عدد من الشبان ينتشرون بشكل متفرّق على رصيف ساحة السرايا في مدينة السويداء، معظمهم يضعون قبعات شمسية على رؤوسهم في محاولة للتخفي، البعض الآخر ينغمس بين الناس أو يدخل أحد المحلات المجاورة متخفياً بهوية زبون، وعينه على ساحة السرايا مترقباً متى يبدأ الاعتصام السلمي المُنتظَر. بالمقابل، كان الخوف هو الحاضر الأكبر في الساحة، ترافقه أعين الأمن والشبيحة، ويسانده سخط أصحاب المحلات التجارية من أي حركة احتجاج قد تزعزع الاستقرار.

عند الساعة السادسة يبدأ الاعتصام. مجموعة من الشباب والناشطين السياسيين يشعلون الشموع  أمام مبنى السرايا، الذي يبعد عن ساحة السويداء العامة عشرات الأمتار. النقطة التي بدأ المحتجون الاصطفاف حولها كانت تمثال سلطان باشا الأطرش، الذي يُجسّد الباشا شاهراً سيفه جالساً على حصانه في وضعية الانطلاق من ساحة السرايا، التي تحمل اسمه رسمياً، باتجاه الساحة العامة حيث كان تمثال حافظ الأسد وقتها يقف مُلوِّحاً بيده.

 

يبدأ الشبيحة بمحاصرة المعتصمين صارخين: «اعتصام صامت، يلي بيحكي حرف بدنا…»؛ يهيلون كيلاً من السباب والشتائم. دقائق قليلة تمضي، ثم يهاجم الشبيحةُ المعتصمين القلائل بعد أن نطق أحد المحتجين بكلمة «حرية»: تدفقت جموع الشبيحة وقاموا بضرب المعتصمين وأطفأوا الشموع التي كانت تحت تمثال سلطان الأطرش بأرجلهم، فيما كانت صورة حافظ الأسد، المصنوعة من السيراميك على مبنى المحافظة (مبنى السرايا القديم نفسه)، تُوجِّه أنظارها إلى الساحة وهي تبتسم.

يرجع هذا المشهد إلى زمن بعيد مضى، إلى وقفة الشموع في مدينة السويداء في 26 آذار (مارس) 2011، التي كانت في ساحة السرايا المجاورة للساحة العامة. تكررت الاحتجاجات ومحاولات الاعتصام في عدد من ساحات السويداء، حاول فيها المحتجون التظاهر وهم يحملون دائماً حلم التظاهر يوماً ما في الساحة العامة للمدينة.

الساحة العامة المنشودة هي الساحة التي يعرفها أهل السويداء باسم ساحة السير، والتي صار اسمها اليوم ساحة الكرامة، وهذه مقاطع أساسية من سيرتها ومن سيرة طريق المتظاهرين إليها هنا.

 

الميدان نقطة اللقاء

بحسب الروايات المحلية الشائعة، كانت الساحة العامة في أواخر فترة الحكم العثماني مستطيلاً فارغاً يُسمّى «الميدان»، يقع بالقرب من السوق التجاري القديم للمدينة، وبالقرب من ثلاث تجمعات مائية كبرى: «مياه التربة» وهي البئر الأساسي لمياه الشرب في المدينة خلال القرنين التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، و«بركة الحج» في الجنوب الشرقي للساحة، والتي كان الحجاج القادمون من الشمال باتجاه الحجاز يوردون فيها خيولهم. تم ردم بركة الحج، وطي تسجيلها كموقع أثري في عام 1971، بسبب التوسع العمراني، فيما تم الاستغناء عن نبع «مياه التربة» مع تطور شبكات الري ووصول المياه إلى المنازل.

بركة الحج ويوجد في مكانها ثانوية شكيب أرسلان اليوم، من صفحة السويداء الآن على فيسبوك

الماء الثالث هو مطخ السويداء الذي كان مخصصاً لإرواء خيول ودواب أهالي المدينة، والذي تم تجفيفه بعد حرب العام 1967 ليتم بناء ملاجئ للمدينة في موقعه خوفاً من عدوان إسرائيلي آنذاك، وفي مكانه حالياً يقع سوق الخضار الرئيس في المدينة والمعروف باسم سوق الحسبة.

