هناك رواية سوريّة لم تُكتَب بعد، بعنوان أمين الأرشيف المهووس. تحكي الرواية، ربما بأسلوب فواز حداد المُستفيض بالتفاصيل، عن شخصٍ مهووسٍ بكل النِتاج الفنيّ الصادر من سوريا، السبب، أنه أُصيب عام 2011 بشظية في رأسه إثر قذيفة سقطت قرب منزله، ما هدّد ذاكرته وقُدرته على اختزان الصور والنصوص لفترة طويلة، وحرصاً على أن لا ينسى صار هوَسه جمعُ كل ما «نتج» من سوريا بعد عام 2011، يجلس أمام الشاشة يومياً لساعات، يجمع ويوثّق، يؤرشف ويحمّل، ثم ينام ليستيقظ ناسياً كل شيء، مُعيداً قراءة ما جمع، وإضافة ما هو جديد.

 هَوَسُ أمين الأرشيف سيقودُه إلى الفناء، إن تبنينا مقاربة جيسون محقق بشأن الهوس (مانيا)، خصوصاً أن الأرشيف لا نهائيّ، وكلّما أضاف «عملاً، صورةً، لوحةً»، أعاد تنظيمَ «الأرشيف» منذ البداية، أي أننا أمام أرشيف حيويّ، كل عمل جديد، يغير من تكوينه وترتيبته.

الانهماك الكامل بالأرشيف الخاص بسوريا لا يجد نموذجه المثالي سوى في الرواية غير المكتوبة، خصوصاً أننا أمام جهود لـ«إبادة الذاكرة»، يُمارسها النظام السوريّ عبر منع التذكّر وماكينة البروباغاندا والجيش السوري الإلكتروني (المصنّف كجماعة إرهابيّة) وإنتاج سرديات الانتصار، وحساسيات الفضاء الرقمي نفسه، الذي بدأ بحذف الكثير من التسجيلات التي توثّق وحشيّة ما تعرّضت له سوريا، حرصاً منه على «معايير المجتمع».

على رغم كل ما سبق، يمكن القول أن الجهود الأرشيفيّة والتوثيقيّة لحفظ «الذاكرة» الفنيّة السوريّة موجودة، ولا يمكن القول ببساطة إنّه «لا يوجد أرشيف»، هناك أرشيفات متعددة، قائمة على جهود أفراد ومؤسسات، كأرشيف الكاسيت السوري، وأرشيف مؤسسة أتاسي، وأرشيفان للمسرح السوريّ، واحدٌ داخل سوريا (أرشيف المعهد العالي للفنون المسرحيّة) وواحدٌ خارج سوريا (الخشبة)، أو حسبَ وصف سنا يازجي، هذا  الـ«passion / شغف / صحوة، إن جاز التعبير، بالأرشيف، فعلٌ جديد. هو أمرٌ مهم ومثير ويستحق التساؤل عن دوافع كل جهة، أفراداً كانوا أم مجموعات خارج نطاق المؤسسات الرسمية!، هذا الأرشيف المواطني (archive citoyennes) ظاهرةٌ جديدة في سياقنا السوري، إن لم أكن مخطئة». 

هي جهودٌ تسعى للجمع والحفظ والترتيب، محاولاتٌ للتحرُّر من الثِقل الإيديولوجيّ المرتبط بالأرشيف، أي بصورة ما، لا تضع  هذه الجهود محددات سياسيّة لما يدخل أو يخرج من الأرشيف، بالضبط بعكس أمين الأرشيف في الرواية السورية التي لم تؤلَّف بعد.

تُحرك حتميّةُ النقص الهوسَ بالأرشيف، تلك الحتميّة التي يقودها النسيان، الإتلاف، السلطة السياسيّة، والفضاء الرقميّ، والأهم؛ أسلوب الأرشفة نفسه، ذاك الذي يُكسب «عملاً» ما شرعية أرشيفيّة، العملية المعقدة التي لا يمكن أن تُختصَر بمجرَّد الجمع والترتيب. هناك رحلة وثائقية يمرُّ فيها كلّ عملٍ فني أو أدبي كي يُعتَرف به، وكي يُعتَرف بالأرشيف نفسه الذي يحتويه، الشأن الذي لا ينطبق مثلاً على صفحة فيسبوك الخاصة بـ«أكاد الجبل» أو مجموعة قرصنة الكتب الشهيرة «أبو عبدو البغل».

