في محاكاة لأغنية تراثية، تنطلق حنجرة سيدة من بلدة قنوات ويردد الحضور من خلفها: «نحنا نزلنا عالساحة نهتفلك يا الحرية». يُلخِّص هذا المشهد الذي وثقته شبكة السويداء 24 المطلب الرئيس للاحتجاجات المستمرة التي تشهدها محافظة السويداء منذ منتصف شهر آب (أغسطس) الماضي، حيث خرج المتظاهرون-ات إلى الساحات مطالبين بالتحرر من الواقع المرير الذي يعيشونه تحت حكم النظام السوري، كما يكثّف مقدارَ حضور النساء في هذه الانتفاضة وأهمية هذا الحضور.

ثمة توافقٌ على المطالبة بدولة الحرية والديمقراطية والمدنية، وبالتغيير السياسي وتطبيق القرار الأممي 2254، كما تُظهِرُ الكثير من الشعارات، وقد اختارت كثيرات من النساء التواجد الدائم في كل الوقفات اليومية واللقاءات الشعبية منذ انطلاق الحراك إلى اليوم، وذلك تأكيداً على إيمانهنّ بأن تحرر المجتمعات يأتي بالشراكة بين كافة مكوناتها. تقول المهندسة راقية الشاعر، وهي متظاهرةٌ وناشطةٌ سياسية وحقوقية: «المرأة التي دفعت الثمن الأكبر خلال السنوات الماضية تُوظّف كل إمكانياتها لإنجاح هذا الحراك اليوم، من باب وعيها بمسؤولياتها كشريكة مصير ودرب وحياة».

هذه المشاركة ليست الأولى للنساء في الحراكات السياسية في السويداء، إلا أنها المشاركة الأكثر وضوحاً من حيث الأدوار التي تقوم بها النساء، وكذلك من حيث الكثافة. فالسيدة راقية نفسها فُصِلَت تعسفياً من عملها بداية عام 2023 بتهمة التحريض على الاعتصام والتهكم على القيادة السياسية، وذلك على خلفية مشاركتها في الاعتصام السلمي الصامت الذي نفذه ناشطون-ات بعد إحراق مبنى المحافظة في كانون الأول 2022، وورد اسمها ضمن قائمة رُفعت إلى محكمة الإرهاب وضمّت أسماء ما يزيد عن 100 ناشط-ة سلمي-ة اتُّهموا زوراً بإحراق المبنى

ترى راقية الشاعر أن مشاركة النساء في حراكات السويداء السابقة كانت خجولة من حيث العدد، لكنها كانت جريئة من حيث اتخاذ القرار بالمشاركة «في ظل القبضة الأمنية الكاتمة لأي صوت معارض لها»، أما اليوم «فلم يترك نظام الإجرام أمام الناس سوى حلّ النزول إلى الشارع»،  لذا كسرت مجموعة أوسع من النساء حاجز الصمت والخوف وانطلقَنْ.

كل القضايا على القدر نفسه من الأهمية

تختزلُ الأبوية السياسية والمنظومة الذكورية، وخاصة في فترات التحولات السياسية، مشاركة النساء السياسية من خلال تحديدهنّ كأمهات أو زوجات شهداء أو معتقلين أو مناضلين أكثر من كونهن مناضلات قياديات، أو يتم تجاهل قضاياهنّ المحقة كأمهات أو زوجات شهداء أو معتقلين لحساب أولويات إسقاط الاستبداد، دون إشراكهنَّ بشكل فاعل في عملية التحوّل الديمقراطي والعدالة الانتقالية.

هذا ما تسعى المشاركة النسائية في حراك السويداء إلى كسره، حيث برز الدور القيادي للنساء منذ اللحظات الأولى لانطلاق الحراك، وشوهدنَ في ساحات الاعتصام يَقُدنَ الهتاف، ويرفعنَ الصوت. ولعلّ من أبرز الفيديوهات التي لاقت رواجاً على مواقع التواصل الاجتماعي في بداية الحراك، كان فيديو للشابة العشرينية لبنى الباسط تحثّ فيه أبناء السويداء على الخروج للتظاهر وتدحض عدداً من الاتهامات التي طالت حراك السويداء.

