات طوباوية، وأنّه لا يُبنى عليها برنامجٌ سياسي ولا مطالب محددة أو أهداف واضحة وممكنة التحقيق، فالحدود أمرٌ لا بد منه، ولا يجوز التساهل مع حُرمتها، إذ دونها تميع مبادئ السيادة الوطنية وحكم القانون والأمن الوطني. قد يُرَدّ على هذا الكلام بقول إن الحدود القائمة سينيكية في تكوينها، ففي حين أنها مَساميةٌ جداً بخصوص نهب موارد الجنوب العالمي لصالح شماله، تُغلَق بإحكام في وجه الهاربين من تبعات هذا النهب الممنهج، ليُرَدَّ على هذا الرأي باتهامه بالشعبوية، أو اليسارية المتطرّفة، ودائماً وأبداً بأنه «غير واقعي».

لهذه النقاشات حيّزٌ كبير، ممكنٌ ولازم، في محافل كثيرة، لكنها غير مفيدة في سياقنا هذا.

ليس واضحاً بماذا تَخدمُ «الواقعية» إنْ قُدّمت على أنها جهدٌ لمصالحة واقعٍ يختفي فيه عشرات الآلاف من الأشخاص في البحر المتوسط، ويغرق فيه مئات البشر الهاربين من جحيمٍ مستعرٍ في بلدانهم، أمام أعين خفر سواحل اليونان وفرونتكس. الواقعيُ أمام هكذا واقعٍ هو -في أضعف الإيمان- الإحساسُ بالعار في حضرته والعملُ على تغييره. لسنا بحاجة إلى ثورة عالمية، تَمسحُ الحدود وتُزيل العوائق أمام حركة البشر الحرّة ما بين الأمصار والقارات، للدفاع عن واقعية ممكنة في أن يُطالَب الاتحاد الأوروبي، بكل الطرق والوسائل السياسية والحقوقية الممكنة، بتطبيق مواثيقه ودساتير دُوَله الأعضاء: حسناً، هؤلاء العابرون والعابرات للحدود بشكلٍ غير «شرعي» يُخالِفون القانون، والمهرِّبون الذين يستغلونهم مجرمون. ما عقوبة هؤلاء وما عقوبة أولئك حسب لوائح قوانينكم؟ عليكم أن تُوقفوا سعيكم لمدّ بساط موتٍ أمام مسيرهم. أنقذوهم كما تقتضي أعرافُ البحر القديمة وكما تَفرض قوانينكم، وحاسبوهم بعدها على مخالفتهم للقانون، ولنتعارك عندها بشأن مدى أخلاقية القانون الذي يقف مانعاً أمام بشرٍ هاربين من مصيرٍ مُعتم في بلادهم لتأمين غدٍ أفضل لهم ولأبنائهم، لكن لِنتعارك على الأقل على أرضية ليست مرصوفة بالجثامين. 

إذاً، ودون الحاجة للدعوات الطوباوية لـ«فتح الحدود»، ثمة جهدٌ حقوقيٌ وسياسيٌ يجب أن يتوجه لمساءلة أصحاب القرار: بأي عرفٍ ووفقَ أي قانونٍ يُقتَل هؤلاء بأن يُسعى لجعل موتهم خياراً أكثرَ من ممكن. إنَّ هذا السعي لموت الناس، مع كل هذا الجهد المبذول في سبيله، ليس إلا صنوَ القتل العمد، ويجب أن يُلاحَق ويُجرَّم. وإن جهداً «إصلاحياً» كهذا، غير ثوري على الإطلاق بل يمكن اعتباره «مُحافظاً» مؤسساتياً، هو ضرورة من أجل العدالة لمن اختفوا، ولمن ماتوا، ولكي لا يموت المزيد من الناس. هو جهدٌ نحتاجه أيضاً، أولئك الذين نؤمن بقيم العدالة وحقوق الإنسان ونرى في مواثيق الاتحاد الأوروبي ودساتير دُوَلِه ما نشعر أنه يعنينا قيمياً وأخلاقياً، كي لا نموت غارقين في هذا العار.