* * * * *

أبرزُ الجهود الأرشيفيّة الخاصة بالثورة السوريّة هي منصّة «الذاكرة الإبداعيّة للثورة السوريّة» أو  كما أخبرتني سنا يازجي، مديرة ومؤسسة المنصة، هي «ذاكرة إبداعيّة للثورة السوريّة»، بدون«الـ» التعريف، لأنها «ذاكرة إبداعية بالمفرد، دَفعاً لادّعاء تملُّكٍ الذاكرة، أيِّ ذاكرةٍ كانتْ».

أحاور هنا سنا يازجي بعد مرور 10 أعوام على تأسيس منصة «ذاكرة إبداعية للثورة السوريّة»، المنصة التي تحوي ما يقارب الثلاثة عشر ألف مادة (ما مجموعه 37800 وثيقة في ثلاث لغات)، ضمن 24 صنفاً، وأكثر من ثلاثة آلاف ومئتي صاحب عمل يتوزّعون بين فنانين، كُتّاب، مبادرات جماعية أو فردية، ناشطات وناشطين.

خلال السنوات العشر الماضية، لم تكتف «ذاكرة إبداعية للثورة السوريّة» بالجمع والتصنيف والأرشفة، إذ صدر عنها عام 2017 بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت كتاب قصة مكان، قصة إنسان ووُضِع بثلاث لغات منفصلة.

ويتم العمل الآن على إصدار الكتاب الثاني المطبوع والذي يدور حول ثيمتي الاعتقال والتغييب، وهو مستوحى من أحدث مشاريع ذاكرة إبداعية الموجود على الموقع تحت اسم معتقلون ومغيّبون.

أُحاور سنا يازجي هنا على عدة مراحل، أسأل، وتجيب، ثم أُعلّق على أجوبتها في الهوامش. أشتركُ معها، ككل السوريين ربّما، بهمّّ حكايتـ(ـنـا)، ودور الفنّ والإنتاج الإبداعي في سردها وتوثيقها، خصوصاً أمام المتغيرات الجديدة، كالتطبيع العربيّ مع نظام الأسد، وتَحوُّل الإمارات العربية المتحدة إلى جنّة الإقامات الذهبيّة، وافتتاح كلية الفنون الجميلة في دمشق لمعرض بعنوان الخميني في مرآة الفنّ السوريّ.

أسأل سنا عن الأرشيف وكلمات كالـ«الثوريّ» و«الفنيّ» و«الجماليّ»، أسأل من وجهة نظر لا تفصِلُ الفنّ عن السياسية، وسياق الإنتاج، وشروط الإنتاج، وتغيرات العمل الفنيّ عبر الزمن:

مضت عشر سنوات على تأسيس منصة «ذاكرة إبداعية للثورة السوريّة». من حديثي معك سابقاً، لاحظت إصرارك على إسقاط «الـ» التعريف، هلّا أخبرتِنا أكثر عن ذلك؟

هي ذاكرة إبداعية بالمفرد، دَفعاً لادّعاء تملُّك «الذاكرة»، أيِّ ذاكرةٍ كانتْ. هكذا كتبنا في بياننا الصحفي بمناسبة مرور عشر سنوات على انطلاقِنا، وإسقاط «ال التعريف»، يكتنزُ سنوات طويلة من تراكم وتطوُّر الجهد الفكري والتقني، والأهم، إعادة مُساءلة عملنا، الذي تزامن مع اكتشاف الذات الفردية، وما مررْتُ به شخصيّاً من بداية الثورة وإلى اليوم.

أقول الآن، ليست لدينا ذاكرة واحدة. حتى أني أذهب أبعد من ذلك للتساؤل حول هل كانت لدينا فعلاً هوية وطنية؟ وهنا نتكلم خارج الفولكلور. 

تلك الذاكرة الواحدة، كانت وهماً وقهراً. الذاكرة الواحدة هي ذاكرة شمولية، إيديولوجية، فاشية وعنيفة. مثلاً، سُمح لنا فقط بتذكّر مجزرة حماة على أنها «مجزرة كان لا بدّ منها»، في مواجهة «إرهاب الإخوان المسلمين» وتم التعتيم الكامل ومحو كل ما سبقها من حركة احتجاج مجتمعية انقطعت كل سرديّتها عن سابق عمدٍ وتصميم. 

