«لحظة خروجنا من الزنزانة ودخولنا إلى الغابة»

أحمد خيري العمري؛ عن سقوط بغداد 2003

على قائمة جهات الاتصال في هاتفي الشخصي، حيث تظهر الصور التي اختارها أصحابها للتعريف عن أنفسهم في الواتساب، يشترك كثيرون في استخدام صور لصدّام حسين، في وضعيات مختلفة مع عبارات مرفقة تترحم عليه، أو تنعي الرجولة والشهامة، أو تشكي انعدام الوفاء في النفوس الذي ترمز إليه الخيانةُ المُفترضة التي تعرَّضَ لها صدام أثناء الغزو الأميركي للعراق. لكن العبارات الأكثر حضوراً هي تلك التي تضع صدام في تفاعُل دائم مع أحوال الثورة السورية. معرضٌ متكاملٌ لصور صدام في جهات اتصال هاتفي، التي تعود في غالبها لأشخاص يسكنون الشمال السوري «المُحرَّر»، يتنوعون عمرياً ومهنياً وجغرافياً: شبابٌ صغار، طلّاب جامعات، عمّال، مهندسين، تجّار، موظفو منظمات محلية ودولية، مقاتلون، مجاهدون في فصائل متنوعة، من بيئات مختلفة ريفية ومدينية ومن غالبية المحافظات السورية. 

يستخدم بعضهم صوراً لصدام تُشبه صور الهوية الشخصية، بحيث تعطي انطباعاً كما لو أنها ليست مجرد صورة تعبيرية، بل كأنَّ صدام صاحب جهة الاتصال بشكل فعلي. انطباعٌ يُحيل إلى تَخيُّلٍ مسلٍّ: صدام يسألني عن موعد العمل يوم الغد، أو ماذا حصل للاتفاق الذي جرى بيننا، أو عن نوع الرمل أو الإسمنت الذي أحتاجه؛ هل كما اعتاد احضاره لي أم أني أُريده بمواصفات مختلفة؟ وفي مواقف أخرى، قد يشكو أني لم أُنصِفه في الأََجر.

يتعدّى الحضور الكثيف لصدام حسين في الشمال السوري صورَ واتساب وملصقاته، حيث تمّت أستكرته (تحويل صوره إلى ستيكرات) ومنحه أدواراً تمثيلية مختلفة، من إلقاء تحية «صباح الخير»، إلى دور كوميدي يتم إقحامه فيه كلما دعت الحاجة، إلى «هاذي حيل قوية». يظهر صدام بشكل أكثر علانية في الصور التي تُلصَق على السيارات بطُرق فنية تُحاكي صور غيفارا باللونين الأبيض والأسود، أو وجه صدام يتوسط علم الثورة السورية، أو صدام وعلى يمينه وشماله أُسود مكشرة عن أنيابها، أو صدام واقفاً يلقي التحية، أو صدام صقر العرب.

صحيحٌ أنه لم يتَّسنَ لصدام توريث السلطة لأحد أبنائه، لكن محبيه ممّن عاصروه زمنياً أورثوا محبته لأبنائهم، عن طريق التلقين الذي عزَّزه غيابُ فاصل زمني واسع بين سقوط نظام صدام وبدء الثورة السورية، ومشاركة القوى ذاتها التي كانت على عداء مع صدام في قمع الثورة السورية وتهجير أبنائها، وهو ما يدفع شباباً صغاراً في الشمال السوري، كانوا أطفالاً عندما أُعدم صدام ولا يعرفون شيئاً عن تاريخه الدموي، إلى رفع صوره على سياراتهم. الذين ساعدوا في إعدام صدام لم يتركوا فرصة بعد إعدامه إلا واستغلّوها في منع موت صدام بين محبيه. 

غيابُ سلطة نظام الأسد في الشمال السوري هو ما أتاح لصدّام أن يظهر بهذا الشكل العلني، رغم أنه لا مشكلة في مدح صدام لفظياً في مناطق سيطرة النظام كمقاوم لأميركا، لكن دون أن يُفسَح له مجال على زجاج السيارات إلى جانب بشار وحافظ الأسد وحسن نصر الله وبوتين.

