سؤال بسيط ولكنه مرعب طرحته هولندا على قضاة محكمة العدل الدولية قبل يومين: «تخيّل نفسك أو أحد أفراد أسرتك ملويّاً داخل إطار سيارة وتتعرض للضرب».

عقدت محكمة العدل الدولية، يوم الثلاثاء 10 (أكتوبر) تشرين الأول 2023، أول جلسة استماع علنية للاستماع إلى المرافعات الشفهية لكندا وهولندا في القضية المتعلقة بتطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي رفعوها ضد الجمهورية العربية السورية، والتي تم تقديمها لأول مرة أمام المحكمة في حزيران (يونيو) 2023. كان من المُقرَّر في البداية أن تتألف جلسة الاستماع من أربع جلسات تُعقَد يومَي الثلاثاء والأربعاء، وأن تُعقَد هذه الجلسات في تموز-حزيران، ولكن تم تأجيلها إلى تشرين الأول بناءً على طلب من سوريا. بعد ذلك، أبلغت سوريا المحكمة، من خلال رسالة أرسلتها السفارة السورية في بروكسل، بأنها لن تشارك في المرافعات الشفهية،  مما أسفر عن إلغاء الجلسات الثلاث المتبقية. إن قرار سوريا بعدم حضور الجلسة ليس له أي تأثير على سلطة المحكمة في ممارسة ولايتها القضائية على التعذيب في سوريا، وستشرع المحكمة في إصدار أمرها بشأن التدابير المؤقتة في أقرب وقت ممكن، كما ذكر رئيس المحكمة، وستنتقل لاحقاً إلى موضوع الدعوى.

التدابير المؤقتة هي إجراءات وقتية تتخذها محكمة العدل الدولية أثناء القضية الجارية، لحماية حقوق الأطراف ومنع أي ضرر إضافي حتى صدور حكم نهائي بشأن موضوع الدعوى. طلبت كندا وهولندا اتخاذ تدابير مؤقتة، تُلزم سوريا بالوقف الفوري للتعذيب وسوء المعاملة، ووقف الاحتجاز التعسفي، والسماح للجان المراقبة المستقلة والكوادر الطبية بالوصول إلى مرافق الاحتجاز، وتسهيل إجراءات الاتصال والزيارات بين المحتجزين وعائلاتهم والمستشارين القانونيين، وتحسين ظروف الاحتجاز وفقاً للمعايير الدولية، وحظر تدمير الأدلة المتعلقة بالنزاع، بما في ذلك السجلات الطبية، وحماية المعلومات حول سبب وفاة المحتجزين، والكشف عن مواقع الدفن، والامتناع عن الإجراءات التي تؤدي إلى تفاقم النزاع أو إطالة أمده.

تعتبر التدابير المؤقتة التي أمرت بها المحكمة نهائية وملزمة قانوناً للنظام السوري فور صدورها. ويجب على سوريا الالتزام بالتدابير المؤقتة وتقديم تقارير دورية بشأن تنفيذها حتى صدور القرار النهائي من قبل المحكمة. وفي هذا الصدد، طالبت هولندا وكندا بنشر التقارير على الملأ لضمان قدرة جميع الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب على تقييم وتدقيق امتثال سوريا لأمر المحكمة، كشكل إضافي من التدقيق والمُساءلة لمرتكبي أعمال التعذيب فيها. عدم التزام سوريا يسمح للطرف الآخر – هولندا وكندا – باللجوء إلى مجلس الأمن. وإذا رأى المجلس ضرورة، فله أن يقدم توصياته أو يصدر قراراً بشأن الإجراءات التي يجب اتخاذها لتنفيذ أمر المحكمة.

ركَّزت هولندا وكندا في مداخلاتهما على الطبيعة المؤسسية للتعذيب في سوريا، والمستويات العالية من التنسيق والسيطرة، الأمر الذي يتّضح من اتّساق تقنيات التعذيب بغض النظر عن سلطة الاحتجاز أو مكانه. لم تكتفِ هولندا وكندا بالإشارة إلى أجهزة الأمن والمخابرات – بما في ذلك الشرطة والقوات العسكرية – كجهات مسؤولة عن ارتكاب أعمال التعذيب؛ بل شملت أيضاً عناصر من النظام القضائي والرعاية الصحية. وفي عدد من الحالات، قالوا إن ضحايا التعذيب ماتوا أثناء علاجهم في المستشفى، مؤكدين على استخدام المستشفيات في سوريا كمرافق للتعذيب.

وفي معرض تأكيدهما على أهمية القضية، جزمَت هولندا وكندا بأن الحكومة السورية ما تزال متورطة بنشاط في الممارسة الوحشية للتعذيب وسوء المعاملة، وأشارتا إلى أن 15 شخصاً لقوا حتفهم تحت التعذيب منذ رفع القضية أمام المحكمة في حزيران الماضي. في هذا السياق، أكَّدت هولندا وكندا على أنه لا يمكن الاعتماد على سوريا للامتناع – بمحض إرادتها ودون أمر ملزم من المحكمة – عن ممارسة أعمال التعذيب وأشكال سوء المعاملة ضد سكانها؛ ولهذا السبب، طلبتا من المحكمة الإعلان عن تدابير تحفظية تحول دون وقوع المزيد من الوفيات وضروب المعاناة.

وشدَّدت هولندا وكندا على ضرورة مطالبة سوريا بالكشف عن مصير ومكان وجود عشرات الآلاف من المعتقلين، وحماية المعلومات المتعلقة بأسباب وفاتهم. تعاني أُسَر المعتقلين المختفين من ألم ومعاناة شديدَين بسبب جهلهم لمصير أحبَّتهم أو مكان وجودهم، وفشل الدولة في الوفاء بحقهم في الانتصاف والوصول إلى الحقيقة. في هذا السياق، ذكَّرَت هولندا وكندا الضرورة المُلحّة لوقف الاختفاء القسري في سوريا، كما ورد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالأشخاص المفقودين في الجمهورية العربية السورية في 29 حزيران 2023.

خلال الجلسة، طلبت هولندا وكندا أن تأمر محكمة العدل الدولية سوريا باتخاذ إجراءات فورية للحد من خطر التعذيب الذي يرتكبه مسؤولوها وغيرهم من الموظفين، من خلال إصدار تعليمات لضمان معاملة المعتقلين بما يتوافق مع كرامتهم الإنسانية، ووقف جميع الموظفين المشتبه في ارتكابهم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة على ذمة التحقيق، ورفع الحصانة الفعلية عن المسؤولين عن ارتكاب أعمال التعذيب، وضمان عدم استخدام الأقوال التي تم الحصول عليها تحت التعذيب كأدلة في أي دعوى – وقد جاء هذا الطلب الإضافي نتيجة مقترح قدمته منظمات المجتمع المدني السورية وجمعيات الضحايا في رسالة إلى هولندا وكندا وقَّعتها 85 منظمة.