عندما اخترنا مسمّى «الذاكرة الإبداعيّة» في 2013، لم نكن نعي فعلاً ما نحن بصدده، وأذكر أني كنت خائفة ومضطربة، لا شكَّ بسبب المسؤولية المترتبة على ما أقوم به وارتباطه المباشر بالشأن العام وعموم السوريين.

كان هناك جزءٌ لا واعٍ ومحموم دفعني باتجاه هذه التسمية. بما يخصُّ العمل بحد ذاته، فالجانب التقني الذي كنتُ أملكه من عملي السابق كان مساعداً في بنيان ذاكرة إبداعية وانطلاقتها السريعة. ذاكرة في وجه الخوف الذي تنوّعَ واختلفَ مع الوقت، فأصبح خوفاً من النسيان والضياع، صار خوفاً من المحو والإلغاء، واليوم نقول إنها معركةٌ ضد الإنكار. فعدا عن قطع الطريق على سردية «المنتصر»، كان هناك التصدي الشاق لما يلتهمه عنف الحرب، والعنف شَرِهْ. 

اكتساب الوعي ومعرفة ما نقوم به أتى من ومع العمل، مع التدريب، مع الاطلاع، مع النقاشات والاستماع. كل هذه المراكمة جعلتنا مع الوقت عارفين تماماً ما نقوم به. ولا نخاف حتى من ضعفنا. وعليه، ومنذ ما يقارب الخمس سنوات، غيرنا «قليلاً وهو كثيرٌ» في اسمنا، هذا التغيير إذن هو تغيُّر في المفهوم والمعنى بالطبع، فيه اكتشاف وانكشاف. كان همّاً وهاجساً، صار معرفة ووضوحاً يُخفّفان من وطأة المسؤولية. 

هناك مهمّة أرشيفية يأخذها فريقُ المنصة على عاتقه، هذه المهمة ذات صيغة سياسية لا تَخفى من الاسم؛ «الثورة السوريّة». كيف يتم تصنيف الأعمال بناءً على معيار «ثورة»؟ المكان؟ الفنان؟ كيف يمكن لصفة «ثوري» أن تُلحَق بعملٍ ما؟

نعم، الثورة كما نفهمها حدثٌ مؤسّس، هناك ما قبلها وهناك ما بعدها. وذاكرة إبداعية هي جزءٌ جيّدٌ مما أُنتِج وليست كلُّ ما أُنتِج. وهنا أيضاً أتحدث عن النوع وليس عن الكم، فالكم هائل ويحتاج تطوير المزيد من التقنيات والبوابات والموارد والمعارف لاستيعابه.

لسنا نحن من يضع الصفة للعمل، بل العمل هو من يقدُّم نفسه بوضوح بصفته مُعبراً عن الثورة وقيمها، بهذا المعنى تتجلى أولى المعايير؛ وهي التعبير عن الثورة وحياة الإنسان السوري فيها، مروراً بكل تحولاتها ووصولاً إلى اليوم. وبحيث يتم استبعاد كل ما يدعو للكراهية والعنف وجميع أشكال التمييز.

في أرشيفنا أردنا منذ البداية تتبُّعَ وجمعَ وتوثيقَ مَن يُنتِج، متى، أين، في الجغرافيا السورية ولاحقاً خارجها. ماذا يقول العمل، ما هو سياقه، بما يشكل وثيقة لكل عمل وكأنها سرديّته.

ولسنا نحن من يُعطي القيمة الفنية للعمل، هذه تُترك لأهل الاختصاص. إذاً الفن هنا هو فنٌّ منخرطٌ في السياسة، بمعنى حاملٌ لمطالب الناس، لمعاناتهم، لنكساتهم، للتغيرات الحياتية التي طرأت عليهم، فمناطق خارج النظام ليست في نفس واقع مناطق النظام ولا هي كذلك في الجنوب أو في السويداء مثلاً.

اليوم وبعد عشر سنوات تجد لدينا أعمالاً تتزامن مع تحولات الواقع المُعاش، فمثلاً هناك فنانة عبّرت عن الثورة وعن الثورة المضادة، واحتجّت على ثقافة المجتمع الثائر نفسه، المجتمع الأبوي ـ الذكوري، وما تتعرّض له النساء من وصمة عار بعد الاعتقال، كل هذا المسار هو مسارٌ متّصل بالرغبة والإرادة الأصليّة بالتغيير المنبثقة مع الثورة، وحتّى من قبلها، وهو عميقٌ وذو معنى كبير. لأننا هنا نُعرّف ونرى الثورة بكونها أبعد من إسقاط النظام، بكونها مشروعَ تغيير ثقافة الفرد والمجتمع والحثّ على والمشاركة في بناء قيم جديدة. إنّه تخيّلٌ لسوريا جديدة. 