مطخ السويداء، من صفحة أرشيف جبل العرب على فيسبوك

شكّلَ الميدان نقطة استقرار للمسافرين وقاصدي المدينة، لقربه من السوق التجاري الذي يقصده أهالي الريف، إضافة إلى قربه من مناهل المياه لسُكّان تُعتبر الزراعة والرعي مصادر رزقهم الأساسية في ذلك الوقت. وعند بدء الانتداب الفرنسي على السويداء بدأت النهضة العمرانية تحيط بالميدان، وقامت فرنسا بإنشاء عدد من المباني حوله، وكذلك قامت بتحديث مبنى السرايا الحكومي الذي ورثته عن العثمانيين كمركز إدارةٍ للجبل، وهو الذي سيتحول إلى مبنى المحافظة الآن.

 

بني في عهد الانتداب أول مشفى على مشارف الميدان، وهو الذي تحوَّلَ  فيما بعد إلى ثانوية الفتاة أهمّ وأقدم مدارس المدينة. وعند دخول عصر المركبات والآليات، وبعد أن كانت الخيول والدواب تصطفّ في الميدان لقربه من مناهل الشرب، أخذت محلها السيارات وحافلات النقل، فأصبح الميدان هو ساحة السير،  نقطة الخروج من السويداء، والنافذة التي يخرج منها الناس باتجاه دمشق أو باتجاه الجنوب. من يريد الخروج من مدينة السويداء عليه الذهاب إلى الساحة، ومن يريد القدوم إلى السويداء في النقل العام يصل أولاً إلى الساحة.

ميدان السويداء في الخمسينات، من صفحة السويداء الآن على فيسبوك

ميدان العسكر

كان دخول الساحة إلى نطاق العسكرة بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إذ تحوَّلَ ميدان السويداء إلى ساحة لتدريب طلاب المدارس على حمل السلاح واستخدامه. وبحسب ذاكرة السكان المحليين، كان الأهالي يتجمعون لمشاهدة طلاب مدارس الثانوية وهم يقومون بتفكيك وتركيب السلاح الفردي، ويتعلّمون المشية العسكرية.

ثم زار جمال عبد الناصر مدينة السويداء في العام 1960 خلال عهد الوحدة السورية المصرية، وتوجه إلى السرايا الحكومي، فيما احتشد الناس لاستقباله من ساحة السرايا وصولاً إلى الميدان.


ثم بلغ دخول الساحة إلى السياسة المُعسكرة ذروته في العام 1966، عندما شهدت السويداء أكبر محاولة انقلاب على النظام من قبل سليم حاطوم الضابط البعثي ابن محافظة السويداء. حشد حاطوم عدداً من الآليات العسكرية في ساحة الميدان، وطوَّقَ مبنى الحرس القومي محتجزاً رئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي وصلاح جديد الأمين العام المساعد لحزب البعث. أمرَ وزير الدفاع وقتها حافظ الأسد بإرسال الدبابات من دمشق وتطويق مدينة السويداء، إضافة إلى تحليق الطيران الحربي فوقها مع التهديد بقصفها جواً، مما أجبر حاطوم على الفرار واللجوء إلى الأردن.

ساحة فراغ

وصل حافظ  الأسد للسلطة 1970. في الثمانينات بدأت تماثيل الديكتاتور تظهر على الأماكن العامة والساحات في أنحاء سوريا. زرعَ القائد المفدى ظلّه في وسط ساحة السويداء العامة على شكل تمثال بارتفاع ثلاثة أمتار، حتى بات المُشاة في محيطه يظهرون كأقزام أمامه، لينافس تماثيل سلطان باشا الأطرش، الشخصية التاريخية التي يُجمِع عليها أبناء المحافظة.

سيطرت السلطة على فراغ الساحة، حيث تسير جميع الأمور ضمن الحدود الرسمية، ولا يمكن أن يحدث أي شيء مفاجئ فيها إلا بتصريح رسمي. في كل مناسبة، يقوم الطلاب والمعلمون والموظفون بالدوران حول التمثال الذي كان يدير ظهره نحو مبنى الحرس القومي الذي شهد محاولة الانقلاب الفاشلة، ناظراً إلى وسط المدينة القديمة، مرتدياً عباءة تشبه التي يلبسها الزعماء التقليديون، ملوحاً بيده بأصابعه الخمسة.

 

لكن هذه الصرامة التي أضافها التمثال على الساحة العامة للمدينة لم تحمِه من ألسنة الساخرين،
والسخرية الأولى التي طالت التمثال كانت خلال الأزمة الاقتصادية الخانقة التي شهدتها البلاد في ثمانينات القرن الماضي، تتجسد السخرية في حكاية يرويها أهل السويداء عن سطل سمن فارغ حمله تمثال حافظ الأسد بيده المرتفعة. تقول الحكاية إنه عندما استيقظ سكان السويداء في يوم من أيام أزمتهم الاقتصادية آنذاك، اكتشفوا أن السطل قد عُلِّقَ في يد التمثال كرمز يشير إلى الأزمة الاقتصادية، وبالتحديد نقص الزيت والسمن في ذلك الوقت.