عن مشاركتها في الحراك تتحدث لبنى الباسط لموقع الجمهورية: «جاءت مُشاركتي لأسباب عدة أهمها أنني عاصرتُ وشاهدتُ ماذا فعل هذا النظام الداعم للتطرف والإرهاب، والقاتل الأول للنساء والأطفال في سوريا، وشهدتُ كيف حوّل محافظة السويداء إلى بؤرة للمخدرات، ونهب خيرات الوطن. ونتيجة إيماني بأنه لا حلّ أمامنا سوى برحيله وبناء دولة القانون التي تحمي حقوقنا كمواطنات ومواطنين دون تمييز».

على غرار لبنى وقفت سيدة من أبناء محافظة دير الزور، مُقيمة في مدينة صلخد، وطلبت من الجميع أن يسمعها ويردد خلفها، آخذة دوراً قيادياً في المظاهرة التي شهدتها المدينة كما يظهر في فيديو نشرته شبكة السويداء 24. يشير ذلك إلى أن نضال السوريات منذ الـ2011 لأجل العدالة، على اختلاف مناطقهنّ وأطيافهنّ، ما يزال مستمراً رغم اجتماع كل أشكال الاستبداد والعنف، من تهجير قسري واعتقال وغيرها لتطويق مشاركاتهنّ وإقصاء أصواتهنّ. 

كذلك حظيت لافتة رفعتها السيدة منال كنعان، تقول فيها: لم أنجب ابني ليسافر، باهتمام واسع لكونها تمثل شريحة واسعة من الأمهات الموجوعات من غياب أبنائهنّ. تقول منال كنعان لموقع الجمهورية: «هالشعار نابع من صميم قلبي وفؤادي… نعم أصرخ ككل أم موجوعة، الساحة مساحتنا للتعبير عن ألمنا ومطالبنا المحقة بأن يكون أولادنا إلى جانبنا، نفرح لفرحهم ونبكي لحزنهم ونَحِنُّ عليهم إذا مرضوا، بدلاً من وجودهم على بعد أميال عنا لا نراهم سوى عبر الهاتف».

في السياق نفسه تقول لبنى الباسط: «من حقنا نعيش مع أهالينا، فهجرة السوري لم تكن خياراً وإنما فُرضت على كثيرين من الشباب والشابات منا، وبعض الأمهات شجَّعنَ على هجرة أبنائهن رغم قسوة ذلك، لأن شوارع البلاد لم تعد آمنة للبقاء، سواء في ظل الفلتان الأمني الذي قد يودي بحياة أي أحد بكل بساطة، أو انتشار المخدرات التي باتت في متناول الجميع دون مسائلة، فضلاً عن ظروف أخرى أمنية واقتصادية قاهرة».

شريكات في صناعة القرار على الأرض

لم يقتصر دور النساء على الهتاف والتواجد في الساحات، بل كُنَّ شريكات في تحديد الشعارات وصياغتها، ومراقبة الالتزام بسلمية الاعتصام عبر مشاركة بعضهنّ في تنظيم الوقفات اليومية في ساحة الكرامة. عن هذا الدور تحدثنا س.ن (50 سنة)، التي فضَّلَت عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية، وهي عضوة في الفريق التنظيمي للانتفاضة الشعبية: «بحكم تواجدي اليومي في الساحة فأنا أعملُ على مراقبة مدى ملائمة الشعارات التي يرفعها المشاركون-ات مع أهداف الحراك، ومنع رفع الشعارات التي تدعو للتفرقة أو تحمل شتائم لأي جهة كانت، وأتوجه بشكل مباشر لحامل اللافتة لتوضيح أسباب عدم ملائمة محتواها بطريقة دبلوماسية، كما أنني أراقب التزام جميع المتظاهرين بعدم حمل السلاح خلال أوقات الاعتصام، وقمتُ مع فريق التنظيم بوضع شريط يفصل الساحة عن الرصيف المجاور لها لنسمح لأصحاب المحلات المجاورة بالعمل ولا نُعيق حركة المارة غير المشاركين بالتظاهر. وكنتُ في كل مرة أطلبُ فيها من المعتصمين-ات الالتزام بالوقوف داخل هذا الشريط، أُقابَلُ بقبولهم والتزامهم التامّ وحرصهم على عدم الإضرار بالفعاليات الاقتصادية المحيطة بمكان الاعتصام».

وتقول سوسن معروف (اسم مستعار)، وهي أيضاً عضوة في فريق التنظيم: «لم ننته بعد من تشكيل لجنة التنظيم، ونسعى لإشراك عدد أكبر من النساء في لجان التنظيم المركزية والفرعية».