 أكثر من 13 ألف «وثيقة» في المنصة حالياً، أسأل هنا حول كلمة وثيقة. يُلاحِظ المتابع كيفية توثيق كل عمل أو مقال أو لوحة، والتعديلات التي تطرأ لاحقاً في حال تغيُّر المعلومات، وهنا السؤال: كيف تعمل «ذاكرة إبداعية» في ظل سياسات الحذف والاختفاء التي تلاحق المنتجات السوريّة؟

تقنياً، ما نقوم به هو إنتاج الوثيقة حول العمل الذي يتم جمعه، والعمل على بناء الوثيقة تَطوَّرَ مع مرور الوقت، لذلك يمكنك أن تجد فرقاً/ تفاوتاً في محتوى الوثائق لدينا. ذلك أن الرجوع إلى الخلف، الى آلاف الوثائق لاستكمالها، أمرٌ يتطلّب تركيزاً ووقتاً مُعتبَراً ومُخصَّصاً، وبالتالي مواردَ ليست متاحة بصورة مستدامة. لكن هذه العملية لم تتوقف، إنما مستمرة بصورة جزئيّة وعلى مراحل، من خلال المشاريع الجديدة التي ننتجها، فمثلاً في مشروعنا الأحدث معتقلون ومغيّبون ومن أجل بناء أرشيفٍ خاصٍ به، عُدنا إلى الخلف وقُمنا بمراجعة كلّ أرشيفنا الذي يحتوي على هاتين الثيمتين، استكملنا ما يجب واكتشفنا موادَ جديدة، منها ما هو قديم. وهذه الآلية تنطبق على كل المشاريع. 

العمل عند جمعه يكون بحالته الخام، إن صحّ التعبير، نُنشئ وثيقتهُ التي تحتوي على معلوماته الأساسية. هذه المعلومات/ الوثائق، نعتقد أنها تحفظ وتحمي من الضياع وأحياناً من الانتحال أو التلاعب، ولقد تم بالفعل انتحال أساليب فنية بصورة فاقعة، وقرّرنا توثيق بعض تلك الأعمال المنحولة، بعد أن وقعنا في حيرة حول ماذا نفعل في مثل هذه الحالة، وجدنا أنه من الضروري ضمّها، لأن الأرشيف هنا يعكس ما يحدث ويساعد على إعطاء الأدلة للناقد أو الباحث، أو للمبدع نفسه الذي تم انتحال فنه أو التلاعب به… إلخ. عرّضَنا هذا لبعض النقد والهجوم، لكننا نعتقد بأن هناك فرقاً بين أن تقول شفهياً إن فلان قد انتحل عمل فلان، وبين أن يكون ذلك موثقاً لديك لتتمكّن من البحث والمقارنة والحكم.

الحذف والاختفاء يطالُ أيضاً ما هو موثّق لدينا، خصوصاً صنف الفيديو، أو كل ما هو رابط  URL، فعندما يختفي فيديو من مصدره يختفي لدينا، وتبقى وثيقته فقط. أحياناً نتمكّن من إيجاد مصدر آخر وأحياناً لا. نوعٌ آخر من الاختفاء الجزئي يحصل لدينا أيضاً، وهو اختفاء مصادر بعض الأعمال، إما لأن صفحاتها قد أُغلقت أو أن أسماء صفحاتِها قد تغيرت مع الوقت، كالصفحات العامة، أو صفحات الأسماء المستعارة مثلاً. لكن الأعمال في هذه الحالة تبقى لدينا كما هي لأنها صور.

أَستطردُ حول السؤال السابق، ما هو خط الإنتاج الذي تمرُّ فيه كل «وثيقة» كي تصبح صالحة للنشر؟

نبدأ بالمعلومات الأساسية (العنوان، صاحب العمل، تاريخ الإنتاج)، وهنا مجدداً نتحدّث عن زمن الثورة وما بعدها. مرّت معنا أعمالٌ نعرِف أنها أقدم زمناً من 2011، في هذه الحالة نعود إلى صاحب العمل لنتأكد ونسأل، وغالباً ما كان الجواب أن العمل قديم «لكنني أُهديه لكذا أو كذا في الثورة» وهذه الجملة نضيفها إلى الوثيقة في خانة: «حسب المصدر».