وبتعدد الشرائح الاجتماعية والعُمرية التي تتوزع فيها محبة صدام، تتعدد أسباب هذه المحبة، وهي محبة مركّبة، ما تمَّ اختصارها في سبب واحد إلا وغُيِّبَت أسبابٌ أخرى تحجب فهماً حقيقياً لهذه الظاهرة.

ولكن لماذا يحبون ذاك الطاغية؟

تتنوع الأسباب وتتشابك إذن، وسأحاول فيما يلي تكثيفها في نقاط أساسية، بناءً على أحاديث متنوعة مع محبّي صدام وعلى ملاحظة وتحليل أسباب حبّهم ذاك بناءً على تعبيراتهم وظروفهم:

•  الشأنُ العالي لصدام بين شرائح من السوريين سابقٌ على الثورة السورية، وخاصة في المحافظات السورية المجاورة للعراق (تم تهجير كثير من أبناء هذه المحافظات إلى الشمال السوري)، فهو زعيمٌ عربيٌ يتكلّم بلهجة قريبة من لهجتهم وهو ابن عشيرة أيضاً. 

•  حُكمه الذي وإن قام على القهر والغلبة لكنه يحقق «سيادة الأمة»، وهذا يكسبه شرعية في نظر كثيرين، نتيجة تعبيره عن حاجة وطنية وقومية عُليا للعراقيين، تتجاوزهم إلى السوريين وكذلك الأردنيين والفلسطينيين.

• صحيحٌ أن جزءاً لا يُستهان به من السوريين يُحمّل نظام صدام حسين مسؤولية الأعمال العسكرية للطليعة المقاتلة في مطلع الثمانينيات، لكن تحميل المسؤولية هذا غير مُتجانس، فهو يشمل من يرفضون الطليعة المقاتلة وأعمالها ودعمه لها بشكل مطلق، ومن يرون على النقيض من ذلك أن خطيئة صدام مع الطليعة المقاتلة هي أنه لم يقدم لها الدعم الكافي للانتصار على نظام الأسد.  فيما عدا ذلك، لم يحدث لعموم السوريين من صدّام ما يضرهم ويُهدد حياتهم وأرزاقهم.

•  نظام صدام القوي كان الخطة ب للتخلص من النظام الأسدي، ولم تكن استعانة الطليعة المقاتلة للإخوان بصدام بلا سياق شعبي.

•  كثيرون من السوريين بعثيون لكنهم ليسوا أسديين، وفي محبتهم لصدام مقاومة بعثية لنظام البعث الأسدي. الثورة السورية على نظام الأسد انطلقت من قواعد البعث القديمة، الريف.

•  نظام صدام كان حاجز صدٍّ قوي لطموح إيران التوسعي في المنطقة العربية، الأمر الذي تم إدراكه بالطريقة الصعبة بعد سقوطه.

•  استئصال نظام صدام الديكتاتوري على يد نظام ديمقراطي بطريقة بربرية وحشية لم  يُسرِّع في إنتاج  المسخ المسمى «داعش» فحسب، بل فكرة أشد فتكاً: إذا كانت الدولة الديمقراطية تتصرف بهذه الوحشية، فلماذا يُعتبر نظام صدام ديكتاتورياً؟ أو حتى سؤال: ما هي المشكلة في ديكتاتوريته؟

•  الميليشيات العراقية التي جاءت تقاتل الى جانب نظام الأسد جاءت من بيئة طائفية كانت تُعادي صدام.

•  تدمير الرقة والموصل على يد طيران التحالف الأميركي، بمساعدة ميليشيات كردية والحشد الشعبي «الشيعي» العراقي، أعاد إحياء مشهد سقوط بغداد في الأذهان، وثبَّتَ فكرة أن المستهدفين هم العرب السنّة وليس نظام صدام لذاته، ما أعاد تَمحوُرَ عرب سنّة سوريين حول شبح صدام.