على مستوى اللقاءات والنقاشات، تتحدث السيدة باسمة العقباني (60 سنة) لموقع الجمهورية، وهي ناشطة في المجال الاجتماعي وعضوة في الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء، عن مشاركتها في اللقاءات الاجتماعية: «لسنا بحاجة لأن تتم دعوتنا إلى هذه اللقاءات، فنحن نفرض وجودنا فيها سواء كممثلات عن تشكيلات سياسية واجتماعية ننتمي لها أو كمستقلات. يتم الإعلان عن هذه اللقاءات في الساحة، وتشارك النساء الراغبات بالمشاركة فيها، وسواء كانت هذه اللقاءات في أماكن عامة أو في مضافة الشيخ حكمت الهجري، فنحن مشاركات وموجودات على كافة المستويات».

«عَلِّي صوتك»

لعبت المشاركة النسائية دوراً كبيراً في زيادة زخم الحراك، وفي التشجيع على الانخراط في صفوف المحتجين، وذلك عبر مجموعة متنوعة من الأنشطة المدنية السلمية، حيث نظَّمنَ مشاركاتهنَّ في مجموعات أنشأنها على مواقع التواصل الاجتماعي لاقتراح الأفكار، أو جاءت مبادراتهنّ بشكل فردي وعفوي خلال تواجدهنّ في الساحة.

ولعل من أبرز هذه الأنشطة نشاط «أكتب ما تتمناه لسوريا»، الذي نظَّمته نساءٌ في الساحة عبر رسم خارطة سورية وإشراك الحضور في الساحة على تنوعهم في كتابة كل ما يرغبون به لسوريا المستقبل، وذلك بهدف تذكير الجميع بوحدة الهدف ونبذ التفرقة. كما وجهت مجموعة متنوعة عمرياً من النساء رسائل تشجيعية لكل من لم يشارك في الحراك بعد، وذلك عبر الهُتاف المُشترَك: «علي صوتك واجه خوفك حريتك بتهز جبال» كما يُظهِر أحد الفيديوهات، فضلاً عن مشاركاتهنّ في تنظيم أنشطة فنية وموسيقية وإشراك الأطفال فيها خلال الوقفات المسائية.

يقول سهيل ذبيان، وهو فنان مشارك في الحراك: «النساء أكثر مرونة وتنظيماً منا. أعود إليهنَّ في تنظيم الفعاليات الفنية التي نقوم بها على الأرض، وتوفير معظم اللوجستيات من كرتون وألوان. في إحدى الاعتصامات رأيتُ طفلة تحمل لافتة كتب عليها بدي خبز ومسرح وفن، أردت أن أحقق لها مطالبها، واستجابت إحدى منظِّمات الحراك على الفور، حيث قامت بتنظيم فعالية فنية للأطفال، رسمنا فيها برفقتهم وعبروا بطرقهم الخاصة عن دعمهم للحراك».

وبرزت كذلك مجموعة نسوية تحت اسم طالعات سوريات، شاركنَ في الاعتصامات وأصدرنَ بياناً طالبنَ فيه بالتضامن النسوي مع  حراك المنطقة الجنوبية، ومع مطالبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحقّة، مؤكدات على أهمّية مشاركة النساء في «الخطاب العام وصفوفه وقبضات الشارع والساحات، وعلى ضرورة التمسك بحقوقهن وآليات العمل الجماعي لتحقيق التغيير»، بحسب البيان.

وكانت للنساء أيضاً مشاركات فردية تركت أثراً كبيراً لدى المحتجين-ات، كقيام إحدى السيدات بتوزيع الفاكهة، التي قطفتها بيدها على المتواجدين في ساحة الكرامة، تعبيراً عن دعمها لهم ولمطالبهم، وكذلك قيام مجموعة أخرى من النساء بصناعة الخبز (الملوح) بأيديهنّ وتقديمه للمحتجين-ات ملفوفاً بأوراق كَتبنَ عليها «من أول الخبز لآخر الحرية» و«قمحنا من بيدرنا وخبزنا من مَعجنَّا»، لإيصال رسائل واضحة تدحض اتهام حراك السويداء أنه حراك جوع  فقط.