الصنفُ من الأساسيات أيضاً (لدينا اليوم 24 صنفاً مختلفاً)، محتوى العمل (يعني نُعيد كتابة ما هو مكتوب في اللافتة أو الغرافيتي أو كلمات الأغاني…إلخ)، مصادر الأعمال، تاريخ أرشفتها لدينا، الوسوم، وإن وجد، نُضيف خانة «حسب المصدر»، كما نضيف السياق (وهو من إنتاجنا)، وملاحظاتٌ إضافية من إنتاجنا أيضاً، كلها لمزيد من الدقة وتوسيعاً لنطاق ما يحمله كل عمل من رسالة وقصة.

المعلومات أصليّة من مصادرها، بما فيها الأخطاء اللغوية، ونَدين بهذه الفكرة النيّرة لحسان عباس الذي درّبنا يوماً على مفهوم الوثيقة وعلى مفهوم ترجماتها أيضاً، قائلاً إنه يجب الإخلاص للمادة كما وجدناها. لأن هذه الأعمال تعكِسُ ثقافة الفرد والمجتمع، فإن كانت هناك ركاكة لغوية، فكرية… إلخ، فلتُنقل كما هي، لأن المختص أو الباحث هو من سيحللّ الظواهر ويستنتج؛ فمثلاً هل الركاكة اللغوية كانت عابرة في مرحلة ما بسبب الخوف والعجلة؟ هل هي بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي «طبّعت من الأخطاء والرداءة اللغوية» أم أنه واقع انهيار عام في مستوى اللغة العربية لدينا؟

أعرف الكثير من الزملاء، باحثين وصحفيين ومهتمين، يشيدون بأهمية المنصة من أجل الحصول على الأعمال المرتبطة بالثورة السوريّة، في الوقت ذاته نواجه همّاً أرشيفياً يتعلق بسوريا بشكل عام والثورة السورية بشكل خاص، أين تضع المنصة نفسها ضمن هذه «الأرشيفات» السوريّة؟ خصوصاً أن المنصة تهدف إلى «خلق أرشيف للتراث اللاماديّ»

نحن جزءٌ من هذه الأرشيفات، ندفع باتجاه العمل والمساهمة في بناء تعدديةِ ذواكرَ وسردياتٍ حرة ومستقلة. نقول إن أهمية ما نقوم به سوف تزداد كلّما ابتعدنا في الزمن. وستزداد أكثر عند أجيال جديدة تبحث بحريّة عن المعرفة بكل أشكالها واختلافاتها. وعليه نعتبر أنفسنا مساهمين في إنتاج المعرفة وحامين لحق الوصول لها.

وكما كتبنا في تعريفنا عن ذاكرة إبداعية؛ حفظُ ذاكرة الثورة والتعريف بمعانيها ووقائعها وتحوّلاتها لمعاصريها وصانعيها، للأجيال القادمة، وللعالم أجمع. إنها ضرورة حتميّة في السعي لامتلاك الحاضر والماضي ولتصّور مستقبل يسوده العدل. إنّها جهدٌ يطمح للمساهمة في بناء أرشيف لإرث وطني لامادي، حمايته هي مطلبٌ وواجب.

حدث، منذ ما يقارب السنتين، أن أستاذاً في كلية الفنون الجميلة في دمشق قال إن «ذاكرة إبداعية» يجبُ أن تُفتح لعموم الطلاب، حتى يطلعوا على دور الفن فيما مرّت وتمرّ فيه سوريا. وقد قال «فينا نحط السياسة عجنب»، إلا أنه تخلّى عن الفكرة بعدما اطَّلَعَ على قسم الكاريكاتير مثلاً!.

أَستطردُ حول السؤال السابق لأسأل، ما هيَ الشرعيّة الأرشيفية لـ«ذاكرة إبداعية»، وأقصد هنا فيما يخص النواحي القانونية والأكاديميّة، كونها إشكالية تواجه الكثيرين بسبب غياب الأرشيف وأساليب شَرعنته؟

ذاكرة إبداعيّة مشروعٌ غير ربحي. هي أرشيفٌ لحفظ الأعمال وليس استخدامها أو استعمالها لأغراض أخرى. وفي كل مرة يُراد استعمال الأعمال من قبلنا، طباعتها مثلاً من أجل القيام بمعرض، أو استعمالها كصور مرافقة لسرديات، كما في كتابنا قصة مكان قصة إنسان، يتمُّ التواصل وأخذ الإذن من أصحابها.