الاستخدام السياسي لصدّام في الشمال السوري

يُشكّل صدام في مخيال محبيه السوريين «صقرَ العرب»، لكنه في الوقت ذاته «أسدُ السنّة». صقرُ العرب للعرب في وجه من ليسوا عَرَباً: الإيرانيون والكُرد، وأسدُ السنّة للسنّة المستقطبين طائفياً ضد الشيعة. هاتان الوظيفتان تجتمعان في صدام، لكنهما لا تجمعان محبيه من بعده.

إشهارُ المحبة لصدام في الشمال السوري من قبل الفصائل، أفراداً وجماعات، يختلف باختلاف موقع كل فصيل، فَفصائل الجيش الوطني تستخدم صوره استخداماً وظيفياً متعمّداً في حربها التي تكاد حصرية مع الميليشيات الكردية، حيث يمثل صدام الميّت للمقاتلين الكرد ما يمثله لهم أردوغان الحي. أما الأقل «جيشية وطنية» والأكثر إسلامية، فإن وراء إشهارهم لمحبة صدام أسباباً طائفية واضحة تماماً.

ثم الأكثر منهم إسلامية، أولئك في هيئة تحرير الشام، تختفي عندهم كل أشكال التعلُّق بصدام وأمجاده.

لا ميزان أخلاقي ولا ميزان سياسي 

يُشكّل التمحور حول شبح صدام المهزوم وصفةَ هزيمة متكاملة الأركان، وهي هزيمة ثقافية ونفسية وعسكرية. فالسؤال الحاضر بقوة منذ بداية الثورة السورية هو: هل سيكون هذا حال الثورة السورية لو كان صدام حياً؟ لكن الجواب واضحٌ في الحقيقة: صدام الذي فتح مخازن السلاح للطليعة المقاتلة، رأى حماة تتدمّر أمام عينيه وهو في أوج قوة العراق العسكرية، فماذا فعل حينها؟

أما على صعيد المواجهة مع إيران، فصحيحٌ أن صدام لم يستيقظ من النوم ليقرر فجأة مهاجمة إيران، بل إن الأخيرة هي التي أعلنت نواياها تجاه العراق بوضوح وعلى لسان الخميني حتى قبل انتصار الثورة الإيرانية على نظام الشاه، لكن كان بالإمكان ألا يَجُرَّ صدام العراق إلى هذا الانهيار بسياساته العنجهية المُدمِّرة أثناء الحرب وبعدها. العراق، بثرواته الهائلة البشرية والطبيعية، كان بلا شك جدارَ صدّ حقيقي أمام طموحات إيران التوسعية سواء في وجود صدام أو غيابه. حتى نظامٌ يتعامل مع أميركا كما تتعامل دول الخليج معها كان سيمنع تَوسُّعَ إيران بِدءاً من العراق.

الصدّامية منطقٌ يحمل بذور التدمير الذاتي للبلاد والعباد على المدى الطويل، وهي كلُّ ما يحتاجه السوريون المناهضون للأسدية للتبرّؤ منه لا الاستعانة به. لا بطولة في التشبُّه بصدام والتعلّق به، بل هزيمة مضمونة. ولعلّ من تناقضات المشهد السوري أن هناك من بين الذين يرفعون صور صدام حسين، ويتغنون بأمجاده ويتحسرون على أيامه، من لا يجدون حرجاً في المطالبة بعمل عسكري أميركي لإسقاط النظام السوري.

لن يكون أمراً مستغرباً لو قام أحدٌ ما بتشكيل حزب وأعطاه اسم صدام أو أحد مشتقات الاسم، وحصل على قلوب كثيرة جداً من الناس في الشمال السوري، لكن لن يكون مُستغرباً أيضاً أن يُمنى بفشل ذريع، لأن الصدَّامية بذرة شقاق وتفرقة لا تجمع، وإن جمعت تُفرِّق بعدها بعنف.العداء لكل من إيران وإسرائيل شعورٌ شعبيٌ عام، ولعلّه يمكننا أن نفهم كيف صار صدام رمزاً لهذا العداء رغم أنه لا يستحقّ ذلك، أما أن يكون رمزاً محمولاً لقمع الكُرد، وأن تكون غايةُ إشهار الولاء له هي ما فعله بالكُرد، فهذا سلوكٌ وحشي، أسدي، يجب أن لا يَتسامح أحدٌ معه.