السخرية الثانية كانت الأحدث في التسعينيات، عند افتتاح أبرز محلات الشاورما في المدينة؛ شاورما أبو سليم، وذلك في مواجهة التمثال في ساحة السير. بدا تمثال الأسد الأب كأنما يصرخ على غرار الزبائن «أبو سليم خمسة شاورما لو سمحت». انتشرَ هذا السيناريو المتخيل بين المعارضين السياسيين التقليديين، سواء كانوا شيوعيين أو بعثيين غير راضين عن حكم حافظ الأسد، وهو ما جعل من تسمية الساحة بـ «خمسة شاورما» موقفاً سياسياً يمكن التعبير عنه فقط خلف الأبواب الموصدة وفي الغرف المغلقة.

ظلت السخرية من تمثال «خمسة شاورما» خفيّة، وكان من المستحيل إخراجها للعلن خلال حكم الأسد الأب، حين كانت ساحات البلد كلها تحت سيطرة السلطة.

سقوط التمثال

عند بدء الاحتجاجات في العام 2011، والمطاردة بين المتظاهرين وجماعة السلطة، امتنعت الساحة على أي نشاط معارض، إذ كانت نواة تكتل أمني لا يمكن الاقتراب منه أو الاجتماع فيه. الاحتجاج في أي ساحة كان أسهل من الاحتجاج في الساحة العامة، حيث يرفع تمثال حافظ الأسد ظله الثقيل، وبحيث لا يمكن أن تصل إلى الساحة كصادح أو هاتف دون أن يكون صوتك متطابقاً مع صوت الأجندة الرسمية. في الساحة العامة، كان يتم جمع الشارع الموالي للنظام ليحمل الأعلام ويهتف بحياة الرئيس. وفي هذه الساحة، لا صوت يعلو على صوت «الله سوريا وبشار وبس»، بينما كانت تتم مطاردة هتافات «ارحل» من الأزقة الضيقة والساحات البعيدة عن المركز.

 

في بداية أيلول (سبتمبر) 2015 اقتحمَ الاحتجاج الساحة العامة بشكل انفعالي عفوي. الساحةُ العصية القصية عن أي حشد شعبي سوى حشد التأييد، اقتحمها المحتجون من كافة الجهات، وكان هدفهم تمثال الأسد الأب كأول ردّ فعل على تفجير طال الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، مؤسس حركة رجال الكرامة المناهضة للنظام، ثم تفجير ثانٍ استهدف مصابي التفجير الأول ومسعفيهم على باب المشفى الوطني في المدينة. كان المحتجون، الذين هم من كوادر الحركة وأهالي الضحايا الذين قضوا على باب المشفى، يرددون «دمك بو فهد راس الأسد محلو»، متّجهين إلى طوطم السلطة في السويداء المزروع في الساحة العامة.

 

سقوط التمثال الأكبر في المحافظة كان رسالة سياسية من الحركة والمحتجين، وتعبيراً عن ابتعاد المحافظة أكثر عن النظام وانضمامها إلى المحافظات الثائرة آنذاك. كانت تكلفة إسقاط التمثال أكثر من 26 قتيلاً، وعلى رأسهم أبو فهد وحيد البلعوس أبرز رجال الدين المعارضين للنظام، في فترة كانت المرجعية الدينية فيها أقرب إلى الصمت المطبق عن كل ما كان يحدث في السويداء وخارجها. بقيت  المحافظة ثلاث أيام من الخوف والترقب والحداد. سيطر عناصر حركة رجال الكرامة على المدينة، وشهدَ اليوم الثالث هو مراسم دفن البلعوس. ما أن انتهت مراسم الدفن حتى خرجت مظاهرة طالبت بإسقاط النظام. مرّت الحشود من أمام الساحة العامة، كان الفراغُ هو الذي يسيطر على الموقف في الساحة، وصيحات المحتجين تدوي فيها «دم البلعوس رأس الأسد محلو». خطَّ المحتجون على قاعدة التمثال الذي تم إسقاطه عبارة «رجال الكرامة».