إعلامياً 

بحسب ميرا عبدالله، مديرة التواصل لبرنامج النساء في الأخبار في منظمة (Wan IFRA)، فإن: «صوتاً واحداً من بين كل خمسة أصوات في الأخبار لصالح المرأة، وأقل من 20 في المئة هي النسبة المئوية لتمثيل المرأة في المحتوى الإخباري». 

وبالرغم من ضعف تمثيل النساء في الإعلام عموماً، تعمل صحفيات شجاعات مشاركات في الحراك على إشراك النساء أكثر وإيصال أصواتهنّ. تقول أريج نعيم، المديرة التنفيذية لصفحة مركز إعلام الانتفاضة الشعبية: «في منصتنا تم التركيز على نشر صوت النساء ودورهن في الانتفاضة، وأفردنا لهنَّ مساحة مساوية للرجال كفئة أدَّت دورها في قضايا الثورة، وكجزء لا يتجزأ من هذا الحراك»، مؤكدة على أن نساء  السويداء صاحبات مساهمات لا تُنسى في التاريخ النضالي، وفي دعم الحقوق الوطنية والإنسانية.

لا يزال عمل الصحفيات داخل سوريا يُواجَه بجملة من المخاطر والانتهاكات، حيث استُهدفت السيدة أريج نعيم، مع مجموعة واسعة من النساء اللاتي ظهرنَ على الإعلام وشاركنَ في الحراك، بحملات تشهير قادتها صفحات موالية على مواقع التواصل الاجتماعي لتشويه مشاركاتهنّ، وتم اتهام السيدة أريج فيها بأنها تُشجِّع النساء على المشاركة في الاحتجاجات «لجذب عدد أكبر من الشباب».

 

كذلك تعرضت الصحفية نور الناشط (اسم مستعار)، التي نقلت وقائع الحراك عبر مداخلات مباشرة مع قنوات عربية وغربية، لتهديدات بالاعتداء عليها من مجهولين في حال استمرارها بأداء عملها كما توضح الصورة أدناه التي شاركتَها معنا.

 

تقول نور الناشط للجمهورية: «بالرغم من كل محاولات الأمن والشبيحة لثنينا عن أداء عملنا، إلا أننا ما زلنا مصرات على إعلاء الصوت ونقله بكل أمانة».

ماذا يُبنى على هذه المشاركة اللافتة؟ 

يقول الصحفي أنيس سلوم عن المشاركة النسائية في حراك السويداء: «أظهرت  النساء السوريات دوراً فعالاً منذ اندلاع الثورة السورية، حيث شاركنَ في الاحتجاجات وكتابة العبارات الثورية وإسعاف الجرحى بالإضافة إلى العمل الإعلامي والميداني وغيرها، لكن تم  تهميشهنَّ أحياناً وفصل تظاهراتهنَّ عن تظاهرات الرجال في بعض المناطق أحياناً أخرى، وصولاً إلى عزلهنَ كلياً عن المشاركة في مناطق أخرى. أعادت مظاهرات السويداء الأخيرة إحياء الدور الفعّال للمرأة السورية في الاحتجاج جنباً إلى جنب مع الرجال، لذلك أرى هذه المشاركة نموذجاً يجب أن يُحتذى به، مع الأخذ في الاعتبار أن حق المرأة ليس محصوراً فقط بالمشاركة في النشاط، بل يجب أن يشمل صنع القرار، حيث يجب العمل على دمج المرأة في آليات صنع القرار السياسي والثوري، وأن لا يكون حضورها صورياً فقط، بوضع امرأة أو اثنتين في لجنة تتكون من عشرات الرجال، بل أن يكون مناصفةً حتى نصل إلى تَقبُّل أن تكون امرأة تقود الحراك أو مستقبل سوريا، كما حال الاحتجاجات اليوم في السويداء».

كذلك ترى الكاتبة والناشطة النسوية الحقوقية ريما فليحان أن «النساء في السويداء يُعبِّرنَ عن صوت النساء السوريات، ومثل هذه المشاركة، بخصوصيتها ضمن الإطار العام، يمكن البناء عليها لضمان مشاركة واسعة للنساء في العمل السياسي وفي مستقبل سوريا، بحيث يكون لدينا مُنتَج دستوري وقانوني لا يُميّزُ بحقهن، ويتعزَّزُ دور المرأة عبر تعزيز قيم المواطنة المتساوية قولاً وفعلاً، بالمشاركة وعبر اللافتات التي تطالب بالحقوق».