نعمل باحترامٍ تامٍّ لقضايا حقوق الحفظ والنشر والتشريعات الرقمية، التي يتزامن تعديلها مع تطور تقنيات الأرشفة على الإنترنت. ولقد طورنا في سياسة تحريرنا تبعاً لكل ما توصلنا إليه اليوم. نحن ملتزمون بصراحة ووضوح باحترام حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر. والحقُّ في سحب الأعمال من أرشيفنا هو حقٌّ دولي ومكفول لكل أصحاب الأعمال. 

من النافع القول هنا إن الأعمال الإبداعية الموثَّقة لدينا ليست مُلكًا لـ «ذاكرة إبداعيّة». بينما تُعتبر البيانات الوصفية – الوثائق -meta data – التي ننتجها لأرشفة هذه الأعمال، بالإضافة إلى الترجمات، وثائق أصلية ملكٌ للذاكرة إبداعيّة.

هذه الوثائق غير قابلة للطباعة ولا يُسمح إعادة استعمالها دون إذن مسبق. بتعبير أدق، تمارس ذاكرة إبداعيّة حقاً أخلاقياً وميراثياً على البيانات الوصفية – Meta data ومجموع الوثائق، بهذا المعنى فإننا نسمح لأنفسنا باعتبار ذاكرة إبداعية عملاً إبداعيّاً بحد ذاته.

تحوي المنصة أعمالاً لسوريين عن شؤون لا ترتبط بسوريا مباشرة، وأخرى قام بها غير سوريين عن سوريا، السؤال هنا، هل معيار «أرشفة» العمل على المنصة، خصوصاً بعد 13 سنة من الثورة السورية، ما زال ثابتاً؟

نعم هناك منذ البداية، وما يزال، توثيقٌ لأعمال من قبل مبدعين غير سوريين دعموا نضال السوريين ضد النظام وضد الاستبداد على أشكاله.

هناك ما عبر عنه السوريون الثائرون ضد النظام، حول ما يحيط بهم خارج سوريا، وهو ملفتٌ وجديد من حيث الاهتمام العام بقضية الإنسان، أينما كان، مثلاً أن ترى حائطاً في إدلب متضامن مع «حياة السود» في أميركا، جدارٌ آخر ضد أردوغان، غيره يوجِّه شكراً لأنجيلا ميركل، أو لوحة من أجل أطفال أوكرانيا، وأعمال مع السودان والعراق ولبنان وما إلى ذلك.

مؤخراً، هناك حائط نَقلَ صورة جريدة ليبراسيون الفرنسية حول التطبيع مع الأسد. هناك شعور جديد وجيّد، على ما أعتقد، بأننا جزءٌ من هذا العالم، بمعنى أن ما نعيشه هو انعكاسٌ لحال العالم ونحن منفعلون وفاعلون فيه، ولسنا متفرجين. 

لاحظتُ في الموقع الجديد، وضمن وصف بعض الأعمال، إضافة بند «السياق» الذي يقدِّم شرحاً لسياق الوثيقة والشروط المحيطة بها، هل يتم التواصل مع الفنان مثلاً أو جمع المعلومات عن لحظة الإنتاج؟ وإلى أي حدٍّ سياق الإنتاج كافٍ للإحاطة بالعمل الفنّي؟ خصوصاً أنه يتناول السياق السياسي لا السياق الفني والجمالي لظهور العمل.

لا نتدّخل بما هو فني، بمعنى لا نعطي «قيمة» لأي عمل كمدخل لتوثيقه، ولا نُنتج نقداً، هذه نتركها لأهل الاختصاص. إنما نوثق مقالات نقدية، ونضع سياق الواقع الذي أُنتج فيه العمل المؤرشَّف لدينا، هذا ننتجه نحن، كما سبق وذكرت سابقاً، من خلال الاطلاع اليومي على الأحداث والأخبار ومقاطعة المصادر والمعلومات.

راضون جداً بكون ذاكرة إبداعية أحد المصادر الأساسيّة للنقاد والباحثين والصحفيين والفاعلين الثقافيين والجامعات والمراكز المختصة فيما يتعلق بالإنتاج الثقافي والفني في زمن محدد بالثورة والحرب… وصولاً إلى يومنا هذا. مع أن النقد ما زال، برأينا، خجولاً، تقف أمام تطوره وتطورنا معه ثقافة التبجيل أو التكسير أو فكرة «منيح منه عم يشتغل»!