اصطدمَ إسقاطُ التمثال بمزاج رافض للتصعيد ضد النظام من مرجعيات دينية، وتمت ممارسة ضغوط أمنية باتجاه اعتبار ما حدث سحابة غضب لا أكثر. تم إجبار الشيخ ركان الأطرش، المرجعية الروحية للحركة، على الخروج على إذاعة «شام إف أم» ليحثَّ مناصريه على الهدوء والتروي، وتم قطع الإنترنت والكهرباء عن كامل المحافظة. تم اسقاط التمثال، لكن النظام بقيَ بكافة دوائره الأمنية والرسمية في السويداء.

بقيت الساحة لأنصار النظام رغم  زوال التمثال منها، وتم دهن قاعدة التمثال بألوان العلم السوري الرسمي لطمس عبارة «رجال الكرامة»، وخوفاً من تَسلَّل ألوان العلم السوري الأخضر إلى قاعدة التمثال. انتهى تمثال حافظ الأسد في الحديقة الخلفية لمبنى المحافظة، وتحوَّلت الساحة إلى مربع أمني. تم وضع عدد من الحواجز الإسمنتية، وكذلك تدعيم مبنى المحافظة ومقر الأمني الجنائي وقيادة الشرطة القريبين من الساحة بسواتر ترابية.

هكذا عادت الساحة لتكون عصية على حركات الاحتجاج، وكانت إزالة التمثال عاصفة غضب، دون القدرة على إحداث تغيير في توازن القوى أو امتلاك الساحة العامة للمدينة، التي بقيت الساحة الرسمية التي تستعرض السلطة فيها جمهورها وحزبييها.

محاولة

قامت حركات احتجاجية شبابية عديدة بهدف انتقاد الوضع المعيشي السياسي خلال السنوات الماضية، كان من أبرزها خنقتونا التي انطلقت في 2015 قبيل اغتيال البلعوس بأيام، وحركة حطتمونا في آذار (مارس) في العام التالي 2016، التي رفعت أيضاً شعارات معيشية مطلبية.

لكن أول حركة للاحتجاج انطلقت من  الساحة العامة كانت حركة بدنا نعيش، التي دعت إلى وقفة احتجاجية بداية العام 2020 في ساحة السير إثر تسارع التدهور الاقتصادي. اختار المحتجون الساحة العامة، مراهنين على  وجود أعداد أكبر من المرات السابقة، وأن يكون صوتهم مسموعاً أكثر باعتبار أنهم سينطلقون من الساحة الرسمية للمدينة. في البداية تم التغاضي أمنياً عن الاحتجاجات، سعياً لعدم استفزاز البيئة المحلية باعتقالات، وخاصة مع وجود فصائل محلية في المحافظة يمكن أن تضغط على النظام.

بعد حوالي الشهر تم تعزيز التواجد الأمني للنظام بعناصر تابعين للدفاع الوطني، و كتائب «حماة الديار»  التي يقودها نزيه جربوع أحد الشخصيات المحلية المتحالفة مع النظام. كان تعزيز التواجد الأمني بهدف التضييق على المحتجين، الذين كانت أعدادهم في ازدياد مع مرور الوقت. مع توالي الأسابيع بدأت الاحتجاجات تزداد أكثر من خلال دعوات للتظاهر يبثها الناشطون، معظمها كانت في يوم الأحد أول أيام الدوام الرسمي. كذلك بدأ يرتفع سقف الشعارات وصولاً إلى إسقاط النظام.

خطَّ المحتجون وقتها عبارة «ساحة الكرامة» على قاعدة التمثال السابق المطلية بالعلم السوري الأحمر.

جرت العادة في سوريا أن تتم تسمية ساحات التظاهر ضد النظام باسم ساحات الحرية، لكن المحتجين اختاروا ساحة الكرامة في السويداء. في تقديري أن هذا ربما يكون مقصوداً لطمأنة أو جذب الحاضنة الشعبية بعد اقتران شعار «الحرية» لدى كثيرين بكل مسار سنوات الثورة.، لكن أياً يكون السبب. كانت كلمة الكرامة هي الحرية بلباس محلي من السويداء، كما أنها تقترن بمؤسس حركة رجال الكرامة أبو فهد وحيد البلعوس، الذي كان مقتله سبباً بسقوط التمثال الأكبر للأسد في المحافظة.

قاعدة التمثال بدون تمثالها، تصوير كرم منصور

دفع ازدياد أعداد المتظاهرين في  حملة «بدنا نعيش» النظام إلى إخراج البعثيين والموالين له لإنهاء حركة الاحتجاج  بالقوة، وتم إخماد الحركة فعلاً بعد قمع أحد الاحتجاجات واعتقال 9 أشخاص. في حزيران (يونيو) 2020 خاضت حركة رجال الكرامة مفاوضات مع النظام، وأخرجتهم بعد شهر من اعتقالهم.

تكررت الاحتجاجات في الشهر الأخير من عام 2022، إذ تجمعت حشود عند دوار المشنقة  غربي مركز المدينة في السويداء، وبدأت  بالمشي في سوق المدينة، خلال دقائق انتهى المطاف بالمظاهرة أمام مبنى المحافظة في ساحة السرايا المجاورة للساحة العامة، أي في الساحة التي بدأنا منها حكايتنا. قام المحتجون باقتحام مبنى المحافظة وإحراق أجزاء منه، وتعرّضوا لإطلاق نار من قوات الأمن المتحصنة في أحد المباني المجاورة ما أوقعَ عدداً من الإصابات. اعترفت أحد الفصائل المحلية بمسؤوليتها عن حرق المبنى، ونسبت ذلك إلى عناصر غير منضبطين.

 

أرخى إحراق مبنى محافظة السويداء على الجو العام نوعاً من الإحباط، وجاء تكريساً لرواية السلطات بخصوص أن المحتجين ليسوا سلميين، وإنما يرتدون قناع السلمية. بدأ فعل الاحتجاج يرتبط بالتخريب عند الكلام عنه في الأوساط الشعبية والمعارضة، وحتى بعض المؤيدين للاحتجاجات السلمية في السويداء راحوا يقللون من رهانهم عليها، باعتبار أن هذا النظام لا يفهم سوى لغة العنف من جهة، وأن المجتمع المسلح من جهة أخرى لا يمكن إلّا أن يعبر عن غضبه بالعنف. انتهى العام 2022 بركود مظلم يخيم على الأجواء. كان السكون القاتل وانعدام الأمل بأي تغيير يخيم على الناس هنا في السويداء، بغض النظر عن موقفهم من النظام السياسي.

 ساحة الكرامة

مع بداية العام الحالي عادت الدعوات إلى الوقفات الاحتجاجية في الساحة العامة. بدأت وقفات صامتة تركز على الوضع المعيشي، وراحت تتكرر بتوقيت أسبوعي هو يوم الإثنين.

أحد اعتصامات الإثنين

كان النظام مرتاحاً لابتعاد الحاضنة الاجتماعية عن الاحتجاج بعد إحراق مبنى المحافظة، الذي تم النظر له كفعل تخريب، لكن أعداد المشاركين في الاعتصامات بدأت بالازدياد شيئاً فشيئاً مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وإصرار المحتجين على الاستمرار.

بدأ الجليد بالانكسار عن  فعل التظاهر. اعتاد الناس على الكلام بأنه هنالك مظاهرة في الساحة، وترافق ذلك مع كلام راح يشيع بين الناس بشأن أن هناك ضغطاً من الفصائل المحلية لمنع أي اعتقال في المحافظة، وذلك بالاعتماد على نجاح الفصائل المحلية في إجبار النظام على الإفراج عن أبناء السويداء الذين كان يعتقلهم خارجها خلال محاولتهم السفر.

كل تلك الظروف ساهمت في إعداد نواة الانتفاضة التي انفجرت بعد رفع الدعم عن المحروقات أواسط آب الماضي. حظيَ الداعون للإضراب والتظاهر بدعم الشيخ حكمت الهجري أحد مشايخ العقل، والذي كان على علاقة متوترة مع النظام منذ عام 2018، إضافة إلى تجاوب الموظفين الذين كانوا أكثر المتضررين من التدهور الرهيب في سعر الصرف ورفع الدعم. سحبت هذه العوامل من النظام القدرة على حشد شارع مؤيد مطعّم بالشبيحة لقمع المظاهرات مثلما كان يحدث في الأيام الماضية.

بينما تدخل الانتفاضة أسبوعه الرابع أثناء كتابة هذه السطور، السوق التجاري المحيط بساحة الكرامة يشهد حركة يومية طبيعية، ومكبرات الصوت تصدح في ساحة الكرامة بأغنية فيروز «يا حرية»، هذه الكلمة التي كان الهتاف بها سبباً لسحق الشموع وضرب المتظاهرين في آذار من عام 2011 في ساحة السرايا القريبة من ميدان السويداء العام، الميدان الذي تحوّل في هذه الأيام الاستثنائية إلى ساحة الاحتجاج السياسي ضد السلطة، بعد أن كان ساحة للسلطة طوال الماضية.